٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 51 - أثر الإيمان في حياة الفرد - مواقع النجوم وانفجار نجم كوردة كالدهان .


2000-04-21

 الخــطــبـة الأولــى:

 الحمد لله رب العالمين، يا ربّ أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون، وأشهد أنّ سيّدنا محمّداً صلى الله عليه وسلّم عبده ورسوله بلّغ الرّسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وكشف الغمّة، وجاهد في الله حقّ الجهاد، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، وأحثّكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

بعض حقائق الإيمان:

 أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، إنّ قضيّة الإيمان قضيّة مصيريّة بالنسبة للإنسان، إنّها سعادة الأبد أو شقْوَة الأبد، إنّها الجنّة أبداً أو النار أبداً.
أيها الأخوة، الإيمان ليس مجرّد إعلان المرء بلِسانه أنّه مؤمن، وليس مجرّد قيام الإنسان بأعمال وشعائر اعْتاد أن يقوم بها المؤمنون، وليس مجرّد معرفة ذهنيّة بِحقائق الإيمان، وبكلمةٍ مختصرة ليس الإيمان مجرّد عملٍ لِساني، ولا عملٍ بدني، ولا عملٍ ذهني، إنّما هو عملٌ نفسي يبلغُ أغوار النفس ويحيطُ بِجَوانبها كلّها ؛ من إدراك، وإرادةٍ، ووجْدان.
 أيها الأخوة، لا بد من إدراكٍ ذهنيّ تنكشفُ به حقائق الوُجود على ما هي عليه، وهذا الانكشاف لا يتمّ إلا عن طريق الوحي الإلهي المعصوم حصْراً، ولا بد من أن يبلغ هذا الإدراك العقلي حدّ اليقين الذي لا يُزَلْزلهُ شكّ ولا ارْتِياب، ولا بد من أن يصْحبَ هذه المعرفة الجازمة إذعانٌ قلبي، وانقيادٌ إراديّ، يتمثَّلُ في الخضوع والطاعة، ولا بد من أن يتْبعَ تلك المعرفة حرارةٌ وجدانيّة مُسعدة، مضمون هذا الإيمان هو وُجود الله تعالى ووحْدانيّته وكمالهُ، والإيمان بالنبوّة والرسالة، وبِوَحدة الدّين عند الله، والإيمان بِمُثُلٍ عليا إنسانيّة واقعيّة، وقُدواتٍ بشريّة ممتازة، اسْتطاعَتْ أن تجعل من مكارم الأخلاق وصالح الأعمال وتضاؤل النفوس حقائق واقعة وشُخوصاً مرئيّة للناس، لا مجرّد أفكارٍ في بعض الرؤوس، أو أماني في بعض النفوس، أو نظريات في الكتب والقراطيس.
أيها الأخوة الكرام، كيف يقبلُ العقل الحرّ أو ترضى الفطرة السليمة أن تنتهي الحياة وقد طغى فيها من طغى ؟ وبغى فيها من بغى ؟ وقتلَ فيها من قتَل ؟ وقُتِلَ فيها من قُتِل؟ وتجبَّر فيها من تجبَّر ؟ ولم يأخذ أحدٌ من هؤلاء عقابه ؟ بل تستّر واختفى، أخلف ونجا، وفي الجانب الآخر، كم استقام من استقام ؟ وأحسن من أحسن ؟ وضحّى من ضحّى ؟ وجاهدَ مَن جاهد ؟ وقدّم مَن قدّم ؟ ولمْ يَنَلْ جزاء ما قدَّم، ألا يحِقّ للعقل أن يؤمن إيماناً جازماً أنّه لا بد من أن توجدَ دارٌ أخرى تُسوَّى فيها الحسابات، ويُجزى فيها المحسِنُ بإحسانه، والمُسيء بإساءته.

آثار الإيمان في نفس الإنسان:

 أيها الأخوة الكرام، هذه بعضُ حقائق الإيمان، فما هي آثار الإيمان في نفس الإنسان ؟ الله جلّ جلاله يقول:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

 إنّ الإنسان أيّها الأخوة الأحباب مخلوقٌ كريمٌ عند الله تعالى، خلقهُ في أحسن تقويم، وكرَّمه أعظم تكريم، وصوّرهُ فأحسنَ صورته، خلقهُ بيده، ونفخَ فيه من روحه، وأسْجَدَ له ملائكته، وميّزه بالعلم والإرادة، وجعله خليفته في الأرض، وسخّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، وأسبغ عليه نعمهُ ظاهرةً وباطنة، فكلّ ما في الكون له ولخِدْمته، أما هو فجعله تعالى لنفسه، لذلك يشعر المؤمن بذاته، ويُغالي بقيمة نفسه، لأنّه يعْتزّ بانتسابه إلى الله تعالى، وارْتباطه بكلّ ما في الوُجود، ويحيى عزيز النفس، عاليَ الرأس، أبيّاً للضّيْم، عصِيّاً على الذلّ، بعيداً عن الشّعور بالتفاهة والضّياع والصّغار والفراغ، لله درّ القائل مخاطباً الإنسان:

 

دواؤُك فيك وما تبصـره  وداؤُك منك وما تشعـرهُ
* * *
وتحسبُ أنّك جِرْمٌ صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
* * *

 أمَّا الإنسان أيّها الأخوة في نظر الماديّين لا يزيد ثمنه على مئة من العملات الرخيصة، لأنّ فيه من الدّهن ما يكفي لصُنع سبع قطعٍ من الصابون، وفيه من الفحم ما يكفي لصُنع سبعة أقلام من الرصاص، وفيه من الفوسفور ما يكفي لِصُنع مئة وعشرين عود ثقاب، وفيه من ملح المَغنيزيوم ما يصلحُ جرعةً واحدة لأحد المسهّلات، وفيه من الحديد ما يساوي مسماراً متوسّط الحجم، وفيه من الكلس ما يكفي لطلاء بيت دجاج، وفيه من الكبريت ما يكفي لتطهير جلد كلبٍ واحد، وفيه من الماء ما يزيد عن ثلاثين لتراً ؛ وهذا هو الإنسان في نظر الماديّين.

 

الفرق بين السعادة واللذة:

 أيها الأخوة الأكارم، السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكلّ إنسان كائناً من كان، وفي كلّ زمانٍ ومكان، من الفيلسوف في قمّة تفكيره إلى العاميّ في قاع سذاجته، ومن الملِكِ في قصره المشيد إلى الصعلوك في كوخه الحقير، ومن المتْرف في ملذّاته إلى الفقير في ويْلاتِهِ، ولكنّ السؤال الذي حيَّر الإنسان عبْر العصور والأجيال أين السعادة ؟ ولماذا الشقاء ؟ والجواب: لقد طلبَها أكثر الناسِ في غير موْضِعها، فعادوا كما يعود طالب اللّؤلؤ في الصّحراء، صفْر اليدين، مجهود البدَن، كثير النّفْس، خائبَ الرّجاء، لقد توهّموها في ألوانٍ من المُتَعِ الماديّة، وفي أصنافٍ من الشّهوات الحسيّة، فما وجدوها تحقّق السعادة أبداً، وربّما زادتْهم مع كلّ جديد منها همّاً جديداً، خُذْ من الدّنيا ما شئْت وخُذْ بقدرها همّاً، ومن أخذ من الدّنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفهِ وهو لا يشعر، ولا بد من التفريق بين السعادة واللّذّة، فاللّذة أيها الأخوة طبيعتها حِسِيَّة، مرتبطة بالجسد الفاني، تأتي من خارج الإنسان، فهو يلهثُ وراءها، متعبةٌ في تحصيلها، متناقصةٌ في تأثيرها، تتْبعها كآبةٌ مدمِّرة، تنقطع بالموت، فإن كانتْ مبنيّة على الظنّ والعدوان اسْتحقّ صاحبها جهنّم إلى أبد الآبدين، بينما السعادة طبيعتها نفسيّة مرتبطةٌ بذات الإنسان الخالدة، تنبعُ من داخل الإنسان، سهلةٌ في تحصيلها، متناميَةٌ في تأثيرها، يشفى الإنسان بِفَقْدها ولو ملكَ كلّ شيء، ويسْعد بها ولو فقدَ كلّ شيء، تقفز إلى ملايين الأضعاف بعد الموت، ويستحقّ صاحبها جنّة عرضها السماوات والأرض فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، وفيها نظرٌ إلى وجه الله الكريم، ورضوانٌ من الله أكبر.
 أيها الأخوة، واللّذّة تحتاجُ إلى عناصر ثلاثة ؛ وقتٌ وصحّةٌ ومال، والإنسان يفتقد أحد هذه العناصر في كلّ طورٍ من أطوار حياته، ففي الطّور الأوّل من حياته يتوافر له الوقت والصحّة ويفتقد المال، وفي الطور الثاني من حياته يتوافر المال والصحّة ويفتقد الوقت، وفي الطور الثالث من حياته يتوافر الوقت والمال ويفتقد الصحّة، بينما السعادة تحتاج إلى عناصر ثلاثة ؛ إيمان بالله إيماناً حقيقيّاً، واستقامةُ على أمره، وعملٌ صالح تجاه خلقه، وهذه متوافرةٌ في كلّ زمان ومكان، وفي كلّ طورٍ من حياة الإنسان.
 غاضبَ زوجٌ زوجته، فقال لها متوعِّداً: لأُشْقِيَنَّكِ ! فقالتْ الزوجة في هدوء: لا تستطيع أن تُشقيَني، ولا تملك أن تُسعدني، فقال الزوج في حمق: وكيف لا أستطيع ؟ فقالتْ الزوجة في ثقة: لو كانتْ السعادة في مال وكنت تملكهُ لقطعْتهُ عنّي، ولو كانت السعادة في الحليّ لحرمْتني منها، ولكنّها في شيءٍ لا تملكهُ أنت، ولا الناس جميعاً، فقال الزوج في دهشة: وما هو ؟ فقالت الزوجة في يقين: إنّي أجدُ سعادتي في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحدٍ عليه غير ربّي.

للجانب الماديّ مكان محدود في تحقيق السعادة:

 أيها الأخوة الكرام، هذه هي السعادة الحقيقية التي لا يملك بشرٌ أن يُعطِيَها، ولا يملكُ أحدٌ أن ينتزعها ممّن أوتِيَها، ولكن بِنَظْرةٍ واقعيّة لا ننْكرُ أنّ للجانب الماديّ مكاناً محدوداً في تحقيق السعادة، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

((من سعادة ابن آدم ثلاثة المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح.))

[أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص]

 ولكن ليس لهذا الجانب المكان الأوّل، ولا المكان الفسيح، والمدار فيه على الكَيْف لا على الكمّ، فحسْبُ الإنسان أن يسْلم من المنغِّصات الماديّة التي يضيقُ بها الصّدْر من مثل المرأة السوء، والمسكن السوء، والجار السوء، والمركب السوء، وأن يُمنحَ الأمْن والعافيَة، وأن يتيسّر له القوت من غير حرجٍ ولا إعنات، وما أرْوَع وأصدق الحديث النبوي الشريف:

 

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))

 

[ أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]

 أيها السادة المستمعون، أيتها السيّدات المستمعات، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( وَإِنَّ اللهَ بِحِكْمَتِهِ وَجَلاَلِهِ جَعَلَ الرُّوحَ وَالْفَرَحَ فِي الرِّضَا وَالْيَقِينِ، وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ فِي الشَّكِّ والسُّخْطِ ))

 

[رواه البيهقي عن أبي سعيد]

 يكشف هذا الحديث الشريف عن حقيقة نفسيّة باهرة، فكما أنّ سنّة الله قد ربطَتْ الشِّبَع والريّ بالطعام والشراب في عالم المادّة، فإنّ سنّته تعالى في عالم النفْس قد ربطَتْ الفرحَ والرَّوْح أي السرور وراحة النفس بالرضا واليقين، فبرِضا الإنسان عن نفسه وعن ربّه يطمئنّ إلى يومه وحاضره، وبيقينه بالله تعالى وبالجزاء في اليوم الآخر يطمئنّ إلى غدِهِ ومستقبله، فما ربَطَتْ سنّة الله الغمَّ والحزنَ بالسّخط والشكّ، فالساخطون والشاكون لا يذوقون للسرور طعماً، إنّ حياتهم كلّها سوادٌ ممتَدّ، وظلامٌ متّصل، وليلٌ حالك، لا يعقبهُ نهار، أما حزن المؤمن فلغيره أكثر من حزنه لنفسه، وإذا حزِنَ لنفسه فلآخرته قبل دنياه، وإذا حزن لدُنياه فهو حزنٌ عارضٌ موقوف كغمام الصّيف، سرعان ما ينقشع إذا هبَّتْ عليه رياح الإيمان.

قصة عن القناعة عند المؤمن:

 أيها الأخوة الكرام، إليكم هذه القصّة، قدمَ على النبي صلى الله عليه وسلّم وفد من اليمن وهم ثلاثة عشر رجلاً، ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسُرَّ النبي عليه الصلاة والسلام بهم، وأكرم منزلهم، وقالوا: يا رسول الله سُقنا إليك حقّ الله في أموالنا، فقال عليه الصلاة والسلام: رُدّوها على فقرائكم، فقالوا: يا رسول الله، ما قدمنا عليك إلا بما فضَل عن فقرائنا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، ما وفدَ من العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من اليمن، فقال عليه الصلاة والسلام: إنّ الهدى بيد الله عز وجل فمن أراد به خيراً شرح صدره للإيمان، وسألوا النبي عليه الصلاة والسلام أشياء فكتبَ لهم بها، فجعلوا يسألونه عن القرآن والسّنن، فازداد النبي عليه الصلاة والسلام بهم رغبةً، وأمر بلالاً أن يُحسن ضيافتهم، فأقاموا أيّاماً ولم يُطيلوا المكث، فقيل لهم: ما يُعجّلكم ؟ فقالوا: نرجع إلى من وراءنا فنُخبرهم برُؤيتنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكلامنا إيّاه، وما ردّ علينا، ثمّ جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يودِّعونه، فأرسل إليهم بلالاً، فأجازهم بأرفع ما كان يُجيز به الوُفود، قال: هل بقي منكم أحد ؟ فقالوا: نعم، غلامٌ خلَّفْناه على رِحالنا، هو أحدثُنا سِنّاً، فقال عليه الصلاة والسلام: أرسلوه إليّ، فلمّا رجعوا إلى رحالهم، قالوا إلى الغلام: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فاقْضِ حاجتك منه، فإنّا قد قضيْنا حوائجنا منه وودَّعْناه، فأقبلَ الغلام حتى أتى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، إنِّي امرؤٌ من بني أبذى، يقول: من الرّهط الذين أتَوْك آنفاً، فقد قضَيْتَ حوائجهم، فاقْض حاجتي يا رسول الله ؟ فقال: وما حاجتك ؟ قال: إنّ حاجتي ليْسَت كحاجة أصحابي، وإن كانوا قد قدموا راغبين في الإسلام وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، وإنّي والله يا رسول الله ما أقدمني من بلادي إلا أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لي ويرحمني، وأن يجعل غِنَايَ في قلبي، فقال عليه الصلاة والسلام وقد أقبل على الغلام: اللهمّ اغفر له وارحمهُ، واجعل غِناه في قلبه، ثمّ أمرَ له بمثل ما أمر لرجلٍ من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهلهم، ثمّ وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الموسم بمِنى سنة عشرٍ، فقالوا: نحن بنو أبذى يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: ما فعل الغلام الذي أتاني معكم ؟ قالوا: ما رأينا مثلهُ قطّ، ولا سمعنا بأقْنَعَ منه بما رزقه الله تعالى، لو أنّ الناس اقْتسَموا الدنيا ما نظر نحوها، وما التفت إليها، فقال عليه الصلاة والسلام: إنِّي لأرجو أن يموت جميعاً، فقال أحدهم: يا رسول الله، أوَ لَيس يموت الرجل جميعاً ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: تتشعّب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا، فلعلّ أجلهُ يدركه في بعض تلك الأودية فلا يُبالي الله عز وجل في أيّ أوديتها هلكَ، قالوا: فعاش ذلك الغلام فينا على أفضل حال، وأزهده في الدنيا، وأقنعه بما رُزق، فلمّا توفّي النبي عليه الصلاة والسلام ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام في قومه فذكّرهم بالله وبالإسلام فلم يرجع منهم أحد، وجعل أبو بكر رضي الله عنه يذكرهُ ويسأل عنه حتى بلغهُ حاله، وما قام به، فكتب إلى زياد بن لبيب يوصيه به خيراً.

المؤمن سدّ أبواب الخوف كلّها فلا يخاف إلا من الله وحده:

 هذه هي القناعة عند المؤمن، فالناس أيّها يموتون على ما عاشوا عليه، فمن عاش جميعاً مات جميعاً، ومن عاش أوزاعاً شتّى وأجزاءً متنافرة مات كما عاش، وقليلٌ من الناس، بل أقلّ من القليل، ذلك الذي يعيشُ لغايةٍ واحدة، ويجمع همومه في همّ واحد، يحيى له، ويموت له، ذلك المؤمن البصير الذي غايته الفرار إلى الله، وسبيله اتّباع ما شرع الله تعالى، كلّ شيءٍ في حياته لله وبالله، وحالهُ تنطق به هذه الآية:

﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

 أيها الأخوة الأحباب حُضوراً ومستمعين، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

 إن الناس يخافون من أشياء كثيرة، وأمورٍ شتّى، ولكنّ المؤمن سدّ أبواب الخوف كلّها، فلا يخاف إلا من الله وحده، يخاف أن يكون فرَّط في حقّه أو اعتدى على خلقه، أما الناس فلا يخافهم لأنّهم لا يملكون له ضرّاً، ولا نفعاً، ولا موتاً، ولا حياةً، ولا نشوراً، والمؤمن آمنٌ على رزقه أن يفوته، لأنّ الأرزاق في ضمان الله تعالى، الذي لا يخلف وعده، ولا يضيّع عبده، وهو الذي يُطعم الطّير في وكناتها، والسّباع في الفلوات، والأسماك في البحار، والدّيدان في الصّخور، وهو الذي يسمع دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، لقد كان المؤمن يذهب إلى ميدان الجهاد حاملاً رأسه على كفّه، متَمَنِّياً الموت في سبيل عقيدته، ومن خلفه ذريّة ضعاف، وأفراخٌ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر، ولكنّه يوقن أنّه يتْركهم في رعاية ربٍّ كريم هو أبرّ بهم، وأحمى عليهم، وتقول الزوجة عن زوجها وهو ذاهبٌ في سبيل الله تعالى: إنِّي عرفتهُ أكالاً وما عرفته رزّاقاً، ولئن ذهب الأكّال لقد بقي الرزاق، هو آمنٌ على أجله، فإنّ الله قدّر له ميقاتاً مسمّى، أيّاماً معدودة، وأنفاساً محدودة، ولا تملكُ قوّة في الأرض أنْ تنقص من هذا المقدار أو تزيد فيه، هدَّد الحجاج سعيدَ بنَ جبير التابعيَّ الجليلَ بالقتل، فقال له سعيد بن جبير: لو علمْتُ أنّ الموتَ والحياة في يدك ما عبدتُ غيرك.

الإيمان والأمَل متلازمان:

 أيها الأخوة الكرام حضوراً ومستمعين، إنّ الإيمان والأمَل متلازمان، فالمؤمن أوْسع الناس أملاً، وأكثرهم تفاؤُلاً واستفساراً، وأبعدهم عن التشاؤم والتبرّم والضّجر، الإيمان معناه الاعتقاد بقُوّة عليا تدبّر هذا الكون لا يخفى عليها شيءٌ، ولا تعجزُ عن شيءٍ، وبيدها كلّ شيء، المؤمن يعتصم بهذا الإله العظيم، البرّ الرحيم، العزيز الكريم، الغفور الودود، ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد، يُجيب المضطرّ إذا دعاه، ويكشف السوء، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيّئات، أرحم بعباده من الأم بولدها، وأبرّ بالخلق من أنفسهم، المؤمن إذا حاربَ كان واثقاً بالنّصر لأنّه مع الله تعالى فالله معه، ولأنّه لله فالله له، قال تعالى:

﴿ إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ(172)وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ(173)﴾

( سورة الصافات)

 هذا درسٌ بليغ لنا في معركتنا مع أعدائنا، والمؤمن إذا مرض لم ينقطع أمله من العافية، وإذا مرضتُ فهو يشفين، والمؤمن إذا اقترف ذنباً لم ييْأس من المغفرة قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

( سورة الزمر الآية: 53 )

المؤمنون هم أصبر الناس على البلاء وأثبتهم في الشدائد وأرضاهم نفساً في المُلِمّات:

 المؤمن إذا أعسر لم يزل يؤمّل اليُسْر، قال تعالى:

﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً(6)﴾

( سورة الشرح )

 إذا انتابتهُ كارثةٌ من الكوارث كان على رجاءٍ من الله أن يأجرهُ في مصيبته، وأن يخلفه خيراً منها، وإذا رأى الباطل يقوم في غفلة الحق يصول ويجول، أيقن أنّ الباطل إلى زوال، وأنّ الحق إلى ظهور وانتصار، وإذا أدركتهُ الشيخوخة واشتعل رأسهُ شيباً لا ينفكّ يرجو حياةً أخرى، شبابٌ بلا هرم، وحياة بلا موت، وسعادةٌ بلا شقاء.
 أيها الأخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام، المؤمنون هم أصبر الناس على البلاء، وأثبتهم في الشدائد، وأرضاهم نفساً في المُلِمّات، عرفوا أنّ هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، وأنّ من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وعطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليُعطي، ويبتلي ليجزي، وعرفوا أنّ ما ينزل من مصائب ليس ضربات عجماء، ولا خبط عشواء، ولكنّه وفْق قدرٍ معلوم، وقضاء مرسوم، وحكمة إلهيّة، فآمنوا بأنّ ما أصابهم لمْ يكن ليُخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليُصيبهم، وعرفوا أنّ الله يقدّر ويلْطف، ويبتلي ويخفّف، ومن ظنّ انفكاك نفسه عن قدره فذلك لقُصور نظره، وعرفوا أنّ لكلّ شِدّة شَدَّة، وأنّ وراء كلّ محْنةٍ مِنْحةً منه.
 أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

***

الخــطــبـة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الإعجاز في القرآن:

 أخوتي المؤمنين، أعزائي المستمعين ؛ إلى الموضوع العلمي: يوقن الباحث في العلم، ويشعر المتأمّل في الكون، حينما يقرأ آيات القرآن المتعلّقة بخلْق الأكوان والإنسان، يوقن ويشعر بكلّ خليّة في جسمه، وبكلّ قطرةٍ في دمه، أنّ هذا القرآن كلام الله، المنزّل على نبيّه محمّد رسول الله، وأنّه مستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن يأتيَ به بشرٌ فرادى أو مجتمعين، فمن خلال المؤتمرات العالميّة التي عُقِدَت في عواصم متعدّدة في أنحاء العالم حول الإعجاز العلمي في الكتاب والسنّة، يتَّضِحُ أنّ أبحاثاً علميّة جادّة ورصينة، قام بها علماء ليسوا مسلمين، ولا تعنيهم آيات القرآن الكريم، استغرقَتْ عشر سنوات، وكلَّفتْ ملايين الدولارات، تأتي نتائجُ بحوثهم مطابِقة مطابَقةً عفوِيَّة وتامّة من دون تكلّف ولا تعنّت، ومن دون تأويلٍ بعيد عن الآية أو تعديلٍ مفتعلٍ لحقيقة، تأتي نتائج بحوثهم تلك مطابقة لآية أو لكلمة في آية، بل لحرفٍ واحدٍ في آية، وهذا مصداق قوله تعالى:

﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) ﴾

( سورة فصلت )

 في الواحد والثلاثين من تشرين الأوّل من عام ألفٍ وتسعمئة وتسعين عرضَت إحدى أقوى وكالات الفضاء في العالم من خلال مرصَدٍ عملاق عبر موقعها المعلوماتي صورةً لا يشكّ الناظر إليها لحظةً أنّها وردة جوريّة، ذات أوراق حمراء قانية، مُحاطةٌ بِوُرَيقاتٍ خضراء زاهية، وفي الوسط كأس أزرق اللّون، أما حقيقة هذه الصورة، فهي صورة لانفجار نجمٍ عملاق اسمه عين القِطّ، يبعدُ عنّا ثلاثة آلاف سنة ضوئيّة، وفي هذا الموقع المعلوماتي آلاف الصّوَر الملوّنة التي رصدتها المراصد العملاقة لِعَجائب الفضاء، ولكن ما علاقة هذه الصورة بإعجاز القرآن ؟!!

بعض ألوان الإعجاز:

 في القرآن الكريم أيّها الأخوة آيةٌ في سورة الرحمن، وهي قوله تعالى:

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) ﴾

( سورة الرحمن)

 لو تتبَّعْت أيها المستمع الكريم تفسير هذه الآية في معظم التفاسير قبل نشْر الصورة، تجدُ فيها ما يُشفي غليلك، ذلك لأنّ في القرآن آياتٌ لمّا تفسَّر بعدُ، كما قال الإمام عليّ كرّم وجهه، إنّ انشقاق هذا النّجم يُشبه ورْدةً متألّقة، بل إنّ صورة هذا النجم عند انفجاره هو تفسير هذه الآية، بشكلٍ أو بآخر، هذا لونٌ من ألوان الإعجاز، ولونٌ آخر ؛ بعض النجوم تبعد عنّا عشرين مليار من السنوات الضوئيّة أي أنّ ضوءها بقيَ يسير في الفضاء الكوني عشرين مليار سنةٍ حتى وصل إلينا، علماً أنّ الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، فكم يقطع في السّنة ؟ وكم يقطعه في عشرين مليار سنة ؟! فهذا النّجم الذي وصل إلينا ضوءه بعد عشرين مليار سنة أين هو الآن ؟ إنّه يسير بسُرعةٍ تقتربُ من سرعة الضّوء لذلك جاءتْ الآية الكريم:

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾

 

(سورة الواقعة )

 إنّ كلمة مواقع في هذه الآية هي سرّ إعجازها، فالموقع لا يعني أنّ صاحب الموقع موجود فيه، فالله جلّ جلاله لم يقسم بالمسافات التي بين النجوم، ولكنّه أقْسَم بالمسافات التي بين مواقع النجوم، ذلك لأنّ النجوم متحرّكة وليْسَت ثابتة، ولو قرأ عالم الفلك هذه الآية لخرَّ ساجداً لله عز وجل، فقد قال الله عز وجل:

﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾

 ، أي أنّ العلماء وحدهم يقدّرون عظمة هذه الآية، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28) ﴾

 

( سورة فاطر: الآية 28)

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018