بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 035 - الطهور شطر الإيمان والعمل الصالح شطره الآخر.


1992-05-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... عن أبي مالكٍ الحارثي بن عاصم الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان والله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها ))

رواه مسلم في كتاب الطهار، وفي باب فضل الوضوء.
 يمكن أن يشرح الحديث وفق تسلسله، ويمكن أن يشرح وفق مراتب ثِقَلِه، فكل الناس يغدو، كل الناس يغدو، معنى غدا أي ذهب إلى عمله، كل إنسان يستيقظ، ويرتدي ثيابه، وينطلق إلى عمله، في التجارة، في الصناعة، في الزراعة، في الوظيفة، في الطب، في الهندسة، في الشراء، في البيع، في السياحة، النشاط البشري واسع جداً، كل الناس يغدو، أي كل الناس يتحرك، الحركة من صفات الإنسان، في طبيعة حركية بالإنسان ؛ يجب أن يتحرك، أن يسعى، أن ينطلق، أن يتكلم، أن يعطي، أن يمنع، أن يبيع، أن يشتري، أن يغضب، أن يرضى، أن يبتسم، أن يعبس، كل الناس يغدو، لكن إنسان يبيع نفسه، هذا البيع عملية في غاية التعقيد.
 أنت حينما تهوى شيئاً، بعته نفسك، حينما تهوى شيئاً فكأنما بعته نفسك، يا ترى هذه النفس أليست غالية عليك، أيمكن أن تبيعها بثمن بخس، لو أنك بعتها لإنسان، هذا الإنسان ماذا يستطيع أن يفعل معك ؟ لو بعت نفسك لإنسان، وهبته حياتك، وهبته مشاعرك، وهبته تفكيرك، وهبته لسانك، وهبته علمك، هذا الإنسان ماذا يستطيع أن يقدم لك ؟ لو كان أغنى الأغنياء وقدم لك أموالاً طائلة، هذا المال ماذا تستطيع أن تفعل به لو جاء من عند الله شيءٌ لا يحل بالمال ؟ انتهت قيمة المال، لو رفعك إلى أعلى المراتب وجاء مَلَك الموت، ماذا يستطيع هذا الإنسان الذي بعته نفسك، بعته ولاءك، بعته قلبك، بعته عقلك، بعته وقتك، بعته عضلاتك؟
 فدقة الحديث أن الإنسان يجب أن يعرف قيمة نفسه، لا ينبغي أن يبيع نفسه بثمن بخس، لا ينبغي أن يبيع نفسه لغير الله، لأن غير الله كل ما يملك أن يقدم لك إكليل ورد عند الوفاة، وأن يسمي شارع باسمك، هذا أقصى ما يمكن، أما الجنة والنار هذه ملك الله عز وجل.
 فكل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، إما أن يعتقها من النار وإما أن يهلكها، أنت أمام عملية بيع، لابد من أن تبيع نفسك، إنسان باع نفسه لشهواته، اتخذ إلهه هواه، عبد شهوته من دون الله، حينما يأتي الموت تنتهي الشهوات، وتبقي التَبِعات، إذاً بيع خاسر، إنسان باع نفسه من أجل أن يرضي أهله، تقدَّمت به السن، وضعفت قواه، وشارف على الموت، ماذا تستطيع أن تفعل معه زوجته التي باعها نفسه أي أرضاها وأسخط الله، أي حرص على رضاها ولم يحرص على رضى الله عز وجل..

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4)﴾

( سورة الليل )

 السعي مختلف، متفرِّق، متنوِّع، لكن هذا المسعى المختلف، يمكن أن ينضوي تحت بابين اثنين، تحت باب إعتاق النفس من النار، وتحت باب إهلاك النفس وإدخالها إلى النار، فإما أن تسعى سعياً تكسب به الجنة، وتبتعد به عن النار، وإما أن تسعى سعياً تقترب به من النار، وتبتعد به عن الجنة.
 نعود إلى أول الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( الطهور شطر الإيمان ))

 طبعاً كلمة ( الطهور ) في مصطلح علماء الأصول من المشترك اللفظي، أي أننا يمكن أن نفسر الطهور بطهار البدن، وطهارة الثوب، وطهارة المكان، يمكن أن نفسر الطهور بالوضوء، وبالغُسل، هذا المعنى المادي، ويمكن أن نفسر الطهور بطهارة النفس ؛ من الغل والحسد والحقد، بطهارة العقل ؛ من الشك والشرك، طهارة القلب ؛ من كل مرضٍ نفسي يهلك صاحبه، فالنبي كلامه مطلق، والمطلق على إطلاقه، وقد قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه: أوتيت جوامع الكلم.
 فالطهور الوضوء، تصور شركة تصنع مركبات من أعلى مستوى، لو أنها باعت مركبة من أعلى مستوى إلى إنسان أهمل نظافتها، وأهمل صيانتها فأصبحت بمنظر قميء، أليس هذا العمل فيه إساءة للشركة الصانعة ؟ إنسان آخر اشترى مركبة من الشركة نفسها، دائماً جاهزة، دائماً نظيفة، دائماً تتلامع، أليس في هذا العمل إظهار لجمال هذه الصنعة؟ إذاً أنت مَن صنعك ؟ رب العالمين، صنعت بأدق صنعة ؛ التماسك، التناظر، الجلد له رائحة عطرة، العينان، الجبين، الخد الأسيل، إذا الإنسان كان قذر، كأنه شوه صنعة الله عز وجل، فلذلك أجمل تفسير لقول الله عز وجل:

 

 

﴿ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾

 

( سورة البقرة )

 قضية حب ؛ يحبهم، لأنهم يظهرون صنعته الكاملة، يظهرون اسم الجميل، يظهرون إتقان الصنعة، فالمؤمن نظيف، فلك أن تفهم كلمة الطهور شطر الإيمان نظافة البدن، أي ما في رائحة مزعجة منفرة، لا في جسمك، ولا في أعضائك، ولا في فمك، ولا في طهارة البدن، وطهارة الثوب، وطهارة المكان، وإذا توسعت ؛ نظافة المنزل، ونظافة الدكان، أو مكان العمل، فالطهور شطر الإيمان، أي أنك إذا تطهَّرت أبرزت صنعة الله عز وجل إبرازاً رائعاً، من دون سرف، من دون ترف، من دون فخامة، من دون تيه، من دون عنجهية، ولكن الطهور شطر الإيمان، أي أن أحد أقسام الإيمان أن تكون طاهراً نظيفاً، هذا المعنى الأول.
 لذلك، ما دام الله عز وجل قد أمرك أن تعبده وفق ما يريد، فينبغي أن تعبده وفق ما يريد لا وفق ما تريد، يجب أن تعبد الله وأن تعبده كما يريد، فأمرك بالطهارة، أمرك بالنظافة، أمرك بتقليم الأظافر، أمرك بتصفيف الشعر، أمرك بالتعطُّر، لذلك " الطهور شطر الإيمان " قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾

 

( سورة المائدة: من آية " 6 " )

 إلى آخر الآية، وفي آيةٍ ثانية:

 

﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)﴾

 

( سورة المدثر )

 وفي آية ثالثة:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾

 

( سورة البقرة )

 لذلك روى الإمام مسلم في صحيحه، عن عثمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 

(( من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظافره ))

 الوضوء عبادة.. " من توضأ فأحسن الوضوء ".. لأن الله يحب المتطهر، كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، فمَن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ))

 

( من مختصر تفسير ابن كثير: عن " أبي هريرة " )

 علماءٌ آخرون فسروا: الطهور شطر الإيمان، بأن الإيمان هي الصلاة، استنباطاً من قوله تعالى:

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ ﴾

 

( سورة البقرة: من آية " 143 " )

 أي ليضيع صلاتكم باتجاه بيت المقدس، فالوضوء إذاً شطر الإيمان أي شطر الصلاة، الصلاة تطهر النفس من الشك والشرك والإضرام والوضوء يؤهلك للصلاة.
 في آية دقيقة حينما يقول الله عز وجل:

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)﴾

 

( سورة المدثر )

 إذاً الصلاة تنجِّي صاحبها من النار، والوضوء مفتاح الصلاة، إذاً الطهور شطر الإيمان، لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيصلي ركعتين، يقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة، وما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء ))

 

( من مختصر تفسير ابن كثير: عن " عمر بن الخطاب " )

 فالتركيز إذاً على عبادة الوضوء، وهذه العبادة، تمهيد للصلاة، والإنسان أحياناً إذا أراد أن يقابل إنسان مهم لابد من أن يكون نظيف، يتعطر، يرتدي أجمل ثيابه، فإذا أردت أن تقابل إنسان ذا شأن، فينبغي أن تهيئ نفسك لهذا اللقاء، فكيف إذا وقفت بين يدي الواحد الديان ؟ إذاً التركيز على الضوء شطر الإيمان على أنه هو الطهور، والنبي عليه الصلاة والسلام دعانا إلى ذلك.
 لكن في نقطة دقيقة جداً يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( الصلوت الخمس ـ أي من الصلاة إلى الصلاة ـ والجمعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة كفارات لما بينهن ـ بين الصلاتين، إذا حصل خلل، أو غفلة، أو ذلة، أو كلمة غير مناسبة ـ تأتي الصلاة فتكفرها ـ فالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة وأداء الأمانة كفارة لما بينهن. " فقيل يا رسول الله ؟ وما أداء الأمانة ؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن تحت كل شعرة جنابة))

 

( من زيادة الجامع الصغير: عن " أبي أيوب " )

 فأية أمانة هذه ؟ كيف فقسر النبي عليه الصلاة والسلام بأنها غسل الجنابة ؟ العلماء قالوا: مَن يدري ؟ وهل يستطيع الإنسان أن يدري أن هذا الإنسان جنب أو غير جنب ؟ إنها أمانة، لا يعلم إلا الله وحده، وإلا صاحب الجنابة، فإذا حرص على اغتساله من الجنابة فقد أدى الأمانة، شيء خاص، شيء شخصي جداً، فموضوع خاص جداً لا يمكن لإنسان أن يطلع عليه، ممكن إنسان لا يغتسل، خان الأمانة، فالنبي عليه الصلاة والسلام فسَّر الغُسل من الجنابة، أداء الأمانة.
 ومن حديث أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 

(( فإن الله لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها ))

 فهذه عبادة خاصة جداً بينك وبين نفسك، لا يعلم ما إذا كنت قد خالفتها إلا الله.
 ما دامت مكلمة الطهور من المشترك اللفظي، إذاً المعنى الآخر الطهارة من نوع آخر، طهارة النفس، يقول لك: فلان نظيف، تعبير مستعمل الآن ؛ نظيف، علاقاته نظيفة، أسلوبه صريح، دخله حلال، كلمته صادقة، علاقاته مشروعة، علاقاته مكشوفة لا يوجد عنده شيء سري، إنسان نظيف، أي أخلاقه قويمة، إذاً معنى نظيف، معنى طهور شطر الإيمان أن يكون القليب سليماً من كل عيب ؛ الكبر مرض، الاستعلاء مرض، الحقد مرض، فالقلب الطاهر ؛ القلب السليم من كل صفةٍ لا ترضي الله عز وجل، الإمام أبو حامد الغزالي، فسر هذا الحديث على شكل آخر، فسر الطهور على أنه طهارة النفس، وطهارة القلب، مثلاً ألا يمكن أن ترى محل فخم جداً فيه من الزينات، وروعة الأثاث، وجمال الطلاء، وروعة التزيين ما يأخذ بالألباب، والمحل يدير فرضاً دار دعارة ؟! ومن الممكن تجد محل آخر لتصليح السيارات ؛ كله زيوت وشحوم، منظر مزعج لكن علاقات كلها نظيفة، خدمات متقنة بأجر معتدل، أليست النظافة لها معنى أعمق مما يبدو لنا ؟ في عمل نظيف وقد يكون شاق، وقد يكون أساسه مواد زيتية، مواد شحمية، مواد دهنية، في أعمال تحتاج إلى نظافة شديدة جداً، لأن المواد الأولية مزعجة، وفي أعمال فخمة جداً ولكنها قائمة على الخداع، والكذب، والغش والاحتيال، مكاسب فخمة جداً، أحياناً تجد دار قمار مكلفة ثلاثين مليون الصالة، تجد مدرسة أكل الدهر عليها وشرب، ولكنها تنشر العلم، فيجب أن نأخذ معنى النظافة معنى أعمق، في نظافة المظهر، لكن الأخطر من المظهر نظافة المخبر.
المؤمن نظيف، ما في عنده شيء يستحيي فيه، لأنه يطبق الشرع ؛ في بيته، مع أهله، مع أولاده، مع جيرانه، في علاقاته، في بيعه، في شرائه، ما عنده موقف يستحيي منه، شيء مخفي، شيء معلن، شيء يفعله سراً، شيء يفعله جهراً، شيء يكتمه، شيء يظهره، سره كعلانيته، جلوته كخلوته، فلذلك النظافة لها معنى آخر.
 ذات مرة إنسان صارحني له عمل لا يرضي الله عز وجل ولكن مقره فخم جداً، قال لي: أنا عملي قذر، لو شاهدت مكان عمله شيء لا يصدق ؛ الفخامة، والأناقة، والترتيب والنظافة، هو قال لي بساعة صفاء أنا عملي قذر، وقد تدخل لمحل، طبيعة العمل فيها شحوم، وفيها زيوت، وفيها وحول أحياناً، تشعر بالعمل أنه نظيف، فالنظافة والقذارة تأخذ معاني أخرى، أحياناً النفاق عمل قذر، أحياناً الإيقاع بين الناس عمل قذر، أحياناً النميمة عمل قذر، التفريق بين الشركاء عمل قذر، التفريق بين الأم وابنها عمل قذر، افتراء الكذب عمل قذر، تشويه سمعة إنسان بريء عمل قذر، في أعمال قذرة، كسب المال عن طريق الإيهام والاحتيال عمل قذر، هذه سرقة، قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

((من أصاب مالا في نهاوش أذهبه الله في نهابر ))

 أحياناُ ينبنى الكسب على الإيهام ي، جب أن تمس الرعب في قلب إنسان حتى يخاف، يفاوضك على مبلغ من المال، وتقبضه منه، عمل قذر، هذا عدوان على الكسب، نزِّه نفسك عن هذا، رأس مالك قدرة على الأذى، رأس مالك لا خبرة، ولا علم، ولا مال، ولا جهد، رأس مالك الوحيد أنك تملك قدرة على الأذى، كنت بموقع فيك تأذي الناس، فابتذذت أموالهم بهذه الطريقة، هذا عمل قذر، ممكن يأتيك إنسان ساذج بسيط يقول لك: أنا واقع بمشكلة مع خصم، إذا كان و أقام عليه دعوى هل أرحبها ؟ ممكن تكون خسران الدعوة مطلقاً، يقول لك: تربحها، ويمنيك، ويأخذ دفعات على الحساب لخمسة سنوات، ثم تفاجأ بعد خمسة سنوات أن الدعوة خسرتها، وما كان هناك أمل بالأساس أن تربحها، ولكنه ابتذ أموالك، هذا عمل قذر.
 ممكن تمس الخوف بنفس المريض حتى يأتي لعندك دائماً، هذا عمل قذر، مكن أن يتفق محلل مع الطبيب، تحاليل مناصفة، يأتي الطبيب تحاليل كلها خلبية، لا يوجد حاجة لها، هذا عمل قذر، أما الأناقة، والروب الأبيض، والمخبر الفخم من أرقى مستوى، ممكن بالطب والهندسة، والتدريس ؛ ابن لا يوجد أمل أن ينجح، جاء به أبوه إليك، فطمأنته أنه سينجح، لكنه يحتاج كل أسبوع لخمسة دروس، كل درس ثلاثمائة، بقرة حلوب، ولكن لا ينجح، هذا عمل قذر.
 موضوع القذارة والطهارة، الوضوح أن تكسب المال من طريق مشروع لذلك، " أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة "، ما أكثر الأعمال القذرة، وما أكثر طارق الكسب غير المشروع، وما أكثر المال الذي يأتي عن طريق الإيهام والاحتيال والخداع، يجوز تجد إنسان منحرف الأخلاق، سيئ السمعة، ملتوٍ في معاملاته، لكنه أنيق أناقة غير معقولة، أناقة، ونظافة، وترتيب، وعطر من مستوى غالي جداً، ودائماً بمظهر متألق، ودائماً حالق، ودائماً مهفهف، فنحن إذا ركَّزنا على الطهور بمعنى الوضوء، والغسل، ونظافة البدن، والمكان، والثياب، لأن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، فينبغي أن نركز أيضاً على طهارة السلوك وعلى نقاء النفس، وعلى سلامة القلب، وعلى صحة العقل والعقيدة.
 العقل نظيف من كل عقيدة زائغة، من كل عقيدة منحرفة، والقلب نظيف من كل مرض نفسي، من كل حقد، من كل غل، من كل حسد، والنفس نظيفة مما سوى الله عز وجل، فالإمام الغزالي كما قلت ركَّز في الطهور شطر الإيمان لا على المعنى المادي للطهور بل على المعنى الآخر، فكل شيء لو كشف تسحيي به فهذا سلوك قذر، عوِّد نفسك أن تفعل شيئاً لا تسحيي به أبداً إطلاقاً من أي إنسان، أما العمل الذي لو كشف تستحي به فهذا عمل قذر.
 إذاً النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: " الطهور شطر الإيمان " معنى شطر بالضبط نصف، فإذا أردت التوسع بهذا المعنى ؛ الاستقامة نصف الإيمان، والعمل الصالح نصفه الثاني، الاستقامة طابعها سلبي ؛ لم تكذب، لم تغش، لم تغتب، ما نميت، ما دلّست، ما أوهمت، ما أوقعت بين اثنين لمصلحتك، ما فعلت شيئاً يغضب الله هذا الطهور.
 الآن، خدمت الناس، نصحتهم، واسيتهم بمالك، واسيتهم بجهدك، واسيتهم بخبرتك، فإذا أردت توسيع المعنى أن يكون شمولياً فالطهور الاستقامة، والعمل الصالح الشطر الثاني، فأنت بين انضباطٍ بأمر الله وبين تقرُّبٍ إلى الله، الانضباط بالاستقامة، والتقرب بالأعمال الصالحة هذا معنى الحديث الشمولي.
 وممكن أن نفسر الطهور الوضوء والغسل، أو طهارة البدن والثوب والمكان، والبيت، والدكان، المظهر النظيف، شيء مؤلم جداً يكاد يعتصر القلب له، إن دخلت لقرية مسلمة تجدها منفِّرة، إن دخلت لقرية أخرى ترى فيها النظافة والترتيب، شيء مؤلم جداً، النظافة والترتيب من صفات المسلم، من صفات المؤمن، أنت سفير هذا الدين، فالأناقة والترتيب، حتى جمال المظهر مطالب به أنت، النبي عليه الصلاة والسلام كانت له ثياب لا يرتديها إلا في الجمعة والأعياد والمناسبات، وكان عَلِيَّة قوه يفعلون ذلك، أنت مؤمن، أنت سفير، هل خطر في بالك في كل الأزمنة سفير دولة يدعا إلى حفل استقبال ضخم يرتدي ثياب قميئة؟ ممنوع، لأن هذا الإنسان يمثل دولة، تجد الأناقة، والترتيب، ويختار من الأذكياء، وطلقاء اللسان، وأصحاب الثقافة العميقة، لأن هذا الإنسان يعني هذه الدولة، ويجب أن تعلم علم اليقين أنك سفير هذا الدين، كل واحد منا ضمن عمله، ضمن حيه، فلان صاحب دين، في أضواء، في تركيز، والله المؤمن موضوع تحت ألف ضوء، تحت الأضواء والناس لا يرحمون المؤمن، أقل غلطة، أقل كلمة، أقل موقف، هكذا، لا يقول له: لماذا فعلت هذا ؟ يقول له: هكذا الإيمان، هكذا الإسلام ؟ هل أنت مسلم ؟ فأنت تحت الأضواء، وتحت المراقبة الشديد، لا لشيء إلا لشيء واحد هو أن المسلم مظنة صلاح، الناس يحسنون الظن بالمسلم.
 فهل المسلم معقول يغش ؟ لا والله، معقول يعمل عمل دنيء ؟ لا والله، معقول يحتال ؟ لا والله، مستحيل، فإذا احتال أو كذب أو غش، سقط هو وأسقط معه التدين من النظر الجهلاء، فالطهور شطر الإيمان، وشطره الآخر العمل الصالح، الاستقامة والعمل الصالح، فاستقم كما أمرت ومن تاب معك، والحمد لله تملأ الميزان، لأن الله عز وجل قال:

 

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

 

( سورة النساء: من آية " 147 " )

 فالإيمان لا يكفي، لابد مع الإيمان من الشكر، لأن الكون مسخر تسخير تعريف وتكريم، التعريف آمنت، والتكريم شكرت، فالحمد لله تملأ الميزان.
 وسبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض، التعليق الصغير هو أن كلمة سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر هذه كلمات ألفناها، نرددها صباح مساء، ينطلق لساننا بها، ولكن كأننا أفرغناها من مضمونها، وكأن هذه الكلمات أصبحت أقرب إلى العادات، فالإنسان في غضبه يقول: سبحان الله، يسبح الله إذا غضب، وكأن كلمة سبحان الله تعني التضجر من هذا الإنسان، هذه الكلمات أفقدناها معناها، أفقدناها مدلولها، أفقدناها مضمونها، أما إذا الإنسان سبح الله فعلاً، أي نزَّهه، ومجَّده، وقال الله أكبر فعلاً كبره، ورأى أن الله أكبر من كل شيء، وأكبر من كل ما عرف عنه، وحمد الله، ورأى أن فضل الله عز وجل عظيم، وأنه لا حدود لفضل الله عز وجل، وأنه كلما تلى قوله تعالى:

 

﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾

 

( سورة النساء)

 ذابت نفسه، أوجدتني إذ لم أكن شيئاً مذكوراً، أوجدني بين أم وأب يحرصان علي، أنا والله يا إخوان حينما أرى أباً يحرص على ابنه، أو أماً، وهذا الشيء المألوف، لا أرى لا أم ولا أب أرى أن الله عز وجل لأنه يحب هذا الطفل الصغير ألقى حبه في قلب أمه وأبيه، وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

 

( سورة طه: من آية " 39" )

 كيف يلقي الله على إنسان محبةً ؟ يلقي حبه في قلوب أمه وأبيه، وقلوب الناس أجمعين، فتجد الأم لا شأن لها إلا ابنها، تحرص عليه، تقلق لمرضه، تفرح لسروره، تطرب لنجاحه، تطرب لزواجه، ما هذا الإنسان العجيب الذي يعيش لغيره ؟ هي الأم، هي مظهر من مظاهر رحمة الله عز وجل، إذاً الحمد لله أوجدك، ورعاك أتم رعاية عن طريق ما أودع في أمك وأبيك من حب وعطف وحنان، فلما كبرت، خلق لك من نفسك زوجة تسكن إليها، فلما كبرت وهبك أولاداً في خدمتك، سخر لك أم وأب وأنت صغير، وزوجة لما كبرت، ولما كبرت زيادة أولاد، أعطاك السمع، أعطاك البصر، أعطاك العقل، أعطاك الذوق، الأجهزة، الأعضاء، الهواء، الماء، الأزهار، الأطيار، الأسماك، كل هذا الكون لك..

 

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
* * *

 فلذلك المؤمن لا يوجد عند كلمة تعبر عن مكنون نفسه إلا الحمد لله، يقولها الإنسان: يا ربك لك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً، بعدد خلقك، هذا شأن المؤمن الحمد، شأنه التسبيح، وشأنه التكبير، وشأنه الحمد، وشأنه التوحيد، فلا إله إلا الله... سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر... هذه الكلمات لو أردنا أن نجسد عظمتها بمساحات لملأت ما بين السماوات والأرض، أي ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية، لو أردنا أن نعرف عظمة هذه الكلمات، لكن الشيء المؤسف، أن هذه الكلمات أصبحت مفرغة من مضمونها، يقولها المسلمون وهم يستهزئون، وهم يغضبوهن، يقولونها متضجرين، لا، فسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله و، الله أكبر هذه الكلمات فسرها المفسرون بأنها الباقيات الصالحات، قال:

 

 

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (46)﴾

 

( سورة الكهف )

 هي الباقية، والدنيا فانية وزائلة، لذلك قال: من عبَّر عن هذه الكلمات بلسانه: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر معتقداً بمعانيها، مستحضراً عظمة الله من خلالها، فإنه ينال أجراً عظيماً، فالمؤمن شأنه التسبيح والتحميد والتهليل والتوحيد، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( ما قال عبدٌ لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى يفضي إلى العرش، ما اجتنبت الكبائر ))

 

( من شرح الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )

 في عندنا شيء دقيق جداً: لفت نظري إحصاء أن أمريكا بالحرب العالمية الثانية، مات من سكانها مليونان بسبب الخوف والقلق النفسي، ومات ثلث مليون بساحات المعركة، الثلث، صاروا السدس، ثلث مليون ماتوا في ساحات المعارك، ومليونين ماتوا خوفاً وقلقاً، تفسير ذلك ربنا عز وجل قال:

 

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19)﴾

 

( سورة المعارج )

 هكذا الله خلقك، هذا ضعفٌ خلقي لمصلحتك، فالإنسان لا يطمئن إلا بذكر الله، لا ترتاح نفسه، والآن الإحصاءات عن القلق، والخوف، وتوقع المصائب، إحصاءات ليس لها حدود، كل إنسان إذا كان بعيد عن الله عز وجل، يموت من القلق والخوف، خوف من مجهول، خوف من مرض عضال، خوف من فقر، خوف من تشرد، خوف من خروج من بلاده، فهذا الخوف ساحق وماحق، فربنا عز وجل قال:

 

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾

 

( سورة الرعد )

 فلذلك عندما قال النبي الكريم: " سبحان والله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض " أي إذا ذكرت الله اطمأنت نفسك، واستقرت جوارحك، وهدأ خاطرك، وأجمل شيء بالإيمان صلاح البال، فشأني مع الله، هو يعلم، إن تكلمت أو سكت، هو يعلم، يرى عملي، جمال الإيمان التعامل مع جهة واحدة، وهذه الجهة ترى، وتسمع، وتعلم السر وأخفى، فلذلك، يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً، حتى المؤمن يلاحظ نفسه، إذا ذكر الله قليلاً انتابته مشاعر الخوف، والقلق، والضياع، أدنى شيء بحياته يعطيه وهم كبير، لكن إذا ذكر الله ذكراً كثيراً، يشعر بقربه من الله، وبأن الله قوي، وغني، ورحيم، ووفي، ووعده صادق، ووعد المؤمن بكل خير، فلذلك دواء القلق ذكر الله، كلام:

 

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾

 

( سورة الرعد )

 دواء القلق ذكر الله عز وجل..

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (43)﴾

 

( سورة الأحزاب )

 فالحديث الشريف:

 

(( الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان والله والحمد لله تملآان ما بين السماء والأرض، والصلاة نور))

 تشبيه لطيف جداً ؛ راكب مركبة، والمصابيح متألقة، والطريق مكشوف أمامك، ممكن أن يكشف لك نور هذه المركبة أن هناك حفرة على اليسار، طبعاً شيء بديهي أن تتجه نحو اليمين، المنعطف مكشوف، والحفرة مكشوفة، والعقبة مكشوفة، وضيق الطريق مكشوف، واتساعه مكشوف، والحاجز مكشوف، كل شيء مكشوف، فكما أن الضوء العادي يكشف لك كل خبايا طريق، لذلك تحطات، كذلك الصلاة، الصلاة نور، آيات كثيرة جداً تؤكد أن المصلي يلقي الله في قلبه نوراً يكشف له به الحق حقاً والباطل باطلاً، مشكلة المشاكل، مشكلة الناس جميعاً أنهم يتخذون قراراً غير صحيح، يقول لك: الله عمى على قلبي، ما انتبهت لهذه النقطة، غابت عني، معنى ذلك أنك في عمى، أما المؤمن بصير ؛ صلاته نور، دائماً يتخذ قراراً سليماً، فالحياة كلها اغراءات، كلها مزلق، كلها تُرُّهات، فإذا الإنسان لم يتسلح بنور الله عز وجل، يغش، ويحتال عليه، ويهلك نفسه، قال: والصلاة نور، قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

((اذا حافظ العبد على صلاته فأقام وضوءها وركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت له الصلاة: حفظك الله كما حفظتني، وصعد بها إلى السماء ولها نور تنتهي إلى الله عز وجل، فتشفع لصاحبها ))

 الصلاة نور، لا أقدر توضيح الفكرة، أنت ألا ترى شخص أحياناً إذا غش إنسان ولعب عليه، يرى نفسه كسبان، لو فرضنا بياع نسي أن يحاسبك، فهناك شخصين، إذا مؤمن لا يقول له: نسيت الحساب، تفضل، يرى نفسه سقط سقوط مريع والله عز وجل سيحاسبه حساباً شديداً لو سكت عن هذا، أما غير المؤمن إذا كان البائع نسي يحاسبه، يعدها مكسب كبير أنه نفد من الحساب، أليس هذا هو الأعمى.
 وهذا الذي يعرض عن زوجته التي أباحها الله له، ويتطلع إلى غير زوجته بطريق غير مشروع، أليس هذا أعمى ؟ مَن يراه أعمى ؟ المؤمن، أنت تعرف في قناة نظيفة مسموح بها، في قنوات كلها قذرة ممنوعة، هذا عدوان على أعراض الآخرين، أما هذه زوجتك.
 المال من هذا الطريق مشروع، من طريق آخر غير مشروع، فأنت من خلال تعاملك مع الناس تشعر أن في إنسان مستنير، وفي إنسان أعمى، يجب أن تشعر بها، الذي يكذب أعمى، الذي ينسى أن الله يراقبه أعمى، الذي ينسى أن الله سيحاسبه أعمى، الذي يظن أنه إذا ظلم زوجته فهو الرجل، فهي مقطوعة وليس لها أحد، فيقول لك: معستها معس، أعمى، لا يعلم أن الله عز وجل سينتقم منه، وسيجعله يركع أحياناً، أعمى، فلان مستنير يعرف أنه في إله يراقبك، وكلهم عباده، وكلهم خلقه، وكلهم له حقوق سوف يطالبون بها يوم القيامة، معناها المؤمن مستنير.
 فدقة الحديث الصلاة نور، غير المصلي أعمى ؛ يرتكب الحماقات، يأكل أموال الناس بالباطل، يعتدي على أعراض الناس، يتكبَّر، يكذب، يحتال، يغش، ألا ترى أن هؤلاء الذي يغشون الناس، الغش ظاهر، جلي، يسحبون أنهم أذكياء، وأنهم شُطَّر، وأنه هكذا كسب المال، ألا ترى أنه أعمى ؟ والله أعمى، فالظلم ظلمات، فأي إنسان ينحرف، تشعر أنت أنه أعمى، لأنه غفل عن أن الله يراقبه..

 

 

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

 

( سورة إبراهيم )

 الصلاة نور، ولكن مَن صلى الصلوات الخمس في جماعة، جاز على الصراط كالبرق اللامع في أول زمرة من السابقين، وجاء يوم القيامة، ووجهه كالقمر ليلة البدر، وقال عليه الصلاة والسلام:

 

((بشر المشَّائين في الظُلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ))

 

(من الجامع لاحكام القرآن: عن " أبي أمامة " )

 واحد يستيقظ يرتدي ثيابه، يتجه بوقت النوم ؛ النوم اللذيذ، النوم المريح، النوم العميق، ولا سيما في أيام الشتاء، حيث البرد القارس، قال

(( بشر المشائين في اللظم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ))

 قال تعالى:

 

﴿نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾

 

( سورة التحريم: من آية " 8" )

 النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

((وجعلت قرة عيني في الصلاة ))

 وكان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، ويقول عليه الصلاة والسلام: والصدقة برهان، أنت كيف تبرهن لنفسك أنك تحب الله ؟ لأن الله أودع في قلبك حب المال، فالمال محبوب كلام واقعي، لا تصدق مَن يقول عكس ذلك يكون يدجل، الله عز وجل قال:

 

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 14" )

 فإذا أنفقت هذا المحبوب معنى ذلك أنك تحب الله أكثر من محبوبك المال، الصدقة برهان، أتحتاج برهان يقيني، أتحتاج لبرهان قطعي على أنك تحب الله، إنفاق المال، الصدقة برهان، لأن الله عز وجل أودع حب المال في قلب كل إنسان، فإذا أنفقه معنى ذلك هو يحب الله أكثر من المال، فالحج، يؤكد الحاج أن الله أحب إليه من بيته، ومن مركز عمله، ومن رفاهة عيشه، ومن ماله، لأن فيه مغادرة بيت، مغادرة أهل، أخطار، إنفاق مال، ازدحام، حر شديد، كلها أشياء غير محبوبة، إذاً تلبية دعوة الله عز وجل أغلى عنده من كل ذلك، الصائم يقدم برهان على أن طاعة الله أغلى عنده من الطعام والشراب، فالآن قد أرى شخص برمضان أفطر، في عنده عادات بالطعام والشراب لا يستطيع أن يتخلى عنها، لا يعبأ بالصيام كلياً، فالصائم يبرهن على أن الله عز وجل أغلى عليه من الطعام والشراب، والمصلي كذلك، والمتصدق كذلك، قال: " والصبر ضياء " ما معنى الضياء ؟ معنى النور الله عز وجل قال:

 

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾

 

( سورة يونس: من آية " 5" )

 العلماء فرقوا بين الضياء والنور أن النور لا يحرق، لكن الضياء يحرق، الضياء فيه إحراق، يقدم النور مع الإحراق، فالصبر ضياء، الصبر تحمل مشقة، كيف أن ضوء الشمس ينير لك الطريق لكنه يلسع الجلد، أما ضوء القمر نور، يقدم لك الكشف فقط من دون إزعاج، لكن ضوء الشمس يؤذي، كذلك الصبر ضياء، فهو تحمل ولكن مع التحمل في كشف، النبي الكريم يقول: " والصبر ضياء " قال تعالى:

 

﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (43)﴾

 

( سورة ص )

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾

( سورة البقرة )

 تعقيب أخير على آخر فقرة بالحديث: وكل الناس يغدو، أي أنك تعمل، ويعمل الكافر، ويعمل المنافق، ويعمل الفاجر، لكن المؤمن عمله يوصله إلى الجنة حتى في تجارته، لأنه يطبق شرع الله عز وجل، يتاجر بمواد مشروعة، مواد ممنوعة لا يتاجر، مواد تؤذي خلق الله لا يفعلها، فهناك قواسم مشتركة، وهناك اختلاف نوعي، فالقواسم المشتركة: كل الناس يغدو، أما الاختلاف النوعي أن المؤمن يتحرك لينجو من النار وليدخل الجنة، والكافر يتحرك ليقع في النار في النهاية، فكل الناس يغدو فبائع نفسه، هناك مَن يبيع نفسه للشيطان، فالأذى بدمه، يتمنى أن يوقع الأذى في كل الناس، يتمنى أن يتخلَّف الناس جميعاً عنه، أن يموت الناس ليحيا، أن يجوعوا ليأكل، أن يخافوا ليطمئن ، هذا إنسان، وإنسان باع نفسه لإنسان آخر، عبده من دون الله، إنسان باع نفسه لجهة، إنسان باع نفسه لشهواته، فلابد من أن تبيع نفسك، لكن المؤمن يعرف قيمة نفسه، ويعرف أنها مكرَّمة جداً، وأنه لا يبيعها إلا لله عز وجل، معك ألماسة ثمنها عشرين أو ثلاثين مليون، نادرة، فهل تبيعها لإنسان لا يعرف قيمتها ؟ لا تبيعها إلا لمن يدفع ثمنها الحقيقي، ولا توجد جهة مما سوى الله يمكن أن تدفع لك ثمن نفسك الحقيقي إلا الله عز وجل، لهذا قال الله عز وجل:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 111 " )

 الثمن هو الجنة، أما أي بيع آخر بأي جهة لا توجد جنة، فهو تكريم شكلي، إمداد بالمال، دعم بالقوة، أشياء شكلية لا تقدم ولا تؤخر، سأل أحدهم فقيه: أنا والله محتار، يا ترى الجنازة أمشي أمامها، أم أمشي خلفها، أم عن يمينها، أم عن يسارها، أسبل يدي أم أضعهم، قل لي ما الحكم الشرعي ؟ قال له: لا تكن في النعش وامشي أينما شئت. فلما الإنسان يبيع نفسه لغير الله عز وجل، انتهى، لأن غير الله لن يدفع الثمن إلا بثمن بخس، أما الله عز وجل إن بعته نفسك، بعته شبابك، بعته عمرك، بعته عضلاتك، وقتك، ذكاءك، فكرك، لسانك، لغتك، إن بعته لله عز وجل قبضت الثمن الحقيقي وهو الجنة.
 أما لو بعت علمك لإنسان، سخر لشهوات، ألا توجد أعمال فنية فيها ذكاء عالي جداً ولكنها أساسها إفساد البشر ؟! الذي باع طاقات الفكرية، باع علمه، باع أذواقه لإظهار مفاتن المرأة، لإفساد الناس، فهذا إنسان ذكي جداً لكنه باع ذكاءه للشيطان، المهم أن تبيع نفسك لمن يدفع الثمن الباهظ، لا أن تبيعها لمن يدفع الثمن البخس، فإذا بعتها لغير الله فأنت مغبون، وهؤلاء الذين باعوا أنفسهم لسوى الله، مغبونون، جاهلون، حمقى، فهم باعوا أثمن شيء بأقل ثمن، دقيق الحديث جداً: كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها "
 فالبيع إما بيع نجاة أو بيع حياة، التعقيب على آخر فقرة في الحديث: أحياناً أصحاب الحرف، الإنسان يغوص بحرفته لدرجة ينسى صلاته، ينسى دينه، هذا في التجارة، هذا في الصناعة، في الزراعة، هذا عنده هذه المزرعة كل شيء بحياته، غاص بها إلى درجة نسي كل شيء، كأنه باع نفسه لها، المعنى دقيق جداً، حتى الحرفة نفسها ممكن أن تشغلك عن الله نهائياً، فليس من الممكن أن يحضر مجلس علم، وقد تبيع هذا، فلا يوجد مجال، وقت كسب مال، باع نفسه للتجارة، مهما حصل من أموال، سيدعها ويغادر الدنيا بلا شيء، فالمشكلة، إنسان باع نفسه لبحث معين ثمانية عشر سنة يديره، بحث ليس له علاقة بالآخر، له علاقة في الدنيا، تجده مؤلَّف عن شاعر جاهلي، وصف الخمر والنساء، درست شعره، عشرة سنوات دراسة، باع نفسه لجهة دفعت ثمن بخس.
 أنا أتمنى على الله عز وجل أن أنقل لكم ما في نفسي بهذا المعنى: أنت غالي جداً، شبابك لله، عمرك لله عز وجل، ذكاءك لله، طلاقة لسانك لله عز وجل، وقتك عضلاتك، خبرتك، تبيع خبرتك بثمن بخس تبيعها، إنسان يعلم القرآن، يعلم شيء أخروي، فهذا الذي يقبض ثمناً بخساً، فالإنسان عندما يبيع نفسه لغير الله عز وجل مغبون، وسوف يكتشف هذا الغبن الفاحش عند الموت، إنسان أحياناً يبيع نفسه لحرفته، أو لزوجته، أو لأولاده، يرضى بهم بلا صلاة، ولا صيام، زُناة، لكنه يريدهم أعلام في الدنيا، يطيعهم ويعصي الله، يؤمِّن لهم من أجل مستقبلهم كل شيء على حساب طاعة الله عز وجل، قد يأكل مالاً حراماً ليرَفِّههم، باع نفسه لهم.
 ممكن تبيع لنفسك لأولادك، تبيع نفسك لزوجتك، تبيع نفسك لدكانك، لتجارتك، لصنعتك، لمزرعتك، مغبون، الشباب، العمر، العضلات، الوقت، الذكاء، العلم، طلاقة اللسان، القدرة على التأليف، حتى الذي أتاه الله قدرة فنية يمكن أن تبيعها لله، اقرأ القرآن، امدح النبي العدنان، ممكن تبيعها لله، وقد تبيعها للدنيا، تصبح مغني، الذي عنده قدرات ؛ الذي عنده قدرات في التأليف ممكن يؤلف قصة سافلة يربح منها أموال طائلة، ممكن يؤلف قصة راقية ترقى بالقُرَّاء إلى أرقى شيء، فالقدرة على التأليف، القدر البيانية، القدرة اللغوية، القدرة الخطابية، القدرات الفرعية، الأساسية، هذه يجب أن تبيعها لله عز وجل..

 

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾

 

( سورة الأنعام )

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾

( سورة التوبة: من آية " 111 " )

 فسأل نفسك أنت بعت لما بايعها ؟ في إنسان باع بيع قطعي، باع لله عز وجل، باع نفسه، حضور نفسية لا يوجد عنده كل طاقاته لله، طبعاً بالحكمة ولكن ليس بغير الحكمة، وفي إنسان حظوظه النفسية كبيرة جداً، أعطى شيء قليل للدين، فكل الناس يغدو..

 

﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) ﴾

 

( سورة اليل )

 انظر للطريق الساعة الثامنة صباحاً تجد سيارات، وازدحام، والناس مجتمعين بالعمل، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، قد يتوجَّه طالبان للجامعة، طالب نيته يأخذ شهادة عليا، يكون قوة للدين، ملتزم، مستقيم، يغض بصره، كلامه صادق، جاد في عمله، حتى دراسته هذه لله عز وجل، هدفه تأسيس أسرة مسلمة مثلاً، يتزوج من امرأة صالحة، تجد هذا الطالب ينطلق إلى الجامعة وهو يعتق نفسه من النار، الجامعة نفسها، الكلية نفسها، يصير معه شهادة عليا، يصير طبيب، يأخذ فيلا هنا، وبيت هنا، ويسهر بالنادي الفلاني، يعمل سياحة، كل شيء برأسه شهوات، فإنسان الدراسة نفسها، الجامعة نفسها، الكلية نفسها، لكن إنسان يتجه لمرضاة الله عز وجل، وإنسان يتجه للدنيا، ولحظوظه، هذا باع نفسه لله، وسيقبض ثمن مذهل عند الموت وفي الدنيا، في دفعات على الحساب والرصيد يوم القيامة، وإنسان باع نفسه لغير الله عز وجل سيكتشف في الآخرة أنه مغبون.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018