بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 037 - القائم على حدود الله.


1992-07-12

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الأكارم ... حديث اليوم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما ، إذاً الوالد كان صحابياً ، والابن كان صحابياً ، إذا قلنا رضي الله عنهما ، إذاً بشير من أصحاب رسول الله والنعمان ابنه ، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(( مثل القائم على حدود الله ، والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة ، فأصاب بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَن فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ مَن فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ))


أول سؤال : هذا الحديث الشريف يُصَنَّف تحت باب ـ في عندنا أحاديث متعلقة بعلاقة الإنسان مع الله ، في أحاديث متعلقة بالعقائد ، أحاديث متعلقة بالعبادات ، أحاديث متعلقة كهذا الحديث ، هذا حديث اجتماعي ـ الإنسان كائن اجتماعي ، الإنسان إنسان ؛ جسم بادئ ذي بدء، والإنسان نفس ، والإنسان عقل ، والإنسان عضوٌ في مجتمع . فهذا الحديث بادئ ذي بدئ يصنَّف تحت باب الموضوعات الاجتماعية التي عالجها النبي صلى الله عليه وسلم .
أنت في أسرة ؛ أب ، ابن ، زوجة ، ولد ، أخ ، أنت في مؤسَّسة ، في دائرة ، في وزارة، في شركة ، في محل تجارة ، في مزرعة ، أنت عضو في مجتمع ، وهكذا صمم الله جلَّ وعلا الإنسان ، صمَّمه ليكون اجتماعياً ، كيف كان ذلك ؟ خلق فيه مئات ألوف الحاجات، بل خلق فيه ملايين الحاجات ، وجعله يتقن حاجةً واحدة ، هو في حاجةٍ إلى كل الناس، إلى كل البشر ، يحتاج إلى زر ، في معامل ، خبراء ، خبرات ، يحتاج إلى ثوب ، يحتاج إلى أن يحلق ، يحتاج إلى أن يأكل ، إلى أن يسكن في بيت ، إلى أن يركب مركبة ، فكل حاجاته جميع الناس يقدِّمونها له ، وهو يقدم لهم حاجةً واحدة ، هذا تصميم ربنا جل وعلا حينما جعلك محتاجاً إلى آلاف بل ملايين الأشياء و سمح لك أ، تتقن حاجةً واحدة ، إذاً جعلك تلتقي مع أخيك وتجتمع معه .
بل إن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الناس شعوباً وقبائل أرادهم أن يتعارفوا ، كل منطقة خصَّها بشيء ، خصها بإنتاج معين ، بطقس معين، بمناخ معين ، بثروات معينة ، فالناس يحتاجون بعضهم بعضاً ، وما حركة البضائع بين القارات ، وبين الدول إلا من تصميم الله عزَّ وجل ..

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾

 

( سورة الحجرات : من آية " 13 " )

إذاً الإنسان في الأصل اجتماعي ، حينما خلقه الله عزَّ وجل فطره فطرةً اجتماعية ، والإنسان من طبيعته أنه يألف بأخيه ، الآن ، مادام الإنسان عضواً في مجتمع فلابدَّ من تنظيم العلاقات ، لو أنه يعيش وحده في رأس جبل لسنا بحاجة لهذا الحديث ، لكن مادام الإنسان اجتماعياً فلابدَّ من أن تنظَّم علاقاته مع بقية إخوانه ، أو الناس .
هذا الحديث أولاً : حديثٌ اجتماعي ، وثانياً : بالتعبير ، ما نوع التعبير ؟ أنت أحياناً تقرأ على باب تقول ( مطعم ) باللغة العربية ، بالمطارات ، باعتبار مَن يكون في المطار من أمم وشعوب مختلفة فيستعيضوا عن الأسلوب المباشر بالصور ، فالمطعم له رمز ، فالتعبير إما أن يكون بالتقرير ، وإما أن يكون بالتصوير ، مثلاً : وهذا مَن الطرف الأدبية ، شاعر أراد أن يصف مغنياً سيئاً ، لو أنه قال : أن هذا المعني سيئ الصوت ، هذا التعبير بأي طريقة ؟ بالتقرير أو بالتعبير المباشر ، أما حينما قال :

عـواء كلبٍ على أوتار منـدفةٍ ف ي قبح قردٍ وفي استكبار هامان
وتحسب العين فكيه إذا اخت لفا عند التنغُّـم فـكي بغـل طحَّـان
* * *

هذا تعبير بأي طريقة ؟ بالتصوير ، في عندنا تعبير تقريري ، وتعبير تصويري ، إذا واحد قال : تكاثرت علي المصائب ، هذا تعبير تقريري ، أما إذا قال :

بلاني الدهر بالأرزاء حتى فـؤادي في غشـــاءٍ من نبال
فكنت إذا أصابتني ســـهامٌ تكسَّرت النصالُ على النصالِ
* * *

المصائب سهام وازدحمت على قلبه ، حتى لم يبقَ محلاّت لسهمٍ جديد ، لما قال الشاعر :

أبنت الدهرِ عندي كل بنتٍ فكيف وصلتِ أنتِ من ازدحامِ
* * *

واحد أصابته حمى ، لو واحد سأل واحد مريض ما لك ؟ والله أصابتني حمى ، قال :

وزائرتي كأن بهـا حياءً فليس تزور إلا في الظلامِ
بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي
* * *

هذا تعبير تصويري ، أرقى أنواع التعبير هو التعبير التصويري ، النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم ، من أجمل أحاديثه الشريفة هذا الحديث ، أسلوبه تقريري ، أم تصويري ؟ تصويري . الآن سوف نرى بعد قليل ماذا يعني البحر ؟ وماذا تعني السفينة ؟ وماذا يعني الذين استهموا فكان مكانهم في أعلاها ، والذين كان مكانهم في أسفلها ؟ وماذا تعني حرية الإنسان في هذه السفينة ؟ وماذا يعني أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر ؟ من خلال هذه الصورة ، وهذا المشهد ، هناك دلالاتٌ لا تعد ولا تحصى ، لذلك يعد كلام النبي صلى الله عليه وسلم أفصح كلامٍ بعد كلام الله من دون استثناء .
فيقول عليه الصلاة والسلام :

(( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة))

الإنسان إذا دعا لله عزَّ وجل هل من المناسب أن يضرب أمثلة ؟ أجيبوني ، النبي عليه الصلاة والسلام له أساليب رائعة جداً ، مثلاً قال :

(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا ـ أول إنسان يدخل الجنة النبي الكريم ـ فإذا امرأةٌ تنازعني تريد ان تدخل الجنة قبلي ، قلت : من هذه يا جبريل؟ قال : هي امرأةٌ مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم ))

أي أن الذي يريد أن يتعلم اللغة ، والبلاغة ، والقدرة على التأثير في الآخرين ليتعلم من النبي عليه الصلاة والسلام من أقواله ، ومن بلاغته الشيء الكثير .
أولاً النعمان بن بشير راوي هذا الحديث هو صحابي ، وأبوه صحابي ، وأمه صحابيَّة ، وهذا من نِعَم الله الكبرى ، والآن إذا كان الأب ديِّن ، والابن ديِّن ، والأم ديِّنة ، والله هذه من النعم الكبرى ، أنا أغبط إخواننا إذا كانوا أربع إخوات كلهم في الجامع ، أو أصهار ، أو عدلاء ، شيء جميل جداً أن يكون الواحد بيئته كلها صالحة ، مشرب واحد ، طهر، عفاف ، نظافة ، تفاهم ، توحُّد في الاتجاه ، فهذا الصحابي النعمان بن بشير الأنصاري كان صحابياً ، وكان أبوه صحابياً ، وكانت أمه صحابيَّة .
بالمناسبة كلمة صحابية شيء عظيم جداً ، أنا اعتقادي ـ وهذا هو الحق ـ أن المرأة لا تقلُّ أبداً عن الرجل في مضمار الدين ، الدليل الله عزَّ وجل :

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾

( سورة آل عمران : من آية " 195" )

مِن ، منا ؟ هذه الصحابية الجليلة التي بلغها في أحد أن أباها قد قُتل، وأن زوجها قد قُتل، وأن زوجها قد قتل ، وأن ابنها قد قُتِل فتقول : ما فعل رسول الله ؟ إلى أن رأته بأم عينها ، عندها قالت : يا رسول الله كل مصيبةٍ بعدك جلل . هذه امرأة ، الخنساء حينما بلغها أن أربعةً من أولادها قد استشهدوا في القادسية ، ما زادت عن أن قالت : الحمد لله الذي شرَّفني بقتلهم ، وأرجو أن يجمعني الله بهم في مستقرِّ رحمته . فالمرأة كالرجل تماماً ، طبعاً كالرجل في ماذا؟ في التكليف ، كالرجل في التشريف ، ولكن تختلف عنه في بنيتها الجسمية ، وفي طبيعتها النفسية ، وفي قدراتها الخاصة ، زوِّدت بقدرات تتناسب مع طبيعتها ، ومع مهمتها ، يؤكد هذا قوله تعالى :

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾

( سورة آل عمران : من آية " 36 " )

الأنثى كالذكر في التكليف وفي التشريف ، أما في البُنية ، وفي الإمكانات ، وفي الخصائص طبعاً تختلف عنه لا لأنها أقل منه ؟ لا أبداً ، بل لأن مهمتها في الحياة تختلف عن مهمته .
وهو أول مولودٍ ولد للأنصار بعد الهجرة ، أول مولود ولد في المدينة بعد الهجرة سيدنا النعمان بن بشير ، وحين توفي النبي عليه الصلاة والسلام كانت سنه لا تزيد عن ثماني سنين وسبعة أشهر ، سكن الكوفة ، وكان والياً عليها زمن معاوية ، ثم صار والياً على حمص لسيدنا معاوية . هذه كلمة سريعة عن رواي الحديث .
فأما كلمة (حدود) .. " مثل القائم على حدود الله ... " ما معنى حد ؟ الشيء الفاصل بين شيئين ، حدود الله عزَّ وجل في عندنا آيتان ، الآية الأولى :

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

( سورة البقرة : من آية " 187 " )

الآية الثانية :

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ﴾

( سورة البقرة : من آية " 229" )

محارمه ، أوامره ونواهيه ، إذا الإنسان ارتكب ما نهى الله عنه فكأنه تجاوز حدود الله ، إذا الإنسان ما فعل ما أمره الله به ، فكأنه قصَّر في حدود الله ، لذلك بعضهم قال : المعاصي التي من شأنها أن تجذب ـ فيها قوة جذب ـ هذه المعاصي وردت في كتاب الله على النحو التالي

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

أما المعاصي التي لا علاقة لها بقوة الجذب قال :

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ﴾

بعضهم قال : لا ، إذا كنت في منطقةٍ ، ووصلت إلى حدٍ من حدود الله ، فلا تقرب هذا الحد ، دع بينك وبينه هامش أمان ، أما إذا كنت في منطقةٍ ، وانتهى حد الله عزَّ وجل ، فلا تعتدِ هذا الحد ولا تتجاوزه . على كلٍ حدود الله أوامره ونواهيه .
بالمناسبة مثلما قلنا لكم مرة سابقة : إذا كان تيار كهربائي يجذب الإنسان من ستة أمتار ، فالإعلان الحكيم لا تقل له : لا تمس التيار ، بل نقول له : لا تقترب من التيار ، هذه نصيحة لوجه الله : دائماً دع بينك وبين حدود الله هوامش أمان ، والدليل الله عزَّ وجل بالقرآن قال :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾

( سورة الإسراء : من آية " 32 " )

ما قال : ولا تزنوا ، قال :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾

يعني دع بينك وبين الزنا هوامش أمان ، هوامش الأمان غض البصر ، هوامش الأمان عدم صحبة الأراذل ، هوامش الأمان عدم الاختلاط ، هوامش الأمان عدم الخلوة بأجنبيَّة ، هوامش الأمان عدم قراءة أدب ساقط ، هوامش الأمان عدم متابعة أعمال فنيَّة ساقطة ، هوامش الأمان عدم متابعة أجهزة اللهو ، هوامش الأمان أن تملأ فراغك ، " نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر " ، هذه كلها هوامش أمان ، فإذا تساهلت في هوامش الأمان لا تدري إلا وأنت واقعٌ في المعصية ، هذه معنى :

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

" مثل القائم على حدود الله والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة ... " السفينة أين تكون ؟ في البحر ، النبي عليه الصلاة والسلام شبَّه الحياة الدنيا بالبحر ، البحر من صفاته أنه يكون هادئاً ، مريحاً ، ساكناً ، رَقْرَاقاً ، في نسمات عليلة ، في سماء صافية ، يصفو البحر لبعض الرُّكاب ، وأحياناً يهيج البحر فترى الموج كالجبال ، والعواصف ، والرعود ، والأمطار ، والخوف ، البحر فيه مفارقات ، كذلك الدنيا تصفو ؛ صحة ، مال ، شأن ، جاه ، مكانة ، أولاد ، زوجة ، بيت ، مركبة ، تصفو ، وأحياناً ؛ أمراض عضالة ، فقر متقع ، قهر، ذل ، فكما أن البحر يصفو ويقسو ، تراه هادئاً ، مياهه رقراقة ، وتراه أحياناً هائجاً ، مياهه دفَّاقة ، كذلك الدنيا تصفو وتقسو .
وكل مجتمع بالدنيا ، أسرة قارب ، أمة سفينة ، كل مجموعة من الأشخاص النبي عليه الصلاة والسلام شبههم بسفينة .. ما معنى سفينة ؟ يعني المصير واحد .. إذا كنت راكب بالطائرة ، مرة أحد ركاب الطائرة أراد أن يشرب الشاي من صنع يده ، فشعل الغاز بين مقعدين ، واحترقت الطائرة وسقطت ، ومات من ركابها ثلاثمائة وخمسون ، كل ركابها ماتوا، فراكب الطائرة مصيره مع البقية ، إذا واحد أحب أن ينجو بنفسه أيستطيع؟ راكب السفينة فمصيره مع البقية ، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما صور المجتمع بسفينةٍ أي وحدة المصير ، أنت من المجتمع ، أنت بأسرة إن شقيت شقيت بها ، وإن سعدت سعدت بها ، إن سعدت أسعدتها ، وإن شقيت أشقيتها .
أي أن النبي أراد ـ قبل أن أدخل في التفاصيل ـ أول شيء وصف الحياة بأنها بحر ، تشبيه تمثيلي ، كيف أن البحر يصفو ، فمن متع الحياة أن تركب البحر في ليالي الصيف الهادئة ، شيء جميل جداً ، القمر ساطع، والبحر هادئ ، والنسيم عليل ، والجو ساحر ، وإذا ركبت سفينةً وقد هاج البحر وماج يرى الإنسان الموت بين عينيه ، إذاً الحياة كالبحر تصفو وتقسو ، المجتمع البشري كسفينة ، إن قلت أسرة ؛ قارب صغير ، إن قلت مدينة ؛ سفينة متوسطة ، إذا قلت أمة ؛ سفينة كبيرة . ما معنى سفينة ؟ أي أن مصيرهم واحد ، النبي عليه الصلاة والسلام أراد من هذا التشبيه أن يبيِّن أن راكب السفينة مصيره متوقفٌ على بقية الركاب ، أن تقول : أنا حر . هذه كلمة ليس لها معنى .

(( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة ))

يا ترى القوم ، ما معنى كلمة ( قوم ) بالقرآن الكريم ؟ جماعة من الرجال ، الدليل :

﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ ﴾

( سورة الحجرات : من آية " 11 " )

فالقوم في اللغة العربية جماعة الرجال .. " قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ..." لكن هل الله عزَّ وجل على أشار إلى هذا المعنى في القرآن الكريم ؟ ..

﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

( سورة النساء : من آية " 32 " )

الحياة درجات ، الآن معلم في قرية مثل أستاذ جامعة ؟ جندي مثل رئيس أركان ؟ ممرض مثل طبيب ؟ تاجر على البسطة مثل رئيس غرفة تجارة ؟ فهذه الحياة مراتب ، وشاء الله عزَّ وجل أن تكون مراتبَ ، قال :

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

( سورة الإسراء )

في إنسان دخله صغير ، وإنسان دخله أكبر ، فأكبر ، فأكبر ، دخل غير محدود ، غني كبير غنى فاحش ، في إنسان قوته بسيطة ، في إنسان أقوى ، أقوى ، أقوى ، فالله عزَّ وجل جعل الحياة مراتب ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال

(( فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ))

فإذا الإنسان كان بمرتبة دنيا في الحياة الدنيا ، كيف يعامله الله عز وجل يوم القيامة ؟ في سؤال دقيق الآن : الله أعطانا حظوظ ؛ حظ المال ، وحظ الصحة ، وحظ الذكاء ، وحظ الجمال ، وحظ القوة ، في إنسان قوي يقول لك : الرجل القوي في البلاد ، في إنسان قوي وفي إنسان ضعيف ، في إنسان ذكي وفي إنسان أقل ذكاءً ، في إنسان جميل الصورة وفي إنسان أقل جمالاً ، في إنسان صحيح الجسم وفي إنسان مريض ، هذه الحظوظ هل وزِّعت بالتساوي ؟ أجيبوني ، لم توزَّع بالتساوي .
فكيف يحاسب هؤلاء يوم القيامة ؟ الله عزَّ وجل وزَّع الحظوظ في الدنيا توزيعاً متفاوتاً، فكيف تتحقق عدالة الله عزَّ وجل ؟ وزعت الحظوظ في الدنيا توزيعاً متفاوتاً ، لكن هذا التوزيع توزيع ابتلاء ، أي أنك إذا كان مالك قليلاً فهذه مادة امتحانك مع الله ؛ هل تصبر ؟ هل تتعفف ؟ هل تتجمَّل ؟ وإذا كان مالك كثيراً ، كثرة المال أيضاً مادة امتحانك مع الله ، في عندك مواد ، إذا مرت في الطريق امرأة هذه مادة عامة للجميع ، في عندنا مواد مشتركة لكل الكليات ، وفي عندنا مواد لكل كلية ، ففي امتحان عام ؛ لو أن إنسان يمشي في الطريق ورأى امرأةً سافرة ، هذه المرأة امتحان لكل مَن في الطريق ، بعضهم يغض بصره ، بعضهم يطلق بصره، بعضهم يتكلَّم ، بعضهم يفعل ، بعضهم ... فهذه مادة امتحان عامة ، أما المواد الخاصَّة الشيء الذي تفوقت به مادة امتحانٍ خاصة مع الله ، الشيء الذي فاتك مادة امتحانٍ خاصة مع الله ، النبي الكريم ماذا قال في الدعاء ؟ قال :

(( يا رب ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب ، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ))

( من شرح الجامع الصغير )

إذاً أنت بين شيئين ؛ هذه الحظوظ إما أنك نلتها أو فاتتك ، أنت ممتحن إذا نلتها ، وممتحن إذا فاتتك ، لكن الحياة محدودة !! فتأتي الآخرة؛ الفقير الذي نجح في امتحانه مع الله وهو الفقر سيسعد إلى الأبد ، والغني الذي رسب في مادة امتحانه مع الله سيفتقر إلى الأبد ، إذاً الحياة الدنيا الحظوظ موزَّعة فيها توزيع ابتلاء ، لكن هذه الحظوظ سوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء ، وهنا تتحقق عدالة الله عزَّ وجل ، لذلك الذي ..

﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾

( سورة يونس : من آية " 4 " )

لماذا يعيده ؟

﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)﴾

( سورة طه )

علَّة إعادة الخلق أن يجازى كل إنسانٍ بما عمل في الدنيا ، إذاً أنت يا ترى إذا كنت غني، أو كنت فقير ، شيء مهم جداً ، سيَّن إذا كان غنياً فامتحانك هو الغنى وفي مواقف صعبة ، وإن كنت فقيراً فامتحانك هو الفقر، إن كنت قوياً تمتحن بقوتك ، ماذا فعلت بهذه القوة ؟ وإن كنت ضعيفاً، ماذا فعلت بهذا الضعف ، هل نقلك إلى اليأس والقنوط من رحمة الله أم صبرت؟ إن كنت صحيحاً تمتحن بالصحَّة ، إن كنت سقيماً تمتحن بالسُّقم ، إذاً الحظوظ في الدنيا توزع توزيع ابتلاء ، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء ، هذا معنى قول النبي :

(( فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ))

لذلك ، النقطة الدقيقة ، ليست البطولة ألا تصاب بمصيبة ، لا ، البطولة أنك إذا أصبت بمصيبة أن تقف الموقف الكامل ، ممكن تكون الزوجة سيئة ، وأنت مؤمن ، إيمانك العظيم يتمثَّل في موقفك الكامل من هذه الزوجة . كان في رجل صالح عنده زوجة سيئة جداً ، قيل له " طلِّقها، قال : والله لا أطلقها فأغشَّ بها المسلمين " . وقيل في ..

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

( سورة النساء : من آية " 19 " )

ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها ، بل أن تحتمل الأذى منها . فهذه النقطة الدقيقة جداً ما في واحد من الحاضرين وأنا معكم ، في شيء حصلت عليه وفي شيء فاتك ، وأنت في الحالين ممتحن ، الله عز وجل قال :

﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

( سورة المؤمنون )

فقالوا : " لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا..." الذين قعدوا بأسفلها يبدو أن البحر عذب ، البحيرة عذبة وليست مالحة ، فيريدون الماء ، مَن كان في أسفلها ، ينبغي أن يصعد إلى أعلاها ، يمر على من فوقه ليأخذ الماء ، ففكر ، قال :

﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)﴾

( سورة المدثر )

فكر : أنا أحفر حفرة صغيرة في السفينة ، وآخذ ماء مباشرة منها ، وكل عمل فاسد ، وكل عمل سيئ ، وكل عمل منحرف ، وكل انحراف خطير ؛ مفلسف ، مزخرف ، اسمع الباطل ، تجد الباطل مزخرف ، أشد أنواع الانحرافات الأخلاقية ، مفلسفة ، مزينة ، بأفكار باطلة أن هذه روح رياضية ، هذه نفس منفتحة ، هذه نفس حضارية ، الانحراف والفساد كله مفلسف فلسفة منمقة ، فقال : " لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ مَن فوقنا ... " هنا ظهر مفهوم الحرية ، ما هي الحرية ؟ بالإسلام في حرية لكن هل هي حرية مطلقة ؟ حرية مقيدة ، الحرية المطلقة هدَّامة ، فإذا إنسان فتح ملهى ، وأفسد الشباب ، وباع مخدرات ، وقال: أنا حر ، أنا أتمتع بحرية ، يجب أن أفعل ما أريد ، ولكن هذه الحرية هدمت هذا المجامع ، ولذلك المشكلة ، أنه إن لم يأمر المؤمنون بالمعروف ، وإن لم ينهوا عن المنكر ، عمَّهم البلاء ، وهذا الذي تفسره الآية الكريمة وتشير إليها هذه الآية الكريمة :

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

( سورة اأنفال : من آية " 25 " )

قال عليه الصلاة والسلام :

((فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ مَن فوقنا ، قال عليه لصلاة والسلام : فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً .))

إذاً في الأسرة لا توجد حرية مطلقة ، تقول : أنا أحب أربي أولادي تربية رياضية، يفعل ما يشاء ، ثم يكتشف خطأه ، فإذا فعل ما شاء ، واكتشف خطأه ودمر إخوته معه ، فأين مكانة الأب ، هذا توجيه اجتماعي ، أنت يجب أن تكون بيدك المبادرة ، إذا وجدت أحدد أفراد الأسرة شذ ، وقال لك: أنا حر . هذا كلام في الإسلام مرفوض ، لو أنك تسكن وحدك في رأس جبل لكنت حراً .
سمعت مرة عن سائق سيارة عامة واضع أغاني ساقطة ، ليست مألوفة ، فقام له رجل وقال له : هذه الأغنية لك أن تسمعها في بيتك ، أما هذه السيارة ليست ملكك ، مِلك كل الركاب ، كلام منطقي ، كلمة أنا حر ، في الإسلام ليست واردة ، حر أن تفعل ما تشاء وحدك، ما دمت في مجتمع ، ما دمت عضواً في مجتمع فلست حراً ، النبي عليه الصلاة والسلام قال

(( فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ))

والآن تقريباً المشكلات التي يعاني منها العالم هي الفساد ؛ حرية الفساد ، نقدِّس لحرية بالمجتمعات الغربية بدرجة أن هذا المجتمع لو أن أب أراد أن يربي ابنته ، ممكن الشرطة يوقعوه على تعهد : أنك أسأت لابنتك ، وأنت منعتها من حريتها الشخصية ، ومن الحرية أن يكون لها صديق وأن تسهر معه في أي مكان ، يكتّبوه تعهد ، تحت اسم الحرية المطلقة بالمجتمعات ؛ صار في اختلاطات ، صار في انهيارات أسر ، صار في أمراض وبيلة ، صار في تفكك اجتماعي ، انحلال خلقي انهيار المجتمع بهذه الطريقة .
الآن ، لو تتبعنا القرآن الكريم الله عز وجل قال :

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾

( سورة الفجر )

يعني النساء حينما يخرجن متكشفات مائلات مميلات ، إذا الإنسان قال : ما دخلني ، له بنت أخ ، له قريبة ، له أخت ، له بنت أخت ، ليس له علاقة بهذه الظاهرة ، هذه الظاهرة إذا استفحلت وصلت إلى بيته ، فوضع الفساد تماماً كالمثل التالي : حريق شب بآخر الحارة ، إذا كل أصحاب البيوت قالوا : نحن ما لنا علاقة ، الحمد لله بيتنا ما فيه حريق ، الحريق ينتقل ، إذا الكل ما خرجوا وأطفئوا هذا الحريق ، الحريق سوف ينتقل إليهم بيتاً بيتاً ، هذا مدلول الحديث ، إن لم تأخذ على يد المفسد هلك وأهلكك معه ، إن أخذت على يديه نجا ونجوت ، وإن تركته يفعل ما يشاء أهلكته وأهلكت نفسك معه .
الله عز وجل قال :

﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)﴾

( سورة الأعراف )

الآن ، في دول حولنا طبعاً صار فيها مشكلات ، صار فيها حروب، صار فيها دمار ، صار فيها قتل ، وكان فيها فساد كبير ، وكل أمة تفسد الله عز وجل توعَّدها بالهلاك .
في آية دقيقة جداً ، الله عز وجل قال :

﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)﴾

( سورة الأنعام )

﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (59﴾

( سورة الكهف )

﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)﴾

( سورة الأعراف )

يعني كل مجتمع مهما كان صغيراً إذا فسد لابد من أن يهلكه الله عز وجل .
أم المؤمنين زينب رضي الله عنها ، سألت النبي صلى الله عليه وسلم قالت :
ـ يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟!
ـ فقال عليه الصلاة والسلام : نعم .
فكيف نعم ، ما ذنب الصالح ؟ أنهلك وفينا الصالحون ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : نعم، ما أمر ، أصلح نفسه فقط ، كان أناني ، أصلح نفسه وارتاح ، وترك المجتمع الفساد فيه انتشر وتفاقم ، حتى وصل إليه ، حتى وصل إلى بيته ، المشكلة إذا أنت كنت صالح ولكن ما نبهت أخواتك وإخواتك البنات ، وأسرتك ، ومَن حولك ، وأصهارك ، هؤلاء أقرباؤك ، فإذا فسدوا وزاروك عمَّ الفساد في بيتك .
الله عز وجل وصف الكفار الذين أهلكهم الله عز وجل بأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، أنا مرة سمعت قصة تأثرت جداً فيها ، ذكرتها لكم سابقاً : سائق سيارة مركب شاب وزوجته ، وهما ينتظران رجل يأتيهم بحقيبة ، يبدو أنهم طال انتظارهم ، والسائق تأفف ، وزمجر ، ثم جاء رجل كبير بالسن يحمل المحفظة ، فالشاب وكزه في صدره ، وقال له : لماذا تأخرت ؟ ثم علم السائق أن هذا الشخص الذي كان يحمل الحقيبة هو والد هذا الشاب ، ما كان من هذا السائق إلا أن قال له : انزلا ، أخشى أن تصاب سيارتي بسوء ، أنا لما أحمل عاق والدين بسيارتي ، يأتحق معه العقاب ، فقد أدرك السائق بفطرته الآن هو في خطر ، ما دام مركب بسيارته إنسان فاسق إنسان عاق لوالديه ، فقال لهم باللغة العامية : انزلوا ولا نعمل حادث . أنزلهم من السيارة ، هذا الموقف سليم ، إذا كان المنحرف ، والضال ، والمفسد ، والكافر وجد في ترحيب ورعاية وغضوا الناس عن أعماله ، وعن انحرافاته ، وعن فساده ، ورحبوا فيه لماله ، غضب الله عليهم جميعاً ، الحديث الشريف :

(( إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق ))

( من تخريج أحاديث الإحياء : عن " أنس " )

يغضب ، إذا أنت مدحت إنسان فاسق ، وأنت موثوق عند الناس ، لك مكانتك ، قلت عنه : كثير لطيف ، وذكي ، وأخلاقي ، وشهم ، وهو شارب خمر ، أو لا يصلي ، فإذا الناس واثقين من كلامك ، بهذا الكلام أضعتهم ، اختل ميزانهم ، كيف ذكي وشهم ، وصاحب مروءة ومحسن ولكن شارب خمر لا يصلي ؟ معناها الدين ليس ضروري ، الدين شيء ثانوي جداً ، يشرب الخمر ولا يصلي ، وإنسان ذكي وشاطر وفهيم وشهم ومخلص ، إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق ، فقالت :
ـ يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟
ـ قال : نعم إذا كثر الخبث .

( رواه البخاري ومسلم )

في عندنا نقطة دقيقة : إذا كان عم الفساد ، والإنسان أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، ولم يرضَ بهذا الفساد ، وجاء البلاء ، هذا الذي رفض الفساد ، وأمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر ، ما مصيره في هذا البلاء ؟ قانون ..

﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

( سورة الزمر )

في آية أتذكرها :

﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)﴾

( سورة الذاريات )

فقانون ربنا عز وجل : إذا أنت كنت صالح ، وأمرت بالصلاح ، وأنكرت المنكر ، وأمرت بالمعروف ، أن الله عز وجل حق عليه أن ينجيك من البلاء العام ، اسمعوا الآيات :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)﴾

( سورة الأعراف )

﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾

( سورة الأعراف )

﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33)﴾

( سورة العنكبوت )

آيات كثيرة ، فكل ما كان في بلاء عام ، وأنت كنت مستقيم ، وأمرت بالمعروف ، ونهيت عن النكر ، وأنكرت المنكر ، ورفضت الفساد، فلك نجاةٌ خاصة بطريقةٍ خاصة لا يعلمها إلا الله ..

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

( سورة الأنبياء )

هذه بشارة ، فتقول : صار فوضى ، البلاء يعم ، لا ، فالبلاء خاص والرحمة خاصة ، البلاء يعم إذا كان المؤمنون اكتفوا بصلاح أنفسهم، قال : ما دخلني ، الناس هلكوا .
فلذلك ، في نقطة دقيقة جداً ، أذكر بالسنة النبوية أن لما جاء البلاء ببلد فقال :
ـ إن فيها رجل صالح .
ـ فقيل : به فابدؤوا .
ـ قيل : ولمَ ؟
ـ قال : لأنه إذا كان رأى المنكر لا يتمعر وجهه .

( من مجمع الزوائد : عن " جابر " )

لا يسأل ، هو منيح ، هو مستقيم ، هو ناج ، هو مؤمن ، هو الله هداه ، الناس يصطفلوا، لك إخوان ، لك جيران ، لك أولاد أخ ، أولاد أخت ، لك مَن حولك ، ليس له علاقة بأحد ، مع الكل علاقته طيبة على فسقهم وفجورهم ، هو منيح لحاله ، قال : " به فابدؤوا لأنه كان لا يتمعر وجهه إذا رأى منكراً " .
لكن الآية الكريمة :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾

( سورة المائدة )

ماذا نفعل بهذا الآية ؟ كأن هذه الآية تقول لك : عليك من نفسك ، كيف نفهمها ؟ عليكم أنفسكم أي احرصوا على إيمانكم ، أحرصوا على طهارتكم ، احرصوا على استقامتكم ، احرصوا على سمو نفوسكم ، احرصوا على أمركم بالمعروف ، إذا فعلتم ذلك عندئذٍ الكفار يضعفون ، فإذا الشر استطال ، استشرى ، وأنت ساكت ، الفسق انتشر ، وعم ، بعد ذلك ضيق عليه الفسق ، بعد ذلك دخل لبيتك الفسق ، قووا الكفار ، أما نحن إذا أمرنا بالمعروف كل واحد اهتم بأسرته ، أهم شيء الواحد أسرته ..

﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾

( سورة البقرة : من آية " 233 " )

كل واحد أب ، أخ ، ابن ، يهتم بأسرته تكون طاهرة ، ما فيها معاصي ، إذا الأسر صلحت ، صلح المجتمع ، فدقة الآية عليكم أنفسكم ، أي احرصوا على إيمانكم ، على استقامتكم ، على طهارتكم ، على اتباعكم أمر الله عز وجل ، انصحوا الناس ، إن فعلتم ذلك الكفر تتضاءل ، ثم تتضاءل ، حتى صار ضعيفاً ، عندئذٍ :

﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾

أما إذا كان أنت لم تتكلم ، ولا تفاعلت ، ولا ساهمت ، وبقيت سلبي ، ومنهزم ، ومنسحب ، ومتقوقع ، الفساد عم ، واستشرى ، وصل لبيتك ، ضيق عليك ، دخل لبيتك ، أثر في بناتك ، في أولادك ، أصبحت أنت وحدك الغريب ، هذه نقطة مهمة جداً :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾

سيدنا الصديق رضي الله عنه له موقف لطيف من هذه الآية ، في عهد سيدنا الصديق ، يبدو أن بعض الناس فهموا هذه الآية فهماً غير صحيحاً ، فقام فيهم خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾

وإنكم تضعونها على غير موضعها ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه ، يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه " . الذي يحدث الآن ، سيدنا الصديق أدركه وخاف على الناس أن يفهموا هذه الآية فهماً مغلوطاً ، ونبَّه إليه ودعم رأيه بحديث سمعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
اسمع وصف المؤمنين قال :

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

( سورة التوبة : من آية " 71 " )

وأقصد من هذا الكلام : أنك ببيتك ، فيجب أن تسعى برفع مستوى إيمان زوجتك ، أن تسعى لإرشاد لأولادك ، أن تسعى لجيرانك ، أن تسعى لأقاربك ، فأنت كلما سعيت لهداية الناس ، المؤمنون أصبحوا كثيرين ، والحق توسع وانتشر ، والباطل انكمش ، أما إذا كان سكتت ، واكتفيت بصلاح نفسك ، الباطل استشرى ، والفسق انتشر ، والباطل قوي ، حتى ضيَّق عليك ووصل إليك ، إذاً الحديث الشريف الذي علَّمنا إياه النبي عليه الصلاة والسلام ، عن هؤلاء الذي استهموا في سفينة ، أصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، ولا بأس من أن نقرأ الحديث مرة ثانية
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَن فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ مَن فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً))

في طريقة في التربية غلط ، أن الأب أحياناً لابنته أو لابنه أو لزوجته ، تأخذ موقف غلط ، يتركها يقول لها : أنت حرة ، يريد أن يعلمها من خلال التجربة الذاتية ، لكن أحياناً في ظروف تمر بالإنسان يكون ثمنها باهظ جداً غالية جداً ؛ لو أطلق لابنه الحرية ، وصاحب الابن رفقاء السوء، ودلوه على شيء من المعاصي الوبيلة ، وأدمن عليها ، هل يكون الابن عرف الحقيقة لكن بعد فوات الأوان ، هذا الأسلوب عند الآباء خاطئ أن تعطي الابن الحرية يكتشف بنفسه الحياة ، في أشياء إذا اكتشفها بنفسه وقع ضحية لها وانتهى ، الآن كثير في ظاهرة المخدرات وهي شيء مخيف جداً ، تجد شاب متألقاً مثل الشمعة ، مرة واحدة أدمن ، انتقل للسرقة ، انتقل للجريمة ، ترك دراسته ، ترك الجامعة ، صار يريد يمارس هذه الهواية الجديدة ، فالأب مسؤول ، الأم مسئولة ، الابن مسؤول ، هذه المسؤولية ظهرت في هذا الحديث الشريف .

((فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَن فوقهم ، فقالوا : لو أن خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ مَن فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ))

هذا الحديث يعلمنا أن الإنسان اجتماعي ، وأن مع إخوانه يشبهون ركَّاب سفينة مصيرهم واحد ، فإذا أحد الركاب أساء ، لكن هل في عندنا إساءات فردية ليس لنا علاقة بها ؟ لو أحد ركاب السفينة لبس لونين متنافرين ، هل تغرق السفينة ؟ لا تغرق ، يصطفل ، هذه حر ، هذه حرية، أحب يأكل أكل معين بالسفينة ، أحب يخفف من أكله ، أحب أن يكثر ، أشياء متعلِّقة به فقط ، أما إذا أحب أن يحفر حفرة بالسفينة ، هذه القضية متعلقة بسلامة السفينة ، فكل واحد بحسب مجتمعه ، الأسرة قارب صغير ، المدرسة ، المستشفى ، المعمل ، الشركة ، فإذا واحد ترك شريكه يؤذي ، دمره معه .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018