بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 095 - قواعد السلوك إلى الله2 - الصحبة - متى يجب أن تكون ومتى يجب أن تكون خلوة.


1997-11-16

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون:
 قبل أن أدخل في صلب الموضوع المخصص لهذا الدرس، لابد من مقدمة قصيرة وهي أن الإنسان إذا أصيب بمرض في عضو خطير لماذا يبحث عن أمهر الأطباء وعن أعلى الخبرات، وعن أدق الإمكانات، وعن أحدث الوسائل والأجهزة، لحرصه على حياته، أيهما أخطر حياته الدنيوية التي لابد من أن تنتهي بالموت، أم حياته الأبدية ؟ يعني أقرب الأمثلة: إذا أصيب الإنسان بمرض في عضو خطير، في عضو ينهي حياته كالقلب أو الدماغ، فإنه يبحث عن أمهر الأطباء وعن أحدث المستشفيات والتجهيزات، و هذا نابع من حرصه على صحته وسلامته. و قد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه الإمام أحمد مرسلاً أي ليس عن صحابي:

((عَنْ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ))

 الدين أخطر شيء في حياة الإنسان، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، الأمور كلها تعود إلى الدين، فلذلك اتفقنا و قد طرحت هذا في درس سابق، أن قضية الدين قضية مصيرية، لا يستطيع أحد على الإطلاق كائن من كان أن يعطي رأياً شخصياً في الدين، لأن مصير الإنسان متعلق فيه، لا يستطيع ولا يجرؤ ولا يسمح لأحد في الأرض كائناً من كان أن يعطي رأياً خاصاً في الدين، لأن الخطأ في الدين خطأ في المصير، الخطأ في الدين يؤدي إلى نار الجحيم:

 

((عَنْ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.))

 ابنَ عمر دينك دينك، إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، فمن حرصي الشديد على تكوين منهج عند طلاب العلم، منهج تلقٍ، أقول: لا تقبل شيئاً من دون دليل، ولا ترفض شيئاً من دون دليل والدليل الأول هو الكتاب، والذي يليه هو السنة، وما سوى ذلك يقاس بالكتاب والسنة، فإن وافقه فعلى العين والرأس وإن لم يوافقه فلا نأخذ به، ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس وما جاءنا عن سواه فنحن رجال وهم رجال، كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء، و بعدُ، فهناك موضوع في هذا الدرس قلما يطرح في مجالس العلم، وقد يرفضه بعضهم، هل ينبغي أن تكون مصاحباً لأهل الحق، أم أن تعيش وحدك، أيهما أولى ؟ أناس كثيرون جداً بل معظم الناس يرى أن يبقى وحده، فهو حر يقتنع أو لا يقتنع، ينصاع أو لا ينصاع، يقرأ الكتاب أو يستمع، لكنه غير ملتزم، ليس تابعاً لأحد، لا يسلم قياده لأحد هذا رأي معظم الناس، وإذا أردت أن تعذرهم فأحياناً معهم العذر، وأنّ أناساً توهموا أنّ الحق في هذه الجهة، فخاب ظنهم و أرادوا أن يبقوا أحراراً، ولكن القضية ليست مزاجية، قضية مصيرية، السؤال الذي أجيبُ عنه إن شاء الله في هذا الدرس: هل الأفضل أن تبقى وحدك ؟ تقرأ كتاباً، تسمع شريطاً ، تحضر خطبة الجمعة، تعجبك أو لا تعجبك، لِمَ تكون مع أهل الحق وتبحث عنهم ؟ هذا السؤال و إجابته تجدها في هذا الدرس، وعنوان درسنا هذا: الصحبة، أي هل ينبغي أن تصاحب أهل الحق، أم أن تبقى وحدك، تستعمل عقلك وحدك، طبعاً كما عودتكم وكما ألزم هذا المنهج إن شاء الله، إلى أن تنتهي الحياة، ليس من عندي شيء ولا أستطيع أنا ولا غيري ولا أكبر مني ولا أصغر أن يعطي في الدين رأياً من عنده، لأن أول كلمة قالها سيد المؤمنين سيد المؤمنين، الصديق رضي الله عنه أول وهو على المنبر في خطبة الخلافة قال إنما أنا متّبع، و لست بمبتدع، لا يحق لإنسان أن يبتدع، إنما أنا متبع.
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق قال كما نص القرآن الكريم: " إن أتبع إلا ما يوحى إلي "، هذا الذي يرفع قدرك عند الله، أن تكون ملتزماً بتعليمات الصانع، أن تكون ملتزماً بِمنهج الله عز وجل.
 فنحن متبعون ولسنا مبتدعين، في موضوع الصحبة هل ينبغي أن تعيش وحدك، تُحكِّم عقلك فقط و تنساق وراء مزاجك، يعجبك أو لا يعجبك ترضى أو لا ترضى، تقبل أو لا تقبل، تقوِّم الناس بتسرع، بلا تؤدة، بلا دليل، بنزوة طارئة، أم أن لك دليلاً أو مرجعاً في الحياة الدنيا ؟ وهذا المرجع له مرجع أيضاً، المرجع الذي ينبغي أن ترجع إليه يشبه لوحاً من البلور صافياً يشف عما وراءه، المرجع الذي ترجع إليه، مرجعه الكتاب والسنة، لا يقول لك افعل إلا بالدليل، ولا ينهاك عن فعل إلا بالدليل، ليس هناك مصالح لأحدٍ أياً كان. إذا كانت هناك مصالح فلا دعوة إذاً إلى الله عز وجل، المصالح منقطعة، قال تعالى:

 

 

﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50) ﴾

 

( سورة الأنعام )

 وقال:

 

﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145)﴾

 

 

( سورة الشعراء )

 وقال أيضاً:

 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)﴾

 

 

( سورة يس )

 حينما تلمح أنّ هناك مصلحة، مكسباً قريباً أو بعيداً، كثيراً أو قليلاً، فالدعوة انتهت وبقــيت المصلحة، والأرض ملأى بالتجمعات المصلحية، ففي العالَم ملايين الفرق والطوائف والأحزاب كلها قد تجمعت لمصلحة، فإذا كان التجمع لمصلحة فهذا من الدنيا، أما إذا كان الالتفاف مع أهل الحق في سبيل الله عز وجل فأنت متّبِع وتتعاون ولا تتنافس، تتبِع ولا تبتدع، تتعاون ولا تتنافس، تنصف ولا تجحد، فالابتداع و التنافس و الجحود علامات المبتدع. لذلك موضوع الدرس اليوم هل ينبغي أن أكون مع أهل الحق أم أن أكون مستقلاً لست مقيداً إطلاقاً، يعني حراً ؟ كلمة حر براقة ولكن وراءها ما وراءها، أن تكون حراً يعني أن تنحرف في الفتوى، إذا كانت مصلحتك في جهة فليس لك مرجع تستشيره، وليس لك قدرة على الوصول وحدك إلى حقائق الكتاب والسنة، لذلك قد تتعلق بآية تأخذ بظاهرها وتبني عليها حكماً وانتهى الأمر، إذا قال لك أحدهم قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)﴾

 

 

( سورة آل عمران )

 تقول النفي ليس عن أكل الربا، وإنما عن أكله أضعافاً مضاعفة، حُلّت المشكلة، إذاً ما دامت النسبة قليلة فلا مشكلة، كل معصية قد تجد لها ثغرة، و قد خطر في بالي مثل قريب، البـيت فيه غرفة ضيوف فيها ثريا غالية جداً فيها فرش نفيس جداً وسجاد، وغرفة صالون و غرفة طعام، هناك غرفة جلوس وآلات وكمبيوتر، هناك ثلاجة ومروحة ومكيف، ومطبخ وفي كل بيت هناك سلة قمامة، هل من الممكن أن يدخل إنسان إلى بيت لا يختار فيه إلا القمامة، ثم دخل لبيت آخر وأخذ القمامة، فجمّع قمامات البيوت في حاوية، و مثل هذه الحاوية كتاب ذكر مؤلفه أن الاختلاط: تلامُسُ الأجساد للأجساد، فإذا تباعد الجالس عن الآخر عشرة سنتيمترات فلم يعد هناك اختلاط، شيء جميل والله !! والثياب يجب أن تخفي لون العورة لا حجمها، أيْ أية ثياب ضيقة لا بأس، وقع تحت يدي هذا الكتاب قبل أسبوع، فلم أجد فيه معصية إلا مغطاة بدليل، ما رأيت مثلاً يعبّر عن هذا الكتاب إلا أنه حاوية، جمع قمامات الكتب في هذا الكتاب ورفع الحرج عن الإنسان وأطلقه ليفعل ما يشاء، فلذلك الحياة تحتاج إلى مرجع، فالإنسان بلا مرجع ضائع، ولو أن التعليم يصح بدون معلم لوفرنا على الأمة ألوف الملايين، و لألغينا عمل المعلمين، و ألغينا الأبنية المدرسية، و وفرنا الباهظ من المقاعد، ألغينا النفقات، تقريباً في كل العالَم أول ميزانية للتربية والتعليم رواتب المعلمين والمدرسين والجامعات، و لو كان بالإمكان التعلم من دون معلم لألفت جميع الدول وزارات التربية و التعليم، و الإمام الشاطبي في موافقاته وهو من أرقى كتب الأصول يقول في المقدمة التاسعة فيما أذكر: لا يمكن أن يطلب العلم إلا على يد عالِمٍ متحقق ورِع. و بعدُ، فلا زلت في التمهيد، أي هل يمكن أن تعيش وحدك، و بدون مرجع ؟ عقلك هو المرجع، كتاب في مكتبتك هو المرجع، وقد تجد كتباً والله أيها الإخوة وما أكثرها الآن فيها كل أنواع السلوك الإباحي مغطى ببعض الحجج الواهية فأنّى لك أن تكشف الحق من الباطل ؟ لا بد لك من مرجع متبصر متعمق عنده خبرات متراكمة يقدم لك رأيه ونصحه، فلذلك الشيء الثابت في علم النفس أن الإنسان إذا صاحب إنساناً يكتسب منه ومن علمه وخبرته ومن أخلاقه ومن نورانيته إن وجدت، هناك إذاً اكتساب، وهذا الشيء ثابت عندنا، في علوم النفس مثلاً إذا إنسان صاحب شخصاً، يتكلم بالحقوق، فبعد شهر أو شهرين يستقي منه أفكاراً وأدلة حتى أساليب في الحديث، أساليب في الحركات، صار لديه استقاء فأثر الصحبة ثابت حتى عند أهل الغرب، وعند كل الناس، فالإنسان اجتماعي بطبعه، فليس هناك إنسان يعيش بمفرده، إن لم يكن لك صاحب من أهل الحق فلا بد أن تتخذ لك صاحباً من أهل الباطل، إما أن يكون لك صاحب جيد أو صاحب سيء، صاحب يدلك على الله أو صاحب يدلك على النار، صاحب يزين لك الآخرة، أو صاحب يزين لك الدنيا، صاحب يغريك بالطاعة، صاحب يغريك بالمعصية، أبداً لابد من إنسان تركن إليه، تأنس به، من هو هذا الإنسان ؟ هنا المشكلة، فأنت ملزم ولَسْتَ مخيراً، في البنية الاجتماعية.
 فالله عز وجل حينما خلق الإنسان اجتماعياً بطبعه، لا يمكن أن يعيش بدون أناس، إذاً لابد من أناس تعيش معهم، من هم هؤلاء الذين ينبغي أن تكون بينهم ؟ هذا هو موضوع درسنا، فإذا لغى أحدٌ الصحبة الصالحة فله صحبة من نوع ثان، إذا كان له إخوان في المسجد، جلسوا يذكرون الله عز وجل، وتلطفوا له بالقول وتحدثوا معه في أمور الدين، وفي أمور القيم وفي أخبار الصحابة الكرام، وتحدثوا عما ينبغي أن يكون عليه المؤمن، فإن لم يكن له مثل هؤلاء، كان له جلساء آخرون مزاحهم جنسي، ونكاتهم قبيحة، وعلاقاتهم فيها أثرة وليس فيها مؤاثرة، أنت اجتماعي لابد لك من أناس تألفهم، تركن إليهم تحقق الدافع الاجتماعي في نفسك، هذه الفكرة الأولى أنت إنسان اجتماعي، لابد لك من مجتمع تعيش فيه، الـخيار إذاً بين شيئين لا ثالث لهما، جليس صالح أو جليس سوء، لذلك هؤلاء الذين اختارهم الله جل جلاله ليكونوا أصحاب نبيه الكريم، ما الذي جعلهم يفوزون؟ صحبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام، أحد الصحابة و اسمه عقبة الجهني كان عنده غنيمات وكان يحرص عليها حرصاً بالغاً، فبلغته رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام فبايعه، وعاد إلى غنيماته، كان يؤثر أن يبقى مع غنيماته وأن يستمع من أصحابه ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، ثم خاطب نفسه قائلاً: ينبغي أن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصحبه وترك غنيماته، و ما كان يخطر في باله أن يكون قائداً فتحَ الشام، وتولى أمر مصر وكان من أعلم العلماء، ومن أرقى القراء لقد تحدثت عنه في خطبة حديثاً طويلاً أن هذا لو بقي مع غنيماته في الصحراء، ماعرفه أحد، لكنه لما صحب النبي عليه الصلاة والسلام بلغ ما بلغ، إذاً أصحاب رسول الله ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بصحبتهم مع رسول الله، أي من جالسهم سرى إليه حالهم وكلنا نعرف هذه الحقيقة، أي إذا الإنسان صاحب مؤمناً أرقى منه يشعر بسعادة، يأنس به يستمتع بحديثه، يستفيد من كلامه يشعر بحال متميز مع الله، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: أولياء أمتي إذا رُؤوا ذُكر الله بهم، هذه من علامة الولاية، أنك إذا رأيت هذا الإنسان ذكرت الله عز وجل، يعني من جالسهم سرى حالهم إليه، من جالسهم تأدب بأدبهم، من جالسهم استقى من أخلاقهم، وابتعد عن زلاّت الناس، هنا نواجه السؤال الدقيق، أهؤلاء الذين خلفوا رسول الله عليه الصلاة والسلام أموجودون في كل مكان ؟ الجواب: نعم، الدليل لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة، لا تخلو منهم الأرض فابحث عنهم، لا تخلو من نفر عرفوا الحق و استقاموا على أمر الله، و طلبوا وجه الله عز وجل، أبداً، وهذه حجة الله على خلقه، هؤلاء قد يتسعون وقد يتقلصون، في العهود الغابرة كانوا كثيرين جداً، في زمن الفساد و الفتن ضاقت دائرتهم، ابحث عنهم لكن يجب أن تؤمن أن الأرض لا تخلو منهم أبداً، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما جاء في فيض القدير، أخرجه الحاكم و رواته على شرط مسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة، يعني لا بد من وارث محمدي، لا بد من رجل عرف الله، لا أقول لكم كلمة المعرفة المطلقة و لا المعرفة التي ترقى لمعرفة رسول الله، هؤلاء صدقوا لكن أحياناً يكون لدينا كتيبة عسكرية فيجب أن يقودها لواء، لكنه غير موجود، هناك عندنا مقدم فلا بأس، أقل من مقدم لا بأس، فهذا الموجود، و لكن لابد لها من قائد، والمقولة الثابتة: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم يعني: أناس جلسوا في بيوت الله يتدارسون كتاب الله، الله جل جلاله ينزل عليهم السكينة تتغشاهم الرحمة، تحفهم الملائكة، يذكرهم الله فيمن عنده "
 أنت في بيت الله، أنت في ضيافة الله، أنت جالس ليس هناك مقعد مريح ولا ضيافة طيبة، أنت جالس لتستمع إلى الحق و الثمار التي تقطفها بحضور مجلس العلم قد لا تصدق أنها أمن وطمأنينة، و أنها توفيق، و أنها نور يقذفه الله في قلبك، هذه المجالسة علامة المجانسة، أيُّ إنسانٍ إذا صاحب أهل الحق اقتبس منهم بالاقتداء، ونال بالاستفاء والتأثر الروحي، النقطة الدقيقة التي أُلح عليها أن الإنسان عنده أمراض كثيرة جداً و هذه الأمراض إذا عاش مع مثيله من المرضى فلا أحد يعرف مرض الآخر أما الإنسان الطبيب الماهر المعافى من هذه الأمراض يكشف هذه الأمراض سريعاً، لذلك قالوا: أكبر مكسب وأكبر ثمرة من ثمار المصاحبة أن هؤلاء الذين تصحبهم ولك ثقة بعلمهم وأخلاقهم وحالهم العالي، هؤلاء يخلّصون طالب العلم من أمراضه الخفية، و أحياناً يقرأ الإنسان نصاً يكون حديث عهد بالعلم فيغلط عشرين غلطة في الصفحة لكن الأصول والأدب والكمال والطريقة الحكيمة أن تتلقى هذه القراءة بالقبول وتنبهه إلى غلطة واحدة وفي المرة الثانية تنبهه إلى غلطة أخرى، أما أن تصب عليه الأخطاء صباً فهذا مما يزعجه وقد ينفره و أهل الحق عندهم حكمة في تطهير الإنسان من بعض أخطائه، وأنا لي كلمة شهيرة: ليس العارُ أن تخطئ ولكن العار أن تبقى مخطئاً، كل بني آدم خطّاء، ليس العار أن تجهل، العار أن تبقى جاهلاً. فالجهل المؤقت ليس عاراً والخطأ المؤقت ليس عاراً وربنا عز وجل يؤدبنا، و أنا أسمع من إخواننا آلاف القصص، كيف أن الله عز وجل لفت نظره بلطف، أدبه، نبهه، وهناك قصص كثيرة جداً، و قد سئل النبي عليه الصلاة والسلام: ما هذا الأدب يا رسول الله ؟ قال: أدبني ربي فأحسن تأديبي، فإذا لم يكن للإنسان مؤدب فهذه والله مشكلة، أحياناً ترى شخصاً أرعناً وقحاً لئيماً كلامه فيه فوقية، و هو لا يشعر بحاله، فمن سينبهه ؟ إنْ لم يعش مع إنسان أكمل منه يعلمه فكيف يتوازن ؟ و الإنسان عندما يعيش مع الكاملين يجد أخطاءه واضحة، صارخة، إذا عاش مع الساقطين يرى نفسه ولياً، يجب أن تعيش مع الكاملين لا مع الساقطين، أحياناً تجد كلمة مثيرة، لكن عليه الصلاة والسلام قال: يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامك، ما هي الكلمة البديل ؟ ساقك ! انتقى عليه الصلاة والسلام كلمة لا تثير الشهوة أبداً، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾

 

 

( سورة المؤمنون )

 و قد سُئلَ صحابي جليل و أكبر من النبي سناً: أيهما أكبر أنت أم النبي ؟ فقال: هو أكبر مني ولكني ولدت قبله، ما هذا الأدب ؟ لقد جاء عكرمة بن أبي جهل العدو اللدود الذي حارب النبي ونكّل بأصحابه مسلماً، فقال عليه الصلاة والسلام: جاءكم عكرمة مسلماً فإياكم أن تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت، ما هذا الخلق الرفيع ؟ قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

 

( سورة القلم )

 أي إذا لم تصاحب أهل الحق و إذ لم تَرَ من أدبهم ومن حيائهم ومن ضبط ألسنتهم ومن حسن تصرفهم ومن حكمتهم فمن أين تستقي هذه الكمالات ؟ فالإنسان لا بد له من مثل أعلى، لابد له من أناس يركن إليهم، و هأنذا أقول كلمة وأنا متأكد من صحتها: أحياناً أخ يلتقي مع بعض الإخوان، يجلس معهم جلسة يطير شوقاً إلى الله، كلام طيب، كلام فيه أدب وموضوعية ووفاء واحترام متبادل، فيه تضحية وإيثار، يستقي من أدبهم وعلمهم وحكمتهم، و الإنسان لن يصبح طبيباً إلا إذا درس في جامعة، و لا بد لك من مرجع تستقي منه، وكل إنسان في الجامع هو مرجع لمن هو مستجد، لك دور كبير جداً، يأتي أخ جديد يصاحب أخاً، يسهر معه سهرة فيجد من كلامه الطيب، من أدبه الرفيع، من حلمه، من كرمه وعطائه، فالذي يقربك من الله إخوانك الذين سبقوك بالإيمان، فأنا أصر طبعاً و لم تأت الأدلة بعد، على أن تكون مع أهل الحق، على أن يكون لك مرجع، تستشيره تستهديه تأخذ برأيه المعلل بالدليل، فهذه الأمراض القلبية، والعلل النفسية تستفحل إلى درجة أنْ تؤذيك، إن لم يكن لك مرجع، خبير، إذاً ليكن لك إخوان كمّل وأنت بينهم يتلطفون معك ينبهونك بإشارة، أو بعبارة، أو بصمت أحياناً، صمتهم توجيه، خرجت كلمة نابية فسكتوا جميعهم ولم يعلقوا بأي تعليق، أحياناً ندّت مزحة غير لائقة فلم يضحكوا فقد نبهوك ولكن بأدب و لم يخجلوك أو يحمِّروا وجهك، سكوتهم توجيه، فالإنسان يتأدب بمن سبقه في الإيمان، يتأدب بالأكمل، بالأقوى، المشكلة الخطيرة أن تكون منحرف العقيدة والسلوك وأنت في وهمك أنك أحسن الناس، وأنك أرقى الناس، وأنك على الحق المبين، قال تعالى:

 

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)﴾

 

 

( سورة الكهف )

 هل هناك بيت ليس فيه مرآة ؟ إخواننا الكرام، بيت بلا مرآة ممكن، و لكنك تريد تصفيف شعرك، تريد أن ترتدي ملابسك، فلا بد من مرآة، وهل تصدقون أن المؤمن مرآة أخيه المؤمن، أنت بحاجة إلى مؤمن لأن المؤمن مرآة المؤمن، به ترى عيوبك ولكن بنعومة، بلطف، و بالمناسبة استمع الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ ))

 ولكن هناك مرآة صافية تريك حجمك الحقيقي، تريك مرتبتك الحقيقية، وهناك مرآة جرباء تشوه الصورة، وهناك مرآة تكبِّر، هناك شخص يكبرك زيادة، وعندما كبّرك زيادة و صدقته، فتعاملت مع الناس بهذا الحجم الكبير فإنه يكون قد آذاك بذلك و يضعك في موقف إحباط، أراد أن يضعك في موقف حرج، هناك مرآة مقعرة تكبِّر وهناك شخص كيفما جلست معه يصغرك، بأيّ شيء تكلمت يسفه لك رأيك وعملك ووظيفتك وإنجازك وشهاداتك ودخلك، نمطه مرآة محدبة، فالمؤمنون مرآة صافية مستوية، المؤمن مرآة صافية مستوية، أما غير المؤمن إما مرآة جرباء تشوه الصورة أو تكبّر أو تصغّر، الأكمل ألا تكبِّره ولا تصغّره، أعطه حقه، كن منصفاً، وعامة الناس إذا أحبوا إنساناً رفعوه إلى أعلى عليين، وإذا سخطوا على إنسان جعلوه في أسفل سافلين وهذا ظلم وهذا عدم إنصاف قال تعالى:

 

 

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

 

 

( سورة الأحزاب )

 سيد المربين رسول الله، سيد العلماء رسول الله، سيد الحكماء رسول الله، في النهاية القدوة المطلقة رسول الله بأخلاقه وحكمته وتربيته وأدبه الرفيع، كان أشد حياء من العذراء في خدرها، قال أبيّ بن كعب رضي الله عنه كنت في المسجد فدخل رجل فصلى، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فلما قضيا الصلاة دخلنا جميعاً على النبي عليه الصلاة والسلام فقلت: يا رسول الله إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، فدخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فأمرهما النبي عليه الصلاة والسلام أن يقرأا، فحسّن النبي شأنهما معاً، أبي كان قاسياً، و لابد له من أن يمسك السيف ويهوي به على أحدهما، أما النبي عليه الصلاة والسلام حكيم حسّن قراءتيهما معاً فسقط في نفسي فأُسقط في يدي ثم داخلني ريب، لماذا هذا الذي حدث ؟ قال: فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام ما غشيني ضرب في صدري ففضت عرقاً وكأني أنظر إلى الله فَرَقاً، النبي مُربٍّ، النبي هادٍ، أحياناً مثلاً إنسان يقرأ قرآناً أمامك غاب عنه الإدغام هناك مُقرئِين يسبونه أحياناً، أنت بذلك تكون قد حطمته، دع الإدغام لا يظهر ولكن احفظ له كرامته، هناك أناس فيهم قسوة بالغة أحياناً و ليس عندهم حكمة، تدريس ولكن بدون حكمة، فالنبي علّمنا. أحد الصحابة أثناء الصلاة عطس فقال له شخص آخر: يرحمك الله، بدوي جاء من فترة قصيرة إلى المدينة فصحابي ضربه على رجله وقال له: اسكت، فخاف خوفاً شديداً، خاف عند انتهائه من صلاته أن يميته ضرباً، فلما انتهت الصلاة قال له النبي: يا أخي إنّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنها التسبيح والذكر، فقال: بأبي هو وأمي والله ما قهرني وما عنّفني وما رأيت معلماً أرحم منه ولا أحكم، علّموا ولا تعنّفوا فإن المعلم خير من المعنّف، أحياناً يكون ابنك تعباً كلمة قاسية تجعله ينفجر، بل عليك أن تثني عليه بشيءٍ موجود فيه، ذات يوم دخل رجل ليلحق الصلاة مع النبي فملأ المسجد صخباً وضجيجاً، فلما انتهت الصلاة، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: زادك الله حرصاً، ولا تعد، أثنى على حرصه، لكن أخطأ في الوسيلة، إخواننا الكرام هناك آيتان في القرآن الكريم أكثر المؤمنين يغفلون عن دقائقهما قال تعالى:

 

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)﴾

 

 

( سورة الجمعة )

 يزكيهم، هي أكبر مهمة للنبي عليه الصلاة والسلام وللدعاة من بعده هذا مقام التربية، مقام التربية أبلغ من مقام التعليم بمليون مرة، التعليم: ألقى محاضرة وانتهى الأمر، ألقى المحاضرة وانتهى كل شيء، لكن الحقيقة لم ينته شيء بالأساس، أما التربية أن تلاحظ كل أخ كيف وضعه، و صلته بالله و إقامته، وضعه المعاشي، إقباله على الله، ماذا بحياته من عقبات ؟ ماذا لديه من المشكلات ؟ التربية تعني أبوة، الآن نصل إلى الأدلة، و السؤال: هل الأفــــضل أن تعيش وحدك مرجعك عقلك والكتب بين يديك والأشرطة كثيرة جداً والمحاضرات كذلك ؟ وكل يوم في جامع، و تقول أنا لا علاقة لي بأحد، أنا حر طليق، أنا مستقل، أليس هناك نواب مستقلون، نواب يمثلون جهات معينة، و تبقى تردد: أنا مستقل و هذا خطأ واضح و بعدُ، فإليك الأدلة، و هذه أول آية قال الله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

 

 

( سورة التوبة )

 أمر إلهي يقتضي الوجوب، والأدق من ذلك أن تفهم الآية فهماً عميقاً، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولن تستطيعوا إلا إذا كنتم مع الصادقين، اتقوا الله من أجل أن تحققوا هذا الهدف: كونوا مع الصادقين، أنت بحاجة إلى بيئة راقية، والكلام الآن دقيق جداً تجد شخصاً متماسكاً ضعه في بيئة فاسدة يحافظ على تماسكه إلى حين ثم يهوي، لكن الإنسان الذي يعيش في بيئة راقية يسمو، هذه البيئة لها أثر كبير جداً، وليس هناك إنسان يصل إلى الله إلا بحمْية اجتماعية يصاحب من يشاء، و ذات مرةٍ في درس من دروس جامع الطاووسيّة كان هناك توفيق إلهي وقف أحدهم فجأة و قال: أستاذ، وليس من المألوف داخل درس عام أن يتكلم أحد معترضاً، قال لي: يا أخ نسمع منك شيء جميل جداً، وعندما نذهب إلى البيت نرجع كما كنا، ما هذه القصة، فألهمني الله جواباً سريعاً، قلت له: غيّر الطقم كله، إذا لم تغير الطقم فهذه مشكلة، إذا كان الطقم قديم: لعب طاولة ومزح ومناظر وشاشة مفتوحة وأفلام وصحون، فكل شيء حصّلته بالمسجد تفقده بالبيت، إذا لم تغير الطقم فليس هناك حل، لذلك قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

 

( سورة التوبة )

 هذا أمر إلهي يقتضي الوجوب، بل إنّ تفصيل هذا الأمر إن لم تكن مع الصادقين لن تستطيع أن تتقي الله عز وجل، الثاني: من هم الصادقون ؟ قال العلماء: هم الصفوة من المؤمنين الذين عناهم الله بقوله تعالى:

 

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾

 

 

( سورة الأحزاب )

 اسم القرآن مثاني لأن كل آية تنثني على أختها فتفسرها قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

 

( سورة التوبة )

 من هم الصادقون ؟ قال العلماء: هم الصفوة من المؤمنين الذين عناهم الله عز وجل بقوله:

 

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾

 

( سورة الأحزاب )

 الآية الثــانية موجهة إلى النبي عليه الصلاة والسلام ولكل مؤمن من خلال النبي عليه الصلاة والسلام قال تعالى:

 

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾

 

( سورة الكهف )

 طبعاً هناك سهرة في مسجد وهناك سهرة في ملهى وهناك سهرة بالبيت هناك اختلاط وهناك غناء ومزاح ونظرات غير مهذبة وتعليقات غير سليمة وهناك عشاء فخم وجلسة مريحة وفيها سرور وفيها بهجة، وهناك جلسة بمسجد قال تعالى:

 

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾

 

 

(سورة الكهف )

 هذا هو الدليل الثاني، أما الدليل الثالث قال تعالى:

 

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)﴾

 

( سورة لقمان )

 اتبع طريق الذي أناب إلى الله ورجعَ إليه وأقبلَ عليه واصطلحَ معه فاتبع سبيله، الدليل الرابع قوله:

 

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً (29)﴾

 

( سورة الفرقان )

 الدليل الخامس قال تعالى:

 

﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)﴾

 

( سورة الزخرف )

 لا بد لك من خُلّة مع المتقين، وأن تتخذ مع الرسول سبيلاً وأن تتبع سبيل من أناب إلى الله وأن تصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي وأن تكون مع الصادقين، هذه خمسة أدلة، أما الدليل السادس قال تعالى:

 

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

 

( سورة الفرقان )

 هذه ستة أدلة من كتاب الله و الدليل السابع قول سيدنا موسى عندما قال لسيدنا الخضر: قال تعالى:

 

﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66)﴾

 

( سورة الكهف )

 هذه سبع الآيات ألا ينبغي أن تكون دليلاً قاطعاً مانعاً جامعاً تدفعنا إلى أن نكون مع المؤمنين، وألا نكون مستقلين، الآن الدليل من السنة قال الرسول:

 

((عَنْ أَبِي مُوسـَى رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً ))

 إذاً فهناك جليس صالح وجليس سوء، وحديث آخر:

 

 

(( عن ابن عباس رضي الله عنه قال: يا رسول الله أي جلسائنا خير، قال: من ذكركم اللهَ رؤيتُه، وزاد في عملكم منطقُه، وذكركم في الآخرة عملُه ))

 يعلمك بعمله ويعلمك بمنطقه ويذكرك بالله عز وجل مثل هذا صاحبه، الدليل الثالث:

 

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ))

دليل آخر:

 

 

((عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأَُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَْنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلاَ أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لاَ يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلاَ يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الآْيَةَ ( أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)"))

 والله شيء جميل، هناك مخاوف بالأرض الآن تسحق أكبر إنسان، الأمراض وحدها شيء محير، و نفقات علاج الأمراض فوق طاقة الإنسان، في الأمراض وحدها القهرُ العام، أحياناً ترى شعوباً متخلفة و الدول العظمى تسحقها سحقاً، المخاوف كبيرة جداً فلذلك هؤلاء المؤمنون الصادقون لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، و هذا دليل آخر:

 

 

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ كَعَمَلِهِمْ، قَالَ: أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ: فَأَعَادَهَا أَبُو ذَرٍّ فَأَعَادَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

لأن القوم لا يشقى بهم جليسهم. أيْ: لك شفاعة، وأدق نص هذا الذي تركته للأخير و هو:

 

 

(( عَنْ حَنْظَلَةَ الأُْسَيِّدِيِّ قَالَ وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الأَْزْوَاجَ وَالأَْوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَْزْوَاجَ وَالأَْوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ فنَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ))

 يكون هناك تجلٍ بالدرس أحياناً وسرور، راحة، طمأنينة، لكنَّ كل الهموم تتوالى بالطريق و هذا شيء طبيعي، هذه و في المسجد ضيافة الله عز وجل، وأنت آت لعند الله وليس لعند الشيخ، الله عز وجل يلهم هذا الرجل الذي نذر نفسه للدعوة لله، أن يختار شيئاً يناسبك، فأنت أتيت لبيت الله، وهذا بيته، فهذا الشعور بالسرور والأمن والطمأنينة والسعادة والراحة النفسية من ضيافة الله للمسجد والدليل الدقيق جداً:

 

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

 هناك تجلٍ، و سكينة، و هناك توفيق من الله، هم في مساجدهم والله في حوائجهم، بالمقابل:

 

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلاَّ قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً ))

 حديث الدنيا لا ينتهي، وهناك تنافس مستمر، وهناك أناس محرومون وآخرون متفوقون، وأناس معهم أموال طائلة وأناس ليس معهم شيء وأناس تكاد تنفجر بطونهم من كثرة الأكل وأناس يتمنون أكل لقمة، فيلّا بناها بخمسين مليوناً من أجل أسبوعين بالصيفية وآخر لا يوجد عنده غرفة بضاحية " عين ترمة " مثلاً، اجلس معهم تجد أن هناك مشكلات لا حصر لها. أما أنت فقد تحدث عن الله عز وجل و تصغّر الدنيا في عين الناس، الدنيا مؤقتة، تتمة الدليل قال له: نافق حنظلة، فقال له: ولِمَ يا أخي، قال له: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين و قرن بين السبابة و الوسطى فإذا عافسنا الأهل ننسى، انظر إلى الأدب قال له: وأنا كذلك يا أخي، أحياناً: أخ لك يشكو لك من زوجته فتقول له: أنا زوجتي ممتازة والحمد لله، قد تكون كاسرة خاطره ويقول لك: زوجتي ممتازة، يقول آخر: والله ابني أتعبني، فيقول جليسه: أنا الذي عندي الله يرضى عليه، ممتاز ملاَك. هذا كلام فيه قسوة، قال له: وأنا كذلك يا أخي، أرأيت إلى هذا الأدب و إلى هذا التواضع، ثم قال: انطلق بنا إلى رسول الله، فذهبا إلى النبي وحدثاه بقول حنظلة فقال عليه الصلاة و السلام: أما نحن معاشر الأنبياء فتنام أعيينا ولا تنام قلوبنا أما أنتم فساعة وساعة، نحن معاشر الأنبياء على اتصال دائم، انظر وتمعَّنْ: ساعة إقبال وساعة فتور، وليس ساعة إدبار، إقبال وفتور، لأن المؤمن مستقيم دائماً و لا إدبار لديه، فلو أعرض عن الله فإنه يعصيه، قال الرسول:

 

 

(( إن للنفس إقبالاً وإدباراً، فإن أقبلت فاحملوها على النوافل، وإن فترت فاحملوها على الفرائض))

 مهما كنت متضايقاً فعليك بالصلوات وغض البصر و حفظ اللسان و هذا ثابت، أما إذا كان هناك إقبال فهناك قيام ليل، و إذا كان هناك تألق فهناك قراءة جزء من القرآن كل يوم، ممكن أن تصلي صلوات نافلة وتصوم كل اثنين وخميس، و تعمل أعمالاً صالحة كثيرة جداً. هذه في حال الإقبال، أما بالفتور فإذا كان هناك مشكلة تعاني منها وهناك فتور فحافظ على الفرائض، وإن شاء الله هذه لا تطول و تخرج منها بعافية، قال له:

 

 

((عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الأَْزْوَاجَ وَالأَْوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَْزْوَاجَ وَالأَْوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ فنَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلاَثَ مَرَّاتٍ))

 معنى ذلك أن كل مؤمن في بيت الله له حال مع الله، و هذه علامة إيمانك: الطمأنينة، هذا الدليل السادس من السنة، و بعد، فقد أصبح عندنا سبع آيات قرآنية وستة أدلة من السنة ألا تكفي هذه أن تكون مع الصادقين، أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد قدمت شيئاً بهذا الدرس، فخلاصة موضوع الصحبة: لا بد لك من أن تكون مع أهل الحق، لا بد من أن يكون لك مرجع تثق بعلمه وورعه، لا بد من أن تعيش مع المؤمنين من أجل أن تكون في بيئة صالحة، أحياناً يشتري المزارع أغلى بذرة ويضعها في تربة سمادها غير جيد، غير مخمر، غير معقم، فتتلف البذرة، يأتي مزارع آخر ببذرة وسط أو أقل من وسط يضعها في تربة معقمة مسمدة فتنمو، فالبيئة لها أثر كبير جداً في رقي الإنسان، و إن شاء الله لنا متابعة في هذا الموضوع، فهو موضوع أساسي جداً ولكني أرجو الله سبحانه وتعالى أن تحافظوا على مجالس العلم، فهذه نفحات إلهية، و الإنسان بلا علم تائه، شارد، ضال، بلا مرجع حائر، و أحياناً ييأس، و أحياناً تغلب عليه السوداوية، و أحياناً يرى مع الله آلهة أخرى، يرى فلاناً قوياً وآخر غنياً وفلاناً يعطيه وآخر يمنعه، نسي الله واتبع الناس فضاع وتشعب، قال الرسول:

 

 

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لأٍَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ فَهَانُوا عَلَيْهِمْ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ))

 فلتبق أنت موحداً ولا بد لك من مرجع، وهذه سبع آيات وستة أحاديث تؤكد أنه لا بد من الصحبة، لا بد من أن تكون مع أهل الحق، لا بد لك من مرجع تركن إليه تثق بعلمه وورعه والجماعة رحمة والفرقة عذاب:

 

 

((قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لاَ تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاَةُ إِلاِّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ.))

 والحياة المدنيّة حياة تفرق، لي صديق ذهبت إلى عيادته فأخبرني أنه يسكن في ركن الدين، بحارة كذا ببناء كذا و قال لي: إنه بالطابق الرابع فلعلي طرقت الطابق الثالث، سألتهم عن فلان فقالوا لي: لا نعرفه، هم صادقون فلا يعرفون اسمه، له أربع سنوات ساكن و لا يعرفونه، هكذا الناس كل واحد في بيته، لا أحد يعرف أحداً، أما المؤمن، فله أصدقاء و إخوة مؤمنون يعيش بينهم عندئذ لست وحدك في الحياة أنت ضمن إخوة كرام صادقين، والله أيها الإخوة أحياناً تُحل أكبر مشكلة بتعاون الجماعة، وأحياناً إنسان يعيش وحده تحطمه أقل مشكلة، أكبر مشكة تحل بالجماعة وأقل مشكلة تُحطم إنساناً ندّ عن الجماعة المؤمنة، فإذا كان الإنسان مع المؤمنين فهو في رحمة الله:

 

 

(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلاَلَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ ))

 عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة:

 

 

(( قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لاَ تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاَةُ إِلاَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ ))

 فجواب السؤال الذي طرح أول الدرس هل الأفضل أن تعيش وحدك؟ يقول: أنا عندي أشرطة وأقرأ كتباً وأحضر خطباً، أنوِّع وأنا مستقل وليس لي علاقة بأحد، فاحذر فقد تفتي فتوى غير صحيحة وقد تقنع قناعة غير صحيحة، وقد تنحرف انحرافاً خطيراً، أما أن تكون مع المؤمنين، مع الصادقين، فلك عندئذ مرجع تثق به. هذا هو الدرس اليوم عنوانه: " الصحبة " وما سُمي أصحابُ النبي أصحابَ النبي إلا لأنهم صحبوا النبي والنبي عليه الصلاة والسلام مثل أعلى، قال: إنّ الله اختارني واختار لي أصحابي. والإنسان على قدر صدقه وإخلاصه يجمعه مع من يستفيد منه

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018