بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 048 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


1992-09-13

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... كلكم يعلم أن الفرائض خمس ؛ الشهادة، وصوم رمضان، والصلاة، والحج، والزكاة، أما هناك فريضة سادسة بإجماع علماء الأمة، وفرضيّتها جاءت من قوله تعالى:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 104 " )

 هذه اللام لام الأمر ، لام الأمر مع الفعل المضارع ، في مستوى فعل الأمر الصريح، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضةٌ سادسة.
 لك صديق وزرته بمقر عمله، معين سكرتيره مثلاً، أنت كمسلم صديقك ، ولك عليه هيمنة ، إن صح التعبير ، لك عليه بالتعبير العامي ( موانة )، بينك وبينه حديث طويل ، فإذا سكَت ، وقلت: ما لي وله، يصطفل ، يعرف ذنبه. هذه كلمات لا ترضي الله عز وجل ، طبعاً ليس معنى الأمر بالمعروف أن تسبه ، ولا أن تقرّعه ، ولا أن تتهم عقله ، لا، من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ، وقد زرت صديق في مقر عمله وجدت عنده سكرتيره ، فقلت له هذا الكلام: أتمنى أن تستبدلها بموظف، قال لي: جزاك الله خيراً، والله زارني عدد كبير من الأصدقاء ما أحد ذكر ذلك، وفعلاً بعد فترة استبدلها بموظف.
 فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة سادسة ، كيف أنك تصلي ، وتصوم، وتحج، وتزكي ، وتشهد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضةٌ سادسة ، ولو كنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر لكنا في حال غير هذا الحال، ولأن الله سبحانه وتعالى لا يعم بلاؤه الناس جميعاً إلا إذا كان الصالحون مقصِّرين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وما قال الله عز وجل:

 

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾

 

 

( سورة هود )

 ما قال: صالحون، بل مصلحون، فأنت بشكل مبسَّط أليس لك أقارب ؛ إخوة ، أخوات، أبناء ، آباء، ألا تزورهم ؟ إن رأت منكراً، طبعاً الأسهل أن تصمت ولا تتكلم بكلمة واحدة، الأسهل أن تكون متملِّقاً لهم ، الأسهل أن تجاملهم ، لأسهل أن تكف عن أمرهم بالمعروف، لأنه في متاعب ، سيقول لك: أنت وشيخك غلطان ، أول كلمة رأسا وصل للشيخ ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل الغيرة ، إذا في عندك غيرة ، مثل بسيط أحضره لكم:
 ثلاثة أطفال يمشون بالطريق ؛ واحد ابنك ، وواحد ابن أخوك، وواحد لا تعرفه ، هم لا يرونك، سمعت حديثاً بذيئاً فيما بينهم ، أو رأيتهم يدخِّنون ، ألا تغلي بالنسبة لابنك ؟ ابن أخوك أقل درجة ، يا عم لماذا هكذا تفعل ؟ أما ابنك تمسكه، وتشده وتعمل له ليلة ليلاء، أما الثالث روح امشي اذهب لبيت أهلك، ولا كلمة تكلمه، فعواطفك دائماً مع أقرب الناس لك .
 أما أنت كمسلم ومؤمن لو رأيت إخوانك المسلمين إخوة لك فعلاً ، لو رأيت إخوانك المؤمنين إخوة لك فعلاً، ورأيت أحدهم في طريق الهاوية، في طريق الهلاك، في طريق المعصية، طبعاً أقول لك بالحكمة، آتاك الله حكمة، وعقلا، وذكاءً، وأسلوباً تربوياً وتسكت!! والله هذا شيء يدعو إلى الشك بإيمانك.
 أقول لكم هذه الحقيقة أيها الإخوة: حينما تنسجم مع أهل الفسق والفجور انسجام تام في لقاءاتك معهم، في سهراتك ، في نزهاتك ، في الدعوات ، تنسجم تماماً، وتصمت عن كل منكراتهم ، وعن أقوالهم ، وعن فُحْشِهِم ، وعن شركهم، وعن طرحهم للقضايا من دون أن تحدث نفسك بأن تبين لهم، بأن تنصحهم ، فهذه علامةٌ، وأعني ما أقول، وأنا مسؤول عما أقول، علامة خطيرة جداً جداً جداً، وإليكم الدليل، الحديث الذي بين أيدينا ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

 

((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ))

 أضعف الإيمان لها معنيان ؛ المعنى الأول: إن رأيت منكراً ولا تستطيع أن تغيّره لا بديك ولا بلسانك، معنى ذلك الإيمان ضعيف جداً في هذا المجتمع ، فإذا تكلَّمت لم يعنك أحد، بل هجم الناس عليك ، إن بلغت هذا الحد، إن عشت في مجتمعٍ هذا شأنه وهذا حاله، فأنت في مجتمعٍ الإيمان فيه ضعيف جداً هذا معنى ، هذا معنى يريح ضِعاف الإيمان، المعنى الثاني: إن هبت أن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر بيدك وبلسانك، فهذا دليل ضعف إيمانك ، المعنى الأول مقبول وصحيح ، والمعنى الثاني مقبول وصحيح ، اختر أحد المعنيين..

 

 

(( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ))

 

( رواه مسلم )

 إما أنك تعيش في مجتمع الإيمان فيه ضعيفٌ جداً، بحيث لا تستطيع أن تغيِّر المنكر بيدك، ولا بلسانك.
 ورد في بعض الأحاديث

(( أنه يأتي على الناس زمان يذوب قلب المؤمن في جوفه ، مما يرى ولا يستطيع أن يغير "))

 فإما أن أضعف الإيمان تعني إنك إن لم تستطع أن تأمر بالمعروف أو تنهى عن المنكر، فاعلم أنك في مجتمع الإيمان فيه ضعيف جداً، أو إنك إن قَدَرْتَ على أن تأمر بالمعروف ؛ أن تغير المنكر بيدك، أو بلسانك، فاكتفيت بقلبك، فهذا دليل ضعف إيمانك .
 يروى أن أحد الخلفاء، مروان بن الحكم، بدأ بالخطبة قبل صلاة العيد، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين الصلاة قبل الخطبة . يبدو أن أمير المؤمنين لم يلتفت ولم يجبه ، فقال أحد الحاضرين: أما هذا فقد قضى ما عليه ، عليه أن يقول وقد قال وانتهى الأمر .
 أحياناً في حالات إن فعلتها نجوت ، وإن لم تفعلها هلكت ، إن فعلتها نجوت ؛ لك أخ يقاطعك ، قلت له: السلام عليكم. ما رد عليك السلام، نجوت، وبقي الإثم متعلقاً فيه ، قال: أما هذا فقد قضى ما عليه .
في حديث آخر

((ما من نبي بعثه الله في أمة ـ هذا الحديث أعلق عليه أهمية كبيرة ـ قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تَخْلُف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ـ الآن دقق ـ ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ))

( من رياض الصالحين: عن " ابن مسعود " )

 ما نكرت عليهم ؛ لا بيدك، ولا بلسانك، ولا بقلبك ، انظر لكلام النبي الكريم أي ليس في قلبك مثقال حبة خردلٍ من إيمان، إذا قاعد مع مجتمع فاسق، ولا تشعر بالفسق إطلاقاً، ومنسجم تماماً، وفي علاقات حميمة ومودة كبيرة، رغم أن الأصحاب يشربون ويتكلمون بالفحش ، قال: فاعلم أنه ليس في قلبك مثقال ذرة من الإيمان، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم ، قضية مشاعر، من أبسط مشاعر المؤمن الغيرة.
 إذاً فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، هؤلاء الذين يقولون ما لا يفعلون، أو يفعلون ما لا يؤمرون، من جاهدهم بيده فهو مؤمن، من جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، من جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل، لذلك، من علامة المؤمن دخل لبيت أخوه بيت أخته ، في عنده صانع كذب ، لا يظل ساكت، بل يقول له منبهاً: يا بني هذه هكذا.
 مرة ثانية وثالثة ورابعة إياكم أن تظنوا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني أن تسب الناس، يعني أن تفضحهم، يعني أن تتحاور معهم حواراً قاسياً، يعني أن تسيء إليهم، لا، ليس هذا هو المطلوب إطلاقاً، ولكن هناك أساليب ذكية جداً، وتربوية، ولبقة، ولطيفة، يمكن أن تسلكها لإيصال الحق إلى الناس.
حديث آخر..

 

(( سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاءٌ شديد من سلطانهم، لا ينجو منهم إلا رجل عرف دين الله فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه، فذلك الذي سبقت له السوابق، ورجل عرف دين الله وصدَّق به، ولكن ما فعل شيئاً ، فللأول عليه سابقه ))

 

( من كنز العمال: عن " عمر " )

 ولو بالقلب ؛ اللهم إن هذا منكر لا أرضى به ، أنت في الدنيا جئت إلى الدنيا للعمل الصالح ، وأشرف عمل صالح أن تقوّم المعوج ، وأن تصلح ما فسد، وأن تهدي إلى سواء السبيل، فأنت وجودك لا لذاتك بل لغيرك ، فالإنسان حينما ينكفئ إلى ذاته فيسعى لمصالحه الشخصية، هذا انتهى من درجات الآخرة الرفيعة، أما الذي خرج من ذاته لخدمة الخلق هذا دخل في مراتب الآخرة الرفيعة .
حديث رابع:

 

(( سيكون بعدي فتنٌ لا يستطيع المؤمن فيها أن يغير بيده ولا بلسانه ، قلت: يا رسول الله وكيف ذلك ؟! قال: ينكرونه بقلوبهم ، قلت: يا رسول الله وهل ينقص ذلك إيمانهم شيئاً ؟ قال: لا ))

 فنحن في بحبوحة، ولكن الحد الأدنى أن تشعر بضيق ، الحد الأدنى أن تشعر بانزعاج إذا انتهكت حرمات الله، الحد الأدنى أن تنكر هذا بقلبك ، الحد الأدنى أن تقول: اللهم هذا منكر لا أرضى به، أما مجاملة إلى أقصى الحدود، إنسياح زيتي، مرن الإسلام، أين ما كان يمشي شغله ، مع كل الناس مسالم، ليس لك ولا خصم ؟! لا تقول كلمة لا إطلاقاً ، كل كلماتك نعم، وثناء، ومجاملة ، ومديح ، وترى بأم عينك المنكر أمامك ، وتمدح .
 مثلاً لو لك أقرباء وعملوا عرس ، وصوروا تصوير فيديو بالعرس هل هناك منكر أشد من هذا، أن إنسان يجلس ببيت يشاهد هذه النساء كلها، هذه زوجة فلان ؟ هذا أشد أنواع المنكر، وتظل ساكت وتبعث زوجتك على العرس ؟! وتقول: ماذا نفعل عرس ابن أخي، بنت أخي، بيت عمتي ، بيت خالتي ، هذا ليس إسلاماً إطلاقاً ، فالتصوير محرم ، التصوير في أعراس النساء لا أقول محرم بل من أشد أنواع المنكرات ، لأن هذا الشريط يصف كل امرأة وصفاً تاماً، يوضع في البيوت، ومن يقول: أنا لا أراهم. فهل تضمن ذلك؟ هل تضمن هذا أن يأتي ابنك ويراه؟ والله أنا حدثني أخ، أن عرس جرى في فندق، والذين أقاموا هذا العرس لهم اتجاه ديني، وأخذوا مواثيق، وأخذوا تعهدات أن هذه الصالة لا يدخلها أحد، فإذا في طابق آخر مركز مراقبة تلفزيونية، مجموعة شباب أعينهم كلها على الشاشة يرون النساء الكاسيات العاريات، والمظهر جماعة أصحاب دين، وعملوه بمكان فخم أمام الناس، ولكن أخذوا تعهدات من إدارة الفندق أن لا يدخل رجل، أما كاميرات المراقبة كلها تصور كل مَن في الحفل بشكل فاضح، والرجال في الطابق الثاني متحلِّقون حول هذه الشاشة يرون النساء الكاسيات العاريات والاتجاه ديني، وبكلمة ألطف محافظون، من أسرة محافظة.
 نحن الحق حق، والباطل باطل، فهذا المكان ليس لأهل الإيمان فلذلك وتبقى ساكتاً، مجاملةً ؟! مثل هذا الأعراس محرم تحريماً قطعياً بأشد ألفاظ التحريم أن ترسل زوجتك إلى هذه الأعراس، ما دام في تصوير، لأن الصور التقطت، والفيلم يعرض في البيوت، ويقال هذه فلانة، وهذه فلانة، وما أبشع أن تكون فلانة محجبة في الطريق ومكشوفة في الأفلام، هل هناك أبشع من ذلك ؟ هذا منكر مثلاً، التصوير في الأعراس منكر إنكار شديد.
 على كلٍ كل هذه الأحاديث تؤكِّد وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، أما الإنكار بالقلب فلابد منه، لابد منه، فإن لم ينكر قلب المؤمن دل على ذهاب الإيمان من قلبه. لك صديق، لك أخ، لك قريب مؤمن، زوجته محجبة، إلى أين ؟ ذاهبين على المصيف سنأخذ الشاليه. ما هذا الكلام، ألا ترى هذه المرأة الرجال وعوراتهم مكشوفة، والفخذ عورة، ألا ترى أنت النساء السابحات وعوراتهن مكشوفة، فهل هذا مكان مؤمن ؟ يا أخي دايق خلقنا، لا تحل مشكلة بمشكلة أكبر منها، الإسلام دين، الإسلام نظام، الإسلام قيَم، الإسلام التزام، الإسلام مبادئ، مبادئك فوق كل شيء.
 لكن والله المؤمن لا يعدم طريقة يحقق فيها حاجته من دون أن يعصي الله عز وجل، أن أقول لكم كمؤمنون في أماكن تكاد تكون محرَّمة على المؤمنين، إذا أنت إيمانك قوي، وأنت مؤمن هذا المكان ليس لك إطلاقاً، لا من قريب ولا من بعيد.
 إذاً، هذه الأحاديث مجتمعة دلت على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب فلابد منه، فمَن لم ينكر بقلبه دل على ذهاب الإيمان من قلبه كلياً، سيدنا علي يقول: " إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، من لم يعرف قلبه المعروف وينكر قلبه المنكر، نكس فجعل أعلاه أسفله " نكس على رأسه، نزل على رأسه شك بالتعبير العامي.
 ابن مسعود رضي الله عنه سمع رجل يقول: هلك مَن لم يأمر بالمعروف ومن لم ينه عن المنكر. فقال ابن مسعود: " هلك مَن لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر ".
 الآن، متى تأمر بالمعروف، ومتى تنه عن المنكر ؟ إذا عرفت المعروف وعرفت المنكر، أرأيتم كيف أن العلم طريق إلى الله عز وجل، قبل أن تأمر وقبل أن تنهى، الآن ينبغي أن تعرف ما المعروف وما المنكر؟ فالفتن تأتي من أين ؟ تأتي الفتن حينما يختلط الأمر لا تعرف ما المعروف، تنه عن شيء مباح، وتأمر بشيء محرم، هذا من الجهل، لو أن إنسان أحب يأمر وينهى وهو جاهل، أحدث فتن، لو أراد أن يأمر أو أن ينهى وهو جاهل، لأوقع بالناس فتنةً عمياء، لذلك قبل أن تأمر وقبل أن تنهى، يجب أن تعرف ما المعروف وما المنكر، إذاً العلم هو الطريق إلى الله عز وجل.
 مرة ثانية: سمع ابن مسعود رجلاً يقول: هلك مَن لم يأمر بالمعروف ومن لم ينه عن المنكر. فقال ابن مسعود: " هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر "، اعرف المعروف، واعرف المنكر، عندئذٍ تأمر وتنهى، فقبل أن تأمل وتنهى يجب أن تتعلم.
 ابن مسعود يقول: " يوشك من عاش منكم أن يرى منكراً لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره " أي يأتي زمان صعب ، لا تستطيع لا أن تقول ولا أن تفعل، ولكن إذا علم الله أنك كاره لهذا المنكر، فهذا مما نرجو أن يغفر الله لنا جميعاً به، إذا علم الله في قلوبنا إنكاراً للمنكر وحباً للخير.
 في عندنا قول عن رسول الله دقيق جداً:

 

 

(( إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها))

 

( من الجامع لأحكام القرآن )

 واحد فرضاً ذهب لبلد أجنبي، وشاهد منكر بشع على قارعة الطريق، تحت سمعه وبصره، فكره هذا العمل كرهاً شديداً، ورأى أن هذا تخلف شديد للإنسان، وهذا رجوع بالإنسان إلى الحيوانية والبهيمية، وأن هذا المجمع مجتمع شارد وجاهل وضائع، ومجتمع غارق في الملذّات المحرَّمة، وتألم ألماً شديداً، قال: هذا لا شيء عليه، أما إذا كنت في بلدك، في بلدٍ يتَّصف بالتدين، وقرأت قصة عن بلد بعيد عنك آلاف الكيلو مترات في أقصى الدنيا، قرأت عن معصيةٍ، أو عن انحراف أخلاقي، ورأيت أن هذه المعصية شيء جميل، وشيء مُسعد وممتع، وأقررتها، كأنك شهدتها، اسمعوا القول:

 

(( إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها))

 

( من الجامع لأحكام القرآن )

 فالقضية قضية نفسية، " من هوي الكفرة حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً"، حتى إذا أخوك ارتكب ذنب، وطبعاً الذنب معصية، وقلت: دبر حاله، عفارم عليه، شاطر، ركز وضعه، أمَّن مستقبله، حربوء دبر حاله، أنت وإياه في الإثم سواء، أنت لم تفعل شيء، أنت لم تقبض مال حرام، لكن لأنك قلت: هذا في منتهى الذكاء، شاطر، بأساليب ذكية أمن مستقبله، أمن محل، أمن بيت، أمن سيارة، إذا أنت قلت شاطر أو أثنيت عليه، أنت شريكه في الإثم، " الذنب شؤم على غير صاحبه، من ذكره فقد اغتابه، من عيَّره ابتلي به، من رضي به شاركه في الإثم ".
 قال العلماء: الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات، إلا أن إنكار الخطايا بالقلب هذا مما يسقط المسؤولية، قال " الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم لا يسقط عن أحد في أي حال، الإنكار بالقلب، ما هو قولك الآن أنت معك مؤشر نفسي، كلما رأيت منكر لاحظ قلبك تحرك، تضايقت، انزعجت، ثارت عندك الغيرة لله عز وجل ؟ هذا علامة إيمانك، أما وجدت قلبك بارد لا يوجد حركة، وقلت يصطفلوا، الناس فسدوا، إن لم تشعر بشيء إطلاقاً فهذه علامة خطيرة، لذلك إنكار المنكر بالقلب فرض عين على كل إنسان.
 أما الإنكار باليد واللسان فبحسب القدرة، كما في حديث أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( ما من قول يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيّروا فلا يغيروا، إلا يوشك الله أن يعمهم بعقابه ))

 أنا سوف أريحك، من أجل أن توفق بين قوله تعالى:

 

 

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 

 

( سورة فاطر: من آية " 18 " )

 مع قوله تعالى:

 

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾

 

 

( سورة الأنفال: من آية " 25" )

 من أجل أن توفِّق بين آيتين كريمتين تبدوان متناقضتين، الحل الإنسان إن لم يأمر بالمعروف وهو قادرٌ عليه، البلاء يعم المذنبين والساكتين، لما جاء الأمر الإلهي بإهلاك قرية، فقالت الملائكة:
ـ إن فيها رجل صالح.
ـ قال: به فابدؤوا.
ـ قالوا: لمَ يا رب.
ـ قال: لأنه إذا رأى المنكر لم يتمعر وجهه. لم يسأل عن شيء.
 في عندنا حالة مرضية خطيرة، الفساد عم، استشرى، المنكرات عمت الحفلات، وبحفلات الفرح، بكل المناسبات، بالطريق، واحد وجد أن أنسب شيء يضع ابنته على الصندوق بالمحل التجاري أنسب شيء، فابنته هذه أمينة، هذه البنت صبية، وله أقرباء، ومن عائلات بالتعبير الحديث محافظة، ولم يتكلم معه أحد ولا كلمة، فلذلك إذا كان المنكر عم، والناس رضوا به، وسكتوا عن إنكاره، عندئذٍ يعمهم الله بالبلاء.
 مرة سمعت قصة ذكرتها لكم من قبل: سائق سيارة ركب معه شاب وزوجته، وينتظرون أن تأتي حقيبة، تأخر الذي سيأتي بها، فانزعج السائق، عنده موعد، ثم جاء الرجل الذي يحمل الحقيبة، فالشاب أمسك بيده ووكزه على صدغه، وقال له: لماذا تأخرت؟ فإذا هذا الرجل والد هذا الشاب، فلما علم السائق ذلك غضب أشد الغضب وطردهم من مركبته وقال: والله أخشى أن نقع بحادث دهس أو حادث مروع لأن الله غاضب عليكم. أنا أعجبني هذا الموقف إلى أقصى درجة، لما إنسان يرتكب غلط كبير والناس ساكتة، ولا أحد يتحرك، نحن انتهينا، اقرأ علينا السلام، أما هذا السائق الشهم حينما رأى شاباً يدفع أباه في صدغه بشكل مهين، ويعنفه، ويبقى ساكتاً، طردهم شر طرده، وقال: أنا أخاف أن أرتكب حادثاً مروعاً من أجلكما، أنتما عاقَّان.
 فالإنسان إذا عمل منكر ووجد الناس كلها صارت ضده، يقول لك: لفها، أما كلهم ساكتين، يتطاول زيادة، خذها قاعدة: لا تسكت، طبعاً الآن أقول لكم التفاصيل، لست مكلفاً أن تلقي بيدك في التهلكة، أما إذا كانت القضية ضمن أسرة واحدة، ضمن أسر الأقارب لا يوجد مسؤولية، بيت أختك، بيت أخوك، بيت والدك، بيت ابنك، تظل ساكت، ويصطفلوا، وتقول: لا أريد أن أزعجهم، في نمط، في أمهات متقدمات بالسن المسبحة، والورد والحجاب الكامل، وأولادها يرتكبون المنكرات أمامها، وتقول: يا ابني يصطفلوا، اتركهم، هذا كلام الجهل، الأب يرغب أن يجامل أولاده، الأولاد يرتكبون كل المعاصي في البيت ؛ اختلاط، وسهرات.. إلخ، وهو ساكت، ويقول: الله يرضى عليهم ويفوقهم، هذا كلام ليس له معنى، إذا كنت تحبهم، إذا أردت أن يرضى الله عنهم لا تسمح بهذا في البيت، وبخهم.

 

(( ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله ))

 مجتمع مدرسة، مستشفى، ممرض عمل معصية خشنة، مدير المستشفى، والأطباء، أكثر وأعز، فإذا سكتوا، أما إذا كانوا المدير والأطباء كلهم، وفي ممرض ضعيف مؤمن، رأى منكر كبير، هذا أقل وأضعف، الحديث:

 

 

(( ما من قول يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمل المعاصي، فلم يغيروه إلا عمهم الله بالعقاب))

 

(من الجامع الصغير: عن " جرير " )

 هذا معنى جديد، إذا كانت الأكثرية قوية، ورأت منكراً من أقلية ضعيفة وبقيت ساكتة، فإثمها كبير جداً، أحياناً يكون أربع أخوات وأخ أصغر الأخوة، وارتكب منكراً، فتجد الأربعة ينفقون على البيت، وهم أقوى منه، وهو فعل هذا المنكر وبقوا ساكتين، والله هذه مشكلة كبيرة، هم أكثر وأعز ممن يعمل المنكر، فلم يغيروه إلا عمهم الله بالعقاب.
وقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إن الله لا يعذب العامَّة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قاردون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلو ذلك عذب الله العامة والخاصة ))

 

( من الدر المنثور: عن " عدي بن عمير " )

 صار شيء واضح تماماً، فكرة واضحة كالشمس، متى يعم العقاب؟ إذا تعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تبتعدوا كثيراً، هذه الأمة التي وصفها الله عز وجل بأنها خير أمة أخرجت للناس، ما علة خيّريتها ؟

 

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 110 " )

 على خيريتها، فإذا تعطلت هذه العلة، فإذا تعطل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل هي خير أمة أخرجت للناس ؟ انتهت، أب خاطب ابنه، عنده خمسة أولاد، الابن أخذ الأولية، قال له: أنت أحسن أولادي لأنك نجحت بتفوق. شيء جميل، العام القادم رسب، فلو قال: أبي قال لي أنا أحسن أولاده. قال لك: أنت أحسن أولاده لأنك نجحت، الآن أنت راسب، فالحكم انتهى، فكلمة خير أمة إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، فإذا تعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقدنا هذه الخيرية.
إن الله جل جلاله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره ؟ قال: يا رب رجوتك وفرقت من الناس ـ خفت من الناس ـ بالآخرة لا يوجد كذب، الإنسان ينطق بلسان الحال، والنبي قال في خطبة، قال:

 

(( ألا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه ))

 

( من مختصر تفسير ابن كثير: عن " أبي سعيد الخدري " )

 قال: " إن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً "، هذا يجب أن يؤمن به، إن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً.
النبي الكريم قال:

 

(( لا يحقرن أحدكم نفسه، قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه ؟ قال: يرى أمر الله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله له: ما منعك أن تقول في كذا وكذا ؟ فيقول: يا رب خشيت الناس، فيقول الله عز وجل: إياي كنت أحق أن تخشى ))

 

( من مختصر تفسير ابن كثير: عن " ابي سعيد" )

 وربنا قال:

 

﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 13 " )

 بينما نحن جلوسٌ حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر الفتنة فقال

(( إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا، وشبك أصابعه، فقلت له: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك ؟ قال: إلزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة ))

( من الجامع لأحكام القرآن: عن " عمرو بن العاص " )

 في حالات خاصة في آخر الزمان لا تستطيع أن تقول كلمة، في مثل هذه الأحوال، إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا، هذه لها تعبير عامي يقولون ( الشغلة فايتة في بعضها ) تناقضات، التواءات، حِيَل، ختل، تداخلات، تمثيل كثير، مواقف معلنة، مواقف مبطنة، فتن مستعرة، إذا رأيت الناس كذلك قال النبي الكريم:

(( عليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة، إلزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة ))

 الشيء للطيف بآخر الدرس أن الصحابة ذكروا قوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾

 

 

( سورة المائدة: من آية " 105 " )

 فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يأتِ تأوليها بعد. المعنى الأول: عليكم أنفسكم، أي الزموا أنفسكم، تعاهدوها، طهروها، احملوها على الطاعة، عليك بفلان، أي ربيه، انتبه له، عينك عليه، عاونه، عليك بفلان، أي الزمه، عليكم أنفسكم إن كنتم كذلك عندئذٍ..

 

﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ﴾

 الضال لا يؤذيكم، لا يصل إليكم،لا يفتتن بكم، أما متى يؤذي الضال المهتدي ؟ المقصر، إذا واحد مؤمن مقصر وضال يؤذيه،الدعاء: " ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ".. " إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني " فالآية في المعنى الأول رائع جداً:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾

 

 

( سورة المائدة: من آية " 105 " )

 اعتنوا، عرفوها بالله، طهروها من الدنس، احملوها على الطاعة، اسموا بها، فإن فعلتم ذلك لا يستطيع عدوكم أن ينال منكم، الله يحميكم، أنت مع الله، والله بيده لك شيء، إذا أنت مقصر، في تقصير، في إهمال، في مخالفات، في معاصي، الله عز وجل يغري الذي لا يعرفه أن ينالك منك، الله عز وجل قال:

 

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾

 

 

( سورة القصص )

 معنى ذلك أن: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني، فإذا أنت عليكم أنفسكم، اعتنيت بها، عرفتها بربها، حملتها على طاعة الله، عندئذٍ لا يستطيع عدوك مهما كان قوياً أن ينال منك، لأن عدوك بيد الله..

 

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

 

 

( سورة هود)

 هذا المعنى الأول، في معنى ثاني: الصحابة قالوا وقتها: لم يأتِ تأويلها بعد. قال: إنما تأويلها في آخر الزمان، عن ابن مسعود قال: إذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلْبِستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض، عندئذٍ جاء وقت هذه الآية، أي " إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ـ الآن ـ فالزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة " هذا معنى الآية الثانية..

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾

 

 

 

( سورة المائدة: من آية " 105 " )

 عينك على حالك، لا تهتم بأمر العامة إطلاقاً..

 

﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾

 

 

( سورة المائدة: من آية " 105 " )

 أنت اهتديت وانتهى، إذا كان الناس بلغوا درجة من البعد عن الله لا يسمحون لواحد أن يعظهم، ولا أن يذكرهم، وإن فعل هذا قتلوه، عندئذٍ سقط عنك الأمر بالمعروف باليد واللسان، وبقي الإنكار في القلب.
 جبير بن نفير عن جماعة من الصحابة قالوا: هذه الآية لأقوامٍ يصدق عليهم الحديث النبوي:

(( إذا رأيت شحاً مطاعاً ))

 ، كما قلت قبل قليل، لكن في عندنا نقطة: قال إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ، فعليك حينذ بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت. هاب الواعظ أي لا أقدر أن أتكلم، يفرموني، وأنكر الموعوظ، والموعوظ ليس مهتم، ليس فيه خير، غارق في الشهوة في الزنا، وفي الخمر، الواعظ خائف، والموعوظ ما فيه خير، عندئذٍ بقي الإنكار بالقلب، قال: لم يأت تأويلها بعد، متى تأويلها ؟ قال: إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ، فعليك حينذ بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت.
 قال: هذه الآية ما أضيقها وما أوسعها، تحب أن تأخذها على المعنى الأول: أنت ما دام اهتديت الناس يصطفلوا، هذا معنى واسع ومريح، والمعنى الأول أصعب، أي عليك بنفسك، الزم طاعة الله، الزم معرفة الله، ارقى بها، اجعلها مهبط لتجليات الله عز وجل، من أجل أن يحفظك الله من الآخرين هذا المعنى فيه حماس، المعنى الثاني سهل: أنت ما دام اهتديت الناس يصطفلوا، هذا المعنى، إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ.
 ابن عمر له كلام لطيف، قال: " مَن علم أنه لا يقبل منه لم يجب عليه". أحياناً تشعر بالحاسة السادسة أن الشخص لا يمكن، أنت في واد وهو في واد، أي أنه غارق بالزنا، وبالخمر، وبالانحرافات إلى درجة أنه أنكر وجود الله، وتقول له: الخاتم الذهب بيدك حرام. أي حرام هذا ؟ هذا كلام ليس له معنى، رأيت خاتم ذهب بيد واحد غارق بالزنا والخمر، وتقول له: حرام الخاتم الذهب ؟ فهو لا يعرف الله أساساً، فإذا عرفت أن هذا الذي أمامك لا يمكن أن يسمع عندئذٍ الأفضل استنباطاً من قوله تعالى:

 

﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9)﴾

 

 

( سورة الأعلى )

 من تكلَّم بالحكمة لغير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها أهلها فقد ظلمهم، والله الموضوع لم ينتهي بعد، إن شاء الله في درس قادم الآن في عندنا ما المنكر ؟ المنكر الذي أجمع العلماء على إنكاره، وليس قضية خلافية، فإن شاء الله في درس قادم نتابع هذا الموضوع، لأن موضوع القسم الأخير دقيق جداً ؛ تعريف المنكر، تعريف المعروف، الوسائل، الأساليب، إن شاء الله في درس آخر نتابع هذا الموضوع وهو إنكار المنكر، والأمر بالمعروف.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018