بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 044 - الترغيب والترهيب1 - من أن تجلس مجلس لا يذكر الله فيه.


1992-08-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... درسنا اليوم ترهيبٌ وترغيب، ترهيبٌ من أن يجلس الإنسان مجلساً لا يذكُر الله فيه، وترغيبٌ بمجالس الذكر، وقد بُني كتاب الترغيب والترهيب على هذا المبدأ، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام رهَّبنا وخوَّفنا من بعض الأمور، وكيف رغَّبنا وحبب إلينا بعض الأمور الأخرى.
 فالموضوع اليوم هو الذكر، ولكن قبل أن نخوض في تفاصيل هذا الموضوع لابد من مقدمةٍ دقيقة:
 أيها الإخوة الأكارم... الإنسان لابد له من حرفة، أو عمل، أو وظيفة يرتزق منها، فهذا الوقت وقتٌ مبذولٌ في كسب المعاش، بشكل استثنائي لو أن الإنسان أحسن اختيار حرفته بحيث تنفع المسلمين، وأحسن معرفته بالله عزَّ وجل بحيث جعل هذه الحرفة عبادة، إذ مارسها بطريقةٍ مشروعة، وابتغى بها وجه الله، وكفاية نفسه، وخدمة المسلمين، ولم تشغله عن مجلس علمٍ، ولا عن طاعةٍ، ولا عن واجب انقلبت حرفته إلى عبادة، وهذا موضوع معروف عندكم.
 لكن الإنسان بعد أن يؤدي واجبه المهني، عنده وقت فراغ، هناك وقتٌ لطعامه وشرابه ونومه، ووقتٌ لعمله، وقتٌ لطعامه وشرابه ونومه، وقضاء حاجاته الأساسية، ووقتٌ لأداء عمله المهَني، الوقت الثالث ما هو؟ وقت الفراغ، لا أبالغ إذا قلت: إن أخطر الأوقات في حياة المسلم هو وقت الفراغ، لأنه قد تكون الحرفة شاقةً، أو غير محببةٍ، أو لا تتصل بطريقٍ أو بآخر إلى مبدئك، وإلى منهجك في الحياة، إذاً أنت تقوم بهذا العمل وأنت في مشقَّة من أجل كسب الرزق، وحينما تنام الليل من أجل أن تقوى في اليوم التالي على أداء عملك، وحينما تأكل وتشرب، الوقت الذي يحقق وجودك، ويؤكِّد ذاتك، ويرفعك إلى أعلى عليين هو وقت الفراغ، في هذا الوقت يمكن أن تحضر مجالس العلم، في هذا الوقت يمكن أن تنقل ما في هذه المجالس للآخرين، في هذا الوقت يمكن أن تزداد علماً، في هذا الوقت يمكن أن تزداد قُرباً، لذلك إذا ألغي وقت الفراغ من حياة الإنسان ألغيت حياته، وألغيت إنسانيته، وألغي وجوده، لأنه أصبح كالآلة، لذلك العمل الذي يمتص كل وقتك، عملٌ خاسر ولو درَّ عليك بألوف الألوف، لأنه عطَّل وجودك في الدنيا.
 هذا وقت الفراغ، استثنينا وقت النوم، والطعام والشراب، وقضاء الحاجات، واستثنينا وقت العمل لكسب الرزق، بقي وقت الفراغ، ألا تلتقي بالآخرين ؟ ألا تلتقي في هذا الوقت بأفراد أسرتك ؟ ألا تلتقي بجيرانك ؟ ألا تلتقي بأصحابك ؟ ألا تلتقي بأقربائك ؟ ألا تلتقي بمن تمونه، أو تليه، أو تشرف عليه ؟ هذا الوقت النبي عليه الصلاة والسلام تحدَّث عن ذكر الله فيه.
 مرةً ثانية، أو مقدمةً ثانية أضعها بين أيديكم: فرقٌ كبير بين من يتلقى وبين من يلقي، بين من يتعلَّم وبين من يُعلِّم، بين من يستمع وبين مَن يقول، بين من يستهلك وبين من ينتج، بين من هو سلبي وبين من هو إيجابي فرقٌ كبير، والشيء الملاحظ أن المسلم إذا اكتفى أن يستمع، وأن يتلقى، وأن يحضر، وأن يصغي، هذا عمل طيب، لكن هذا العمل الطيب له حدود يجب أن ينتهي عندها، وبعد هذا الوقت ينبغي أن يتجه الإنسان إلى أداء الرسالة، إلى نشر العلم، إلى إلقاء العلم، إلى توجيه الآخرين.
 الفرق الدقيق بين حالة التلقّي وحالة الإنصات، بين حالة الأخذ وحالة العطاء، بين حالة الاستهلاك وحالة الإنتاج، بين حالة السماع وحالة الكلام فرقٌ كبيرٌ جداً، من أين يأتي هذا الفرق ؟ يأتي هذا الفرق من أن الإنسان إذا غفل، والغفلة حالةٌ يمكن أن تصيب المؤمن، يغفل، فإذا لم يكن مرتبطاً بمجلس علمٍ يُلقي فيه العلم، فقد تطول غفلته أسابيع، وشهور، لكن إذا كان ملزماً بهداية الآخرين أو إلقاء العلم، أو العناية بأشخاص يلوذون به، هنا ينشأ عنده ما يسمى بالدَّافع النَوْبي.
 أنت حينما يكون عندك مجلس أسبوعي ؛ جمعت أقرباءك، أصدقاءك، إخوانك، أبناء جلدتك، أبناء أخواتك الإناث، أبناء إخوتك الذكور، طلاَّبك أحياناً، وجلست معهم مجلساً أسبوعياً، أنت في هذا المجلس مضطرٌ أن تحضِّر نفسك، أن تحضِّر قلبك بالذكر، وأن تحضر نفسك بالطاعة التامة، والقدوة الصحيحة، وأن تحضِّر عقلك بالعلم، فأنت أصبحت مضطراً أن تكون مستعداً دائماً نفسياً، وقلبياً، وعقلياً لإلقاء العلم، إذاً خرجت من ديمومة الغفلة، الإنسان أحياناً يغفل، يظل غفلان شهران، يقول لك: والله من ثمانية أشهر ما صليت صلاة متقنة، كله تلحيق، أما لو أنك ألقيت العلم، لو تعهدت أناساً بالرعاية الدينية، لو أرشدت الناس إلى طاعة الله عزَّ وجل، تشعر أنك مضطرٌ شئت أم أبيت إلى أن تعد نفسك.
 لذلك أنا أرى أن الإخوة الأكارم الذين يتعهَّدون إخوةً لهم ؛ بالرعاية، بالتوجيه، بالتفقد أحياناً، بالإكرام، بالزيارة، بالمتاعبة، بالصلة، هؤلاء هم المستفيدون الأوَّلون، أنت المستفيد الأول، أنت الرابح الأكبر، أنت الكاسب، أنت الفائز.
فكم كنت أتمنى أن كل إنسان من خلال أسرته، من خلال عمله، من خلال نشاطاته الأخرى، من جيرانه، من أقربائه، أربعة أو خمسة لو جلس إليهم أن يعيد عليهم بعض ما سمعه في الدروس العامة، في التفسير في آيتين، درس خمس آيات، أو عشر آيات لعل تكون آية من الآيات لفتت نظرك، تفاعلت معها، أحدثت عندك هزَّة نفسية، هذه الآية سجلها عندك، حديث شريف سمعته في درس الأحد، تأثرت له سجله عندك، قصة سمعتها في درس الاثنين، سجلها عندك عنوانها، فإذا جلست إلى إخوانك، إلى جيرانك، إلى أصدقائك وذكرت الله لهم أنت الرابح الأول، وأنت الفائز الأول، وأنت وضعت نفسك في موضع الحركة المستمرة، صار في دافع نَوْبي أسبوعي.
 لذلك كل إخواننا يعرفون هذه الحقيقة: أنه مثلاً في خطبة الجمعة، أو في درس التفسير، أو في درس الحديث، أو درس أسماء الله الحسنى يشحن الإنسان شحنة تستمر يومين أو ثلاثة، الشحنات الدورية النوبية شحنات مهمة جداً، أي أنك دائماً على الصراط المستقيم، دائماً في تصحيح للمسار، دائماً في دفع، في حالة تصحيح، وحالة دفع، وحالة تقويم بشكل مستمر، أما لو الإنسان كان سلبي ؛ تلقى، سمع، أصغى، أخذ، لم يعطِ، ولم يلقِ، ولم يتكلم، ولم يتعهَّد، ولم يتفقَّد، ولم يوجه قد يغفل، وقد تشغله الدنيا، وقد تدوم غفلته، وقد يتراجع، لكن إذا دعا إلى الله عزَّ وجل، عندئذٍ هو الرابح الأول.
 الآن أيها الإخوة، استمعوا إلى ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام في الترهيب من أن يجلس الإنسان مجلساً لا يذكر الله فيه. أقول لكم وأنا أعني ما أقول: المؤمن إذا ارتقى عند الله عزَّ وجل لا يحتمل أن يجلس مع أناسٍ يتحدَّثون حديثاً فارغاً، حديثاً في الدنيا، في شؤونها، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيّها ))

 يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( ما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم ترةٌ، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ))

 

( من الدر المنثور: عن " ابي هريرة " )

 كلمة (تِرة) معناها النقص والتبعة، أي أنت استهلكت وقت بلا طائل، والتبعة تحمَّلت مسؤوليةً جسمية، كلمة تِرة تعني النقص والتبعة، فـ..

 

(( ما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم ترةٌ فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ))

 

(من الدر المنثور: عن " ابي هريرة " )

 إذاً، وقت الطعام والشراب وقضاء الحاجة والنوم هذا وقت وظيفي، وقت الحرفة والمهنة والعمل هذا وقت كسبي، بقي الوقت الخطير وهو وقت الفراغ، اللقاءات، والزيارات، والندوات، والحفلات، والنزهات، والسهرات، هذا وقت الفراغ الذي يقضيه الناس عادةً في القيل والقال، وفي الغيبة والنميمة، وفي أحاديث الدنيا، وشهواتها، ونسائها، وأطعمتها، وأسواقها، وبضائعها، وأسعارها، هذا الوقت الخطير كان من الممكن أن ترقى به عند الله إلى أعلى عليين، فإذا به يهوي بالإنسان إلى أسفل سافلين.
 حديثٌ آخر: أو روايةٌ أخرى لأبي داود

(( من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه...))

 المؤمن حقيقةً كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( أمرت أن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرةً ))

 الإنسان أحياناً يسكت، يركب سيارة عامة، سافر، يظل صامت، هذا الفكر يجب أن يعمل..

 

(( نظري عبرةً، وصمتي فكراً ))

 نظر إلى إنسان منحرف فاعتبر، هذا العمل السيئ من إفرازات الجهل، هذا الإنسان المشرك بسبب نقصٍ في علمه وفي توحيده، دائماً صمته فكرٌ، ونطقه ذكرٌ، ونظره عبرة، قال:

 

(( من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كان عليه من الله ترةٌ، ومن اضجع مضجعاً لم يذكر الله فيه كان عليه من الله ترةٌ، وما مشى أحدٌ ممشىً لا يذكر الله فيه إلا كان عليه من الله ترةٌ "))

 و( الترة ) كما قلت قبل قليل: النقص والتبعة.
 حديثٌ آخر في المعنى نفسه:

 

 

((ما قعد قومٌ مقعداً لم يذكروا الله عزَّ وجل فيه، ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم...))

 طبعاً ألف الناس، أحياناً الأوامر الدينية مع مضي الأيام تفرَّغ من مضمونها، تغدو بلا مضمون، أخي صلِ على النبي، اللهم صلِ على النبي، زده صلاة، اللهم صلِ على النبي، أهذه الصلاة على النبي ؟ والناس دائماً يصلون على النبي، ولكن ما هو البُعد العميق للصلاة على النبي ؟ أنا أسألكم الآن، يجب في كل مجلس أن تذكر الله، وأن تصلي على النبي، البُعد العميق للصلاة على النبي ؟ أن تذكر شمائله، أخلاقه، مواقفه، أحكامَه، أساليبه التربوية، أخلاقه المنزليّة، أخلاقه الاجتماعية، موقفه في هذا المكان، لذلك أؤكد عليكم أن قراءة السيرة فرض عين، لماذا؟ لأنك مأمورٌ من قِبل الله عزَّ وجل أن تتابع النبي في مواقفه..

 

 

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

 

 

( سورة الأحزاب: من آية " 21 " )

 هذا النبي هو المُشَرِّع، هو الإنسان الكامل، هو الذي يجب أن تقتدي به، هو الذي إن تابعته فلن تضل أبداً، ما إن تمسَّكت بسنته فلن تضل أبداً، بالبديهة ما دامت النجاة في اتباعه والتمسك بسنته، فأول شيء يجب أن تفعله أن تعرف سنته، لذلك الذين قالوا: " إن العلم هو الطريق الوحيدة إلى الله ". ما أخطئوا، وما بالغوا، وما جانبوا الحقيقة، إذاً:

 

(( ما قعد قومٌ مقعداً لم يذكروا الله عزَّ وجل فيه ويصلون على النبي...))

 البُعد العميق لكلمة الصلاة على النبي أن تبين فضله ؛ كيف كان صبوراً، كيف كان حكيماً، كيف كان رحيماً، كيف كان ودوداً، بشوشاً، مثلاً كان يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بِشْرَه عن أحد، كان طَلق الوجه، كان يسَلِّم على الصبيان، كان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحَّاكاً، كان إذا جاءه شيءٌ يعجبه يقول:

 

 

(( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ))

 

( من الدر المنثور: عن " ابي هريرة " )

 وإذا جاءت الأمور على خلاف ما يريد قال:

 

(( الحمد لله على كل حال ))

 إذاً اتباع سنة النبي، واقتفاء أثره فرض عين، ومن مستلزمات هذا الفرض أن تعرف سيرته، وسنَّته، لذلك:

 

 

(( ما قعد قومٌ مقعداً لم يذكروا الله عزَّ وجل فيه، ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا كان عليهم حسرةً يوم القيامة ))

و..

 

 

(( ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار ))

 

(من الأذكار النووية: عن " ابي هريرة " )

 أنا أستحلفكم بالله لو سهرتم سهرة ؛ كلها على الأسعار، وعلى المال، وعلى السيارات الأجرة الجديدة، وعلى البيوت، وعلى المزارع، وعلى الأطعمة والأشربة، الساعة الثانية عشر إلا ربع انتهى المجلس، ألا يشعر الإنسان أن هذا المجلس ثقيل عليه ؟ كابوس، هموم، ما في خبر أحياناً سار يكون، المجلس نفسه لو كان عن الله عزَّ وجل، عن الصحابة، عن رسول الله، عن كلام الله تحس الوجوه تألَّقت، والعين برقت، الواحد إذا كان مسرور يتألَّق وجهه، يصبح أزهر اللون، وتصبح عيناه زئبقيتين، يلمع، القرنية تلتمع، فأنت اجلس مجلس وراقب الحاضرين لو حدثتهم عن ربهم، عن ربهم ذي الأسماء الحسنى، ذي الصفات الفضلى، عن هذا النبي ؛ الرحيم، المقسط، الشفوق، عن هذا النبي العظيم، عن أصحابه الكرام، عن كلام الله، تجد الوجوه تألقت، والعيون برقت، والمجلس صار فيه تجلي، لذلك أما إذا كان في الدنيا الأمور دائماً نحو الأسوأ، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( ما من يومٍ إلا والذي بعده أشر منه حتى تقوم الساعة ))

 يقول لك: مكان في تضخم سكاني، في تضخمك نقدي، الطبقة الوسطى تتلاشى إما إلى الغنى الفاحش وإما إلى الفقر المتقع، في تحوّل بالطقس بالعالم، في كساد عالمي، في إفلاسات بالشركات، في سيطرة الدول القوية على الدول الضعيفة، لا تجد خبر مريح، الأخبار كلها تبعث على الضيق، إذاً:

 

 

(( ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرةٌ يوم القيامة ))

 

(من الأذكار النووية: عن " ابي هريرة " )

 وفي حديثٍ آخر:

 

(( ما من قومٍ اجتمعوا في مجلسٍ فتفرقوا ولم يذكروا الله إلا كان ذلك المجلس حسرةً عليهم يوم القيامة ))

 

( من الدر المنقور: عن " عبد الله بن مغفل " )

 لذلك استنباطاً من هذه الأحاديث كلها ؛ سهرة، ندوة، دور، حفلة، سيران، نزهة المشتركون فيها من أهل الدنيا، الذين همَّهم بطنهم، وهمهم فرجهم، وهمُّهم شهواتهم، وهمهم الدرهم والدينار، عبيدٌ للدرهم والدينار، عبيدٌ لخميصتهم، عبيدٌ لفروجهم، عبيدٌ لبطونهم، هؤلاء الأشخاص ليس من صالحك أن تجلس معهم، أنت من صالحك أن تجلس مع أناس مؤمنين طيبين، يحبون الله ورسوله، يذكرونك بالآخرة، يذكرونك بالله عزَّ وجل، يقدّمون لك نماذج طيبة مثالية، يدفعونك إلى باب الله عزَّ وجل، يحمِّسونك، هنا مصلحتك، هذا هو الترهيب فما هو الترغيب ؟
* * * * *
الترغيب
 أما الترغيب فاستمعوا إلى ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام في مجالس الذكر، أحاديثٌ كثيرةٌ جداً أنتقي لكم بعضها. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله:

 

(( أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إن ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأ خيرٌ منه ))

 فأنت أحياناً بينك وبين نفسك تقول: سبحان الله، لا إله إلا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يا الله ما أعظم هذه الآية، تذكر الله في نفسك، مقابل هذا الذكر يذكرك الله في نفسه، أما إذا جلست إلى إخوانك، إلى أصحابك، إلى جيرانك، إلى أولادك، إلى أهلك، إلى بنات أخواتك الإناث، إلى بنات إخوتك الذكور، إلى أولاد أولادك، وذَكَّرتهم بالله عزَّ وجل، قال

 

(( وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأ خيرٍ منه ))

 ينطرح اسمك في مجلس راقي، يتبارى الناس في الثناء عليك، وأنت غائب، الله عزَّ وجل عدل، ذكرته في ملأٍ لابد من أن يلهم الناس ليذكروك في ملأٍ خيرٍ منه.

 

(( وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولةً ))

 وقال الله جلَّ ذكره:

 

 

(( لا يذكرني عبدٌ في نفسه إلا ذكرته في ملأٍ من ملائكمتي، ولا يذكرني في ملأٍ إلا ذكرته في الملأ الأعلى ))

 فما معنى قول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

 

( سورة الشرح )

 تجد شخص يعني له مهنة، هذا نجَّار، هذا قصَّاب، لما تعلم القرآن نسوا الناس أنه نجار، صار العالم الجليل، يقول لك: شيخ القراء مثلاً، هذا حامل القرآن، ارتفعت بنظر الناس إلى أعلى عليين، لأنك طلبت العلم الشريف، من دون علم شريف لك حجم صغير في المجتمع.
 أنا أعرف أناساً والله في الدرجة الدنيا، حينما طلبوا العلم أصبحوا في الدرجة العليا، أصبح عليّة القوم يتقربون إليهم، العلم عظيم كثير، مرة شاهدت إنسان له حرفة معينة قال لي: أنا والشيخ الفلاني كنا سوى، أين الثرا من الثريا ؟ أنت بحجم صغير صغير صغير وهو ملء الأسماع والأبصار بعلمه وورعه وعمله، ففي فرق كبير، الإمام الغزالي مَن هو لولا طلب العلم، ونشر العلم ؟ أنا مرة سألت طلابي سؤال من باب الطرفة مثلاً: أنه من يأتي لي باسم شخص غني عاش في الشام سنة ألف وثمانمائة وثلاثة عشر، الطلاَّب خمسين طالب تأملوا مفكرين، أعطيه علامة تامة، انتظرت انتظروا، صمت صمتوا، فقالوا: لا نذكر. قلت لهم: وأنا لا أذكر، وأنا معكم، لكن مَن منا لا يذكر سيدنا عمر ؟ سيدنا خالد ؟ سيدنا صلاح الدين ؟ سيدنا عمر بن عبد العزيز ؟ مَن منا لا يذكر الإمام الشافعي؟ أبو حنيفة ؟ هؤلاء الرجال بلغوا الأوج بعلمهم وعملهم وورعهم، فباب البطولة مفتوح.
 فإذا أنت اشتغلت بمهنة من المهن مهما تكن هذه المهنة راقية، يأتي الموت ويطوي، ألا تقرأ في النعوات: الدكتور الفلاني ؟ تقرأ الدكتور أستاذ الجامعة من أشهر توفي، يعني شخص يحمل دكتوراه شهادة عليا، جاء الموت وطواه، لكن إذا الإنسان طلب العلم الشرعي، وطلب معرفة الله عزَّ وجل، ارتقى في نظر الناس وأصبح علماً كبيراً من أعلام البلدة.
 إذاً، أنت إذا ذكرت الله عزَّ وجل، أنا أذكر مرة كان لي درس بجامع العفيف صباحاً لي سبع سنوات مع الفجر، درس تفسير لطيف، سبحان الله الإخوان أقبلوا على الدرس، كنا صف، صفين أو ثلاثة حتى أصبح الجامع ممتلئ، ناس أتوا من أواخر الأحياء، من المزة، من زملكا، من ظاهر المدينة يأتوا، صار في تجلي، فمرة طلبوا مني إخواننا نعمل درس عربي يوم من الأيام، كل يوم في تفسير، اخترنا الثلاثاء درس عربي، درس إعراب، لما حكينا بالإعراب ما في إلا ينقصوا هؤلاء الإخوان، وبعدها صاروا نصف صف يوم الثلاثاء، اللغة شيء ممتع لكن الراغبون فيها قلَّة، أما الله عزَّ وجل شيء عظيم جداً.
 فإذا أنت تكلمت عن الله عزَّ وجل الناس أقبلوا، واستمتعوا، وسعدوا، واستبشروا، وارتقوا، فأنت إذا ذكرت الله عزَّ وجل في أي مجلس، المؤمن الراقي ما في عنده موضوعات ثانية أينما جلس، لكن هو يصير معه حالة أن الإنسان لما يسمع الحق، وصادق في الدعوة إلى الله، تصير ذاكرته قوية جداً، أنا أقسم بالله، أشعر أن ذكرياتك متعلِّقة باهتمامك، فبينما أشعر بأنني نَسَّاء أي أنسى موضوعات كثيرة جداً، أما الموضوعات التي تتعلق بالدعوة إلى الله إن سمعتها مرةً واحدة لا أنساها، موضوع متعلق بآية، بحديث، بموقف للصحابة، بموقف من رسول الله، بحكم شرعي رائع معلل، هذا الموضوع يكفي أن أقرأه مرةً واحدة، أو أن أسمعه فإذا هو محفوظ، لكن موضوعات كثيرة جداً الناس في العادة لا ينسونها، أنا أنساها، إذاً الذاكرة ما لها علاقة، الإنسان ذاكرته متعلقةٌ باهتمامه، وأنت إذا أردت أن تذكُر الله للناس ـ دقق ـ يكفي أن تستمع، كأن ذهنك ورقة يكتب عليها، لا تنسى. أحياناً تجد شخص ما يتعلَّق بحرفته حافظه كله على غيب، فالإنسان ليس له عذر لأن الإنسان ينسى ما لا يهتم به، ويذكر ما يهتم به، فإذا كان اهتمامك بالله شديداً ذكرت كل ما يتعلق بهذا الموضوع.
 " يا ابن آدم إذا ذكرتني خالياً ذكرتك خالياً، وإذا ذكرتني في ملأٍ ذكرتك في ملأٍ خير من الذين تذكرني فيهم، وأنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه ". أنا والله أشعر أنه ما من عمل أشرف ولا أعظم من أن تستخدم هذه الطاقات، الذهن، الذاكرة، التصوّر، المحاكمة، طلاقة اللسان، السمع، البصر في التعريف بالله عزَّ وجل، قال:

 

(( أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه ))

 

(من الجامع لاحكام القرآن )

 قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيءٍ أتشبَّث به ؟ قال

 

(( لايزال لسانك رطباً بذكر الله ))

 

( من الجامع لاحكام القرآن )

 يا رسول الله أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال:

 

(( أن تموت ولسانك رطبٌ من ذكر الله ))

 

( من الدر المنثور )

 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( مررت ليلة أسري بي برجلٍ مُغَيَّبٍ في نور العرش ـ ضمن النور ـ قلت: مَن هذا، أهذا مَلَك ؟ قيل: لا. قلت: نبيٌ ؟ قيل: لا. قلت: مَن هو ؟ قيل: هذا رجلٌ كان في الدنيا لسانه رطبٌ من ذكر الله، وقلبه معلَّقٌ بالمساجد، ولم يستسب لوالديه ))

 أي ما عمل عمل ناقص أحوج الناس أن يسبوا والديه.
 أذكر لكم متن الحديث اختصاراً..

 

 

(( ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم في إنفاق الذهب والوَرِق، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضرب أعناقكم ؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله ))

 

( من الدر المنثور في التفسير بالمأثور )

 قال معاذ بن جبل: لا شيءٌ أنجا من عذاب الله من ذكر الله.
 وأقول لكم شيء من الدقة: أن الإنسان أحياناً يسعد سعادة موهومة في بداية حياته، لأنه شاب يحلم بزوجة، يحلم ببيت، يحلم ويحلم، ينام ساعتان قبل النوم يفكر، والله لا آخذها إلا هكذا، طوِّل بالك، البيت أريده قبلي غربي، يحلم، كلما تقدَّمت به السن طموحاته تحددت، هذه زوجته انتهى، هذه نصيبه، وهذا بيته، وهذه حرفته، وهؤلاء أولاده، الآن يدخل في السَأم، يدخل في شعوره بتفاهة الحياة، شيء جميل جداً قبل أن تصل إليه، فإذا وصلت إليه أصبح باهتاً، كان الزواج يلتمع أمام عينيك، بعد الزواج بسنة، أو سنتين، أو شهرين أصبح الزواج عبأً على بعض الناس، قد تلتمع المركبة في عينيك، بعد أن تقتني هذه المركبة، تصبح شيئاً أقل من التافه في حياتك، هكذا الدنيا إلا المؤمن الذي تعلَّق قلبه بالله، هذا شيء اسمه سأم، ضجر، ملل، تفاهة، قرف، لا يوجد هذا بحياته لأن هدفه كبير جداً، دائماً شاب، دائماً يسعى للمزيد من العلم، يسعى لعملٍ صالح، يسعى لقُربةٍ من الله عزَّ وجل لذلك المؤمن لا يشيخ أبداً.
 تلتقي مع إنسان عمره بالثمانية والتسعين تجده كمؤمن شاب، نفسه توَّاقة، قال: " تاقت نفسي للإمارة ـ سيدنا عمر بن عبد العزيز ـ فلما وصلتها تاقت نفسي للخلافة، فلما وصلتها تاقت نفسي إلى الجنة ". في عنده أهداف متجددة، أهداف كلما وصل إلى هدف لجأ لهدف آخر، لذلك تشعر أن المؤمن سعيد، معنوياته عالية، نفسه مستقرة، مطمئن، لكن أهل الدنيا في قلقٍ قبل الوصول، وفي سأمٍ بعد الوصول، قبل أن يتملَّكوا الدنيا في قلق وضجر، وبعد أن يتملَّكوها في سأمٍ وملل، تجد الشخص الذي ليس له معرفة بالله وصل للدنيا، الغني مثلاً، القوي، يعني بعبارة دارجة (يقرف ويقرِّف )، تجد كل كلامه فيه استعلاء، الحاضرين ينفرون منه وهو ينفر منهم، أما المؤمن بتواضعه، وبطلبه، وبإقباله، وبطموحاته، وبأهدافه النبيلة دائماً في سعادة.
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العباد أفضل درجةً عند الله يوم القيامة ؟ قال:

 

(( الذاكرون الله كثيراً.))

 ـ قال: قلت يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله ؟!
ـ قال

 

(( ولو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر، ويختضب دماً لكان الذاكرون الله كثيراً أفضل منه درجةً ))

( من الدر المنثور: عن " أبي سعيد الخدري " )

 يعني أعلى الدرجات ينالها الذاكرون الله كثيراً والذاكرات.
 وقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( مَن عجز منكم عن الليل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وجبن عن العدو أن يجاهده فليكثر ذكر الله ))

 

( من الدر المنثور: عن " أبي موسى " )

 قيام الليل ما صليت، فعندك النهار اثني عشر ساعة احكي عن الله عزَّ وجل، اقرأ القرآن، ذكِّر الناس، إذا فاتك ما يجب أن تفعله بالليل في عندك النهار بطوله، اذكر الله في النهار.

 

(( من عجز منكم عن الليل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وجبن عن العدو أن يجاهده فليكثر ذكر الله ))

 

( من الدر المنثور: عن " أبي موسى " )

 قال:

 

(( أربعٌ من أعطيهن فقد أعطي خيري الدنيا والآخرة ؛ قلباً شاكراً ))

 الحمد لله، أحياناً تلتقي مع إنسان في بحبوحة من المال كبيرة جداً يشكي لك كساد الأسواق، وكساد البضاعة، وضيق ذات اليد، والله كأنك أمام إنسان معذب، فالإنسان المؤمن دائماً يذكر الله عزَّ وجل شاكراً وحامداً، قال:

 

 

(( أربعٌ من أعطيهن فقد أعطي خيري الدنيا والآخرة ؛ قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وبدناً على البلاء صابراً، وزوجةً لا تبغيه حوباً في نفسها وماله ))

 

( من الدر المنثور في التفسير بالمأثور )

 زوجة مؤمنة، وبدن صابر، ولسان ذاكر، وقلب شاكر أعطي خيري الدنيا والآخرة.
 الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثٌ دقيقٌ جداً:

 

(( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر الله عزَّ وجل مثل الحي والميت ))

 ما قولكم، ميت وحي ؟ ترى الميت مخيف، الناس يخافوا من حاجاته أحياناً، يخافوا من غرفته بعد موته، تبقى الغرفة التي مات بها الميت تبقى أشهر مهجورة، الحي مصدر أُنس، الميت منظره مخيف والحي منظره مريح، فـ:

 

 

(( مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره عزَّ وجل مثل الحي والميت ))

 وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

 

(( أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون ))

 لا يهمك، اذكر الله ليلاً ونهاراً، صبحاً ومساءً، في عملك، في الطريق إما ذكر شخصي، أو ذكر للآخرين، أو تذكير.
 قال:

 

 

(( إن الشيطان واضعٌ خطمه ـ أي أنفه ـ على قلب ابن آدم ـ يشمشم ـ فإن ذكر الله خنث وإن نسي الله التقم قلبه ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن: عن " أنس " )

 ما في حالة وسط، إن ذكر الله خنث، وإن نسي التقم قلبه.
 عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 

(( أن رجلاً سأله فقال: أي المجاهدين أعظم اجراً، قال: أكثرهم لله تعالى ذكراً. فقال: أي الصالحين أعظم أجراً ؟ قال: أكثرهم لله تعالى ذكراً، ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل ذلك ورسول الله يقول: أكثرهم لله تعالى ذكراً. فقال أبو بكرٍ لعمر: يا أبا حفص ـ تعال أقل لك بهذا المعنى ـ ذهب الذاكرون بكل خير، قال: أجل ))

 وعن أم أنسٍ رضي الله عنها قالت: يا رسول الله أوصني، قال:

 

 

(( اهجري المعاصي فإنها أفضل الهجرة، وحافظي على الفرائض فإنها أفضل الجهاد، وأكثري من ذكر الله فإنكِ لا تأتين الله بشيءٍ أحب إليه من كثرة ذكره ))

 وفي روايةٍ:

 

 

(( واذكرِ الله كثيراً فإن أحب الأعمال إلى الله أن تلقاه بها ))

 وقال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( مَن لم يكثر ذكر الله فقد برئ من الإيمان ))

 علامة المنافقين:

 

 

﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142)﴾

 

 

( سورة النساء )

 أما علامة المؤمنين يذكرون الله ذكراً كثيراً.
 لذلك الآية الكريمة:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)﴾

 

 

( سورة الأحزاب )

 قيل: الأمر ليس على الذكر بل على الذكر الكثير.
 والحديث الذي أرويه لكم كثيراً:

 

(( برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله ))

 وعلاقة الذكر بالشُكر:

 

 

(( يا ابن آدم إنك إن ذكرتني شكرتني، وإذا نسيتني كفرتني ))

 معنى هذا أن أحد أنواع الشكر أن تذكر الله عزَّ وجل، إذا ذكرت الله عزَّ وجل، ذكرت أن هذه نعمة من الله عزَّ وجل، فهذا أحد أنواع الشكر.
 وعن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

 

 

(( ما من ساعةٍ تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها بخير إلا تحسَّر عليها يوم القيامة ))

 نستنبط من هذا الدرس، ومن خلال الأحاديث الكثيرة الصحيحة في الترهيب من مجلسٍ لا يذكر الله فيه، ومن خلال الأحاديث الصحيحة الكثيرة في الترغيب في مجالس الذكر، أن على الإنسان أن يبتعد عن كل مجلسٍ لا يذكر الله فيه، وإذا كان في مجلسه فليذكر الله، والذي أريده فوق هذا وذاك أن كل أخٍ كريم يطلب العلم الشريف يجب أن يطلب العلم وأن يعلم، أن يتعلَّم ويعلم، أن يستمع ويلقي، أن يأخذ ويعطي، يعني لابد من أن يكون حولك مجموعة أشخاص تتعهَّدهم، توَجِّهم، تنقل لهم بعض الأحاديث، بعض الآيات، بعض التوجيهات، إنك بهذه الطريقة تكون قد دفعت نفسك في طريقٍ صحيحٍ وعلى مسارٍ صحيح، لأن الإنسان حينما يتكلَّم صار مسؤولاً أمام الله عزَّ وجل عن إعداد قلبه، وعن إعداد نفسه، وعن إعداد عقله، فبعد أن كان طلب العلم شيئاً ثانوياً، يصبح طلب العلم شيئاً أساسياً، وبعد أن كان الذكر شيئاً يأتيك على راحتك، أصبح شيئاً مركَّزاً، فلذلك الإنسان حينما يطلب العلم يجب أن يعلِّم، فبهذه الطريقة يتألق، تألق أحدكم في أن يفيض على الآخرين بما أفاض الله عليه، في أن يذكر الله في قلبه، ويذكر الله للناس، حتى يستحق رضاء الله عزَّ وجل، ويستحق أن يسعده الله في الدنيا والآخرة.
 من الآن فصاعداً إن التقيت بأخ كريم بلقاء خاص، يحق لي أسأله: أنه هل لك إخوان ترعاهم، أولاد، أقرباء، أبناء، جيران، أصدقاء، أصدقاء في العمل، في الحرفة مثلاً ألك دعوة إلى الله ؟ الذي تعلمته طول حياتك ما آن الأوان تعلم الناس، أقرب الناس لك !! فاستعين أيام بدرس مسجل أسمعه، اسمعه مرتين أو ثلاثة واحفظه والقيه، لا تقدر آتي بأخ يحضر معك، وحمسه، لابد لك من مسعى، لأن المؤمن:

 

 

﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾

 

 

( سورة القصص: من آية " 20 " )

 لابد لك من مسعى، الإنسان إذا أسعد الآخرين فهو أسعدهم، أنا مرة قرأت كلمة في مجلة مترجمة، في فراغ في صفحة وضعوا حكمة، هذه الكلمة تأثرت بها تأثراً كبيراً: " إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين " أحياناً يكون الإنسان غارق في همومه الخاصة، الإنسان إذا خرج من ذاته لإسعاد الآخرين فهو أسعد الناس، ويتولى الله شؤونه، هم في مساجدهم والله في حوائجهم، دبر ألا تدبر، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، " ابن آدم كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك ".. " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ".. فهذا هو الطريق أمامكم، تعلَّموا وعلِّموا، تذكَّروا وذكِّروا، استمعوا وألقوا، خذوا وأعطوا. لذلك النبي الكريم ماذا قال ؟ قال:

 

(( خيركم ـ حديث خطير ـ خيركم ـ من دون استثناء ـ من تعلم القرآن وعلمه ))

ما قال: من تعلم القرآن فقط، بل قال: وعلمه.

 

 

( من الجامع الصغير: عن " عثمان " )

 فأنت حجمك عند الله بحجم الذين أرشدتهم إلى الله، بحجم عدد الذين دللتهم على الله، أكرمتهم، تفقدتهم، رعيت شؤونهم، أوصلتهم إلى باب الله عزَّ وجل، وهذا أعظم عمل، هذه والله صنعة الأنبياء، والله أشرف عمل يفعله الإنسان أن يمتِّن علاقة الناس بربهم، أن يدفعهم إلى طاعة الله، أن يحببهم بالله، أن يقربهم منه، أن يصلهم به، هؤلاء الذين يوصلون ما أمر الله به أن يوصل هم المؤمنون، والكفَّار يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، فالناس إن وجدوا إنسان دين رأساً يخوفوه من حضور مجالس العلم، أو يشككوا بالذي يعلمه، هذا كذا، هذا كذا، هذا عمل تخريبي أنت ماذا فعلت ؟ ما قربت عليه بحياتك، ولما رأيته صاحب دين أردت تقطعه عن مجالس العلم، المؤمن يصل ما أمر الله به أن يوصل، فلذلك الإنسان ليذكر هذه الحقيقة، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، بحجم الذين دللتهم على الله، أنت بقلب كم إنسان ؟..

 

 

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾

 

 

(سورة النحل: من آية " 120 " )

 يمكن تكون بقلب خمسة، بقلب عشرة، بقلب مائة، بقلب ألف، كلما ازداد تأثيرك في الآخرين ازداد شأنك عند الله عزَّ وجل.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018