بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 094 - قواعد السلوك إلى الله1 - الخلوة - وهي إحدى طرق الوصول لله تعالى.


1997-11-09

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون:
 موضوع الدرس اليوم ينضوي تحت ما يسمى طريق الوصول إلى الله، أن تعرف أحكام الشريعة شيء وأن تصل إلى الله شيء آخر، أن تستمتع بأفكار الدين شيء وأن تكون بمعيّة الله شيء آخر، أن تضع على الطاولة خرائط بيت جميل جداً ؛ خارطة للأساسات وخارطة لأول طابق وثاني طابق والأبهاء والمداخل والمخارج شيء، وأن تسكن هذا البيت شيء آخر، الخرائط شيء والبيت شيء آخر، فموضوع درسنا اليوم أنّني اجتهدت فوجدت أنه تشتد الحاجة إليه لا لعامة الناس وإنما لطلبة العلم، ولرواد المدارس، لمن يرجو الله واليوم الآخر، الموضوع عنوانه كلمة واحدة: " الخلوة "، وكما تعودنا، لا يمكن أن نحدِث في الإسلام مصطلحات جديدة، إلا أن الله سبحانه وتعالى من خلال النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن نخلو بأنفسنا، قال الرسول:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ: رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))

 كان عليه الصلاة والسلام يعتكف في رمضان في العشر الأواخر، وكان عليه الصلاة والسلام يخلو بربه في غار حراء الليالي ذوات العدد، أيْ: أن تقتطع من زحمة العمل، من زحمة هموم المعاش، من زحمة مشكلات البيت، من زحمة المزاحمة في الدنيا، أن تقتطع من وقتك وقتاً تخلو فيه مع ربك، هذا هو موضوع درسنا اليوم. وهذا الكلام أنصحكم وأنصح نفسي به لأن الإنسان إذا استقام على أمر الله سلِم، لكنه لا يسعد إلا بذكره، أن تسْلَم شيء، وأن تسعد شيء آخر، لذلك جعلت موضوع هذا الدرس الخلوة، ولن أسمح لنفسي إلا أن آتيكم مع كل فكرة بدليلها من الكتاب والسنة، أقول لكم مرة ثانية: أنا أرفض رفضاً قاطعاً أن أحدث في الإسلام مصطلحات جديدة، لست مع من يحدث مصطلحات جديدة، ولكنّ الخلوة من صلب الدين، يعرّفها بعضهم بأنها نوع من الاعتكاف، والنبي عليه الصلاة والسلام فعل أشياء كثيرة وتركها، لماذا تركها ؟ لئلا تكون فرضاً على المسلمين، ولكن الاعتكاف ما تركه إطلاقاً، الاعتكاف أن تنسحب من الحياة مؤقتاً، تتأمل، تذكر الله، تفحص أعمالك، تفحص نواياك، تقرأ القرآن، تستغفر، تذكر اسم الله الأعظم، تناجي الله عز وجل، هذا هو الاعتكاف، يعني أن تخلو مع ربك، أيها الإخوة القصد البعيد من الخلوة تطهير القلب من أدناس الملابسة، ما الملابسة ؟ طبعاً كما قال أحد الصحابة الكرام: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين و أشار بالسبابة و الوسطى و أقرن بينهما فإذا عافسنا الأهل، و طالعتنا مشكلات البـــيت، مشكلات الزوجة، مشكلات الأولاد، مشكلات البيع والشراء، كساد البضاعة، المدفوعات التي لا قِبل لك بها، الديون، المشاكسات أحياناً، متاعب الحياة، هذا شيء يعكر النفس، يعكر القلب، فأن تنسحب مؤقتاً من مشكلات الحياة لتخلو مع ربك في ساعة أو أقل منها أو أكثر منها، تناجيه أو تقرأ كلامه، لأنه ورد أنك إذا أردت أن تناجي الله عز وجل فاذكره، فإذا أردت أن يحدثك الله عز وجل فاقرأ القرآن، فأنصحكم وأنصح نفسي أن نقتطع ولا سيما بعد أو قبل صلاة الفجر وقتاً نقرأ القرآن، وقتاً نذكر الواحد الديّان، وقتاً نستغفر، وقتاً نتأمل في خلق السموات والأرض، يا موسى: أتحب أن أكون جليسك، قال وكيف ذلك يارب ؟ قال: أما علمت أني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني، الخلوة في تعريفها الدقيق: انقطاعٌ عن البشر لفترة محدودة وتركٌ للأعمال الدنيوية لمدة يسيرة كي يتفرغ القلب من هموم الحياة التي لا تنتهي، ويستريح الفكر من المشاغل اليومية التي لا تنقطع، اذهب إلى مقبرة وأقسم يميناً ولا تحنث: إنه ما من واحد مدفون في هذه المقبرة إلا وقبل أن يموت كان عنده قوائم أعمال طويلة لا حصر لها، الأعمال لا تنتهي إذْ يأتي الموت بغتة، الموت ينقلك من دار إلى دار، فهذا الدرس اجتهدت و أدركت أننا في أمس الحاجة لنخلو مع أنفسنا كي نناجي ربنا، كي نقرأ كلامه، كي نذكر أسماءه، كي نبتهل إليه، كي نتفكر في خلقه، هذه الخلوة مهما بدت قصيرة إلا أنها إذا استمرت كان لها أثر طيب، العوام لها كلمة تعجبني: الثبات نبات، ولو ربع ساعة تثبتْ عليه، لو ألزمت نفسك أن تناجي الله عز وجل خمس دقائق، أن تقرأ صفحة من كتاب الله، أن تستغفر الله مائة مرة، أن تقول لا إله إلا الله مائة مرة، أن تقول اللهم صلِ على سيدنا محمد مائة مرة، أن تقول حسبي الله ونعم الوكيل خمسين مرة فرضاً، أن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، هذه أذكار النبي عليه الصلاة و السلام.
مرة ثانية أقول: باستقامتك على أمر الله تسلم لكنك لا تسعد، تسعد بذكر الله والدليل قوله تعالى:

 

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28﴾

 

 

( سورة الرعد )

 ذكرُ الله بقلب خاشع وتفكُّرٌ في آلائه آناء الليل وأطراف النهار، هذه حقيقة الخلوة، الحياة مشاغل، أحياناً يحلو لي أن أصف الإنسان في هذا العصر كقطعة من عجلة تدور معها، فالإنسان من عمل إلى عمل ومن زيارة إلى زيارة ومن صفقة إلى صفقة ومن حل مشكلة إلى حل مشكلة، ومن توكيل محامٍ إلى قضاء قاضٍ إلى آخر ما هنالك، إلى أن يأتي الموت بغتة فإذا هو رهين عمله قال تعالى:

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)﴾

 

 

( سورة المدثر )

 كنت أذكر من قبل قوله تعالى:

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

 

 

( سورة الفرقان )

 معنى هوناً أي لا يسمح لمشكلات الدنيا أن تلغي وجوده، لا يسمح لمتاعب العمل أن تقضي على سعادته، لا يسمح لمتاعب الأسرة أن تقطعه عن الله عز وجل، هذا الإنسان الذي ينساق مع همومه ومتاعبه ومشكلات الحياة يلغى وجوده، أنت إنسان مكرم، أنت المخلوق الأول، أنت المخلوق الذي خلقت لعبادة الله عز وجل فكيف تسمح لمشكلة أن تلغي وجودك، لذلك قال تعالى:

 

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾

 

 

( سورة فاطر )

 أي أن هذا الإنسانُ مقبور بشهوته، وهذا مقبور بهمه، وآخر مقبور بتجارته، و رابع مقبور ببيته، وكل إنسان حبيس همومه وشهواته ورغباته ومخاوفه، ما لم تخرج من هذه المخاوف ومن هذه الحياة الرتيبة: طعام وشراب ونوم وعمل، ما لم تخرج من هذه الحياة الرتيبة، ومن هموم المعاش، من مضايقات الناس، من هموم الولد والزوجة، من هموم العمل وكسب الرزق، من همومِ مع مَن هم فوقك، مع مَن هم دونك، هذه كلها هموم، ذكرت لكم في مطلع الدرس أنني اجتهدت فأدركتُ أن الحاجة تشتد إلى هذا الدرس: الخلوة مع الله، إنها نافذة ؛ تصور إنساناً في معمل: ضجيج وآلات وروائح وغازات سامة، و هناك نافذة فتحها فأطل منها على حديقة جميلة فانتعش، أخذ طاقة جديدة، شعر بنشاط جديد، جددَ نشاطه، فهذه الخلوة التي يذكرها بعض علماء القلوب ضرورية للإنسان وليست بدعاً في الدين، إنها من أصل الدين وإنها جزء من الدين والآيات والأحاديث تغطيها و تؤكدها، و هاكم الدليل الأول على مشروعية الخلوة قوله تعالى:

 

﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8)﴾

 

 

( سورة المزمل )

 التبتل: الانقطاع لله عز وجل، لذلك من خصائص ساعات الفجر أنه ليس هناك مشكلات ولا صياح ولا ضجيج، و لا قرع جرس ولا قرع هاتف، ليس لديك مشاحنة ولا مشادة، ومعظم الناس نيام، ساعات الرحمة، لو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً، فلذلك الآية الدقيقة جداً قوله تعالى:

 

﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8)﴾

 

( سورة المزمل )

 أيْ: انقطع عن الناس وأسرتك وعملك وهموم المعاش، واخلُ مع ربك واذكر اسمه: الله الله، إما أن تذكر اسمه المفرد، وإما أن تذكر الأذكار التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، قال بعض المفسرين: واذكر اسم ربك أي دُمْ على ذكره تعالى ليلاً ونهاراً على أيّ وجه كان: من التسبيح والتهليل والتحميد إلى أن قال بعضهم: وتبتل وانقطع إليه بمجامع الهمة واستغراق العزيمة في مراقبته، كلام دقيق في تفسير هذه الآية. هذا الدليل القرآني على مشروعية الخلوة، وأما الدليل النبوي الذي لا ينطق عن الهوى لا في أقواله ولا في إقراره ولا في أفعاله: أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما ترويه كتب السيرة كان يخلو بغار حراء يتعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله حتى جاء الحق وهو في غار حراء وبهذا تكون قد ثبتت مشروعية الخلوة، فالنبي كان يتعبد الله عز وجل الليالي ذوات العدد، أن تتعبد ربك الدقائق كل يوم ذوات العدد، أي إن لم يُتَح لك أن تترك البيت وأن تقبع في صومعتك تعبد الله الليالي ذوات العدد فاقبع في طرف غرفتك وأمسك سبحتك واذكر الله عز وجل عدداً تشعر فيه أنك قد صفا قلبك واطمأنت نفسك، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ثم حببت إليه الخلوة فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه أي يتعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة ويتزود لمثلها، حتى جاء الحق وهو في غار حراء، هذا الذي فعله النبي ينبغي أن نفعل جزءاً منه، ينبغي أن نفعل نموذجاً مصغراً منه، لأن الخلوة مع الله حياة للقلوب، عن أبي جمرة في شرحه على مختصر البخاري يقول: في الحديث دليل على أن الخلوة عون للإنسان على تعبده وصلاح دينه، في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما اعتزل عن الناس وخلا بنفسه آتاه الله هذا الخير العظيم، الدليل قوله تعالى:

 

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79)﴾

 

 

( سورة الإسراء )

 المقامات العالية عند الله ثمنها الخلوات، لذلك أحد العارفين الكبار رآه أحد تلاميذه في المنام قال له: يا سيدي ماذا فعل الله بك ؟ قال: يا بني راحت تلك العبارات وذهبت تلك الإشارات ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل، إذاً: فالدعوة إلى طاعة الله دعوة إلى السلامة، والدعوة إلى الخلوة مع الله دعوة إلى السعادة، بطاعتك تسلم وبخلوتك مع الله تسعد، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، هناك استنباط آخر استنبطه شُرّاح الحديث هو: أن الأولى بأهل البداية الخلوة والاعتزال. فمن هم أهل البداية ؟ إنهم حديثو العهد بالإيمان، من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة، أنت بأول مراحل إيمانك تحتاج إلى خلوات وإلى جلوات وإلى قراءات وإلى أذكار وإلى مجالس علم، من أجل أن تكون هذه البداية محرقة كي تكون النهاية مشرقة، وأنا والله لا أغبط إلا شاباً صغيراً نشأ في طاعة الله أقول: هذا إذا بلغ الأربعين كيف يكون حاله ؟ منذ الخامسةَ عشرةَ هو مع الله ويذكر الله ويجتهد في طاعته فكيف إذا بلغ الأربعين أو الخمسين ؟ فالبدايات المحرقة لها نهايات مشرقة، الدليل على أن البداية ليست كالنهاية لأن النبي عليه الصلاة والسلام أول ما بُدئ في نبوته المَرائي، ومازال عليه الصلاة والسلام يرتقي في الدرجات والفضل حتى جاءه المَلَك في اليقظة بالوحي، ثم ما زال يرتقي حتى كان قاب قوسين أو أدنى وهي النهاية، بلغ النبي عليه الصلاة والسلام سدرة المنتهى، أي أنت كمؤمن يجب أن تشعر أنك في تطور، في رقي، من حال إلى حال، من مقام إلى مقام، من منزلة إلى منزلة، من درجة قرب إلى درجة قرب، أما أن تكون في حال واحدةٍ طوال الحياة فلا، بعض العارفين قال: المؤمن يتقلب في اليوم الواحد بأربعين حالاً، بينما المنافق يبقى في حال واحدةٍ أربعين عاماً، المفروض أن تتطور، أن تقول من حين لآخر رؤيتي اليوم غير رؤيتي بالأمس، معرفتي بالله غير معرفتي بالأمس، ورعي اليوم أشد من ورعي بالأمس، من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، والمغبون من تساوى يوماه، وشعور المؤمن أنه يرتقي، فهذا شعور بالحيوية، أنت حيوي إذا كنت في تطور مستمر، لذلك من أدق التفاسير لقوله تعالى:

 

﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)﴾

 

 

( سورة محمد )

 النبي ليس له ذنب، لكن كلما كان في رؤية لله عز وجل، ثم انتقل إلى رؤية أوسع، وأعمق يستحي برؤيته السابقة، وكأنها ذنب، يعني: أنت، مثلاً، جلست أمام إنسان فظننته يقرأ ويكتب، ثم اكتشفت أنه يحمل شهادة ثانوية، ثم اكتشفت أنه يحمل شهادة جامعية، ثم علمت أنه يحمل دكتوراه، ثم علمت أنه وحيد عصره في اختصاصه، فكلما علمت حقيقة عنه جديدة استحييت لفهمك السابق له أو بتقديرك السابق له، و هذا من أدق التفاسير في قول الله عز وجل:

 

﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)﴾

 

 

 

( سورة محمد )

 فهذا هو ذنب النبي، هناك تطور مستمر فكلما عرف الله في مستوى شعر أن معرفته السابقة لا تليق بالله عز وجل، قال بعض علماء القلوب: من نال مقاماً فدام عليه بأدبه، ترقى إلى ما هو أعلى منه، فإذا وصل الإنسان مع الله إلى مرتبة فحافظ عليها بأدب جم، وشكرٍ كبير نقله الله إلى مرتبة أعلى، وهكذا، و الذي أتمناه على إخوتنا الكرام أن يشعر أحدهم بالتغير، نحو الأحسن، و بالتطور، أي أن تزداد معرفته، أن يزداد إقباله، أن يزداد ورعه، تمسكه، حرصه، مادام هناك زيادة إذاً هناك حركة ناجحة، هناك حركة نحو الأمام، من نال مقاماً فداوم عليه بأدب ترقى إلى ما هو أعلى منه، قال القسطلاني: الخلوة تريح القـلب من أشغال الدنيا، وتفرغه لله تعالى، وتفجر ينابيع الحكمة، نعم، والخلوة أن يخلو عن غيره بل و عن نفسه لربه، ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام ماترك هذه الخلوة إطلاقاً فكان بعدئذ يخلو في العشر الأخير من رمضان، وقد سماه الفقهاء اعتكافاً، الاعتكاف: خلوة. و الشيء الذي يشجع المؤمن ويقوي همته، أن يجعل هذه الخلوة مجزأة كل يوم، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7)﴾

 

 

( سورة المزمل )

 لذلك مُدح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنهم كانوا فرساناً في النهار رهباناً في الليل، يقول العالم الزهري: عجباً من الناس كيف تركوا الاعتكاف ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل الشيء ويتركه لكنه ما ترك الاعتكاف حتى قُبِض، وقال الإمام النووي في شرح حديث عائشة الوارد في صحيح مسلم عند قوله: حبب إليه الخلاء أوالخلوة، أما الخلاء فهو الخلوة وهي: شأن الصالحين وعباد الله العارفين، وفيها فراغ القلب وهي معينة على التفكر، وبها ينقطع الإنسان عن مألوفات البشر ويتخشع قلبه، أيها الإخوة هناك شيء آخر: الخلوة كما قال العالِم الكبير محمود العيني في شرحه على حديث عائشة قال: لِمَ حبب إليه الخلوة ؟ لأن معها فراغ القلب وهي معينة على التفكر. والبشر لا ينتقل أحدهم عن طبيعته إلا بالرياضة البليغة في هذه الطبيعة تأكل فتنام، تستيقظ فتعمل، تلتقي مع الناس فتأنس بهم هذه هي الطبيعة، أما أن تصل إلى الله فإنك تحتاج إلى مجاهدة، إلى جهد إضافي استثنائي، إلى إرادة قوية، لذلك لِمَ حببت الخلوة إلى النبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال: لأن فيها فراغاً للقلب، وفراغُ القلب يعين على التفكر. والبشر من شأنهم أنهم لا يتحولون عن طبيعتهم إلا بالرياضة البليغة، فحببت إليه الخلوة لينقطع عن مخالطة البشر فينسى المألوفات من عاداته، والاستئناس بالناس من علامات الإفلاس، ماذا قال بعض العارفين قال: بستاني في صدري ماذا يفعل أعدائي بي ؟ إن أبعدوني فإبعادي سياحة وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة فماذا يفعل أعدائي بي ؟ بل إن الله سبحانه وتعالى ذكر أن حال أهل الجنة يذوقه المؤمن في الدنيا قال تعالى:

 

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

 

 

( سورة محمد )

 لذلك فسر بعضهم قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: أبو بكر في الجنة، أي هو في جنة، هو في جنة القرب، هناك نار البعد وجنة القرب، ولا يعرف ما نقول إلا من اقتفى أثر الرسول، لا يعرف ماذا تعني جنة القرب وماذا تعني نار البعد إلا من ذاق القرب وذاق البعد، أحبابنا اختاروا المحبة مذهباً، وما خالفوا عن مذهب الحب شرعاً، ثم يقول هذا العارف بالله: فما حبنا سهل، وكل من ادّعى سهولته قلنا له قد جهلتنا:

 

فأيسر ما في الحب للصب قتله  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا

 المؤمن الصادق الموصول بالله عز وجل حينما يحجب عن الله قليلاً يحترق، ليس هناك مصيبة، صحته وعمله ودخله، ولكنه اعتاد على الوصال فلما حجِب احترق، لذلك، هذا شابٌ خطب فتاة اسمها وصال وكان أبوها شيخاً فاشترط عليه أن يحضر دروسه، هذا الخاطب حضر الدروس فاتصل بالله فذاق نشوة القرب فنسي فتاته وصال، فلما سألته مرة: أين وعدك بالزواج، قال: يا وصال كنتِ سبب الاتصال، فلا تكوني سبب الانفصال، والدليل أنه من عرف الله زهد فيمن سواه، فإذا الإنسان وصل إلى الله فقد وصل إلى كل شيء.
 أيها الإخوة عندما كنا في الجامعة علمونا أن قصيدة البردة للبوصيري تتميز بالعاطفة الصادقة، بينما نهج البردة التي ألفها شوقي فيها معانٍ دقيقة جداً، وفيها تفصيلات رائعة، لكنّها تفتقر إلى عاطفة البوصيري والأدب الخالد هو الأدب الذي ينطلق من عاطفة صادقة، فكان البوصيري محباً للرسول عليه الصلاة والسلام، فقد وصف النبي فقال: ألِفَ النسكَ والعبادة والخلوة طفلاً وهكذا النجباء، العظماء لهم خلوة مع الله عز وجل، كبار المؤمنين، كبار الأولياء لهم خلواتهم ولهم جلواتهم، الإمام المناوي شارح الجامع الصغير وهو من أشهر كتب الحديث يقول: حبب إليه صلى الله عليه وسلم الخلوة والانفراد والنفور من مخالطة الناس حتى في الأهل والمال والعيال واستغرق في بحر الأذكار العلية فانقطع عن الأضداد فاستشعر حصول المراد وحصل له الأُنس بالخلوة فانتقل من هذه الخلوة إلى الجلوة، الإنسان يتألق بعد الخلوة، يخلو مع ربه فيجلو له، العلماء كانوا في حيرة من أمرهم، ماذا كان عليه الصلاة والسلام يفعل في خلوته ؟ هل كان يتفكر أم يذكر؟ قلت لكم في بداية الدرس إن خلوت مع الله فهذا نوِّع، لكن لك أن تفكر في ملكوت السموات والأرض وهذا أعلى أنواع الذكر، ولك أن تذكر الله، ولك أن تقرأ كلامه، لكن العلماء اختلفوا في طبيعة خلوة النبي عليه الصلاة والسلام، فقال بعضهم: كانت عبادته بالفكر، وقال بعضهم: كانت عبادته بالذكر، وأنت إذا نوّعـت بين الفكر والذكر لا شيء عليك، وكنت أتمنى أن على الإنسان بالخلوة التي هي ربع ساعة مثلاً إن تمكن أن يقضيها كل يوم و أن يجمع بين الفكر والذكر، و كثيراً ما كنت أروي لكم قصة دائماً خلاصتها: أن شاباً مؤمناً سمع من شيخه أن لكل سيئة عقاباً، زلّت قدمه يوماً في موضوع فصار ينتظر عقاب الله له، انتظر أياماً عديدة لم يصبهُ شيء، حالته جيدة، وضعه، أهله، أولاده، مركبته، فناجى ربه فقال: يارب لقد عصيتك فلم تعاقبني، فوقع في قلبه أن يا عبدي لقد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي، ألا يكفيك هذا عقاباً شديداً، أن تكون محجوباً عني، المؤمن الصادق المتفوق الموصول لا يخشى أن يسوق له الله مصيبة في ماله أو جسمه، بل أكبر مصيبته أن يُحجب عن الله، فما حبنا سهل، وكل من ادعى سهولته قلنا له إنك قد جهلتنا:

 

 

أيسر ما في الحب للصب قتله  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا

 فإذا إنسان عوّده الله على الصلة، على الود، على الطمأنينة، على القرب، وأبعده مرة فهذا أبلغ عقاب، و أكبر كلمة تعد عقاباً أليماً أن الله لعنهم، يعني أبعدهم وحجبهم، قال رجل لبعض الأكابر: اذكرني عند ربك في خلوتك، فقال له إذا ذكرتك فلستُ إذاً معه في خلوة، الخلوة أنني أنقطع إليه ولا أذكر معه أحداً، وليس مقبولاً إذا كنت في خلوة أن تذكر إنساناً كائناً من كان، وإلا شركت أنت الآن مع الله عز وجل، قال بعضهم يخلو مع ربه ليزداد علماً بالحق، فهناك علم تحصيلي و هناك علم إشراقي: العلم الإشراقي يأتي بالخلوة، يعني أحد أكبر أسباب العلم الإشراقي الرؤيا، الإنسان قد يلمع أمامه شيء، قد يقفز في المجهول، قد يكشف الله عن بصيرته، قد يُلقي في قلبه شيئاً، هذا يسمى عند العلماء العلم الإشراقي، طبعاً حتى لا نقع في خطأ العلم الإشراقي فهو مقيد بالكتاب والسنة، وإلا فهو مرفوض مثلاً يقول شخص: والله لقد صار لي تجلٍ فوجدت أن الصلاة غير ضرورية، هذا نصفعه، إذا صار لك علم إشراقي، فالعلم الإشراقي مقيد بالكتاب والسنة، قرأت فيما قرأت أنه في عهد الإمام العز بن عبد السلام جاءه رجل صالح، و قد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا شيخي رأيت النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لي: في المكان الفلاني كنز، اذهب وابحث عنه وخذه، ولاتؤدِّ زكاته، هذا الرجل فيما تروي الكتب ذهب إلى ذاك المكان، فوجد الكنز وأخذه، فلما عرض على شيخه هذه الرؤيا، قال له: أما القسم الأول فهو صحيح، وأما الثاني فغير صحيح، لأن فتوى النبي في حياته أصح منها في نومك، قال: خذ الكنز وأدِّ زكاته، نحن ليس لدينا شيءٌ اسمه إشراق خلاف الشرع إطلاقاً، لا منام ولا شطحة ولا حلم يقظة، كل شيء تدعي أنه قفزة، إشراق، يجب أن يكون مقيداً بالكتاب والسنة، فأول ثمرة من ثمار الخلوة، إن صح التعبير ما يسمى بالعلم الإشراقي، نعم، يكشف عن بصيرته، يزود برؤيا صائبة، يلقى في قلبه النور بل إن التقوى في تعريف الإمام الغزالي، نور يقذفه الله في القلب، و هناك هدف آخر الخلوة تصفي الفكر، بينما مشاغل الدنيا حجابٌ بين الإنسان وبين الحقيقة.
 حبك الشيء يُعمي ويُصم، الإنسان أحياناً تكون عنده بضاعة أسعارها نازلة، فهو مهموم لكنه إذا خلا مع الله عز وجل، وعرف سر وجوده وغاية وجوده، وأنه والجنة قاب قوسين وأن الله خلقه ليسعده، ينسى متاعب التجارة، وإذا الإنسان بَعُد عن الله عز وجل، فالهموم تأكل قلبه وتستحوذ عليه، الهموم تسحقه، حالياً أكثر الناس يتلقى خبراً معيناً فيُصاب بالجلطة، وقد يتلقى خبراً ثانياً يختل توازنه، ثم خبراً ثالثاً فحصلت له كآبة، والآن الكآبة مرض خطير، منتشر جداً في المجتمع، لأنه هموم مع البعد عن الله عز وجل، وبعضهم يرى أن في الخلوة أنس بالله عز وجل أي قمة سعادتهم هي في خلوتهم مع الله عز وجل، والإنسان أحياناً في ساعة صفاء يستمع إلى كتاب الله، إلى القرآن يتلى عليه فيبكي، هذا البكاء بكاء الرحمة، كان الصحابة بكّائين، والبكاء من علامات الإيمان الصادق، هناك خشوع، عين نزلت منها قطرة دمع خشية لله فهذه العين لا تمسها النار، الإسلام حب، الدين حب، وَجْدٌ، هل الوجد إلا أن قلبي لو دنا من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر، ما هذا القلب الذي له! هناك قلب كالصخر، وآخر كالثلج، برود لا يحتمل، وقلب متّقد محبة، فإنسان ليس له صلة مع الله، ليس له مناجاة ولا ذكر دموعه لا تهمي، جلده لا يقشعر، هذا يعني أن عنده مشكلة، حتى قال بعض العارفين: الإنسان إذا صلى فلم يشعر بشيء، إن قرأ القرآن فلم يشعر بشيء، إن ذكر الله فلم يشعر بشيء، فلا بد وأن تكون عنده مشكلة خطيرة، إذا شاهد الطبيب شخصاً هامداً جسَّ النبض فإن لم يجد نبضاً، وضع مرآة أمام أنفه فلم يجد بخار ماء، جاء بمصباح شديد وضعه في قزحية العين فلم تصغر فهذا يعني أنه منتهٍ، عظّم الله أجركم، فلا شيء بالصلاة ولا بالتلاوة ولا بالذكر، و لا قلب ينبض بحب الله عز وجل فهو إذاً منتهٍ، و هكذا فقد درسنا الآن درساً قربنا من الله عز وجل، و نحن في حاجة إلى الذكر، و إلى القرب، و إلى نافذة إلى الله عز وجل نسعد بها، فنحتاج إلى خلوة، المستقيم سليم، إذا كـنت مستقيماً فستسلم، لكنك لا تسعد بالاستقامة، لكنك تسعد بالقرب، بالذكر، بالخلوة، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ....... وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))

 بكاء الحب، بكاء الخشوع ليس سهلاً، إذا لم يتواجد قرب حقيقي من الله، إذا لم يتواجد استقامة حقيقية، ورجاء لرحمة الله، والله لا تنهمر ولا دمعة، أحياناً تجد بحفل عقد قران مُنشداً قلبه صاحٍ ونشيده جميل، تجد من بين ثلاثمائة مدعو خمسة فقط هم الذين بكوا، لماذا بكوا ؟ لأن هذه الابتهالات حرّكت خبراتهم العاطفية مع الله عز وجل، ذكّره مثلاً: وجدناك مضطراً فقلنا لك: ادعُنا نُجبك فهل أنت حقاً دعوتنا ؟ دعوناك للخيرات أعرضت نائياً فهل تلقى من يحسن لمثلك مثلنا، فوا خجلي منه إذا هو قال لي: يا عبدي ما قرأت كتابنا، أما تستحي منا ويكفيك ما جرى، أما تختشي من عُتبنا يوم جمعنا، أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جاء وعدنا، فإن لم يهز مشاعر الإنسان شيءٌ فهذا حجاب كثيف.
 أحياناً يسمع الإنسان مديحاً لرسول الله عليه الصلاة والسلام أو يستمع إلى ابتهال، و مناجاة لله عز وجل فيذوب قلبه في جوفه من شدة محبته، أيْ أن الإسلام ليس كله معلومات وأفكار وأدلة وبراهين فهذه ضرورية، ولكنها ليست الإسلام كله، الإسلام بكاء وحب وشوق إلى الله عز وجل الإسلام قلب ينبض بالحب، الإسلام علاقة طيبة مع الله، أن تكون علاقتك بالله طيبة، أن تكون ربانيّاً تحب الله وتعمل لله وترضي الله وترجو الله وتخشى الله هذا هو المؤمن فهو ربّاني، لذلك برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله، قالوا: هذه الخلوة هدفها التعرف على فاطر السموات والأرض، هذا التعرف أساس للأحوال القلبية التي تسعد الإنسان، أحد العارفين بالله كان شاعراً فقال:

 

 

ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا  سر أرق من النسيم إذا سرى
فدهشت بين جماله وجلاله  وغدا لسان الحال عني مخبرا

 أي إذا طرق الإنسان باب الله عز وجل يمكن ألّا يفتح له في المرة الأولى، و هناك أشخاص يطرقون الباب فلا يجدون شيئاً، تجلس للذكر فلا تجد شيئاً، يقرأ أحدهم القرآن فلم يشعر بشيء، قال بعضهم:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
 و إذا لم تشعر بشيء في أول يوم فإنك في اليوم الثاني عندما يجدك الله عز وجل مُصِراً يفتح لك الباب، وإذا فتح لك الباب أدهشك، وإذا أدهشك أسعدك:

 

 

ولي الله ليس له أنيس  سوى الرحمن فهو له جليس
يُذَكِّرهُ فيـذكره فيبكي  وحيد الـدهر جوهره نفيس

وقيل أيضاً:

 

 

على نفسه فليبك من باع عمر  وليس له فيها نصيب ولاسهم

 يقال ذات مرة إنَّ سيدنا بلالاً كان في الشام فرأى في المنام رسول الله عليه الصلاة والسلام قال له: ما هذه الجفوة يا بلال ؟ لماذا أنت تجافينا؟ فركب ناقته من توه وتوجه إلى المدينة المنورة وأذّن الأذان الوحيد بعد وفاة رسول الله، قالوا: لم تبق امرأة ولا رجل إلا خرج باكياً من بيته لأن آذانه ذكرهم بعهد رسول الله، أي أن المؤمن محبوبه الله، المؤمن أحسن الاختيار، الحب من صفات الإنسان، كل إنسان يحب ولكن المؤمن انتقى أعلى محبوب، محبوب باقٍ على الدوام، كل محبوبات الأرض تغادرها إما أن تغادرك وإما أن تغادرها، والحديث القدسي:

 

 

((عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))

 مستحيل أيها الإخوة أن تخطب ود الله عز وجل ولا تجد أن الله قد أقبل عليك وأكرمك وأنزل على قلبك السكينة وتجلى على قلبك وأسعدك، أحياناً: إنسان يأتي إلى الجامع فيحس بحال طيب، هذه هي ضيافة ربنا عز وجل، تحس بالطمأنينة، بمحبتك لله، بقربك منه، إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمّارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني فهذه هي ضيافة الله عز وجل. بعضهم جمع فوائد هذه الخلوة قال: أولاً تهذب النفس وتزكيها، وتروضها على طاعة الله تعالى، والاستئناس بمجالسته، لأن من طبائع النفوس الأمارة بالسوء حب مجالسة الناس، والميل إلى اللهو والعبث والبطالة، وكراهية الخلوة مع الله، طبع الإنسان يميل إلى الجلوس مع الناس يضحك ويلعب، يأكل يعلق تعليقات ساخرة، يمتع عينه بشيء لا يرضي الله عز وجل، أما التكليف أن تخلو مع الحقيقة الأزلية، من فوائد الخلوة مع الله أنها تريح القلب والفكر والعقل، من الشواغل الدنيوية المتعاقبة، الإمام الشافعي يقول: من أحب أن يفتح الله قلبه وأن يرزقه العلم فعليه بالخلوة، وترك مخالطة السفهاء، والله أيها الإخوة أحياناً تجلس مع شخص تشعر أنك تبهدلت معه، نزلت مكانتك فهو شخص بذيء اللسان تعليقاته سخيفة، تفكيره محدود نمطه شهواني، إنْ جالسته تحتقر نفسك أمامه، لذلك من أحب أن يفتح الله قلبه وأن يرزقه العلم، فعليه بالخلوة وترك مخالطة السفهاء، ومجالسة العارفين بالله والقريبين منه، " ابن عجيبة " الذي شرح حكم ابن عطاء الله السكندري، يقول: ما نفع القلب شيء مثل خلوة يدخل بها إلى ميدان ذكره، أبو الحسن رضي الله عنه يقول: ثمار الخلوة أربع: أولها كشف الغطاء: الإنسان عند الموت يكشف الغطاء عنه، ولكن بعد فوات الأوان، بالخلوة يكشف لك الغطاء وأنت في الدنيا، في الوقت المناسب وتنزل الرحمة، و يتم تحقيق المحبة، ولسان الصدق في الكلمة، بعضهم قال: في الخلوة فوائد كثيرة، منها السلامة من آفات اللسان، جلوس مع الناس، غيبة، نميمة، تعليق، سخرية، محاكاة، و كلها ذنوب، أما حينما خلوت مع الله نجوت من آفات اللسان كلها، وحينما تخلو مع الله سلمت من آفات النظر، إذا كنت في مجلس وكان هناك امرأة أو أي شيء فيه ملهاة، وحفظت قلبك وصنته عن الرياء والمداهنة وغيرهما من الأمراض، وحصّلت الزهد في الدنيا والقناعة منها فهذا شرف العبد، شرف العبد قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس، وسلمت من صحبة الأشرار، ومخالطة الأرذال، ففي اللقاء بهم فساد عظيم، لكن التفرغ للعبادة والذكر والعزم على التقوى والبر في البعد، و في الخلوة تجد حلاوة الطاعات ولذيذ المناجاة قال: لا يكون المريد صادقاً إلا إذا وجد في الخلوة من الحلاوة والنشاط والقوة ما لا يجده في العلانية ، و أنا أحياناً أتمنى وأريد أن يكون الدعاء بعد الصلاة دعاء سرياً، كل إنسان يناجي ربه، وله طلبات معينة، يعاني مشكلة فالطالب مثلاً له طلب، و التاجر له طلب، و الزوج له طلب، و الكبير له طلب، و الصغير له طلب، فالدعاء الذي بينك وبين الله دعاء صادق ومقبول ومستجاب، قال العلماء: في الخلوة راحة القلب والبدن لكن في مخالطة الناس ما يوجب تعب القلب والبدن، وفي الخلوة صيانة النفس والدين من أدران الشرور والآثام، وفي الخلوة تمكن من عبادة التفكر والاعتبار، وهو المقصود الأعظم من الخلوة ، أيها الإخوة الكرام هذه بعض أقوال العلماء حول ماورد في الكتاب والسنة وأقوال العلماء الصادقين العاملين الموصولين بالله عز وجل في موضوع الخلوة، و أختم هذا الدرس بتلخيص سريع له: لا بد لك من خلوة مع الله كل يوم، ونوّع بين أحوالك فيها، نوّع بها الذكر مع التفكر مع التلاوة مع الدعاء، ذكر، تفكر، تلاوة، دعاء، فهذه إذا حافظت عليها كل يوم كان لك في النهار سبحاً طويلاً، كنت في اليوم بحال آخر، تشعر بقوة تشعر بتوازن، تشعر بطمأنينة ونظر ثاقب، برأي سديد، بكلام محكم، و تصرفٍ حكيم، هذا كله من بركات الخلوة مع الله قبيل صلاة الفجر و بعدها، لذلك لو يعلم الناس ما في العتمة والفجر والصبح لأتوهما ولو حبواً، ومن صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح، ويا ابن آدم لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفك النهار كله، أنت يومها في ضمان الله، وفي ذمة الله وفي حفظ الله وتوفيق الله، أردت من هذا الدرس أن نخصص وقتاً نكون فيه مع الله، ننسحب من همومنا، من متاعبنا: متاعب الأسرة، متاعب العمل، متاعب الاختلاط، متاعب الأقارب، هذه كلها متاعب، لا يجب على الإنسان أن يكون لقمة سائغة لهذه المتاعب، لا يكون مستهلكاً من هذه المتاعب، هو أرقى من ذلك، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يلهمنا الخير والصواب

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018