بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات فقهية متفرقة - الدرس : 55 - الأضحية .


1997-04-13

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الأضحية :

 أيها الأخوة الكرام ، وعدتكم في الدرس الماضي أن أعالج في هذا الدرس موضوع الأضحية كما ورد في كتب الفقه وعلى المذاهب الأربع .
 الأضحية لغةً : اسم لما يضحى به ، أو لما يذبح أيام عيد الأضحى ، فقهاً : هو ذبح حيوان مخصوص بنية التقرب إلى الله تعالى في وقت مخصوص ، أو هي ما يذبح من النعم تقرباً من الله تعالى في أيام النحر .
 على كلّ ربنا جل جلاله من حكمته وفضله ورحمته أنه جعل لنا وسائل للتقرب إليه لو لم يخلق هذه الوسائل ماذا تفعل ؟ لو أردت أن تتقرب إلى إنسان عظيم ولم يسمح لك أن تتقرب إليه ، ولم يجعل لك وسيلة لتتقرب بها إليه ، كل الخير عنده ، وكل الفضل عنده ، وكل الرحمة منه ، وليس هناك وسائل لتتقرب منه ماذا تفعل ؟ هذا من فضل الله الكبير، أعطانا وسائل نتقرب بها إليه ، الدنيا مبنية على هذه الوسائل ، الدنيا كلها مصممة كي تعمل صالحاً يكون سبب دخولك الجنة إلى أبد الآبدين ، هذا الموضوع لو وقفنا عنده قليلاً ، جعلك زوجاً بإمكانك أن تصل إلى الجنة عن طريق إكرام زوجتك ، جعلك أباً بإمكانك أن تدخل الجنة عن طريق تربية أولادك ، جعلك ابناً بإمكانك أن تدخل الجنة عن طريق بر والديك ، جعلك ذا حرفة بإمكانك أن تدخل الجنة عن طريق إتقان حرفتك ، ونصح المسلمين وخدمتهم ، بإمكانك أن تدخل الجنة عن طريق إنفاق المال ، عن طريق تقديم خدمات ، عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، خدمة المسلمين ، عيادة مرضاهم ، مساعدة محتاجيهم .
أي الوسائل التي جعلها الله بين أيدينا كي نتقرب إليه لا تعد ولا تحصى ، لذلك قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة المائدة : 35]

 الوسيلة قال علماء التفسير مطلقة ، العمل الصالح وسيلة ، الصلاة وسيلة ، الذكر وسيلة ، الدعاء وسيلة ، إنفاق المال وسيلة ، إتقان الصنعة وسيلة ، بر الوالدين وسيلة ، أي شيء يقربك إلى الله هو وسيلة ، أي أنت في دمشق ينبغي أن تصل إلى حمص ، أي مركبةٍ ، دراجة نارية ، سيارة ، قطار ، طائرة ، أي شيء ممكن أن ينقلك من دمشق إلى حمص هو وسيلة .
 فلذلك أول فكرة في الدرس أن الخير كله من الله ، وأن السعادة كلها من القرب من الله ، وأن الطمأنينة كلها بطاعة الله ، وأن الخير كله من عند الله ، ولقد خلق لك آلاف الوسائل كي تتقرب بها إليه ، من إحدى الوسائل الأضحية ، أي أن تطعم الطعام ، أن تضحي بكبش وأن تقدم لحمه للفقراء وللأصدقاء ولأهل بيتك ، فالأضحية لغةً اسم لما يضحى به ، أو لما يذبح أيام العيد الأضحى ، وفقهاً : ذبح حيوان مخصوص بنية التقرب من الله عز وجل .

مشروعية الأضحية في الكتاب و السنة :

 شرعت الأضحية في السنة الثانية للهجرة كالزكاة وصلاة العيدين ، وثبتت مشروعيتها في الكتاب والسنة ، أما في الكتاب فقد قال تعالى :

﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾

[ سورة الكوثر : 2]

 طبعاً من معاني هذه الآية أن تنحر هذه الأضحية ، ومن معاني هذه الآية أن تنحر شهواتك ، قال تعالى :

﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة الحج : 36]

 أي من الوسائل المقربة لله عز وجل ، هذا في الكتاب ، أما في السنة :

(( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلافِهَا وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا))

[ الترمذي عن عائشة ]

 كلكم إذا قرأ الحديث الشريف :

(( إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل ))

[ المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود]

 إن قرأتم هذا الحديث يقشعر جلدكم ، أنت حينما تتصدق تسترضي الله عز وجل، تطلب عفوه ورضاه ، حينما تتصدق تطلب من الله عز وجل المغفرة ، تتقرب إليه إذاً هو يقبلها وتقع في يده قبل أن تقع في يد الفقير ، وهذه الأضحية حينما تقربها إلى الله أضحيةً إن دمها يقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام ، هذه السنة القولية ، أما السنة العملية .

((فعَنْ أَنَسٍ قَالَ : ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا ))

[ الترمذي عن أنس]

 والمسلمون أجمعوا على مشروعية الأضحية ، ودلت الأحاديث الشريفة على أنها أحب الأعمال إلى الله يوم النحر ، أي أحب عمل إلى الله يوم النحر أن تضحي .

 

الحكمة من تشريع الأضحية :

 الحكمة من تشريعها : أول شيء من حكمتها شكر الله تعالى على نعمه المتعددة ، أي أبقاك من عام إلى عام ، يقولون : كل عام وأنتم بخير ، أنت عشت من عيد الأضحى الماضي إلى العيد الجديد ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يمد بعمرنا جميعاً ، وأن نشهد عيداً وراء عيد وراء عيد ، وأن نضحي كل عيد شكراً لله على نعمة الحياة .
 الحقيقة الحياة عند المؤمن لها قيمة كبيرة ، لأنها مطيته إلى الله ، مطيته إلى الجنة، الحياة ذمها الله سبحانه وتعالى فقال :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة التوبة : 38]

 لكن حينما قال الله عز وجل :

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾

[ سورة الزمر : 74]

 أي كنا في الدنيا وفي الدنيا تصدقنا ، وفي الدنيا أقبلنا ، وفي الدنيا آثرنا ، وفي الدنيا ضحينا ، وفي الدنيا صبرنا ، وفي الدنيا بذلنا ، وفي الدنيا تعلمنا ، وفي الدنيا علمنا ، كنا في الدنيا ، الدنيا نعم مطية المؤمن إياك أن تسب الدنيا ، الذي يسب الدنيا إنسان جاهل ، بها ترقى ، بها تطهر ، بها تعرف الله عز وجل ، بها ترقى إليه ، بها ترقى درجتك عنده ، إذاً الحكمة من ذبح الأضحية أثناء العيد أو يوم العيد شكر الله على نعمه المتعددة وعلى بقاء الإنسان من عام إلى عام ، وإذا قلنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ) فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذَا قَالَ لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ ))

[ مسلم عن ابن مسعود ]

 فهي تكفير أيضاً لبعض السيئات ، يوجد حديث بسيط جداً فطري قال عليه الصلاة والسلام :

((عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ))

[ أحمد عن ابن مسعود ]

 إنسان أساء هل طرد من رحمة الله إلى أبد الآبدين ؟ لا ، مهما تكن إساءتك ماذا تفعل ؟ تب إلى الله وافعل الخير بعده ، إن الحسنات يذهبن السيئات . طبعاً من السيئات التي تكفرها الأضحية قال : ارتكاب بعض المخالفات ، أو نقص في بعض المأمورات ، ومن حكم الأضحية التوسعة على العيال كما قال النبي : " اللحم سيد الطعام ".
 اللحم مادة مرممة ، أي الإنسان لو ترك أكل اللحم فترةً طويلة لاختل توازنه ، يسمى عند بعض العلماء القَرَن ، القرن أي يختل توازنه الخلوي ، البنيوي ، فلذلك لابد من أن تأكل اللحم من حين إلى آخر ، في أستراليا - أنا والله أراها جريمة - تمّ إعدام عشرين مليون رأس غنم قبل عدة أعوان رمياً بالرصاص ، وحفرت لها الخنادق ودفنت للحفاظ على سعر اللحم المرتفع ، بينما ملايين الشعوب الفقيرة تموت جوعاً . لي صديق كان في بلد أوربي دخل إلى مكان للبيع فخم جداً ، دخل إلى أحد الطوابق فرأى عدداً كبيراً من علب اللحم ، فلما أراد أن يدفع ثمنها الموظف رآه غريباً عن هذه البلدة ، فقال له : أعندك كلاب ؟ قال له : ما هذا السؤال؟ قال : لأن هذا الطابق كله لطعام الكلاب ، انتبه ، طابق كبير فيه عشرات ألوف الأنواع من اللحوم هذه كلها للكلاب وما تأكله كلاب بعض الشعوب من اللحوم لا يأكله الشعب الهندي بأكمله سبعمئة وخمسين مليوناً ، لذلك تمّ إعدام عشرين مليون رأس غنم في أستراليا رمياً بالرصاص وتم دفنها من أجل أن يبقى سعر اللحم مرتفعاً .
 لي صديق أقام في المملكة قبل أن تقدم هذه اللحوم إلى فقراء المسلمين يأتي الحاج ويذبح الهدي ويلقيه في الطريق والحرارة مرتفعة جداً ، هذا الصديق سكن بالقرب من منى في منطقة العزيزية قرب إحدى ضواحي مكة المكرمة ، هذا الصديق يقسم لي أن أشهراً تلو أشهر ورائحة الجيف لا تغادر المنطقة ، تصور مليون حاج ، مليون غنمة ذبحت وبقيت هكذا كي تتفسخ ، هل هذا هو الدين ؟ لا والله ، ماذا قال العلماء ؟ الشريعة مصلحة كلها ، الشريعة رحمة كلها ، الشريعة عدل كلها ، هل من العدل أن تذبح مليون غنمة وتلقيها جيفة في الحر ؟ الآن والحمد لله كل هذا الهدي يذبح ويبرد ويرسل بالطائرات إلى دول إسلامية فقيرة ، الآن وضع جيد مقبول ، اللحم سيد الطعام أن يكون جيفة !! أن يتفسخ !! أن يفسد هواء مكة !! لذلك الشرع مصلحة ، والشرع عدل ، والشرع رحمة .

الابتعاد عن الشّح و البخل :

 إذاً من حكمتها أيضاً التوسعة على العيال ، لأنه :

(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ))

[ الديلمي عن عائشة]

 البخل مرض كبير ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 9]

 من غرائب الصدف أن الإنسان البخيل إذا أصيب بمرض في خريف عمره ، وجاء الطبيب ، وطمأن الأهل ، الأهل يتألمون جداً ، لماذا طمأنهم ؟ لماذا قال لهم : القضية سليمة وهم يريدونها قاضية ؟ لأن الأب بخيل ، أما الأب الكريم فيتمنى أولاده أن يعيش ألف عام ، أنا ما رأيت أعقل من أب يغدق على أولاده في حياته ، لا يوجد أب عاقل يعيش بين أناس يتمنون وفاته إذا كان بخيلاً هكذا ، إذاً من حكمة الأضحية التوسعة على العيال :

(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ))

[ الديلمي عن عائشة]

 أنا أقول لكم هذه الكلمة : هؤلاء الفقراء أنت لهم وغيرك لهم ، أما أولادك فمن لهم غيرك ؟ زوجتك من لها غيرك ؟ لا أحد ، إن أنت لم تكرمها من يكرمها ؟ إذا الابن ما أكل في حياة والده متى يأكل ؟ ما شعر بكرامته ، ما شعر بطمأنينة ، هذا الأب يسعى ليؤمن حاجات أولاده المشروعة ضمن منهج الله هو في جهاد ، حاجات أولاده المؤمنين الطيبين الطاهرين المصلين الصائمين ، الإنسان حينما يقيم منهج الله عز وجل تتمنى أن تعطيه روحك ، أما إذا قال لك : أعطني لينفق على الملاهي ، ليدخل دور اللهو ، فهذا ليس من قبيل :

(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ))

[ الديلمي عن عائشة]

 لي صديق طبيب أسنان ، هناك إنسان فقير يعالج عنده أسنانه ، قال لي : رق قلبي له وأجمعت أن أعفيه من الأجرة والتكلفة كلياً ، وشعرت بقرب من الله عز وجل ، ثم فوجئت أنه اشترى صحناً ووضعه على السطح ، قلت له : كم كلفك هذا الصحن ؟ قال : بالتقسيط دكتور ، فقال له : إما أن تدفع أو أقف على المعالجة ، أنا قررت أن أعفيك من الأجرة والتكلفة لتشتري صحناً تفسد به ؟!

 

أحكام تتعلق بالأضحية :

 أول حقيقة أيها الأخوة ، العلماء قالوا : لا يجزئ فيها دفع قيمتها بخلاف صدقة الفطر ، صدقة الفطر يجزئك أن تدفع قيمتها ، تضع ألف ليرة ، تضع ألفي ليرة لفقير ، أما الأضحية فلا يجزئك أن تدفع قيمتها للفقير ، والحكمة معروفة ، فقير قد يترتب عليه دين ويسد بهذا المبلغ الدين ، ويبقى أولاده جياعاً ، لابد من أن يشبع هذا الإنسان في العيد ، لابد من أن يشبع .
 أخ ذكر لي شيئاً أعجبني ، يقدم إنسان قطعة لحم مع عظم ، هذه طبخة واحدة لمرة واحدة ، يوجد أخ يقدم كيليين من اللحم المفروم و كيليين من اللحم الغير مفروم يكفون أسبوعين للأسرة ، كل طبخة تأخذ الزوجة أوقية ، فكرة لطيفة إذا قدمت قطعة لحم مع عظمها صعب جرم اللحم في البيت ، وأغلب الظن طبخة واحدة يأكلونها مرة واحدة ، أما هناك من يقدم اللحم المجروم ويكفون أسبوعين أقل تقدير إذا كانت الأسرة مدبرة لأمرها .
 أولاً : الأضحية واجبة مرة في كل عام على المقيمين من أهل الأنصار ومن أهل اليسار ، طبعاً واجبة عند أبي حنيفة ، أما عند صاحبيه أبي يوسف وأبي محمد فهي سنة مؤكدة، غير الأحناف قالوا : هي سنة مؤكدة غير واجبة ، الأحناف واجب ، والواجب دون الفرض بقليل وفوق السنة المؤكدة ، والسنة المؤكدة فوق السنة غير المؤكدة ، والسنة غير المؤكدة فوق المستحب ، والمستحب فوق المباح ، والمباح فوق الكراهة التنزيهية ، والكراهة التنزيهية فوق الكراهة التحريمية ، والكراهة التحريمية فوق الحرام .
 كل شيء في الحياة لابد من أن يتوزع وفق هذه الأحكام ، فالأضحية بين أن تكون واجباً عند الأحناف وبين أن تكون سنة مؤكدة عند غيرهم ، والأكمل أن يضحي كل فرد عن نفسه بالعام مرة ، أما إذا أراد الإنسان أن يضحي بنفسه عن كل من عنده أي عن أسرته بأكملها ممن تجب عليه نفقتهم جاز في المذهب ، أي إذا كنت ميسوراً يسراً كبيراً لك أن تضحي عن كل فرد من أفراد أسرتك بكبش ، وإذا كنت وسطاً : اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفاف ، أنا كنت أقول دائماً : يوجد فقر الكسل ، وفقر القدر ، وفقر الإنفاق ، ويوجد غنى البطر ، وغنى الكفاية، فقر القدر معذور ، صاحبه فيه عاهة تمنعه أن يعمل ، وفقر الكسر إهمال ، الكسل اسم على مسمى ، وفقر الإنفاق فضيلة ، ما أبقيت يا أبا بكر لنفسك ؟ قال : الله ورسوله .
 إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك نعليك ، الإنفاق إذا اشتد تبعه قلة المال ، الأكمل أن يضحي كل فرد في العام عن نفسه بكبش ، أما مقبول أن يضحي الأب عن أسرته بأكملها مهما كان عددها بكبش ، إن فعلها أحد من أهل البيت لعل الأخ يملك المال ، أحياناً الابن حالته المادية ميسورة ، أي فرد من أفراد الأسرة إذا ضحى فهو يضحي عن أسرته كلها ، وهو فرض كفاية إذا قام به بعض أفراد الأسرة سقط عن الكل .
 طبعاً قد تسألون من أين جاء أبو حنيفة أنها واجبة ؟ لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلانَا ))

[المستدرك على الصحيحين عن أبي هريرة ]

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ثَلاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ الْوَتْرُ وَالنَّحْرُ وَصَلاةُ الضُّحَى ))

[مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ عن ابن عباس ]

(( أمرت بالنحر وهو سنة لكم ))

[الدار قطني عن ابن عباس]

كيفية توزيع الأضحية :

 أيها الأخوة الكرام : الإنسان إذا قال : عليّ إن نجحت أن أضحي بكبش أقرن ، هذا نذر ، والنذر لا يجوز أن يأكل منه شيئاً ، أكثر سؤال يرد في أكثر المساجد هل يجوز أن نأكل من لحم النذر ؟ الجواب لا ، أما الأضحية فلك أن تأكل منها ، العلماء قالوا : ثلث تأكله ، وثلث تتصدق به ، وثلث تهديه لأصحابك وأصدقائك .
 المسافر ليس عليه أضحية ، لا يعرف كيف يشتريها ، ولا كيف يذبحها ، ولا كيف يوزعها وهذا من حكمة الشارع الحكيم .

من تجب عليه الأضحية :

 الآن من تجب عليه الأضحية ؟ عند الحنفية من كان ذا يسار ، من وجد سعةً ، فلم يضح فلا يقربن مصلانا ، ما تعريف اليسار بالفطرة ؟ هو من يكون مالكاً مئتي درهم وهو نصاب الزكاة ، الذي يملك نصاب الزكاة من أهل اليسار ، زكاة الفطرة سبعة آلاف ليرة ، بحسب نصوص الفقهاء من أهل اليسار لكن لا يمنع من كان عنده هذا النصاب أن يأخذ الزكاة، أما عندك هذا النصاب الفضة سبعة آلاف والذهب أربعون ألفاً من كان عنده نصاب الزكاة هو من أهل اليسار ، والأضحية في حقه واجبة ، وهي عند الأحناف ، وسنة مؤكدة عند الباقين ، عند المالكية الذي لا يحتاج إلى ثمنها لأمر ضروري في عامه ، عند المالكية خمسة آلاف لا يحتاجها طوال العام ، هذا من أهل اليسار ، أما عند الشافعية فهو من يملك ثمنها زائداً عن حاجاته الأساسية ، وعن حاجة من يعول أيام العيد فقط ، أي إذا كنت تملك خمسة آلاف زائدة عن حاجتك أيام العيد فقط أنت عند الشافعية من أهل اليسار ، عند المالكية إذا كان معك خمسة آلاف لا تحتاجها طوال العام ، عند الأحناف من ملك نصاب الزكاة فهو من أهل اليسار، أما عند الحنابلة فمن استطاع أن يقترض ثمن الضحية وبإمكانه أن يوفي هذا القرض فعليه أضحية ، فلان حنبلي هذه هي ، الحقيقة الحنبلي من أسهل المذاهب ولكن كان على نفسه شديداً، بخلاف ما يفهمه العوام أهون مذهب الحنبلي ولكن الإمام أحمد بن حنبل كان على نفسه شديداً جداً ، والإنسان دائماً يجب أن يأخذ لنفسه بالعزائم وأن يفتي بالرخص .

شروط الأضحية ووقتها :

 طبعاً من شروط الأضحية سلامة الحيوان المضحى به من العيوب الفاحشة ، أي إذا كانت أذنه مقصوصة قليلاً لا يوجد مشكلة ، التي تؤدي عادةً إلى نقص اللحم أو تؤذي الصحة ، إذا الدابة فيها مرض أو مجنونة الآن ، العور البين ، المرض البين ، العرج .
 أما الأضحية فوقتها المخصوص أيام النحر ، ليلة اليوم العاشر ولياليهما وهما ليلتان ليلة اليوم الثاني وهي ليلة الحادي عشر من ذي الحجة ، وليلة اليوم الثالث وهي ليلة اليوم الثاني عشر من ذي الحجة ، ولا تصح الأضحية ليلة العيد إلا بعد صلاة العيد ، أول يوم وثاني يوم ، نحن عندنا العيد أربعة أيام ، ثلاثة أيام نحر والثالث تشريق ، الأضحية تجوز في أيام النحر الثلاث ، أما أفضل يوم فأول يوم ، لذلك أول يوم سعر اللحم يكون غالياً ، و في اليوم الثاني يكون أرخص .

شروط المضحي :

 شروط المضحي : أولاً : الإسلام ، أن يكون مسلماً ، وأن يكون حراً لا عبداً ، وأن يكون بالغاً لا طفلاً ، وأن يكون عاقلاً لا مجنوناً ، وأن يكون مقيماً لا مسافراً ، بعضهم أوجبها على الصغير في ماله ، وليه يضحي عنه ، والمسافر عند الأحناف ليس عليه أضحية وهذا الحكم فيه حكمة : الغريب أعمى ولو كان بصيراً ، أين يشتريها ومن يذبحها له وأين يوزعها .
 طبعاً لابد من النية لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]

 أحياناً إنسان يذبح غنمة لضيفه ، ويقول لك : هذه أضحية ، ذبحتها له إكراماً ، الإنسان أحياناً يعمل ازدواجية .
 الشافعية والحنابلة اشترطوا أن تكون النية عند الذبح لا بعد الذبح ، لأن الذبح نفسه قربة من الله عز وجل ، والنية كما تعلمون من أعمال القلب يكفي أن تنوي بقلبك أن هذه أضحية لله عز وجل ، والتلفظ باللسان لتأكيدها فقط ، يوجد أناس يشددون على التلفظ باللسان ، النية عمل قلبي ؛ إن هذه الدابة أضحيةً هذه هي النية .
 وقت الأضحية - كما قلنا قبل قليل - يدخل وقت الأضحية عند طلوع الفجر يوم الأضحى ويستمر إلى قبل غروب شمس اليوم الثالث ، هذه أيام النحر ولكن بعد صلاة العيد ، إذا إنسان بمكان لا تجب عليه صلاة العيد ممكن أن يبدأ وقتها من الفجر ، أما المقيم فعليه صلاة العيد ، يبدأ وقتها من بعد صلاة العيد إلى قبيل غروب ثالث أيام العيد ، هذه هي أيام النحر .
 يستحب لمريد التضحية أن يذبح بنفسه إن قدر عليه لأنه قربة ، الذبح نفسه قربة فإن لم يستطع ينيب غيره ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فهل تصدقون أنه نحر بيده الشريفة ثلاثاً وستين ناقةً في أحد أيام النحر ، هو أمر بنحر ثلاث وستين وأمر سيدنا علي بنحر الباقي. قال : إن لم يكن المضحي يحسن الذبح أناب عنه مسلماً لا كتابياً ، لأن ذبح الكتابي مكروه ولأن الأضحية قربة وهو ليس من أهلها ، يستحب أن يتوجه الذابح إلى القبلة كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويستحب أن يحضر المضحي الذبح لقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة :

(( يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك ...))

[ كنز العمال عن أبي سعيد]

 أما الدعاء أثناء الذبح فاللهم منك ولك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ، لما ثبت من حديث فاطمة السابق ، ثم يقول بسم الله والله أكبر اللهم تقبل مني :

((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الأضْحَى بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا قَضَى خُطْبَتَهُ نَزَلَ مِنْ مِنْبَرِهِ وَأُتِيَ بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي ))

[ أبو داود عن جابر]

 و :

((عَنْ شُعْبَةَ أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ : ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ يُكَبِّرُ وَيُسَمِّي وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ وَاضِعًا عَلَى صِفَاحِهِمَا قَدَمَهُ قُلْتُ أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْهُ قَالَ نَعَم))

[ النسائي عن شعبة ]

ما يستحب في الأضحية :

 المستحب من الأضحية أن تكون سمينة ، أن ينتقي من أسمنها وأحسنها وأعظمها لأنها مطيته إلى الآخرة ، ويستحب أن تكون آلة الذبح حادةً جداً .

((عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : اثْنَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ))

[ مسلم عن شداد بن أوس ]

 المستحب بعد الذبح الانتظار قدر ما يبرد الذبيح وتسكن جميع أعضائه ، فلا يسلخ جلدها قبل أن تسكن ، عند الحنابلة قال : المستحب للمريد التضحية إذا دخل عليه عشر ذي الحجة ألا يحلق شعره ، وألا يقلم أظافره حتى يضحي ، هذا عند بعض المذاهب أما إذا طال شعره وهو موظف وله عمل فيستطيع أن يقلد المذاهب الثلاث لا يوجد مشكلة . طبعاً لك أن تأكل معظمها ، الأكمل أن تأكل ثلثها وأن تتصدق بثلثها وأن تهدي ثلثها ، أما ليس هناك نسب ثابتة ، كُل منها وأطعم البائس والفقير ، لا يجوز أن تدفع أجرة الأضحية جلد الأضحية للقصاب، إن كان القصاب فقيراً قدم له الجلد هدية غير أجرته ، أو ادبغ الجلد وبعه وادفع ثمنه صدقةً ، أي أن تقدم جلد الضحية وأحشاءها إلى اللحام مكان ذبحها ونقلها لا يجوز ، أي يجب أن تضحي بهذه الدابة كلها ، أحشاؤها تصدق بها ، جلدها تصدق به ، أما إذا اللحام فقيراً ودفعت له أجرته فليس هناك مانع من أن تقدم له جلد الأضحية لا على أنه أجرة الذبح بل على أنه هدية وصدقة .
 آخر حكم فقهي قال الشافعية : لا يضحى عن الغير إلا بإذنه ، أما رجل مسافر وواضع معك مالاً ، تقول له : أخي ضحينا لك بكبشين ثمنهما عشرة آلاف ، فهذا لا يجوز أبداً، لا يجوز أن تضحي عن إنسان إلا بإذنه ، يقول له الأضحية واجب ، لا تفهم أنت في الدين ، هذه كثرة غلبة .
 ولا يجوز عن ميت أن تضحي إن لم يوص بها ، إذا ما أوصى لا يجوز لأن هذا المبلغ للورثة وليس للميت ، ولقوله تعالى :

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾

[ سورة النجم : 39]

 ممكن أن يوصي الميت قبل أن يموت وبإيصائه تقع له ، وعندئذ يجب التصدق بجميعها إذا الميت أوصى يجب توزيع لحمها كله .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018