بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات فقهية متفرقة - الدرس : 59 - تحريم الغناء .


2001-10-28

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تحريم الغناء :

 أيها الأخوة الكرام ، آليت على نفسي أن أعالج موضوعات إن شاء الله تعالى متعلقة بحياتنا اليومية ، وأقول دائماً : أنا لا أتحرك من فراغ ، من واقع ، كثيراً ما ركبت مع بعض الأخوة في المركبات الغناء على أشده ، وكأنه شيء طبيعي ، كثيراً ما دخلت البيوت ، أصوات المذياع تصدح بالغناء ، والأمر طبيعي جداً ، أنا أعجب أشد العجب كيف أنّ المؤمن الذي يرتاد بيوت العلم ، و الذي يبتغي وجه الله ، كيف يتوازن بمخالفات لشدة انتشارها ظُنت مباحة وهي ليست كذلك ؟ حينما أعاني من مشكلات عديدة أرى لزاماً عليّ كما فعل النبي عليه الصلاة و السلام ، وهذا من أدبه العالي ، كان يصعد المنبر و يقول : " ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا " كان لا يواجه أحداً بما يكره ، ولكن كان يقول : " ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا " فأنا اقتداء بهذا النبي الكريم ، بهذا النبي الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه ، بهذا النبي الذي سئل عن أخلاقه من قِبل بعض أصحاب رسول الله ، قَالَ سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ : قُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قُلْتُ : بَلَى ، قَالَتْ :

((فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ ))

[ مسلم عن سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ]

 أخواننا الكرام ، الموضوع عن الغناء ، مع أنه جاءني أخ قبل سنوات عدة من الأخوة الكرام و ألح عليّ أن أعالج موضوع الغناء في بعض الدروس ، وعدته خيراً ، لكنه ألح علي أكثر من مرة ، لم أفقه مراده في هذا الإلحاح ، ثم استجبت له ، و حضرت درساً عن حكم الغناء ، ثم أعلمت أن هذا الأخ له خال مغن وقد قال له خاله : ائتني بدليل على حرمة الغناء حتى أدعه ؟ فلما أعطاه هذا الشريط أقسم لي بالله أن له عروضاً في الفنادق بمبالغ فلكية ، أعرض عن الغناء ، تاب إلى الله توبة نصوحاً ، لكن كلمة الحق قد تفعل فعلها في نفوس الصادقين ، فشيء مألوف جداً أن في البيت مذياعاً مفتوحاً ليلاً نهاراً على الغناء ، وهذه الإذاعات من الدرجة الثانية و الثالثة و الرابعة تسعون بالمئة من برامجها غناء ، و الإذاعات التي تدس السم في الدسم تسعون في المئة من برامجها أخبار و تحقيقات وأسئلة و أجوبة ، و كلما ارتقت الإذاعة ارتقت معها البرامج الثقافية و التعليمية و الترفيهية والإخبارية ، فلأن معظم الإذاعات تذيع الغناء صباحاً مساءً ، ويألفون أن هذا المذياع مفتوح ، لكنهم غفلوا عن أن سماع الغناء محرم ، بل محرم أشد التحريم ، و لا يجرؤ إنسان على وجه الأرض أن يقول شيئا في الدين بغير دليل ، مستحيل ، معاذ الله أن يقال في هذا البيت من بيوت الله شيء من عند المتكلم ، فأنا بينت لكم كثيراً ، لا تقبلوا مني كلمة من دون دليل ، ولا ترفضوا شيئاً من غير دليل ، لا تقبل و لا ترفض ، هذا شأن المؤمن ، لا يقبل من دون دليل ، و لا يرفض من دون دليل ، وهأنذا أضع بين أيديكم الأدلة القرآنية وفهم أصحاب رسول الله لها ، حول حرمة الغناء .

عدم تحريم الشعر الذي فيه مناجاة لله و ثناء عليه :

 حتى أكون واضحاً معكم ، حينما ينشد رجل نشيداً دينياً من دون آلات فلا شيء عليه ، النبي عليه الصلاة و السلام في بعض المعارك كان يقول :

إن تغفر اللهم تغفر جمّا  وأيّ عبد لك ما ألمّــــــــا
***

 وقال أيضاً :

هل أنت إلا أصبع دميتِ  وفي سبيل الله ما لقيت
***

 فأن ينشد الرجل كلاماً يرقى بنفسه إلى الله عز وجل هذا لا شيء عليه ، بل إن للفقهاء حكماً رائعاً في الشعر ، قالوا : الشعر كلام ، حسنه حسن ، و قبيحه قبيح ، أي إذا ابتهلت إلى الله بأسلوب شعري هذا الكلام حسنه حسن ، وقبيحه قبيح ، لو وصفت مفاتن امرأة بالشعر ، هذا الكلام قبيحه قبيح ، فليس الشعر في الأصل محرماً ، و ليس أن يكون للإنسان صوت جميل يمتع الإنسان ، هذا ليس شيئاً محرماً بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بلالاً أن يؤذن ، وكان في تعليل ذلك قال : هو أندى منك صوتاً ، أنت حينما تستمع إلى الأذان بصوت رخيم ، صوت شجي ، قد تبكي ، وأنا لا أنكر أن المعاني السامية و الأداء الرائع الأساس في النفس ، وقد يقول أحدهم : أسعد لحظات حياتي حينما أستمع إلى القرآن من قارئ نديّ الصوت ، أي صحيح المخارج ، يقدم الآية بطريقة توحي بمعناها ، هناك قراء كبار ، فالمؤمن يتغنى بالقرآن ، ويتغنى بشعر فيه ابتهال إلى الله عز وجل ، هذا ليس ممنوعاً ، حتى لا يكون البيت قبراً أيضاً ، إذا هناك نشيد ديني رائع من دون آلات يسمو في النفس فلا مانع ، والنبي عليه الصلاة والسلام في الحرب و في مناسبات أخرى كالزواج كان يعلم ماذا يقول الأنصار ، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ :

((أَهَدَيْتُمْ الْجَارِيَةَ إِلَى بَيْتِهَا قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَهَلَّا بَعَثْتُمْ مَعَهُمْ مَنْ يُغَنِّيهِمْ ))

[ أحمد عن عائشة ]

 يقُولُ :

أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ  فَحَيُّونَا نُحَيَّاكُمْ
***

((فَإِنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَل ))

[ أحمد عن عائشة ]

 فالشعر الذي فيه مناجاة لله عز وجل ، و ثناء عليه ، وابتهال له بصوت ندي هذا ليس محرماً ، لكن الشيء المحرم صوت امرأة ، أو صوت رجل بمعان ساقطة ، أو صوت آدمي ممزوج بالآلات الموسيقية هذا المحرم ، أما أن تُنشد شعراً بصوت ندي فلا مانع ، لأن النبي عليه الصلاة و السلام خلع بردته على سيدنا حسان بن ثابت حينما أنشده شعراً ، يثني على هذه الدعوة الإسلامية ، و ينافح عنها أعداءه ، فأول حكم استثنينا المباح ، المباح صوت رجل بكلمات و معان فيها مديح لله عز وجل و لرسوله و لهذا الدين ، ولا يختلف اثنان في الأرض على أنك إذا سمعت نشيداً عن أسماء الله الحسنى بصوت ندي أن هذا حرام بالعكس ، أنا أقول والله أيها الأخوة إن صح التعبير : طرب المؤمن بالقرآن يتلى عليه بصوت ندي ، أو طرب المؤمن بأذان يسمعه بصوت ندي ، أو طرب المؤمن بابتهال يسمعه من صوت ندي ، طرب المؤمن يساوي أشد الناس طرباً بما يحبونه من أغنيات ، بل إن النبي عليه الصلاة و السلام فيما روى عنه أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 لكنه لا يجتمع غناء و قرآن .

رأي ابن القيم في الغناء :

 أيها الأخوة : ، لو انتقلنا إلى قول بعض العلماء الأجلاء وهو ابن القيم حول هذا الموضوع ، يقول :

(( الغناء قرآن الشيطان - فالذي يدمن سماع الغناء شيطان - والحجاب الكثيف عن الرحمن ، وهو رقية الشهوات ، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقته غاية المنى ))

 ويقول رحمه الله تعالى عن المستمعين إليه بأنهم :

(( قضوا حياتهم لذة و طربا ، واتخذوا دينهم لهواً ولعباً ، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن ، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكناً ، ولا أزعج له قاطناً ، ولا أثار فيه وجداً ، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زنداً ، حتى إذا تلي عليهم قرآن الشيطان، وولج مزموره سمعه ، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت ، وعلى أقدامه فرقصت ، وعلى يديه فصفقت ، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت ، و على أنفاسه فتصاعدت ، وعلى زفراته فتزايدت ، و على نيران أشواقه فاشتعلت))

  هذا كلام ابن القيم .
 كأن المؤمن من خصائصه أنه يتغنى بالقرآن ، و كأن المنافق والكافر من خصائصه أن قرآنه هو الغناء ، والغناء يحجبه عن الله عز وجل .

أدلة من القرآن على تحريم الغناء :

 الآن لو انتقلنا إلى الأدلة ، الآية الأولى قول الله عز وجل :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾

[سورة لقمان : 6]

 فعن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يُسأل عن هذه الآية فقال : تعني الغناء ، والله الذي لا إله إلا هو - يرددها ثلاث مرات - إنها الغناء ، لهو الحديث هذا الفهم لهذه الآلية فهم مَن ؟ فهم صحابي جليل ، و فهم الصحابة لقرآن دليل معتمد ، سيدنا عبد الله بن مسعود سئل عن هذه الآية :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾

[سورة لقمان : 6]

 إنها الغناء ، والله الذي لا إله إلا هو - يرددها ثلاث مرات - إنها الغناء .
 وقال ابن عباس وجابر و عكرمة و سعيد بن جبير ومجاهد و مكحول و عمرو بن شعيب وعلي بن نديمة و الحسن البصري : إن هذه الآية نزلت في الغناء و المزامير ، كم عالم من كبار العلماء ، من كبار علماء الصحابة ، و من علماء التابعين أنهم أجمعوا أن قوله تعالى :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾

[سورة لقمان : 6]

 هذا الدليل الأول . والدليل الثاني قوله تعالى :

﴿وَاسْتَفْزِزْ ﴾

[سورة الإسراء : 64]

 يخاطب الشيطان :

﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

[سورة الإسراء : 64]

 فجاء في شرح هذه الآية :

﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ﴾

[سورة الإسراء : 64]

 قيل : هو الغناء ، قال مجاهد : باللغو والغناء ، أي استخفهم بذلك ، و قال ابن عباس في قوله :

﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ﴾

[سورة الإسراء : 64]

 قال : كل داع دعا إلى معصية الله عز وجل ، من غرائب ما وجدت كنت مرة في أمريكا ، في لوس أنجلوس ، شاب طبيب يتخصص هناك في أمراض التغذية ، دعاني إلى بيته فزرته ، فإذا عنده مئات الأشرطة لي ، أقسم لي بالله أن كل هذه الأشرطة حينما جاءت إلى أمريكا كانت أغان ، هناك انتبه إلى قيمة الدين ، و دله من دله على هذه الأشرطة و قلبها كلها إلى دروس دينية ، و في تاريخ هذه الدعوة المباركة أخوة كثر ، كل ما عندهم من الأشرطة كانت في الغناء ، ثم تركوا هذا والتفتوا إلى القرآن الكريم ودروس العلم ، ومن لوازم المؤمن أنه يتغنى بالقرآن ، يتغنى به تلاوة ، و يتغنى به سماعاً ، و يتغنى به ترتيلاً ، يتغنى به تجويداً ، يتغنى به تفسيراً ، يتغنى به تطبيقاً ،

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ))

[ سنن أبي داود عن أبي سعيد ]

 الدليل الثالث قال الله عز وجل :

﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴾

[سورة النجم : 59 – 61]

 قال عكرمة عن ابن عباس : السمود الغناء ، يقال : اسمدِ لنا ، أي غنِّ لنا :

﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴾

[سورة النجم : 59 – 61]

 كنت مرة في تركيا أحد الأخوة الأتراك الكرام الذين هم في الشام رافقوني إلى هناك، فاستأجر سيارة من مكان إلى مكان ، ما إن صعد إلى مقعد السيارة حتى أعطى السائق شريطاً أن ضع هذا ، هناك شيء رائع ، أن الوقت الذي يمضيه الراكب في السيارة من حقه أن يسمع ما يشاء ، لا أن يسمعه السائق ما يشاء ، استأجر السيارة مع المسجلة ، فحينما صعد إليها أعطاه شريط قرآن ، والله شيء جميل ، والله في بعض البلاد المقصرة دينياً لا يغلق السائق الغناء إلا عندما يأخذ أجراً ، كنت مرة في مركبة فتح الغناء فرجل ممن كان معي تضايق ، وأنا تضايقت ، ولكن هو قال له : أغلقه ، فأبى ، قال : خذ ما شئت وأغلقه فطلب مبلغاً كبيراً دفعه له و أغلق المذياع ، هذه من بعض الخبرات :

﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴾

[سورة النجم : 59 – 61]

 قال عكرمة عن ابن عباس : السمود هو الغناء بلغة حمير . يقال : اسمدِ لنا ، أي غنِّ لنا ، كم آية صرنا ؟ ثلاثة . الآية الرابعة ، قول الله عز وجل :

﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ﴾

[سورة الفرقان : 72]

 قال محمد بن الحنفية :

((الزور ها هنا هو الغناء ))

الإنسان مع الموسيقى و الغناء في حال مزور لا في حال حقيقي :

 من خلال كلمات الأغنية يتضح أن المغني هو أسعد الناس وهو من أشقى الناس ، هو يزور ، هناك نظرية عميقة جداً حول الموسيقى ، الموسيقى ببراعة عالية جداً تحيطك بجو معين ، قد يكون النغم حزيناً أو مفرحاً ، متوثباً راقصاً أو كئيباً خافتاً ، إلى آخره ، هذا الحال الذي تعيشه مع سماع هذه السمفونية إن صح التعبير هذا حال مزور ، ليس حقيقياً ، لكنك إذا أقبلت على الله ، واتصلت به ، و تغنيت بقرآنه ، أنت مع حال واقعي ، لو فرضنا أنت جائع جوعاً شديداً ، وشاهدت صوراً متحركة عن الطعام اللذيذ ، أحياناً في بعض المطاعم يطبخون الصور لبعض أنواع السندويش، شيء فعلاً يسيل له اللعاب ، فأنت مع الموسيقى و الغناء في حال مزور لا في حال حقيقي ، لو فرضنا هذا الذي قال :

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي  و أسمعت كلامي مَن به صممُ
أنام ملء جفوني عن شواردها  ويسهر الخلق جرّاها ويختصمُ
***

 هذا الشاعر المتنبي لقيه أعداؤه فيما بين حلب و البصرة ، وولَّى هارباً ، معه غلامه ، قال : ألم تقل :

الخيل والليل والبيداء تعرفني  والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ
***

 فقال له : قتلتني قتلك الله ، وعاد فقاتل حتى قُتل ، معنى ذلك أنك بالغناء تعيش في أجواء غير صحيحة ، و غير واقعية ، ومزورة ، حتى في الموسيقى وحدها تعيش أجواء مزورة ، هي أوهام ، كل شيء غير حقيقي يسبب متاعب كبيرة ، فلذلك :

﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ﴾

[سورة الفرقان : 72]

 قال محمد بن الحنفية : الزور هاهنا هو الغناء .
 وقال الليث عن مجاهد : لا يحضرون مجالس الباطل . يدخل في هذا أعياد المشركين كما فسرها السلف ، والغناء ، وأنواع الباطل كلها ، إذًا أربع آيات تحرم الغناء ، لا بفهمنا نحن ولكن بفهم أصحاب رسول الله ، وقد قال عليه الصلاة و السلام :

((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ : وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ))

[متفق عليه عن عبد الله بن مسعود]

أدلة من السنة على تحريم الغناء :

 وأما في السنة ، بالمناسبة أيها الأخوة ، لا تقبلوا من أحد كائناً من كان مهما علا شأنه ، ومهما تألق نجمه ، ومهما سما في المتفوقين ، لا تقبلوا من أحد شيئاً في أمر دينكم إلا بالدليل ، و لا ترفضوا شيئاً إلا بالدليل ، وهذا شأن المؤمن :

((فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيَسْتَحِلَّنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ ))

[أحمد عن عبادة بت الصامت ]

 مشروبات روحية ، وقيم روحية ، وروحية في روحية ، وعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ))

[ابن ماجه عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ]

 القردة لؤماً ، والخنازير شهوة ، يقول لك : مخنزر ، أي خنزير لا يغار على عرضه ، شهواني ، جنسي ، كل هواجسه الجنس ، لأن الغناء له علاقة بالشهوة ، الغناء يثير الشهوة ، الغناء قرآن الشيطان .
 وفي حديث آخر عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

[البخاري عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ]

 طبعا الحرّ هو الزنا بالنساء ، المعازف وردت مستقلة عن الغناء و صريحة ، يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ .
 أيها الأخوة ، لو لم تكن المعازف محرمة ما اقترنت مع الغناء ، وفي حديث آخر عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا ))

[البخاري عَنْ ابن عمر ]

 المقصود الشعر الغزلي الغنائي ، تجد الآن دواوين غزل بأكملها و أصحابها في أعلى مكانة وكلها من الأدب المكشوف ، ومن وصف مفاتن المرأة ، وكأنها أمجاد لهذا الشاعر.
 وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : بَيْنمَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَرْجِ إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((خُذُوا الشَّيْطَانَ أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا ))

[مسلم عن أبي سعيد الخدري ]

 وحينما توفي ابن رسول الله صلى الله عليه و سلم إبراهيم ، قال عبد الرحمن بن عوف : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي ، فانطلقت معه إلى إبراهيم ابنه وهو يجود بنفسه، فأخذه النبي صلى الله عليه و سلم في حجره حتى خرجت روحه ، قال : فوضعه وبكى ، بكى النبي ، سبحان الله ، التقيت مع بعض أطباء الأطفال قبل يومين ، ذكروا لي شيئاً عجيباً ، أنه في مستشفى الأطفال ما من طفل صغير جداً يموت إلا و كل من له علاقة بهذا المريض ولو أنها الطبيبة أو الممرضة تبكي ، الإنسان قد لا يحتمل ألم الصغير ، هؤلاء الذين يقتلون الصغار وهم بريئون ، ألم الصغير لا يحتمل ، أكبر رجل قد يبكي إذا رأى طفلاً صغيراً يعذب ، يعذِّبه المرض ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :

((أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ فَوَجَدَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَكَى ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَتَبْكِي أَوَلَمْ تَكُنْ نَهَيْتَ عَنْ الْبُكَاءِ ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ))

[ الترمذي عن جابر]

 هذان الصوتان الأحمقان ، صوت عند نعمة ، وصوت عند رحمة ، نهى عنه النبي عليه الصلاة و السلام .
 الآن حال المسلمين في الأعراس هناك أصوات تصدرها النساء مألوفة جداً عند الفرح ، وشهد الله أن الإنسان القريب من الله يتقزز من هذا الصوت كما يتقزز من أكره صوت إليه ، و عند موت الرجل قد تخرج امرأته إلى الطريق ، تلطم وجهها ، و تشق جيبها ، و تشد شعرها ، وكلما كان الإيمان أعلى كان الصمت عند المصيبة أجلّ ، لذلك قال عليه الصلاة و السلام :

(( . . . أَتَبْكِي أَوَلَمْ تَكُنْ نَهَيْتَ عَنْ الْبُكَاءِ قَالَ لَا وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ))

[ الترمذي عن جابر]

 هذا الصوت رحمة ، ولولا أنه وعد صادق وقول حق ، أن يلحق أولنا بآخرنا لحزنا عليك حزناً أشد من هذا ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ، تبكي العين ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الرب ، البكاء مسموح به ، أما النحيب ولطم الوجوه وشد الشعر فهذا نهي عنه .
 وعن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة ؛ صوت مزمار عند نعمة ، وصوت ورنَّة عند مصيبة ))

[ البزار عن أنس بن مالك ]

 والله أيها الأخوة البيت المؤمن إن صار فيه وفاة لا تسمع اي صوت ، كلهم راض بقضاء الله وقدره ، يبكون ، يتألمون ، لكن لا يصيحون ، لا يولولون ، و لا يلطمون ، ولا يمزقون ثيابهم ، ولا يشدون شعورهم .
 وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ وَقَالَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ))

[أحمد عن ابن عباس ]

 و الكوبة هي الطبل ، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَ الْحَدِيثَ قَالَ :

((ثَمَنُ الْكَلْبِ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ وَثَمَنُ الْخَمْرِ حَرَامٌ ))

[أحمد عن ابن عباس ]

 و في حديث آخر عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَتَى ذَاكَ ؟ قَالَ : إِذَا ظَهَرَتْ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ))

[الترمذي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ]

 الخسف الزلازل . وقال صلى الله عليه وسلم :

((تَبِيتُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ ثُمَّ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ فَيُبْعَثُ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَائِهِمْ رِيحٌ فَتَنْسِفُهُمْ كَمَا نَسَفَتْ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ بِاسْتِحْلَالِهِمْ الْخُمُورَ وَضَرْبِهِمْ بِالدُّفُوفِ وَاتِّخَاذِهِمْ الْقَيْنَاتِ ))

[ أحمد عن عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]

 وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((لَا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ وَلَا خَيْرَ فِي تِجَارَةٍ فِيهِنَّ وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ فِي مِثْلِ هَذَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ))

[ الترمزي عن عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]

 أسوق لكم أيها الأخوة الأحاديث الشريفة الصحيحة المتتالية على تحريم الغناء و المعازف فعن أنس بن مالك قال عليه الصلاة والسلام :

((إذا استحلت أمتي خمساً فعليهم الدمار : إذا ظهر فيهم التلاعن ، ولبس الحرير، واتخذوا القينات ، وشربوا الخمر ، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء))

[ البيهقي عن أنس ]

 أنا أتكلم كلاماً أرجو أن يكون واضحاً عندكم ، أحيانا تقترف الأمة بمجموعها ما يوجب هلاكها قد يأتي هلاكها قحطاً ، أو جفافاً ، أو خسفاً ، أو زلزالاً ، أو بركاناً ، أو صاعقة، أو حرباً أهلية ، أو عدواناً خارجياً ، قال تعالى :

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾

[سورة الأنعام : 65]

 معناها العبرة ألا يكون فينا ما يوجب هلاكنا ، وهذا أخطر شيء في هذه المناسبة، ترى عدواناً خارجياً ، ترى حرباً أهلية فيما حولنا ، ترى جفافاً ، ترى قحطاً ، ترى زلزالاً في الشمال ، ترى اجتياحاً في هذا المكان ، ترى خسفاً في هذا المكان ، وسائل هلاك الأمم لا عبرة باختلافها ، العبرة في الأسباب الموجبة لها قال عليه الصلاة :

((إذا استحلت أمتي خمساً فعليهم الدمار : إذا ظهر فيهم التلاعن . . . . ، وشربوا الخمر . . . . .))

[ البيهقي عن أنس ]

 التلاعن ، آخر هذه الأمة يلعن أولها ، هذا شيء واضح ، قد نهاجم القرآن الكريم ، و قد نهاجم السنة ، وقد نهاجم تاريخ الصحابة ، أن يلعن آخر هذه الأمة أولها :

((إذا استحلت أمتي خمساً فعليهم الدمار : إذا ظهر فيهم التلاعن ، ولبس الحرير، واتخذوا القينات ، وشربوا الخمر ، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء))

[ البيهقي عن أنس ]

 وفي هذه الأحاديث كما تعلمون أيها الأخوة دلالة على تحريم آلات الطرب .

((عن إبراهيم بن ميسرة ، قال : مر ابن مسعود بلهو مسرعاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أصبح ابن مسعود لكريم ))

[جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، للطبري ، عند تفسير قوله تعالى : والذين لا يشهدون الزور]

 أي إن ابن مسعود لكريم .

 

رأي التابعين في الغناء :

 وقد سئل بعض التابعين : كيف ترى في الغناء ؟ فقال : هو باطل ، قال : عرفت أنه باطل ، فكيف ترى فيه ؟ قال : أرأيت الباطل أين هو ؟ قال: في النار ، قال : فهو ذاك .
 وسأل أحد ابن عباس رضي الله عنهما : ما تقول في الغناء أحلال هو أم حرام ؟ فقال : لا أقول حراماً إلا ما في كتاب الله ، قال : أفحلال هو ؟ قال : لا ، ولا أقول ذلك ، قال له : أرأيت الحق و الباطل إذا جاء يوم القيامة فأين يكون الغناء ؟ قال : يكون مع الباطل ، قال: هو كذلك ، اذهب فقد أفتيت نفسك بنفسك .
 الفضيل بن عياض يقول : " الغناء رقية الزنا ".
 و يزيد بن الوليد يقول : " يا بني أمية إياكم و الغناء ، فإنه ينقص الحياء ، و يزيد في الشهوة ، و يهدم المروءة ، وإنه ينوب عن الخمر ، و يفعل ما يفعل السكر" .

 

 يروى أن أحد وجهاء العرب نزل بشرف من شرفائهم ، ومعه ابنته مليكة ، فلما جن الليل سمع غناء فقال لصاحب المنزل : كف هذا عني ، قال : وما تكره من ذلك ؟ قال : إن الغناء رائد من رادة الفجور ، ولا أحب أن تسمعه ابنتي ، فإن كففته كففته ، وإلا خرجت من عندك ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : " الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع ، والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع ".
 وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه كتب إلى مؤدب ولده : " ليكن أول ما تفعل مع ابني أن تبغضِّه الملاهي ، فإن صوت المعازف ، و استماع الأغاني ، و الله ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب على الماء "
و ذكر بعضهم عن مكحول رضي الله عنه أنه قال : لم نكن لنصلي على رجل عنده مغنية .
 وإذا عنده ألف شريط غناء !!
 أيها الأخوة الكرام : أما عن حكم الغناء الشرعي في رأي أبي حنيفة رحمه الله تعالى فقد صرح بتحريم سماع الملاهي كلها ، كالمزمار و الدف وحتى الضرب بالقضيب ، و صرحوا بأنه معصية يوجب الفسق ، وترد به الشهادة ، و أبلغ من ذلك حينما قالوا : " إن السماع فسق ، و التلذذ به كفر " .
 وقالوا : " إذا مر أحد بالغناء يجب أن يجتهد في ألاّ يسمعه إذا مر به ، أو كان في جواره " ، وقالوا : " إذا مررت بدار يسمع منها صوت المعازف والملاهي ادخل عليهم بغير إذنهم " لا تفعلوها أنتم طبعاً لأن النهي عن المنكر فرض .

الاستماع شيء و السماع شيء آخر :

 أيها الأخوة : هذه بعض الأدلة من الكتاب أربع آيات ، ومن السنة ستة أحاديث، ومن أقوال التابعين ، و أقوال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين .
 أرجو الله سبحانه و تعالى أن يعوض كل مبتلى بالغناء ، أن يعوضه التغني بالقرآن ، أن يعوض كل من ذابت نفسه بسماع أغنية مفضلة أن يعوضه طرباً بكتاب الله عز وجل :

((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 ودققوا في هذه الكلمة الأخيرة : ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله .
 آخر ما أقوله لكم : الإنسان قبل أن يصطلح مع الله ، وقبل أن يلتزم منهجه القويم كان يحب بعض الأغنيات حباً لا حدود له ، لكنه تاب ، و تاب توبة نصوحاً ، في الأيام القلائل التي تلت توبته لو أنه ركب سيارة عامة ، و سمع بعض هذه الأغاني التي يحبها لا شك أنه يطرب لها ، لكن ليس مؤاخذاً ، لأن النبي عليه الصلاة و السلام قال : الاستماع شيء ، و السماع شيء آخر ، الاستماع أن تأتي بشريط ، أو أن تشتري هذا الشريط ، وأن تأتي بالمسجلة وأن تضعه ، وأن تستمع إليه ، و أن تطرب له ، هذا الاستماع ، فإذا كنت راكباً في مركبة عامة ولا تستطيع إيقاف هذه الأغنية ، وسمعتها نسأل الله عز وجل ألا يؤاخذنا بهذا ، لكن هذا الذي يطرب لسماع أغنية طرباً لا حدود له ، ثم تاب الله عليه ، فالمرحلة الأولى لا شك أنه يطرب لها ، ولو أنه تاب إلى الله ، لكن بعد حين تسمو نفسه ، فلو أنه سمعها بعد خمس سنوات ، والله لخرج من جلده تقززاً ، الأغنية نفسها التي كان يذوب حينما يسمعها ، إذا سمعها بعد أن ارتقت نفسه إلى الله يكاد يخرج من جلده تقززاً من هذه الأغنية .
 أسأل الله سبحانه و تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا ، و أن يلهمنا تطبيق ما تعلمنا .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018