بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات فقهية متفرقة - الدرس : 49 - الوقف .


1993-09-26

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الوقف :

 أيها الأخوة المؤمنون : نحن في موضوع جديد هذا الموضوع ، وهذا الموضوع لم يطرق من قبل إنه موضوع الوقف ، وأكثركم يتوهم أن موضوع الوقف موضوع انتهى ، موضوع لا ينفذ ، موضوع الوقف أحد أجلّ الأعمال الصالحة ، ويمكن أن يكون في أي زمان وفي أي مكان ، بل إن الذي يلفت النظر هو أن الوزارات في العالم الإسلامي الذي تعنى بشؤون الدين تسمى وزارات الأوقاف ، والأوقاف جمع وقف ، فما هذا العمل الصالح الذي فعله الأجداد واستمر خيره للأحفاد ؟
 الوقف أيها الأخوة في اللغة بمعنى الحبس ، فلان موقوف أي محبوس ، لكن دقة اللغة العربية وقف ، يقف ، وقفاً ، حدث ، يحدث ، حدثاً أما وقف يقف وقوفاً أي نهض ، الفارق هو المصدر ، وقف يقف وقفاً ، حدث يحدث حدثاً ، وقف يقف وقوفاً ، أي نهض ينهض نهوضاً ، فالوقف من مصدر وقفاً لا وقوفاً . معناه في الشرع حبس الأصل وتسبيل الثمرة .
 كما تعلمون بعض الأشياء في الحياة لها رقبة ولها منفعة ، أما كأس الماء هذا ، الماء في الكأس منفعة فقط فإذا شرب يستهلك ، أما يوجد أشياء ينتفع بها ولا تستهلك كالبيت ، كالآلة ، كالمركبة ، ينتفع بها ولا تستهلك فما كل شيء يصح أن يكون وقفاً ، المستهلكات لا يصح أن تكون وقفاً ، الشيء الذي إذا انتفع به بقيت رقبته على ما هي عليه ، فتعريف الوقف بالفقه حبس الأصل وتسبيله أي جعل الثمرة سبيلاً ، وتسبيل الثمرة .
 أنا كنت أسمع قبل خمسين عاماً في هذه البلدة الطيبة أكثر المزارعين الذين حول دمشق بعض الأشجار يقفون ثمارها للفقراء أو للمارة ، فكان في أطراف دمشق هذا الفلاح يأتي بسلة فاكهة يضعها في مسيل ماء للمارة وللعابرين ، من شدة محبة الناس للقرب لله عز وجل تفننوا في الأعمال الصالحة ، فالوقف حبس الأصل وتسبيل الثمرة ، أي جعل الثمرة سبيلاً عاماً للناس جميعاً ، المنفعة إنفاق المنفعة وحبس الأصل هذا تعريف الوقف في أصل الشرع .

أنواع الوقف :

 الوقف أيها الأخوة نوعان : يوجد أوقاف ذرية ، وأوقاف خيرية ، حبس الأصل لذرية الإنسان وذرية ذريته من بعده ، هذا وقف ذري ، أما الوقف الخيري فأن تحبس أرضاً لبناء مسجد ، أن تحبس دكاناً للإنفاق على المسجد ، أن تحبس آلةً لخدمة الفقراء ، إذا ثبت الأصل أي حبست الأصل وسبلت الثمرة أو المنفعة فهذا هو الوقف ، طبعاً أنواع الخير لا تعد ولا تحصى ؛ بناء مساجد ، بناء مياتم ، بناء مستشفيات ، بناء مأوى للعجزة ، بناء مشاغل للخياطة للفقيرات ، فأي عمل وقفته لفعل الخير هذا من الأوقاف الخيرية ، وسوف ترون بعد قليل أن أبواب الخير لا تعد ولا تحصى ، لكن اسمعوا هذه الكلمة أيها الأخوة : أعظم الأعمال الصالحة هي الأعمال التي تستمر بعد الموت ، وأعظم الأعمال القبيحة هي الأعمال التي ينتهي من فعلها وتستمر آثارها بعد موت صاحبها ، فلان أسس ملهى ، يوجد ملهى قريب من دمشق وصف بأن فيه كل أنواع المعاصي ، بعد أن افتتح و دشن وعلى ما أعتقد بعد أسبوع أو أسبوعين كان صاحبه تحت أطباق الثرى ، والآن الملهى مستمر ، شر عملٍ يفعله الإنسان هو العمل الذي لا ينتهي بموت العاصي ويستمر بعد موت العاصي ، أعظم عمل يفعله الإنسان هو الذي يبقى بعد موت الطائع ، فلذلك الاستمرار في الأعمال ، ولا يوجد حل وسط إما أن ترقى بها إلى أعلى عليين ، وإما أن تهوي بها إلى أسفل سافلين ، الوقف عمل صالح مستمر .

الوقف شرعه الله عز وجل وندب إليه :

 قال : الوقف شرعه الله عز وجل وندب إليه ، وجعله قربةً له ، ولم يكن أهل الجاهلية يعرفون الأوقاف إطلاقاً استنبطه النبي عليه الصلاة والسلام من القرآن الكريم وقال فيه الحديث الصحيح التالي :

(( إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 ما معنى انقطع عمله ؟ قال : العمل الصالح ينقطع بعدم تجدد ثوابه لكن في بعض الأعمال الصالحة ثوابها متجدد ، متنام ، مستمر ، أحياناً الإنسان يكون معه مئة ألف يصرفها وينتفع بها وبعد أن تنتهي انقطعت ثمارها ، يقول لك : لا يوجد معي شيء ، أما إذا استثمرها في مشروع طيب أرباحها وفيرة الأصل ثابت والخيرات مستمرة ، الوقف من هذا النوع ، العمل الصالح يتجدد ثوابه في الوقف تجدداً مستمراً .

(( إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 الذي عنده ولد صالح هذا وقف ، أي وقفه لخدمة الخلق ، فإذا مات الأب الخيرات تأتي كل يوم ، من أين هذه الخيرات ؟ من ابنك فلان ، ألم تربه أنت ؟ ألم تعلمه القرآن ؟ ألم تعلمه خدمة الخلق ؟ بعد أن توفى الله الأب هذا الابن سار على نهج أبيه وصار خيره عميماً، فكل خيرات الابن ذهبت إلى الأب .

الأعمال الصالحة التي يفعلها الإنسان منقطعة الثواب أو متجددة الثواب :

 قال : إن أفضل كسب الرجل ولده ، أفضل كسب على الإطلاق أن يكون لك ولد صالح ، لكن لن يكون هذا الابن صالحاً إلا بعد جهد جهيد ، بعد عناية فائقة ، بعد متابعة شديدة ، بعد حرص بالغ ، بعد بذل ، الأب البخيل لا يمكن أن يكون ابنه محباً له أبداً ، كل شيء لا تقبض ثمنه إلا إذا دفعت ما يستأهله ، ابن ماجة أخرج في كتابه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

((إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ ))

[ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة ]

 كلنا سوف نموت ، الأعمال الصالحة التي نفعلها إما أنها منقطعة الثواب أو متجددة الثواب ، فبطولتكم أن تختاروا الأعمال الصالحة ذات الثواب المتجدد ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ ))

[ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة ]

 مرة قرأت تفسير آية في بعض التفاسير ، وجعلت هذا التفسير خطبةً ، وشعرت أن الناس استفادوا من هذه الآية ، بعد أن انتهت الخطبة تذكرت أن هذا المفسر رحمه الله كتب هذا التفسير قبل مئة عام ، وصار تحت أطباق الثرى ، ممكن بعد ألف عام إنسان يقرأ هذا التفسير وينشره ، فالعلم الذي ينتفع به هذا وقف ، الآن أنا أقول لكم : هذا الدرس يتصل أشد الاتصال بحياتكم ، كلمة وقف توهم أنه شيء قديم وانتهى ، شيء مستمر ، العمل الصالح والعلم الذي ينتفع به وقف ، ابنك الصالح وقف ، الصدقة الجارية وقف .

((.....عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ))

[ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة ]

 هذه كلها تلحقه بعد موته ، أحد العلماء نظم في أبيات عدة الأعمال التي تلحق المؤمن بعد موته قال :

 

إذا مات ابن آدم ليس يجري  عليه من فعال غير عشـــــــــــــر
علوم بثـــــــــــــــــها ودعاء نجــل  وغرس النخل والصدقات تجري
وراثة مصحـــــــــــف ورباط ثغر  وحفر البئر أو إجراء نهـــــــــــــــر
وبيت للغريب بناه يأوي إليه  أو بناء محــــــــــــــل ذكــــــــــــــــــــــر
***

 أي بناء مسجد ، هذه الأشياء يلحق ثوابها المؤمن بعد موته ، هذه سنته القولية فما سنته العملية ؟

 

 

أمثلة عن النبي و أصحابه في وقف المساجد و الأراضي :

 النبي عليه الصلاة والسلام وقف ووقف أصحابه المساجد ، والأرض ، والآبار ، والحدائق ، والخيل ، ولا يزال الناس يقفون من أموالهم إلى يومنا هذا .
 إليكم بعض الأمثلة وكل ما أريده من هذا الدرس أن يكون هذا الدرس واقعاً ، أن نعيشه جميعاً لا يكون معلومات ندرسها .

(( عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ : يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي فَقَالُوا لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلا إِلَى اللَّهِ فَأَمَرَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ثُمَّ بِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ ))

[البخاري عن أنس ]

 النبي أراد أن يشتري أرضاً ليبنيها مسجداً ، هذا المكان وقف للمسلمين ، وهذا أول وقف المسجد النبوي الشريف ، أول أرض وقفها بنو النجار لله تعالى ، كم هم ربحوا الآن ؟ كم إنسان يؤم هذا المسجد منذ أربع عشرة قرناً .

(( عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَبِي عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَحْفِرْ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ فَحَفَرَهَا عُثْمَانُ وَقَالَ مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ فَجَهَّزَهُ عُثْمَانُ ))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

 رواية أخرى أنها كانت لرجل من بني غفار ، يقال لها رومة ، وكان يبيع منها القربة بمد ، قربة الماء بمد ، الماء في البلاد الحارة والبلاد الصحراوية ثمين جداً ، الآن الماء في بعض بلاد النفط أغلى من النفط بكثير ، لتر الماء الصالح للشرب أغلى من لتر البنزين، هذه النعم التي أنعم الله بها علينا نحن بلادنا من البلاد النادرة في العالم ، تفتح الصنبور تشرب ماء عذباً فراتاً نقياً طيباً بلا ثمن ، وأخواننا الذين ذهبوا إلى الحج يعرفون ، الماء كله يشترى شراءً ، تدفع ثمن اللتر والنصف ثلاثة ريالات ، تسعة وعشرون ليرة ، وتشربهم شربة واحدة ، نحن نفتح العداد والشيء يكاد أن يكون بلا ثمن ، فموضوع الماء في بلادنا من نعم الله الكبرى .
 وكان يبيع القربة بمد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : تبيعنيها بعين في الجنة؟ ماذا تقول تبيع هذه العين عين رومة بعين في الجنة ؟ فقال يا رسول الله : ليس لي ولا لعيالي غيرها ، لم يعرف الله عز وجل المعرفة الكافية فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه ، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أتجعل لي ما جعلت له ؟ العرض ما يزال قائماً ، قال : نعم ، فقال : لقد جعلتها للمسلمين . سمعت في حلب عن ملهى يملأ الأحياء هناك ضجيجاً ورقصاً وخمرةً إلى بعد منتصف الليل ، جاء إنسان واشترى الملهى وجعله مسجداً وأنا صليت به ، وما تزال منصة الفرقة الموسيقية موجودة هو هو ، أنشأ له مآذن، ومعه حدائق كبيرة وفخمة جداً ، والله هذا عمل طيب ، قال عليه الصلاة والسلام : " الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة " عمل طيب ، " قال له يا رسول الهش : العرض ما يزال قائماً ؟ أتجعل لي ما جعلت له ، قال : نعم ، فقال : قد جعلتها للمسلمين" هذه كلها من السنة العملية .

(( عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ، قَالَ نَعَمْ ، قُلْتُ : فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : سَقْيُ الْمَاءِ ))

[النسائي عن سعد بن عبادة]

 أي سبيل ماء ، وتعرفون هذه البلدة الطيبة إلى حين قريب كل السبلان في الشوارع سبيل خيري ، دفع ثمنه من أجل أن يشرب الماء ، وفي أكثر المساجد نصف متر ماء موقوفة للمسجد ابتغاء وجه الله ، ولكن لو أن أصحاب هذه الأعمال الطيبة لم يصروا على وضع اللافتات لا يوجد مانع ، لأن الله يعرف من هو الذي اشترى هذا الماء وسبله ، لكن يوجد أناس أن يكتب على لوحة أن هذا الماء على روح فلان ، لا يوجد مانع .

((عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ : الْمَاءُ ، قَالَ : فَحَفَرَ بِئْرًا وَقَالَ هَذِهِ لأمِّ سَعْدٍ))

[صحيح الترغيب عن سعد بن عبادة]

((عَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ ))

[مسلم عن أنس ]

 بستان أشجار نخيل وفيه عين ماء عذبة وطيبة ، وهذا البستان مقابل المسجد ، يقول لك : هناك أراض في دمشق الدونم بمليون ليرة ، ما ميزتها ؟ قربها من دمشق ، ويوجد أراضي أجمل الدونم بخمسمئة ألف ، طريق طويل ، أما الشيء القريب فثمين جداً ، هذا الحائط مقابل مسجد رسول الله ، بستان فيه أشجار فاكهة ، ونخيل ، وماء ، هذا الصحابي الجليل أبو طلحة كان أكثر أنصاريٍ في المدينة مالاً وكان أحب أمواله إليه بيرحاء .

(( ....وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون))

[مسلم عن أنس ]

 تقول لي لماذا الصحابة فتحوا العالم ؟ لماذا الصحابة الكرام تألقوا ؟ نحن عندنا مرض اسمه استهلاك المعلومات ، تسمع والله شيء جميل ، أنت في واد والنصوص في واد آخر ، الصحابة الكرام تعاملوا مع النصوص تعاملاً صادقاً ، فهذه الآية نزلت .

(( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأقْرَبِينَ ))

[مسلم عن أنس ]

 دققوا كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام أشار على أبي طلحة أن يجعلها في الأقربين .

(( فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ تَابَعَهُ رَوْحٌ ))

أبواب الخير لا تعد ولا تحصى :

 و:

(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُ بِهِ ، قَالَ : إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لا يُبَاعُ وَلا يُوهَبُ وَلا يُورَثُ وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ قَالَ فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً ))

[مسلم عن ابن عمر ]

 يوجد بعض الأخوان الكرام مبلغ من المال وقفه لخدمة المؤمنين ، يقرضه قرضاً ، أقرض فلاناً خمسة آلاف درهم ، ثم أقرض فلاناً خمسة آلاف درهم ، وهكذا ، قال لي : أنا جعلت هذا المبلغ لإقراض المؤمنين ، والله شيء جميل ، وقف هذا المبلغ لقضاء حوائج المؤمنين ، وقف هذا المبلغ لإقراضه للشباب في زواجهم ، وقف هذا المبلغ لدفعه ثمن عمليات جراحية دورية ، فأبواب الخير لا تعد ولا تحصى ، كما قلت قبل قليل هذا الموضوع مستمر ، موضوع الوقف ، طلب العلم وتعليم العلم أحد أنواع الوقف ، إذا خلفت ولداً عالماً ينفع الناس من بعدك فأنت قد وقفته لخدمة الخير .
 وروى الإمام أحمد والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه:

((مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا لِمَوْعُودِهِ كَانَ شِبَعُهُ وَرِيُّهُ وَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ حَسَنَاتٍ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 أنا أعرف شخصاً عنده مكتبة إسلامية ضخمة قدمها هدية للمكتبات العامة ، ينتفع الناس بها ، مكتبة عامة يرتادها كل الناس ، قدم هذه المكتبة في حياته وقال : هذه المكتبة وقف في سبيل الله للمسلمين ، أحياناً الإنسان يوزع مصاحف ، كتب قيمة ، كتب حديث، كتب فقه ، وأنا والله أتمنى أن أي عقد قران أن يوزع كتاباً قيماً ، أكثر الأخوان الطيبين يقدمون مصاحف لا يوجد بيت إلا فيه خمسين مصحفاً وما فوق ، وزع كتاباً الناس بحاجة له لأن المصحف موجود ، حضرنا عقد قران أعجبني في العقد أن الذي دعا إلى هذا الحفل لم يوزع هدايا إطلاقاً ، وقيمة الهدايا مبلغ ضخم اقترب من مليون ليرة وقفها لتزويج الشباب المسلم، أنت سوف تأتيك مطبقية تضعها في الخزانة ، ماذا انتفعت بها ؟ يوجد دعوة أعجبتني تماماً أن كل إنسان عمل عقد قران ما قيمة هذه العلب ؟ هذه ينبغي أن تقدم لتزويج الشباب المؤمنين ، اقترحت عليه اقتراحاً جديداً ، هؤلاء الذين يقدمون الزهور بأرقام فلكية لو أن أحدهم قدم إيصالاً لجمعية خيرية ، أنا أريد أن أقدم لك باقة ورد بألف ليرة وهذا إيصال لجمعية خيرية ، ينتفع بها المؤمنون ، لأن الوضع الآن صار في غنى فاحش وفقر مدقع لا يوجد تناسب ، صار الواحد يملك مليوناً والمليون لا يملكون الواحد ، فنحن بحاجة إلى دعم هؤلاء الشباب ، مد يد العون إليهم ، فكل إنسان يحب أن يفرح بعقد قران لا يوجد مانع ، ولكن الأولى ألا ينسى من هم في أمس الحاجة إلى الزواج .

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا ثُمَّ قَالَ يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ ))

[إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام عن أبي هريرة ]

 سيدنا خالد وضع كل معدات الحرب وقفاً في سبيل الله ، الآن في المساجد رجل يقف براد ماء مثلاً ، إنسان يقف تدفئة ، إنارة ، جهاز تكبير للصوت ، أي شيء تقفه في المسجد لينتفع به المسلمون هذا من باب الوقف .

انعقاد الوقف :

 أيها الأخوة : انعقاد الوقف ، الوقف لا يصح إلا بإحدى الأمرين إما بالفعل وإما بالقول ، الذي بنى مسجداً ودعا الناس إلى الصلاة في هذا المسجد فقد وقفه في سبيل الله ، فعله وقفاً وإن لم ينطق ببنت شفة ، فعله وقفاً ، أو بالقول ، والقول ينقسم إلى صريح وإلى كناية، فالصريح كأن يقول : وقفت ، حبست ، وسبلت ، والكناية كأن يقول : تصدقت بهذا ناوياً بها الوقف ، هذا المبلغ نوى أن يجعله لكل من يطلبه ، فأقرضه لفلان فلما رده أقرضه لآخر وهكذا، الأصل ثابت ومتداول بين الأخوة المؤمنين ، أما الذي يقول : هذه الدار من بعد موتي لطلبة العلم فهذا وقف معلق ، يقول : داري أو فرسي وقف بعد موتي قال : هذا جائز ولكنه في الظاهر وصية ، الوصية تمليك بعد الموت ، هذا صار أقرب إلى الوصية منه إلى الوقف .
 متى فعل الواقف ما يدل على الوقف أو نطق بالصيغة لزم الوقف ، بشرط أن يكون الواقف ممن يصح تصرفه ، كامل الأهلية من العقل ، والبلوغ ، والأهلية ، والاختيار ، ولا يحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه ، أكثر العقود المعاوضات تحتاج إلى إيجاب وقبول ، بالوقف القبول غير وارد ، تحتاج إلى إيجاب فقط ، بالنكاح إيجاب وقبول ، بالبيع إيجاب وقبول ، بالوقف إيجاب فقط ، وقفت هذه الدار لطلبة العلم .
 أنا سمعت عن امرأة تسكن في بيت تقدر مساحته بأربعمائة وخمسين متراً جاءت - وهي وحيدة أرملة - لأهل الخير وقالت : هذه الدار وقف لطلبة العلم أعطوني مكانها داراً صغيرة أسكنها ، فاشتروا لها بيتاً صغيراً ، ووقفت هذه الدار لطلبة العلم ، ممكن ، قال : متى فعل الواقف ما دل على الوقف أو نطق به لزم الوقف بشرط أن يكون الواقف أهلاً للوقف من عقل ، وحرية ، وبلوغ ، واختيار ، ولا يحتاج انعقاد الوقف إلى قبول الطرف الآخر ، إذا لزم الوقف لا يجوز بيعه ولا هبته ولا التصرف فيه بأي شيء يزيل وقفيته ، الأوقاف لا تباع ولا توهب ، ولا يتغير وضعها .
 إذا مات الواقف الورثة لا يرثون هذا الذي أوقفه ، ليس ملك أبيهم هو أوقفه لله عز وجل ، خرج من ملكيته إلى الأبد ، فالمتوفى لو وقف داراً ، أو أرضاً ، مدرسة هذه تبقى للموقوف لهم وليست للورثة حتى يستحقها الورثة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث عمر :

(( لا يُبَاعُ وَلا يُوهَبُ وَلا يُورَثُ ))

[مسلم عن ابن عمر ]

 طبعاً المحافظة على أموال الوقف هذا من الأعمال الطيبة ومن الورع ، أما عدم المحافظة على أموال الوقف فهذا عمل كبير في إثمه عند الله .

شروط الوقف :

 قال : يصح وقف العقار والمنقول من الأثاث ، والمصاحف ، والكتب ، كذلك يصح وقف كل ما يجوز بيعه ، ويجوز الانتفاع به مع بقاء عينه ، الشيء الذي ينتفع به مع بقاء عينه يصح أن تقفه لله عز وجل ، أما أن تقف هذا الطعام يأكلوه وينتهي ، طبعاً الشمع ، المأكول ، المشروب ، هذا كله لا يوقف لأنه يفسد ، أو يستهلك ، المشمومات ، الورود ، هذه كلها مكان للوقف ، لا يجوز وقف المرهون ولا شيء لا يمكن بيعه كالخنزير ، والكلاب ، والسباع ، والبهائم .
 ومن شروط الوقف أن يكون الوقف على معين ، هذه الدار لفلان ، لذريتي من بعدي ، هذا وقف ذري ، أو لبناء مسجد ، أو لميتم ، أو لسكنة طلبة العلم ، إذا وقف الواقف ماله على غير معين أو وقف على معصية لا يصح ، لا تعجبوا هناك من يقول : هذه الأرض اجعلوها من بعدي نادياً ، هذا لا يجوز ، يوجد أشخاص هواة يقفون بيوتهم لمنشآت لا ترضي الله عز وجل ، فكل وقف فيه معصية لا ينعقد أصلاً ويحق للورثة ألا ينفذوا هذا الوقف ، كل إنسان يقف ماله لأولاده فهو لأولاد أولاده وأولاد أولاده حكماً مهما نزلوا ، هذا الوقف الذري .

الوقف المشاع :

 الوقف المشاع : وقف الأرض المشاع موضوع خلافي بين العلماء ، بعضهم أجازه، رجل يملك ثلاثين سهماً من ألف سهم في أرض هل بإمكانه أن يقفها ؟ بعضهم قالوا : يجوز أن يقفها ، وبعضهم قال : لا يجوز ، الفقهاء قالوا : يجوز أن يأكل العامل بالوقف بالمعروف ، فيجوز للمتولي أمر الوقف أن يأكل منه لحديث ابن عمر السابق ، وفيه لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ، والمراد بالمعروف القدر الذي جرت به العادة ، قال القرطبي : جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف حتى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل ، لاستقبح منه ذلك ، لكن بالمعروف لا يحمل ولا يبيع ، أما إذا أكل حاجته العلماء أجازوا للمتولي أن يأكل حاجته ، والأورع أن يتعفف .

كيفية إنفاق ريع الوقف :

 لو أن هذا الوقف له ريع ، هذا الريع كيف ننفقه ؟ قال : في مثل جنسه ، زاد معنا مبلغ لمسجد ينفق على مسجد آخر ، زاد معنا من ريع الوقف من ميتم ، ينفق على ميتمٍ آخر ، قال : فائض ريع الوقف ينفق في مثل جنسه ، هذا حكم الشرع ، يوجد نقطة مهمة جداً وهي إذا الإنسان وقف بيتاً ، موقعه غير مناسب ، إذا ناظر الوقف باع البيت واشترى بيتاً آخر في مكان مناسب قريب من معاهد شرعية ، رجل وقف بيت في مكان بطرف المدينة والمعاهد في طرفها الآخر ، فالواقف باع هذا البيت واشترى مكانه بيتاً قريباً للمعاهد الشرعية بحيث طلاب العلم لا يجدون مشقة بالوصول إلى هذا البيت ، لا يوجد مانع يباع الوقف عندئذٍ ويشترى مكانه ما هو أفضل .

عدم انعقاد الوقف إذا أدى إلى الإضرار بالورثة :

 آخر موضوع في الوقف ، لا يجوز أن يكون الوقف سبباً للإضرار بالورثة ، إنسان يوجد عنده أولاد وزوجة وترك بيتاً وحيداً ، فحتى يكسب عند الله أجراً ؟ وقف هذا البيت مثلاً لطلبة العلم ، أو وقفه للفقراء ، أو وقف ريعه لمسجد وأولاده أين يسكنون ؟ أي وقف أدى إلى الاضرار بالورثة لا يجوز ولا ينعقد ، وفي هذا حرمة شديدة ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( لا ضرر ولا ضرار ))

[ مسلم عن أبي سعيد الخدري]

 فإذا كان الوقف سبباً للإضرار بالورثة حرم هذا العمل ، ولناظر الوقف أن يبطله، أحياناً يقف البيت لأولاده الذكور ، بيت كبير جداً وثمنه عشرات الملايين ، يقفه لأولاده الذكور ولذريتهم من بعدهم أما البنات فحرمهم ، فأي وقف يؤدي إلى الاضرار بالورثة جميعاً أو بعض الورثة أو بالإناث من الورثة ، فهذا أيضاً حرام .

حالات نادرة متعلقة بالوقف :

 يوجد حالات نادرة جداً ، بعض الرجال الصالحين يقفون بعض أملاكهم لأولادهم إذا طلبوا العلم تشجيعاً لهم ، هذا الموضوع موضوع خلافي بين العلماء ، أنه يوجد بيت وهذا البيت لمن يطلب العلم من أولادي ، فأي ولد يطلب العلم ويأخذ شهادة ويدعو إلى الله إضافة لحصته من أبيه يأخذ هذا البيت ، أي بعضهم أجاز ذلك أن تجعل شيئاً لمن يطلب العلم ، لمن يسابق في فعل الخيرات ، أيضاً هذا من الوارد ، ومن هذا الموضوع تبين أن كل واحد منا بإمكانه أن يستفيد من هذا الدرس .

تلخيص لما سبق :

 إذاً إذا ربى الإنسان ابنه تربيةً عالية فهو في صلب موضوع الدرس ، ولد صالح يدعو له ، أو إذا ترك علماً نافعاً ، طلب العلم وألّف كتاباً قيّماً وترك أثراً ، ترك دروساً ، كل شيء تتركه قيّماً ، الشيء القيم الذي ينتفع الناس به فهذا من الوقف ، إنسان ترك بيتاً ، إنسان ترك أرضاً ، إنسان عمر مسجداً ، عمّر ميتماً ، عمّر مستوصفاً ، عمّر مستشفى ، عمّر داراً ينزل بها المسافرون ، لأبناء السبيل ، خصص مبلغاً من المال لإنفاقه على المساكين والمحتاجين لإقراضه وقضاء حوائج الناس ، لا يوجد أوسع من الوقف ، على كل الوقف بكلمة مختصرة عمل صالح يتجدد ثوابه بعد موت صاحبه ، والخير مستمر .
 وأخطر عمل يفعله الإنسان هو العمل السيئ الذي يتجدد إثمه بعد موت صاحبه ، درسنا اليوم استثنائي إما أن تعمل عملاً صالحاً يتجدد ثوابه بعد موت الإنسان ، وإما أن يعمل الإنسان عملاً سيئاً يتجدد إثمه بعد موته ، فهذان الحالتان حادتان متطرفتان ، ويوجد موضوع طلب العلم وتعليم العلم ، وتربية الأولاد هذا الموضوع ليس له علاقة بالثروة ولا بالأراضي ، والأموال المنقولة وغير المنقولة ، أنا لا أملك لا يوجد لدي مال أنفقه ، ولا أرض أوقفها ، كل واحد منكم يوجد عنده أولاد يربيهم ، تربية الأولاد وطلب العلم وتعليم العلم هذا في متناول كل واحد موجود ، يمكن أن تتعلم وتعلم ، قد وقفت علمك لخدمة الخلق ، فهذا العلم الذي علمته وانتفع الناس به يتجدد ثوابه بعد موتك ، وإذا ربيت ابناً صالحاً أو بنتاً صالحةً على العفة والطهارة ومحبة الرسول وحفظ القرآن ، وكانت زوجة صالحة ، فهذه البنت الذي ربيتها وكانت زوجة صالحة وانتفع بها زوجها وأولادها ، هذا العمل يتجدد ثوابه بعد الموت ، فيا أيها الأخوة الأكارم كونوا طموحين ، اطمحوا إلى أعمال لا ينقطع ثوابها بالموت بل يتجدد ثوابها بالموت ، بل يبدأ ثوابها بعد الموت هذه أعمال جليلة ، وقلت لكم : إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ، لا يوجد أراضي ولا بيوت ولا أموال غير منقولة ، لا يوجد مشكلة بإمكانك أن تربي أولادك هذا أحد أعمال الوقف ، أو أن تطلب العلم حثيثاً ، وأن تعلمه للناس ، أو تدع مؤلفاً جيداً بالتفسير ، بالحديث ، بالفقه ، بالتاريخ الإسلامي ، مؤلف قيّم ينتفع الناس به .
 مثلاً الإمام النووي الذي عاش أقل من خمسين سنة ، لا أعتقد أي كتاب بالحديث الشريف أمتع ولا أشد وضوحاً ولا أكثر دقة وكله صحاح من كتابه ، هذا الكتاب الذي يطبع منه مئات الألوف في العام في جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وينتفع الناس به جميعاً ، هذا وقف كتاب الأذكار للنووي ، الإحياء للغزالي هذا وقف ، كتاب ينتفع به الناس إلى يوم القيامة ، أما قال : " خذ الإحياء وبع اللحية من ليس عنده الإحياء فليس من الأحياء "
 كتاب قيّم فيه تهذيب النفس وأمراض النفس ، والمهلكات والمنجيات ، كتاب علم نفس إسلامي تقريباً ، يوجد كتب قيّمة جداً هذه وقف .
 نحن الآن لدرسنا محوران ؛ أصحاب المال على العين والرأس ، بإمكانهم أن يقفوا بعض أموالهم لطلبة العلم في المساجد ، والمياتم ، المستشفيات ، بإمكانهم أن يقفوا بعض أموالهم للإقراض والعمليات الجراحية وما شابه ذلك ، لكن غير الأغنياء أبواب الخير مفتحة أمامهم ، تربية أولادهم وطلب العلم وتعليمه أو ترك مؤلف قيّم ، هذا من الوقف ، فالوقف ليس شيئاً ماضياً ، ليس شيئاً مندثراً ، إنه شيء متجدد ، وكل واحد أتمنى أن يعيش هذا الدرس وأن يطبقه فإذا وقف شيئاً من علمه أو عمله فهو ذخر له بعد موته .
 من باب الطرفة أحياناً وكلاء الشركات لو خرج إنسان من بلد الوكالة واشترى بضاعة ربح هذا الوكيل يأخذه قبل غيره ، تأتيه رسالة أنك استقيت كذا ألف عمولة الزبون الفلاني الذي جاء من بلدك ، يوجد أعمال الإقدام عليها جيد ، وفيها خيرات جيدة جداً ، كل من يشتري هذه البضاعة من هذه المنطقة ربحه للوكيل ، وكل إنسان يترك عملاً صالحاً قيماً أو ولداً صالحاً أو علماً ينتفع به ، الأجر يأتيه اتباعاً ودورياً إلى يوم القيامة ، وكما قلنا : أخطر عمل ما تجدد إثمه بعد موت صاحبه وأعظم عمل ما تجدد ثوابه بعد موت صاحبه ، فابحثوا عن هذه الأعمال التي لا ينقطع ثوابها بعد الموت .
 بصراحة أقول لكم : الإنسان سوف يموت وهذا شيء ثابت ، ولكن من الممكن ألا تموت ، ممكن أن تبقى في أوج حياتك وأنت ميت إذا تركت عملاً صالحاً أو علماً ينتفع به ، كلمة أبي حنيفة ، الشافعي ، المالكي ، سيدنا عمر ، سيدنا صلاح الدين ، هذه الأسماء ترد كل يوم مئات ألوف المرات على ألسنة المعلمين والمتعلمين كأنهم معنا يعيشون لم يموتوا ، الإنسان بالعمل الصالح لا يموت يخلد ، بالإنجاز الضخم لا يموت يخلد ، بخدمة الخلق لا يموت يخلد ، موت الإنسان شيء عرضي أمام خلوده بأعماله الصالحة ، الآن النبي صلى الله عليه وسلم اذهب إلى قبره الشريف لا تشعر أنه ميت ، كأنه حي طري في قبره ، ودعوته ، وسنته ، وتوجيهه ، وفضله ، وشمائله ، دمشق في ربيع الأول كلها أعراس ، كل يوم يوجد خمسة إلى ستة موالد ، أو عشر ، أو خمسة عشر ، كلها تثني على هذا النبي العظيم ، لم يمت صلى الله عليه وسلم ، حياتي خير لكم ومماتي خير لكم .
 بشكل ملخص ابحث عن عمل إذا فعلته لن تموت ، يبقى ذكرك حي بين الناس، وأعظم عمل تعلم العلم وتعليمه ، أعظم عمل أن تترك صدقة جارية ينتفع الناس بها من بعدك، والذين أسسوا المساجد وأعمروها ، كم إنسان يرتاد المسجد ؟ وكم إنسان يصلي في هذا المسجد؟ كم درس ينعقد في هذا المسجد ؟ كم توبة تنعقد في هذا المسجد ؟ كم إنسان ينتفع في هذا الدرس ؟ كله في صحيفة من أسس هذا المسجد ، تبحث عن صدقة جارية ، سبيل ماء إذا كان متاحاً ، ميتم ، مستوصف ، مستشفى ، مدرسة ، معهد شرعي ، مسجد ، معهد تحفيظ قرآن ، شيء يحقق للناس فائدة وهذا من باب الوقف ، والوقف موضوع متجدد ممكن لكل عصر أن نفعل في باب الوقف الشيء الكثير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018