بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 1996 - الدرس : 81 - اسم الله الرشيد .


1996-08-05

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الواحد والثمانين من دروس أسماء الله الحُسنى، والاسم اليوم الرشيد.
صيغة الرشيد.. فعيل، وصيغة فعيل في علم الصرف تعني المبالغة، فهناك اسم فاعل، وهناك اسم فاعلٍ مبالغٍ فيه. تقول مثلاً.. صادق، صدوق أي كثير الصدق، فاعل، فعول.. فهذا الاسم الرشيد على وزن فعيل، وماذا يعني اسم المبالغة في حقِّ ذات الله عزَّ وجلَّ ؟
يعني شيئين.. فهو يعني عدداً ونوعاً.. كلُّ أفعال الله عزَّ وجلَّ رشيدة، والرشيد إذا وصف الله بهذا الوصف فهو الرُشد المطلق، الله عزَّ وجلَّ مطلق، فعلمه مطلق، قدرته مطلقة، رحمته مطلقة، يجب أن تعلم علم اليقين أنَّ الله سبحانه وتعالى في كلِّ أسمائه وصفاته مطلق.
بينما أسماء الإنسان وصفاته نسبية، قد تقول: هذا القاضي عادل إذا حكم تسعةً وتسعين حكماً من أصل مئة بشكل صحيح، وهذا الوصف نسبي، وكلُّ وصفٍ يوصف به الإنسان هو وصفٌ نسبيّ، و أوصاف الله عزَّ وجلَّ كلُّها مطلقة.
على الأرض يعيش خمسة آلاف مليون إنسان، إذا ظُلم إنسان واحد فالله سبحانه وتعالى لأنَّه مطلق يصبح ليس عادلاً، فقد قال تعالى:

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) ﴾

(سورة الأنبياء)

وقال تعالى:

﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)﴾

(سورة غافر)

وقال تعالى أيضاً:

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾

(سورة النساء)

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) ﴾

(سورة النساء)

﴿ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾

﴿ وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾

ولا قطمير.. ولا تظلمون شيئاً.. ولا ظلم اليوم.. وما كان الله ليظلمهم.
الإنسان حينما يؤمن بالمطلق تطمئن نفسه، الإيمان أنَّ الله بيده كلُّ شيء، وأنُّه فعَّال لما يريد، وأنَّه في السماء إلهٌ وفي الأرض إله، وأنَّ كلَّ شيءٍ خلقه وهو عليه وكيل هذا الإيمان يُلقي في نفس الإنسان طُمأنينةً لا يعرفها إلا من فقدها، لأنَّه كما يقال إنَّ الله يعطي الصحَّة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنَّه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين.
إذاً اتفقنا على أنَّ الله في أسمائه وصفاته مُطلق، فمن أين يأتي الفساد ؟ يأتي الفساد من إنسان أعطاه الله حريَّة الاختيار، وأمدَّه بقوةٍ فيما يبدو فتحرَّك هذا الإنسان بخلاف منهج الله، ومثل ذلك.. السكَّر مادةٌ أساسيَّة، والملح مادة أساسيَّة، والمنظفات مادة أساسيَّة في حياة كل أسرة.. الآن إذا وضعت في طعامك النفيس جداً والغالي الثمن مسحوقاً للتنظيف فستلقيه لا محالة، لأنَّه فسد، المواد التي بين أيدينا كلُّها جيِّدة ورائعة وكاملة ولكن سوء استخدام المواد سبب الفساد، الزنى فساد فالأصل الزواج، كسب المال الحرام فساد، معنى ذلك أنَّ الفساد ليس له وجود أصلي، بل وجوده طارئ ناتج عن سوء الاستخدام.
إخواننا الذين يعملون في المركبات يقولون: لو وضع في المحرك كيلو غرام من مادة السكَّر ثمنها ثلاثين ليرة يكلِّف إصلاحه ثلاثين ألف ليرة، فالسكر ثمين والمحرك ثمين ولكن من أين طرأ الفساد ؟ طرأ من سوء الاستخدام، لماذا أنت بحاجة إلى الدين ؟ من أجل أن يعطيك الله الذي خلق هذه المواد أصول استخدامها.. أفعل ولا تفعل، هذا منهج الله عزَّ وجلَّ.
أنت حينما تستجيب لأمر الله هل تدري ماذا فعلت ؟ أنت تملَّكت خبرة الخبير، وعلم العليم، وقدرة القدير، ورحمة الرحيم،لأنك تقبل منهج الله، ولأنك تقبل على تطبيق منهج الله دون أن تشعر تملَّكت خبرة الخبير قال تعالى:

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) ﴾

(سورة فاطر)

﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

وعندما تملَّكت قدرة القدير، ورحمة الرحيم، وحكمة الحكيم، سهل عليك أن تتحرَّك.
إنسان عظيم وعليه أن يتَّخذ قرارات هامة تجد حوله عدداً كبيراً من الخبراء بالعشرات والمئات يشيرون عليه أليس كذلك، فيجمع حوله خبراء قمم في تخصصاتهم فتجد خبراء في علم النفس، وعلم الاجتماع، والطب، والهندسة، والتاريخ، والجغرافيا، والفلك، والرياضيَّات، لو أراد أن يتخِّذ قراراً فسأل الخبير فأعطاه خلاصة العلم ماذا نقول ؟ هذا الذي استعان بالخبير تملَّك كلَّ علمه.
أن تُقبل على منهج الله تملَّكت قدرة القدير وأنت لا تدري، وعلم العليم، ورحمة الرحيم، وحكمة الحكيم، فلذلك أسعد إنسان هو الذي يبحث عن منهج الله ليطبِّقه في حياته، لن يفاجأ، ولن يشعر بالإحباط إطلاقاً، خطُّه البياني صاعد صعوداً مستمراً لأنَّه يتحرَّك وفق خبرة الخبير.
إخواننا الكرام... ما في الأرض إنسانٌ على الإطلاق إلا ويتمنّى شيئين السلامة والسعادة، والسلامة والسعادة لا تكون إلا بطاعة الخبير.
فحينما يحبُّ الإنسان ذاته حباً لا حدود له ينطلق إلى طاعة الله فقد قال تعالى:

﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) ﴾

(سورة الأحزاب)

ذكر لي أخ اليوم مفارقة أعجبتني.. قال لي: لي جار مضى على زواجه من زوجته خمسةٌ وستون عاماً وما نام ليلةً غاضباً على زوجته، وقد أنجبت سبعة عشر ولداً هم أعلامٌ في المجتمع، لأنَّ هذا الذي تزوَّج بحث عن امرأةٍ صالحة..

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))

(صحيح البخاري)

ويبدو أنَّه كسب مالاً حلالاً وأنفقه في طاعة الله فرزقه الله هذه الذريَّة الصالحة.
المفارقة.. في أحد الفنادق الكبرى في دمشق، في ستَّة أشهر تمَّ فيه ستَّة عشر عقد قِران لم يبق من هذه العقود في خلال ستَّة أشهر إلا ثلاثة وهي في طريقها إلى الطلاق، وآخر عقد أقيم في هذا الفندق كلَّفته فيما سمعت أربعين مليون، وبعد أيام تمَّ الطلاق، لأنَّ هذا الزواج لم يُبنَ على منهج الله، أيُّ زواجٌ بُني على طاعة الله تولَّى الله التوفيق بين الزوجين، وأيّ زواج بني على معصية الله تولَّى الشيطان التفريق بينهما، القصد من ذلك أن يكون الإنسان رشيداً.. فالنبي قال:

(( تخلَّقوا بأخلاق الله.))

قال: الرُشد هو الصلاح والاستقامة، والرشد خلاف الغَيِّ والضلال. الاستقامة.. أن تتحرَّك تحرُّكاً صحيحاً، أن تصل إلى قصدك النبيل بأقصر الطرق، ألا تحيد يمنةً ولا يسرة، الغَيِّ.. الانحراف، والضلال.. التيه.
والرشيد كما يذكر الإمام الرازي على وجهين أحدهما فعيل بمعنى فاعل، رشيد أي راشد.. صيغة مبالغةٍ من اسم الفاعل راشد.
والراشد هو الذي له الرشد، أي يتمتَّع برؤية صحيحة.. بالمناسبة فلسفة الرشد.. الإنسان متى يكون رشيداً ؟ إذا كان مبصراً، فأي إنسان لا على التعيين أعطه مصباحاً وضَّاءً وقل له: سر في غابةٍ ليلاً، فما دام معه مصباح وضَّاء فسيرى كل شيء أمامه، هل يعقل أن يقع في حفرةً بل يحيد عنها، ولا يعقل أن يدوس على أفعى تلدغه بل يبتعد عنها، انطلاقا من حبِّه لذاته يسلم، فقضيَّة الرشد أساسها الرؤيا..
بالمناسبة.. النبيُّ عليه الصلاة والسلام قال:

(( عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآَنِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالصَّلاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ))

(صحيح مسلم)

أنت حينما تتصل بالله تطهر نفسك من كلُّ أدرانها.. فالمصلي لا يحقد ولا يتكبر ولا يبخل ولا يظلم.. لأنَّ مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى فإذا أحبَّ الله عبداً منحه خُلُقاً حسناً.
فأنت أخلاقيٌّ بقدر اتصالك بالله.
ومؤمن لأن رؤيتك صحيحة وقد ألقى الله في قلبك نوراً فرأيت الحق حقاً فسلكت طريق الحق فأصبحت رشيداً.
إذا ركب أحد مركبته متوجهاً إلى بلدة ولم يخطيء إطلاقاً فهذا دليل على قراءته للعلامات وللوحات الإرشادية الموضوعة على جوانب الطريق وهو قد قرأها واستوعبها وسار وفق توجيهاتها، فوصل إلى البلد المقصود في أقرب وقت وفي أيسر حال، إذا هو رشيد.
الرشد أن تسير مستقيماً دون أن تحيد يمنةً ولا يسرة، وأن تصل إلى هدفك بأقلِّ جهدٍ وأقصر وقتٍ،

(( وتخلَّقوا بأخلاق الله ))

فالرشيد هو الراشد، الرشيد حكيم وقد يلتقي هذا الاسم مع اسم الحكيم من خلال الرؤية الصحيحة.
في ذهني حقيقة.. المجرمون حينما يرتكبون الجرائم، ماذا رأوا قبل أن يرتكبوا الجريمة؟ رأوا في الجريمة مغنماً، فالمجرم يقتل ضحيَّته فتختفي معالم جريمته، ويأخذ هذا المال الكثير.. فقد قتل عدَّة مجرمين صائغاً في بلدة على طريق حمص، وسرقوا ثلاثة عشر كيلو غراماً من الذهب من مكانه، وبعد أقلَّ من أربع وعشرين ساعة ألقي القبض عليهم، وبعد أقلَّ من شهرٍ تمَّ إعدامهم في مدينة يبرود، كانوا يظنون أنفسهم أذكياء، لأن منهم من يحمل شهادة عليا في الهندسة، فحينما أقدموا على هذا العمل ماذا رأوا ؟ رأوا أنَّ في هذا العمل مغنماً كبيراً، وجهداً يسيراً، وغنىً فاحشاً، واستمتاعاً بالحياة، هل تحقق هدفهم ؟ إذً كانوا ضالين.
فالإنسان حينما ينطلق من حبِّه لذاته، يتصِّل بالله، فيلقي الله في قلبه النور، وهذا النور يطهِّر نفسه من الدرن، ويريه الحقَّ حقاً فيتَّبعه، ويريه الباطل باطلاً فيجتنبه، فصار بذلك رشيداً.. وإذا كنت رشيداً كنت في أعلى درجات الكمال.
نقرأ بعض الآيات لو وقفنا عندها وقفة متأنِّية لرأينا العجب العجاب.. قال تعالى:

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) ﴾

(سورة البقرة)

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

هنا الرشد يلتقي مع الحكمة، الرشد والحكمة يقتربان من بعضهما بعضاً، أساسهما رؤيةٌ صحيحة، أساس هذه الرؤية اتصال بالله، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

تذكرت مزاراعاً ينمي محصوله بالبيوت المحمية والتي إنتاجها غالٍ جداً يبلغ خمسمائة ألفاً تقريباً، فلا بدَّ من أن يشتري سماداً لتسميدها، وإنطلاقاً من رغبةٍ أن يكون النماء شديداً ضاعف السماد، أصبح في اليوم التالي كل النبات أسود اللون.. هو أراد أن يربح، وأراد أن يكثر رزقه فمحق رزقه لأنَّه جاهل، هل كان رشيداً ؟ أبداً..

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

العلماء قالوا: " إنَّك بالحكمة تصلح الزوجة الفاسدة، وبالحُمق تفسد الصالحة "، أنت بالحكمة تكسب المال، وبالحمق تبدِّده، أنت بالحكمة ينمو جسمك وتنمو مداركك، وتعيش سعيداً، وبالحمق تدمِّرُ ذاتك، فالحكمة هي الرشد.
أحياناً يقول لك أحد الأشخاص: والله اتخذّت قراراً هو أكثر قراراتي حكمة، هذا القرار المصيري قد تُبنى عليه سعادة أبديَّة.
وثاني هذه المعاني أن يكون بمعنى مُفْعِل.. أي مُرْشِد، فإما يأتي بمعنى راشد، أو بمعنى مرشد، راشد صفة ذات، مرشد صفة أفعال، الله عزَّ وجلَّ في حقيقة الأمر رشيد بمعنى فعيل، ومفٍعل، أي راشد ومرشد.ابنك الصغير ذو إدراك محدود يقترب من المدفأة، وسيحترق وأنت أب قلبك مليء بالرحمة لن تبتسم وتبقى مكانك دون ضربه ! فقد أجاز لك الشرع أن تقطع صلاتك من أجل أن تنقذ ابنك، ماذا في قلب الأب ؟ رحمةٌ صغيرة.. أرحم الخلق بالخلق النبيُّ الكريم فقد قال له الله تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾

(سورة آل عمران)

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

كلُّ هذا القلب الكبير، وكلُّ هذه الرحمة التي وسعت الخلائق جعلها الله في كتابه نكرةً.
وفي آيةٍ أخرى قال تعالى:

﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58) ﴾

(سورة الكهف)

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

وربُّنا الذي خلقنا أرحم بنا.
حدَّثني أخ دخل إلى معمله شخص لشراء بعض المنتجات من معمله وهو يبيع ما ينتجة بالجملة، فطلب منه أربع قطع فقط فشعر صاحب المعمل بمهانة من هذا الطلب المتواضع فمبيعاته مئتا دزّينة تقريباً، فرفض أن يبيعه قائلاً له: لا أبيع بالمفرَّق، فقال لي هذا الأخ الكريم: ثلاثون يوماً لم يدخل معملي إنسان، وكأنَّ الله أدَّبه.. وأرشده ؟ رشيد يرشد بقرآنه فقد قال تعالى:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) ﴾

(سورة النور)

هذا إرشاد بالآيات.. ويرشد بحديث نبيِّه فقد قال تعالى:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

(سورة النجم)

فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم:

(( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس... من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنَّم... من غضَّ بصره عن محارم الله أورثه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه ))

فالله مُرشد، قد أرشدنا إلى طاعته من خلال حديث نبيِّه.
والله مُرشد بأفعاله.. أعرف رجلاً يسكن بأحد أحياء دمشق، وهو موظَّف ولديه أبناء شباب وفتيات كلُّهنّ متزوجات.. فهو جِد.. له هواية أن يسير في عصر كل يوم على طريقٍ في دمشق مليءٍ بالكاسيات العاريات الغاديات الرائحات، وليس له هواية غير ذلك فينزل من المزَّة إلى طريق الصالحيَّة ثم يرجع إلى بيته بعد أن يمتِّع عينيه بمنظر الحسناوات، أصيب بمرض وهو من أغرب الأمراض واسمه - ارتخاء الجفون - فمن أجل أن يرى يمسك جفنه بيده فإذا تركه عاد جفنه مغمضاً،.. فالله عزَّ وجلَّ يرشد بالقرآن ويرشد بالسنَّة، ويرشد بالفعل يؤدِّبه.. أحياناً يريه مناماً مخيفاً.
إذاً المعنى الأول.. رشيد بمعنى راشد، أي حكيم، ورشيد بمعنى مرشد يرشد عباده إلى الصواب.
إخواننا الكرام.. صدِّقوني لا يمكن لإنسان منحرف إلا أن يرشده الله عزَّ وجلَّ بطريقةٍ أو بأخرى، وكلَّما ارتقى الإنسان فهناك إرشاد بياني وهو أرقى شيء، كأن تستمع إلى خطبة، وتقرأ القرآن وتقرأ الحديث.. كحديث:

(( عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلا يَنُمُّ الْحَدِيثَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ ))

(صحيح مسلم)

فتتعوَّذ بالله من أن تنمَّ وتمتنع، وهذا هو أرقى أنواع التعليم، أن تتلقى من الله بياناً قرآناً، أو من النبيِّ سُنةً، أو من عالمٍ توجيهاً فترتدع.
ولدينا إرشاد من نوع آخر.. إرشاد تأديبي عن طريق مشكلة، مصيبة.
ولدينا نوع ثالث من الإرشاد.. وهو إكرام استدراجي.
والإرشاد الرابع.. هو القصم.
أربع مراحل.. الدعوة البيانيَّة أكمل شيءٍ فيها أن تستجيب إلى الله عزَّ وجلَّ، والإرشاد التأديبي أكمل شيءٍ فيه أن تتوب إلى الله، والإكرام الاستدراجي أكمل شيءٍ فيه أن تشكره وتتوب، فإن لم يُجدِ معك لا البيان، ولا التأديب، ولا الإكرام، فأصبح هذا الإنسان ينتظر القصم فيهلكه الله.

﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾

كما قال تعالى:

﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ (6)﴾

(سورة الأنعام)

وكما أبعد الله قوم عاد كما أبعد ثمود قال تعالى:

﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْداً لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)﴾

(سورة هود)

إرشاد الله تعالى يرجع إلى هدايته قال تعالى:

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾

(سورة طه)

﴿ ثُمَّ هَدَى ﴾

هدى إلى ماذا ؟ عندنا أربعه أنواع من الهداية:
فالإنسان هداه الله تعالى أولاً إلى مصالحه، الطفل يولد دون أن يكون عنده أيَّةُ مهارة على الإطلاق.. هكذا درسنا في الجامعة وتعلَّمنا.. إلا منعكساً واحداً ولولا هذا المنعكس لما كنَّا في هذا المسجد، وهو منعكس المص وهذا المنعكس شديد التعقيد، فالطفل يضع شفتيه على حُلمة ثدي أمِّه ويحكم الإغلاق ويسحب الهواء فيأتيه الحليب، وهو قد ولد على التو واللحظة، فلولا هذا المنعكس لجاء المولود وثدي أمِّه مليء بالحليب ولا يستطيع الرضاع، فهل تستطيع أن تفهِّم هذا المولود كيف يرضع ؟ فيموت الطفل وما سوى هذا المنعكس كلُّه يأتي بالتدريج.
فالله عزَّ وجلَّ هدانا إلى مصالحنا، إذا رأيت راكباً لدرَّاجة فكيف يستقيم عليها دون أن يقع؟ لوجود جهاز التوازن بالأذنين، وهو ثلاثة أقواس فيها أهداب وسائل فعندما يميل إلى جهة ما فالسائل الموجود في الأذن يرتفع فيمس هذه الأهداب فيتنبَّه فيعدل الراكب عن طريق جسمه توازنه، ولولا هذه القنوات الثلاث لا يستطيع إنسان أن يركب درَّاجة، فلو مال لوقع.
ألاحظ في بعض المحلات التجارية وجود تماثيل لتعليق الألبسة عليها، أنظر إلى قاعدة التمثال تجدها سبعين أو ثمانين سنتيمتراً، فهي قاعدة إستناد عريضة جداً وإلا لوقع التمثال، فانظر لرجليك ما ألطف حجمها، فلو كانت الأرجل كبيرة مثل خف الجمل ولبست حذاء يزن خمسة كيلو غرامات، لأصبحت الحياة غير معقولة أن يمشي برجل تزن خمسة وعشرين كيلو غراماً فإذا مشى في الطين وحمل حذاءه يشعر كأنَّه يقوم بأعمال شاقَّة، فإذا لم تكن هذه القنوات الدائرية بالأذن لإضطَّر إلى أقدام ذات قاعدة استناد عريضة جداً ليستطيع الوقوف، ومن أجل أن يستقر فلا بدَّ من قاعدة عرضها من سبعين إلى ثمانين سنتيمتراً، أما قدما الإنسان فلطيفتان.
الله هداه إلى توازنه، هداه إلى طعامه، هداه إلى شرابه، فإذا دخلت نقطة من الماء وهو يشرب إلى الرئة يسعل لإخراجها، فأساس السعال حركة تشنجيَّة تدفع الأجسام الغريبة والسوائل التي في القصبة الهوائيَّة إلى الأعلى ثم إلى الخارج، وبهذه المناسبة عادة التدخين وهذا الدخان الذي يستنشقه شاربه يشلُّ هذه الأهداب، فالنيكوتين الموجود في هذا الدخان يشلُّ هذه الأهداب الموجودة في القصبة الهوائيَّة المصممة من أجل طرد الأجسام الغريبة.. فهذه هي الهداية الأولى قد هداك الله إلى مصالحك.
الهداية الثانية.. هداك إليه عن طريق الوحي، فقد أرسل الرسل وأنزل القرآن، والرسل تكلَّموا.
أما الهداية الثالثة.. هداية التوفيق، فأنت حينما أردت أن تكون مؤمناً هداك الله فقد قال تعالى في سورة الكهف:

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾

(سورة الكهف)

والهداية الرابعة.. إلى الجنَّة..، هداية المصالح.. وهداية الوحي.. وهداية التوفيق.. وهداية إلى الجنَّة.. هذه هي الهداية.
معنى رشيد أي راشد، حكيم، معنى رشيد أي مُرشد.. يرشد عباده إلى سُبُل السلام إلى سعادتهم، إلى نجاتهم.
والإمام الغزالي يرى أنَّ الرشيد هو الذي تساق تدبيراته إلى غاياتها، من غير إشارة مشير ولا تسديد مُسدد.
فقد تسلك طريقاً أحياناً تصل به إلى الهدف لكنَّك تستعين بإشارات المرور، واللوحات الفوسفوريَّة والأسهم وما يكتب عليها من أسهم أو ممنوع للمرور، أو المنعطف خطر، أنت وصلت إلى هدفك بسلامة ولكنَّك استعنت بإشارات كثيرة.
أما إذا قلنا الله رشيد قال: هو الذي تساق تدبيراته إلى غاياتها، من غير إشارة مشير ولا تسديد مُسدد.. أي حركة ذاتيَّة صحيحة، وهو الله تعالى.. هو الرشيد.
وقيل الرشيد: الذي أسعد من شاء بإرشاده، وأشقى من شاء بإبعاده، رشيد أرشدنا إلى محبَّته.
ذهب شخص إلى بلاد الهند ونزل في أحد الفنادق فاستيقظ في الصباح الباكر على جلبة وضجيج، فسأل عن السبب فعرف أن هناك جنازة، فنظر فوجد نعشين، النعش الثاني عليه امرأة مسجَّاة على خشب وتتحرَّك، فسال عن ذلك فقيل له: إنَّها زوجته ولا بدَّ من أن تُحرق معه، هذا في ديانتهم إن مات الزوج يجب أن يحرق وكذلك ينبغي أن تُحرق الزوجة معه، أما إذا ماتت الزوجة فيحق له أن يتزوَّج غيرها.. فهل هذا دين ؟ الله هدانا إلى دين قويم وأرشدنا إلى دينه، وهذه من أكبر النعم.
وهناك تدخل بقرة إلى دكان للفواكه فتأكل كل ما لذَّ وطاب، وبعض أنواعها يصل سعرها إلى مئتي ليرة، وصاحب المحل سعيدٌ أشدَّ السعادة بما يحدث، فقد دخل لمحله إلهه ليأكل وهذا شيء عظيم عندهم.. سبع مئة وخمسين مليوناً هذا دينهم ؟ وفي يوم العيد يضعون على أثاث البيت روث البقر وبول البقر كالعطر، بول البقر عطرهم وروث البقر حلواهم.
الله مُرشد أرشدنا إلى دينه، أرشدنا إلى نبيِّه، أرشدنا إلى الحقيقة، أرشدنا إلى ذاته، أرشدنا إلى محبَّته.
في إحدى المجلات الفرنسيَّة تحقيق عن طائفة في الهند أعوانها يعبدون الجرذان، معبد فخم جداً وشاهق الارتفاع وبه زخارف وأحجاره منحوته وبداخله أكثر من خمسمائة جرذ، وأتباع هذا المذهب يأتون إلى هذا المعبد وتقف الجرذان على رؤوسهم وتقفز فوق أكتافهم ويأكلون معهم في صحن واحد.
الله عزَّ وجلَّ أرشدنا إلى ذاته، والله أيُّها الإخوة.. ما من سعادةٍ أعظم من نعمة الهُدى، تعرف الله، ولماذا أنت في الدنيا، تعرف ماذا بعد الموت، فبعد الموت جنَّة عرضها السماوات والأرض.
يقول بعض العارفين: " الرشيد هو المتَّصف بكمال الكمال، عظيم الحكمة، بالغ الرشاد الذي تتجه تدبيراته إلى غاية الصواب والسداد، والذي يرشد الخلق ويهديهم إلى فيه صلاحُهم، الرشيد يوجِّهم بحكمته إلى ما فيه خيرهم ورشادهم في الدنيا والآخرة ".
قولٌ آخر: " الرشيد هو الذي أسعد من شاء، وأرشد الأولياء إليه لا يوجد سهوٌ في تدبيره ولا في تقديره، وهو الموصوف بالعدل، والمتجلِّي بالفضل ".
والرشيد هو الذي يُلهم أهل الرُشد إلى طاعته، والذي أرشد الخلائق إلى هدايته، ذو الحبل الشديد والأمر الرشيد.
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً (10) ﴾

(سورة الكهف)

﴿ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾

الرشد والرُشد من رَشَدَ راشد رشيد.. رَشَدَ ورُشْدَ مصدران، والفعل رَشَدَ يَرْشُدُ، راشد اسم فاعل، رشيد بمعنى راشد أو مرشد.
الآية الثانية قال تعالى:

﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً (17) ﴾

(سورة الكهف)

﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴾

من يضلل نفسه عن الله لن تجد له ولياً مرشداً.
فمثلاً.. كل التوجيهات في الجامعة، الخبراء الأطباء والعلماء فإذا إنسان ترك الجامعة واتجه إلى الملعب، هل يُعقل أن يجد في الملعب مرشد ؟ المرشدون في الجامعة.. فإذا الإنسان أضلَّ نفسه عن الله فقد المرشد، إذا إنسان ترك المدرسة فقد المُعلِّم، ترك المشفى فقد الطبيب، ترك المحكة فقد القاضي، ترك بيته فقد المأوى، أليس كذلك ؟

﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ ﴾

أي أضلَّ نفسه عن الله.

﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴾

والإنسان يكون رشيداً بقدر اتصاله بالله، فاتصاله بالله يكسبه نوراً والدليل على ذلك قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(28)﴾

(سورة الحديد)

آيةٌ ثانية قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) ﴾

(سورة الأنفال)

﴿ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ﴾

تُفرِّقوا به الحقَّ من الباطل.
من أدعية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم:

(( عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْلَةً حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي وَتَلُمُّ بِهَا شَعَثِي وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي وَتُلْهِمُنِي بِهَا رُشْدِي وَتَرُدُّ بِهَا أُلْفَتِي وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ اللَّهُمَّ أَعْطِنِي إِيمَانًا وَيَقِينًا لَيْسَ بَعْدَهُ كُفْرٌ وَرَحْمَةً أَنَالُ بِهَا شَرَفَ كَرَامَتِكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفَوْزَ فِي الْعَطَاءِ وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ...))

(سنن الترمذي)

هذه رحمة الله:

﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) ﴾

(سورة آل عمران)

دعاءٌ آخر.. اللهمَّ هذا الدعاء وعليك الإجابة، وهذا الجُهد وعليك التُكْلان، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم، ذي الحبل الشديد، والأمر الرشيد.
فإذا كنت مع الرشيد فلن تضلَّ أبداً.. لا تُخطيء لأنَّك مع التوجيه الإلهي، مع الخبير، ولا ينبِّئك مثل خبير.
فيا أيُّها الإخوة الكرام... تخلَّقوا بأخلاق الله وكونوا راشدين فقد قال تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(8)﴾

(سورة الحجرات)

فالراشد هو الذي عرف الصواب من الخطأ فاتَبع الصواب، وتحرَّك نحو الهدف بأقلِّ جهدٍ وأقلِّ وقت، سار إلى هدفه مستقيماً، هذا معنى الراشد.
نرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يُلهمنا الخير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018