٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 56 - الإسراء والمعراج وما بعد أحداث أمريكا - الانتفاضة وإرهاب إسرائيل.


2001-10-12

 الخــطــبـة الأولــى:

 الحمد لله رب العالمين، يا ربِّ قد عجز الطبيبُ فداوِنا، يا رب قد عمَّ الفسادُ فنجِّنا، يا رب قلَّتْ حيلتُنا فتولَّنا، ارفع مقتك وغضبك عنـا ولا تؤاخذنا إنْ نسينا أو أخطأنا، ولا تعاملنا بما فعل السفهاء منا، توفَّنا وأنت راضٍ عنا، غير فاتنين ولا مفتونين، اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، واقبل توبتنا، وأصلح قلوبنا، وارحم ضعفنا، وتولَّ أمرنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب ذو الطول، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وينادي إذا كان ثلثُ الليل الأخير: هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له ؟ ويقول: عبدي، لا تعجز، منك الدعاء ومني الإجابة، منك الاستغفار ومني المغفرة، منك التوبة ومني القبول، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، خير نبي اجتباه وللعالمين أرسله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل بيته وصحبه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، رهبان الليل، فرسان النهار، بلغوا من العلم شأواً، وبلَغوا من العمل مستوى، حتى إن أحدهم قال:

(( والله لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً، ولو علمتُ أن غداً أجلي ما قدرتُ أن أزيد في عملي ))

[حاشية السِّنْدي على سنن النسائي عن عليٍّ]

 عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير.

الإسراء والمعراج:

 أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، نحن في ذكرى الإسراء والمعراج، ووقائع الإسراء والمعراج معروفة لديكم جميعاً، ولكن ماذا يعلمنا الإسراء والمعراج ؟
إنّ معجزة الإسراء والمعراج حدثٌ ضخم من أحداث الدعوة الإسلامية، سبقته البعثة، وجاءت من بعده الهجرة، لقد كان مسحاً لجراح الماضي، وتثبيتاً لقلب النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتبشيراً له للمستقبل، وتعويضاً عن جفوة الأرض بحفاوة السماء، وعن قسوة الناس بتكريم الملأ الأعلى، وتعريفاً للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيد ولد آدم، وسيد الأنبياء والمرسلين، وإراءة للنبي صلى الله عليه وسلم لملكوت الأرض والسماوات، ولِمَا تؤُول إليه الخلائقُ بعد المماتِ.
 أيها الأخوة المؤمنون، إنَّ الذي لاقاه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مختلف ألوان المحن، ولا سيما هذا الذي رآه في ذهابه إلى الطائف إنما كان مِن جملة أعماله التبليغية للناس، فكما أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء ليبلِّغنا العقيدةَ الصحيحةَ عن الكون وخالقه، وعن الحياة وحقيقتها، وعن الإنسان ورسالته، وعن أحكامِ العبادات والمعاملات، وعن مكارمِ الأخلاقِ، كذلك جاء ليبلِّغَ الناسَ عن طريق السلوك العملي، وهذه سنّتُه العملية، أنّ اللهَ كلَّفهم بالصبر والمصابرة والبذل والمثابرة، فكما أنَّ النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَّم الناس بأقواله كذلك علَّمهم بأفعاله، وكما أنّه قال للناس:

(( وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ))

[أخرجه البخاري عن مالك بن الحوريث]

 و:

 

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ ))

 

[أخرجه مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 كذلك قال لهم بلسان حاله: اصبروا كما رأيتموني أصبر.

 

الدعاء والتضرُّع مِن لوازم العبودية لله عز وجل:

 نحن المسلمين بأَمَسِّ الحاجةِ إلى هذا الدرس البليغ، اصبروا كما رأيتموني أصبر لأنّ مكْرَ أعداء المسلمين وَصَفَه ربُّ العالمين بأنّه مكرٌ تزولُ منه الجبالُ، قال تعالى:

﴿ َقَدْ مَكَرُوا مَكْرَُهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرَهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ﴾

( سورة إبراهيم )

 الذي يمكِّننا مِن إلغاءِ أثرِ هذا المكر أنْ نلتزم منهجَ الله، وأنْ نصبرَ على طاعته وعن معصيته، وعلى قضائه وقدره، قال تعالى:

 

﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 120 )

 أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة الإسلام، ولقد علمنا النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه على المسلمين عامةً، وعلى أولي الأمر خاصةً، وهم العلماءُ والأمراء أنْ يصبروا، وأنْ يصابروا، وكان بطول دعائه، وضراعته، والتجائه إلى الله تعالى يعلِّمنا أنّ هذا الدعاءَ وذاك  التضرُّعَ مِن لوازم العبودية لله عز وجل، وهل مِن دعاءٍ أكثرُ دلالةً على عبودية النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن هذا الدعاء الذي دعاه في الطائف:

 

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضُعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي، إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ ِيَكُنْ ِبِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلاَ أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، أَنْ تنْزِلَ بِيَ غَضَبَكَ، أَوْ أَنْ تُحِلَّ عَلَيَّ سَخَطَكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ ))

 

[مجمع الزوائد للهيثمي عن عبد الله بن جعفر]

ما الإسراءُ والمعراجُ في حقيقته إلا ردٌّ إلهيٌّ تكريميٌ على المحنة القاسية:

 أيها الأخوة الأكارم، هنا حقيقة خطيرة، وهي أنَّ النفْسَ الإنسانيةَ مجبولةٌ في أصلِ فطرتها على الإحساس والشعور، الشعورِ بلذّةِ النعيم، والشعورِ بألمِ الجحيمِ، هي مجبولةٌ على الركون إلى الأول، والفزع مِنَ الثاني، وحينما يُوَطِّنُ الإنسانُ نفْسَه على تَحَمُّلِ كلِّ أنواعِ الضرِّ والعذاب، وهو يؤدي رسالةَ ربِّه، مبتغياً بهذا وجهَه ورضوانَه، لا يعني هذا أنّه لا يتألم للضرِّ، ولا يستريح للنعيم، فالنفسُ مهما تسامتْ لا تخرجُ عن دائرة بشريَّتِها، ولكن حينما يفضِّل الإنسانُ الضرَّ مهما تكن آلامه، على النعيم مهما تكن لذائذُه، مِن دون أنْ يكونَ الضرُّ مقصوداً لذاته، إنما فرضته طبيعةُ الظروفِ التي أرادها اللهُ، وسمح بها، فكلُّ شيء وقعَ أرادهُ الله، وكلُّ شيء أراده الله وقعَ، وإرادةُ الله متعلِّقةٌ بالحكمة المطلقة، وحكمتُه المطلقةُ متعلقةٌ بالخير المطلق، وإنّ لكل واقع حكمة، بصرف النظر عن الموقع، حكيماً كان أم غير حكيم.
 أيها الأخوة الكرام، حينما يُؤْثِر المؤمنُ الضرَّ على النعيم إرضاءً لوجه ربّه، وأداءً للرسالة التي أُنِيطَتْ به، عندئذٍ يستحقّ جنةَ ربّه إلى أبد الآبدين، حيث يجد فيها مالا عينٌ رأَتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بَشَرٍ، ولولا أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشرٌ تجري عليه كلُّ خصائصِ البشرِ لَمَا كان سيِّدَ البشرِ، لقد كان سيدَ البشر حينما انتصرَ على ذاته .
 أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، حينما يتأمّل الإنسانُ في سيرة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع قومه يَجِد أنه لاقى مِن قومه مِنَ الأذى ما لا يتحمّله بشرٌ على الإطلاق، بَيْدَ أنّ الإنسانَ يَجِدُ أيضاً مَعَ كلِّ نوعٍ مِن أنواع الأذى، ومع كل مرحلة من مراحله رَدّاً إلهيّاً على هذا الإيذاء، مواساةً وتبشيراً، وإكراماً وتأييداً، حتى لا يتجمّعَ في النفس مِن عوامل التألُّم والضجر ما قد يُدخِل إليها اليأسَ، وما الإسراءُ والمعراج في حقيقته إلا ردٌّ إلهيٌّ تكريميٌّ على المحنة القاسية التي كَشَفَتْ حقيقةَ الحِرصِ النّبويِّ على هداية الخلق، وَكَشَفَتْ صبرَه الجميلَ على إيذائهم، وموقفَه النبيلَ والرحيمَ منهم، حينما عَرَضَ عليه ملَكُ الجبال أنْ يُطْبِقَ عليهم الجبلين، فَأَبَتْ نفسُه الرحيمةُ، وقال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، والإسراء والمعراج هو الرد الإلهي على دعائه في الطائف. قال تعالى:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)﴾

( سورة الإسراء )

 أي سمع الله دعاءك يا محمد في الطائف، وعلم منك حرصك على هداية قومك، الذين بالغوا في الإساءة إليك، فكان هذا التكريم الإسراء والمعراج.

الإسراء والمعراج تعلمنا الصبر والالتزام إلى جانب التفاؤل والإقدام:

 أيها الأخوة الأكارم في دنيا العروبة الإسلام، هذا هو الدرس الأول ؛ الصبر والالتزام، أما الدرس الثاني: فهو التفاؤل والإقدام.
 عندما سأله زيدُ بن حارثة في الطائف متعجباً: يا رسول الله كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك ؟ فأجابه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن اللهَ ناصرٌ نبيَّه، ومظهرٌ دينَه، فما كان اللهُ ليتخلّى عن دينه، ولا عن نبيه، ولا عن المؤمنين، مهما بدتْ هجمةُ أعداءِ الدينِ قويةً وشاملةً، فالباطلُ عقيدةٌ أو قوةٌ إلى انهيار محقَّق، قال تعالى:

﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً(81) ﴾

( سورة الإسراء )

 قال عز وجل:

 

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12)﴾

 

( سورة آل عمران)

 وقال سبحانه:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (36) ﴾

( سورة الأنفال)

دروس الإسراء والمعراج تعلِّمنا أنَّ للمحن والمصائب حِكماً جليلة:

 لكن هذه الوعودَ الإلهيةَ لا يستحقها ـ وهذه حقيقة مُرَّة ـ إلا المؤمنون الموحِّدون الملتزمون، ومَن ظنَّ أنّ اللهَ سبحانه وتعالى لا ينصرُ رسلَه، ولا يتمُّ أمرَه، ولا يؤيِّد جندَه، ولا يُعْلِي شأنَهم، ولا يظهرُهم على أعدائهم، وأنّه لا ينصر دينه وكتابه، مَن ظنَّ ذلك فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء، ونسبَه إلى ما لا يليق بكماله وجلاله وأسمائِه الحسنى وصفاته الفُضلى، فإنّ عزّته وحكمتَه تأبى ذلك، ويأبَى أن يذلّ أولياءه، وأنْ يكونَ النّصرُ المستقِرُّ، والظفرُ الدائمُ لأعدائه، فمن ظنَّ به ذلك فما عرفه، ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته، سبحانك إنه ما يذلّ مَن واليت، ولا يعزّ مَن عاديت.
 أيها الأخوة المؤمنون حضوراً ومستمعين، ليس القرآنُ كتابَ تاريخ يروي سيرَ الأنبياء والمرسلين، وقصصَ الأقوام السابقين فحسبُ، ولكنه كتابُ هدايةٍ وتعليمٍ، يقصّ علينا قَصصَ الأنبياء والمرسلين وهُمْ قِمَمُ البشر، لنهتدي بدعوتهم، ونقتدي بسيرتهم، ويروي لنا أيضاً قصصَ الأممِ السابقة الذين كذّبوا أنبياءَهم، وعاندوا رسلَهم، واعتدوا على بني جلدتهم، فاستحقُّوا غضبَ الله، فأهلكهم الله بذنوبهم، وذاقوا وبالَ أمرهم، لنجتنّب أسبابَ هلاكهم ودمارهم.
 ماذا يعلِّمنا الإسراءُ والمعراجُ أيضاً ؟ إنّه يعلِّمنا أنَّ للمحنِ والمصائبِ حِكَماً جليلةً، منها أنّها تَسُوقُ أصحابها إلى بابِ الله تعالى، وتُلبِسُهم رداءَ العبودية، وتلجئُهم إلى طلبِ العونِ مِنَ الله، إنّها تعلِّمنا أنه لا ينبغي أنْ تصدَّنا المحنُ والعقباتُ عن متابعةِ السيرِ في استقامة وثباتٍ، إنّها تعلِّمنا أنّه ما دام اللهُ هو الآمرَ فلا شكّ أنّه هو الضامنُ، والحافظ، والناصر، إنّها تعلِّمنا أنه لولا الجهادُ والصبرُ ما عُبِدَ اللهُ في الأرض، ولا انتشرَ الإسلامُ في الخافقَيْن، إنها تعلّمنا أنّ اليسرَ مع العسر، وأنّ النصرَ مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، إنّها تعلّمنا أيضاً أنه لا يُعَدّ المسلمُ مسلماً إلا إذا انْتَمى إلى مجموعِ المسلمين، وحَمَلَ همومَهم، وساهمَ بشكلٍ أو بآخرَ في حلِّ مشكلاتهم.

أحاديث شريفة تبين ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون:

 عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))

[متفق عليه عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 وقال أيضاً:

 

(( المُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِهِمْ نَصَحَةٌ مُتَوَادُّونَ، وَإِنِ افْتَرَقَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ، وَالْفَجَرَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ غَشَشَةٌ مُتَخَاذِلُونَ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ ))

 

[الترغيب والترهيب للمنذري عن أنس]

 وعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

((إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ))

 

[متفق عليه عن أبي موسى]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ،وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ،وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ،يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ،وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ،لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ ))

 

[أخرجه أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ أخوانا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ))

 

[أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وقال أيضاً:

 

(( إِنّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ، لاَ يُسَالِمُ الْمُؤْمِنُ دُونَ الْمُؤْمِنِ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ ))

 

[السيرة النبوية لابن هشام]

 هذهِ نقطةٌ مهمّةٌ جداً في قانون المسلمين الدوليّ:

 

((إِنّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ، لاَ يُسَالِمُ الْمُؤْمِنُ دُونَ الْمُؤْمِنِ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ))

فلا يحقُّ لفئةٍ أنْ تصطلحَ مع عدوٍّ بشكلٍ انفراديّ، هذا وصفٌ دقيقٌ مِن قِبَلِ مَبعوثِ العنايةِ الإلهيةِ لِمَا عليه المؤمنون، أو لِمَا ينبغي أنْ يكونوا عليه في شتّى أقطارهم، وديارهم.

 

إنجاز اللهُ وعدَه للمؤمنين يومَ عبدوه حقَّ العبادة:

 أيها الأخوة المستمعون، أيتها الأخوات المستمعات، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) ﴾

( سورة النور)

 قال بعضهم: فإن لم يمكِّنهم فمعنى ذلك أنّ دينَهم لم يرتضِه لهم، قال عز وجل:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

  لقد أنجزَ اللهُ وعدَه للمؤمنين يومَ عبدوه حقَّ العبادة، فأطاعوه ولم يعصوه، وشكروه ولم يكفروه، وذكروه ولم ينسوه، فجعل الله منهم قادةً للأمم بعد أن كانوا رعاةً للغنم، ثم ما الذي كان بعد ذلك ؟ قال سبحانه وهو الحكيم العليم:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾

 

( سورة مريم )

بعض من دلائل نبوة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

1ـ وصف الغي الذي توعد الله به المقصرين وبيّن أسبابه:

 من دلائل نبوة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه وصفَ هذا الغيَّ الذي توعّدَ الله به المقصِّرين، وبَيَّن أسبابَه، وكأنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَنَا يرى ما نرى، ويسمع ما نسمع، فعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))

 

[أخرجه أبو داود عن ثوبان]

 هذا وصفٌ دقيقٌ للغَيِّ الذي تَوَعَّدَ اللهُ به المقصِّرين مِنَ المسلمين.

 

2ـ ذكر ما يصيب المسلمين في آخر الزمان من بأساء وضراء بسبب إعراضهم عن ربهم:

 مِن دلائلِ نبوَّتِهِ عليه الصلاة والسلام، ومِن خلال إعلام الله له أنّه ذَكَرَ ما يصيبُ المسلمين في آخر الزمان مِن بأساء وضراء بسبب إعراضهم عن ربهم وتقصيرهم في طاعتهم له، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

 

 

((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))

 

[رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر]

 إنها المعاصي والذنوبُ، والمجاهرةُ بالفواحش والعيوب، والتعرُّضُ لسخط جبّار السماوات والأرض، فإنه ما نَزَلَ بلاءٌ إلا بذنب، ولا رُفِعَ إلاّ بتوبةٍ، قال عز وجل:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 

( سورة الرعد الآية: 11 )

 وإنه ما حصل البلاء العام في بعض البلاد، ولا وقعت المصائب المتنوعة، والكوارث المروعة، ولا فَشَتِ الأمراضُ المستعصيةُ التي لم يَكُن لها ذِكْرٌ في ماضينا، ولا حُبِسَ القطرُ من السماء إلا نتيجةَ الإعراضِ عن طاعة الله عز وجل، وارتكابِ المعاصي والمجاهرةِ بالمنكرات، وكلَّما قَلَّ ماءُ الحياءِ قَلَّ ماءُ السماء.

أهمية المسجد الأقصى للمسلمين وما يتعرض له هذه الأيام:

 أيها السادة الأعزاء، اليوم يتعرَّض المسجدُ الأقصى موطنُ أبيكم إبراهيمَ، ومُتَعَبَّدُ الأنبياء السابقين، ومَسْرَى خاتمِ النبيين، المسجدُ الذي نَوَّهَ اللهُ به في الآيات المفصَّلة، وتُلِيَتْ فيه الكتبُ المنزَّلةُ، إنّه أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالثُ الحَرمَيْن الشريفين، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى))

[متفق عليه َعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

 إنّ المسجدَ الأقصى الذي بارك اللهُ حولَه ببركات الدين والدنيا، والذي أَضْحَى بالإسراء إليه والمعراج منه رمزاً للشخصيةِ المعنويةِ للمسلمين، هذا المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، ومسجد الصخرة الذي تمَّ منها معراجُ النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى سدرة المنتهى، حيث يتعرّض المسجدُ الأقصى اليومَ إلى محاولة تَهْوِيدِهِ، وجعلِ القدس عاصمةً أبديةً للكيان الصهيوني، وفي وصفِ القرآنِ الكريمِ المسجدَ الأقصى بالبركة إيماءٌ قويٌّ للعربِ حملةِ رسالة الإسلام، وإلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أنه مفروض عليهم، وقد بارك الله حوله أن يحفظوا له هذه البركة، ومتى اعتدي عليها فعليهم أنْ يصطلحوا مع الله أولاً، ويُعِدُّوا لعدوِّهم ما يستطيعون مِن قوةً ثانياً، كي يحرِّروه ويحرِّروا ما حوله من أيدي الغزاة المغتصبين، ويُحيُوا بتحريره سيرةَ فاتحيه ؛ عمرَ بنِ الخطاب، وصلاحِ الدين الأيوبي، ويومئذٍ يفرحُ المؤمنون بنصر الله.

القدس وما تتعرض له من أذى وتدمير:

 وأنتِ يا مدينةَ القدس إنَّكِ عَبَقُ التاريخِ الإسلاميِّ، إنكِ أريجُه الفَوَّاحُ، شَذَا الرسالات السماوية، أضاءَ أرجاءَك قبسُ الإيمانِ، وتبارك ثراك بمسرى سيدِ الأنام، تمتلئ قلوبُ المسلمينَ اليوم شجاً وحزناً، وتفيض الدموعُ أسىً وحسرةً، وهي ترى مئاتِ الحواجزِ تَحُولُ دونَها ودون الوصول إلى أُولَى القِبْلَتَيْن، وثالثِ الحرمين الشريفين، إلى مسرى نور الهداية، سيدِنا محمدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكم يَتُوقُ المسلمُ للصلاةِ في هذا المسجد الأقصى خشوعاً لله، لكنَّ المشهدَ مأساويٌّ، والمصابَ جَلَلٌ، فالقدسُ ما زالت أسيرةَ الصهيونيةِ الغادرةِ، ومازالت مهدَّدةً بالتهويد، وبطمسِ معالمها الإسلامية، بل والأدهى مِن ذلك أنّ الصهاينة خطَّطوا لهدم المسجد الأقصى، وكم تعرّض هذا المسجدُ لمحاولات الحرق والهدم، وكم هي خطيرةٌ تلك الأنفاقُ التي شقَّها الأعداءُ تحتَ المسجدِ فَعَرَتْ أُسُسَه، وعرّضتْها للخطر، كم هو خطيرٌ مخطَّطُ التهويد، هؤلاء المجرمون ماتَتْ في ضمائر قياداتهم، وضمائرِِ الذين انتخبوهم كلُّ القيمِ الإنسانيةِ، والأعرافِ الدولية، وداسوا على حقوقِ الإنسانِ بحوافرهم، وبَنَوْا مجدَهم على أنقاضِ الشعبِ الفلسطينيّ، وغناهم على إفقارهم، وقوَّتَهم على تدميرِ أسلحتهم وأبنيتهم، إنّهم يصفون المالِكَ الطريدَ المشرَّدَ للأرض إرهابياً لا حقَّ له، والمتمسِّكَ بدينِه القويمِ أصولياً، ويجعلون اللِّصَ الغالبَ على المقدسات ربَّ بيتٍ محترماً، يملكون الأرضَ لا بالإحياء الشرعي، ولكنْ بالإماتةِ الجماعيةِ والقهر النفسي.
 أيها الأخوة الأكارم، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخــطــبـة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الانتفاضة وإرهاب إسرائيل:

أخوتي المؤمنين، أعزائي المستمعين، الآن إلى الموضوع الساخن، موضوع الانتفاضة.
 أيها الأخوة الكرام، يتحدّث أعداؤُنا الصهاينةُ عن الإرهاب، ولاسيما في هذه الأيام حيث واتَتْهم الظروف، ونحن نقول لهم: إنه مولودٌ خرجَ مِن رَحِمِ الغطرسة والظلم والاستخفافِ بكرامةِ الشعب الفلسطيني، وثمرةٌ مُرَّةٌ لشجرةٍ غَرَسَهَا الأقوياءُ المستكبرون في نفوس المقهورين.
 لقد دخلتْ الانتفاضةُ الفلسطينيةُ عامَها الثاني مخلِّفةً أكثرَ مِن ثلاثينَ ألفَ جريحٍ، وثلاثة آلاف مُعَوَّق، وسبعمئة قتيل، نسأل الله أنْ يتقبّل عملَهم، وأنْ يحشرَهم مع الشهداء والصالحين. ومنذ عام وزيادةً والمجزرةُ مستمرةٌ في فلسطين، يصل إلى اليهودِ الدعمُ غيرُ المحدود، ويصل إلى الفلسطينيين النصحُ بضبطِ النفْسِ، فَمَن ينسى مشاهدَ الذبحِ في صبرا وَ شاتيلا وقانا، والتي تَسْتَمْطِرُ دموعَ الصَّخرِ، فلماذا لم تَحْظَ تلك المآسي بحظّها الحقيقيّ مِنَ الاهتمام كغيرها ؟
 تعلِّمنا الأحداثُ التي نشهدها كلَّ يوم في الأرض المحتلة أنّ القوةَ البشريةَ مهما عَظُمَتْ فهي محدودة، وأنّ العلمَ مهما اتَّسع فهو قاصر، وأنّ الإنسانَ المتألِّي مصيره القصم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ))

[رواه أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وفي رواية مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ))

 

[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ]

 إنَّ اعتمادَ القوةِ وحدَها، والحلولَ الأمنيةَ وحدَها لا يحقِّق الهدفَ ما لم يكن مصحوباً بدرجة عاليةٍ من الاستماعِ الجيِّدِ إلى الطرَف الآخر، وتَفَهُّمٍ دقيقٍ للرأي الآخر، ومراعاةِ مصالحه وخصوصياته، وتوفيرِ كرامته، وما لم تحلَّ مشكلات المظلومين والمضطهدين في العالَم، فإنّ المشكلة تبقى قائمة، بل وربما تفاقمتْ، فالقوّةُ لا تصنع الحقَّ، ولكنَّ الحقَّ يصنعُ القوةَ، والقوةُ مِن دون حكمةٍ تدمِّر صاحبَها، قال تعالى:

 

﴿ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ (2) ﴾

 

(سورة الحشر)

 عدد الذين يغادرون الأرض المحتلة خوفاً وهلعاً عائدين من حيث أتوا لا يصدق، يزيد على المليون.

تحديد مفهوم الإرهاب:

 أيها الأخوة المؤمنون، لو حددَّنا مفهومَ الإرهابِ فلا يُؤخَذ المقاوِمُ بالمجرم، ولا الصالحُ بالطالح، ولا المُحِقُّ بالمُبْطِلِ، ولا يُؤْخَذُ العملُ المشروعُ بالعملِ المحظور ؟!
 ولو حددَّنا مفهومَ الإرهابِ عندئذ تستفيدُ الشعوبُ المظلومةُ مِن هذا التحديد، حيث يصبحُ كلُّ ما هو خارجاً عن إطارِ مفهومِ الإرهابِ المتَّفَقِ عليه لا يُدرَجُ اسمُه، ولا يُلاحَق على أنه مِنَ الإرهابيين.
 ولو حددَّنا مفهومَ الإرهابِ لانتعشتْ حركاتُ التحرُّر في العالَم وما أكثرَها، في جهادها ونضالها للتحرُّرِ مِن هيمنةِ المستعمرِ، وطغيانه، واستعباده.
 ولو حددَّنا مفهومَ الإرهابِ، واتُّفِق عليه بين الطرفين المتنازِعَيْن لامتنع القويُّ أنْ يمارِسَ الإرهابَ على أوسعِ نطاقٍ باسم محاربةِ الإرهابِ ! فأعداؤُنا الصهاينةُ لو فَعَلُوا، وحدَّدوا طبيعةَ الإرهابِ الذي ينبغي أنْ يُدَانَ ويُحارَب لأدَانوا أفعالَهم، وحاربوا أنفسهم بأنفسهم.
 فنحن نتحدَّى أعداءَنا الصهاينةَ أنْ يُخرِجوا لنا تعريفاً للإرهاب، مِن دون أنْ يكونـوا هم أوِّلَ المتلبِّسين به قَبلَ غيرهم، ومِن دون أنْ يكونوا قد اقترفوه، ومارسوه في أقبحِ صُورِه وأشكاله قبل غيرهم.
 إنّ تحديدَ مفهومِ الإرهابِ يُظهِر جهادَ ومقاومةَ الشعب الفلسطيني ضدَّ الصهاينةِ المعتدين على أنه جهادٌّ مشروعٌ، لا يندرِجُ تحت مفهومِ الإرهابِ الممنوعِ. لأجل ذلك هُم لا يريدون تحديدَ مفهومِ الإرهابِ الذي ينبغي أنْ يُحارَبَ، ليبقى ما هو محرّمٌ على غيرهم مباحاً لهم، وليبقى  شعارُ محاربةِ الإرهاب شعاراً مَطَّاطاً يمكِّن الصهاينةَ مِنَ العدوان على الفلسطينيين كلما لاحتْ لهم أهمِّيةَ ذلك بالنسبة لأَمْنِهِم ومصالحهم الذاتية.
 إنّ على الذين يتصدون لما يسمونه إرهاباً أن يسألوا أنفسهم لماذا يقدم هؤلاء الشبان على الموت ؟ وسيجدُ هؤلاءِ الصهاينةُ أنفسَهم بحاجة إلى وِقفةٍ شجاعة تخلِّصهم مِن مسلسلِ الذُّعْر المنتظر، ومسلسل عداوات المقهورين.

الظلم ونتائجه:

 إن نتائجَ الظلمِ لا يمكنُ ضبطُ حساباتها، ولا تقديرُ ردودِ أفعالها، وذلك أنّ ردودَ فعلِ المقهورين والمظلومين كشظايا القنابل تطيشُ في كلّ اتّجاهٍ، وتصيبُ مِن غيرِ تصويبٍ.
 إنّ ردودَ أفعالِ المظلومين والموتورين لا يمكنُ التحكُّمُ في مداها ولا اتجاهها، وإنها تطيشُ متجاوزةً حدودَ المشروع والمعقول، مخترقةً شرائعَ الأديان، وقوانينَ الأوطان، وتَكفُرُ أوّلَ ما تكفر بهذه القوانين التي لم توفِّرْ لها الحماية أولاً ؛ فلذا لنْ تقبَلَها حاميةً لأعدائها، فإنّ العلاجَ الأوّلَ والحقيقيَّ هو نزعُ فَتِيلِ الظلمِ الذي يشحَنُ النفوسَ بالكراهيةِ والمَقْتِ، ويعمي البصائرَ والأبصارَ عن تدبُّرِ عواقبِ الأمور، والنظرِ في مشروعيتها أو نتائجها.
 وإنّ أَحْرَصَ النّاسِ على حياةٍ، وهم الصهاينة، سيَظَلُّون في حيرةٍ عندما يتعاملون مع مَنْ يُلغِي حياتَه مِن حسابِ الأرباح، ويسجِّل نفسَه كأوّلِ رقم في قائمة الضحايا، إنّ أعظمَ ما يملكه القويُّ أن ينهيَ حياةَ الضعيف، فإذا أراد الضعيفُ أن يقدِّمَ أَثْمَنَ ما يملك، وهي حياتُه لِزَلْزَلَةِ كيانِ القوِيِّ صارَ هذا الضعيفُ أقوى منه، وقد قيل: بدأتِ الحربُ بالإنسان، ثم أصبحتْ بَيِن آلتين، ثم بين عقلين، ثم انتهتْ بالإنسان.
 إنّ الحديثَ عنِ القوةِ النابعةِ مِنَ الضَّعفِ ليس دعوةً إلى الرضى بالضَّعفِ، أو السكوتِ عنه، بل هو دعوةٌ لاستشعارِ القوّةِ حتى في حالة الضَّعف، إذاً يجب أنْ نبحثَ في كل مظنَّةِ ضعفٍ عنْ سببِ قوةٍ كامنةٍ فيه، ولو أخلصَ المسلمون في طلبِ ذلك لوجدوه، ولصارَ الضَّعفُ قوةً، لأنّ الضعفَ ينطوي على قوةٍ مستورةٍ يؤيِّدُها اللهُ في حفظه ورعايته، فإذا قُوّةُ الضَّعفِ تَهُدُّ الجبالَ، وتَدُقُّ الحصونَ، قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً(4)﴾

(سورة الفتح)

 عندئذ ينتزِعُ المسلمون مِن هذا الضَّعفِ قوةً تُحيلُ قوةَ عدوِّهم ضعفاً، وينصُرهُم اللهُ نصراً مبيناً، قال تعالى:

 

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾

 

( سورة القصص )

التوازن هو أكثر ما نحتاج إليه في أمورٍ كثيرة من حياتنا:

 هذه الحقائقُ نضعُها بين أيدي أخواننا في الأراضي المحتلة.
 إننا نَعجبُ، ونحن نرى سَفَّاحي صبرا وَشاتيلا وقانا قد صاروا قادةَ دولٍ، مع أنّهم يحملون ميداليات ذهبية في الإرهاب ! ولماذا يختارُ إعلامُ الأعداءِ الإرهابَ الذي ينبغي أنْ يهتمّ به المقهورون ؟ والإرهابَ التي ينبغي أن ينْسوه ؟ وكأنّ الإرهابَ لا يكون إرهاباً إلا إذا كان في اتّجاه مُعَيَّنٍ.
 إنّ أعداءَنا الصهاينةَ وهم يطرحون شعاراتِ الحريّةِ والعدلِ وحقوقِ الإنسانِ وغيرها يمارسونها بصورةٍ انتقائيةٍ مصلحيةٍ، ولا يتعاملون معها كقيمة جوهرية حقيقية ثابتة إيماناً بها بل انتفاعاً منها، وأنّ مظاهرَ القوةِ لا تعني التَّناهِيَ ولا الإحاطة، ولكنَّ غرورَ البشر يجهل هذه الحقيقة، وتُسكِرُهُ نشوةُ القوة، فيقول:

﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً (15) ﴾

( سورة فصلت)

 أيها المسلمون في كل مكان، الحذرَ الحذرَ الشديدَ من الوقوع في فخاخِ تُنصَبُ لأبناءِ أُمَّتنا العربيةِ والإسلاميةِ، قد يوقعهم فيها ذهولُ الصدمةِ، أو ثورةُ الحماسِ، إنّ أكثرَ ما نحتاج إليه في أمورٍ كثيرة من حياتنا هو التوازنُ، والانطلاقُ من الثوابت الراسخة، مِن غير أنْ يُفْقِدَنَا التأثُّرُ بالأفعالِ وردودِ الأفعال الرؤيةَ الصحيحةَ، ولا نحتاج إلى كبيرِ عناءٍ لنكتشفَ أنّ كثيراً مِن خطايانا وأخطائنا كانت نتيجةَ جُنُوحٍ في النظرةِ بعيداً عنِ التوازنِ والاعتدالِ المطلوبِ.

ليست العبرة بِتَنْفَيسِ المشاعرِ وتفريغِ العواطفِ ولكنَّها بتحقيقِ المصالحِ ودَرْءِ المفَاسِدِ:

 إنّ للمشاعر حقَّها في أنْ تَغْلِيَ وتَفُورَ، أمّا الأفعالُ فلا بد أنْ تكونَ مضبوطةً بهديِ المنهجِ الربّانيِّ، ومقاصدِ الشرعِ وضوابطِ المصلحةِ، ولا يكون ذلك إلا بالرجوعِ إلى العلماء الربّانيين الورعين، الذين لا يجاملون مصالحَ الخاصّة، ولا يتملّقون عواطفَ العامة، وقد كان العلماءُ على تعاقُبِ العصورِ صمامَ أَمَانٍ عندما تطيش الآراءُ، وتضطربُ الأمور:

﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً (83) ﴾

( سورة النساء )

 لذا فإنَّ مِن أَعْظَمِ ما يوصَى به في مثلِ هذه الأحداثِ العامّةِ كَبْحَ جِمَاحِ الانفعالات حيث لا تنتج اجتهادات خاصة، ربما جنى بعضُها أوّلَ ما يجني على المسلمين ومصالحهم، وأنْ يكونَ عند المسلمين بخاصة برغم حرارة الانفعال وشدة التأثر تَبَصُّرٌ في معالجة الأمور، فينبغي ألاَّ يخرِجَنا التأثُّرُ إلى التَّهَوُّرِ، ولا الحماسُ إلى الطَّيْشِ، وإنّ الحماسَ طاقةٌ فاعلةٌ مُنْتِجَةٌ إذَا وُجِّهَتْ في الطريق الرشيد، وإنّ العبرةَ ليست بِتَنْفَيسِ المشاعرِ وتفريغِ العواطفِ، ولكنَّ العبرةَ بتحقيقِ المصالحِ ودَرْءِ المفَاسِدِ.
 هذا ما أشار إليه السيدُ الرئيسُ في الكلمةِ التي ألقاها في مجلس الشعب عَقِبَ أدائه القَسَمَ الدستوريَّ، قال فيها: " نحن بحاجةٍ ماسّةٍ إلى النقد البناء، ولكي نكونَ بنَّائين في نقدنا لا بد لنا أنْ نكونَ موضوعيين في تفكيرنا، والموضوعيةُ تتطَلَّبُ منا أنْ ننظُرَ إلى أيِّ موضوعٍ مِن أكثرَ من زاوية، وضِمْنَ أكثرَ مِن ظَرْفٍ، وبالتالي نُحَلِّلُهُ بأكثرَ مِن طريقةٍ، ونَصِلُ مِنْ ثَمَّ إلى أكثر من احتمالٍ، أو على الأقلِّ للاحتمال الأقرب إلى الصحة، أو الاحتمالِ الأفضلِ، وعندما نقول: نقد بناء، ورأي موضوعي، فهذا يعني بالضرورة النَّظَرَ بصورةٍ متكاملةٍ للقضايا حيث نرى الإيجابيات كما نرى السلبيات، وبذلك نتمكَّن مِن زيادةِ الإيجابيات على حساب السلبيات، وهذا هو جوهرُ أيِّ تطويرٍ، قال تعالى:

 

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 269 )

 هنا محلُّ الإشارة إلى أنّ بلدَنا الطيِّبَ سوريةَ قد انْتُخِبَتْ عضواً في مجلس الأمن بإجماعِ مئة وستين دولةً في هيئة الأمم، وهذا كسبٌ لبلدنا في هذه الظروف الصعبة، ولعلّ هذه العضويةَ تمكِّنُنا أنْ نسهم بشكلٍ أو بآخرَ في نقل الرأي الآخر لأعضائه الدائمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018