بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات فقهية متفرقة - الدرس : 57 - فضل العشر من ذي الحجة .


2000-03-05

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

فضل العشر من ذي الحجة :

 أيها الأخوة الكرام . . . نحن مُقْبِلون على عشرة أيام ، هي من أفضل أيام العمر ، إنها الأيام العشرة مِن ذي الحجة ، والنبي عليه الصلاة والسلام شهد لها بأنها أفضل أيام الدنيا على الإطلاق ، وحثَّ فيها على العمل الصالح ، وعلى بعض العبادات ، بل إن الله تعالى في بعض التفاسير أقسم بها :

﴿ وَالْفَجْرِ * ولَيَالٍ عَشْرٍ ﴾

[ سورة الفجر : 1-2]

 وهذا القسم وحده يكفي أن تكون هذه الأيام مِن أفضل أيام الدنيا في حياة المسلم ، إذ أن العظيم لا يُقْسِمُ إلا بعظيم . .

﴿ وَالْفَجْرِ * ولَيَالٍ عَشْرٍ ﴾

[ سورة الفجر : 1-2]

 هذا يستدعي مِن المسلم أن يجتهد في هذه الأيام العَشْر ، وأن يكثر من الأعمال الصالحة ، وأن يحسن استقبالها واغتنامها ، هذا محور هذا الدرس إن شاء الله تعالى ، وهو أنسب موضوعٍ لهذه الأيام العشر ، التي نحن مقبلون عليها .
 العلماء قالوا : بأي شيءٍ تستقبل هذه الأيام العشر ؟ تستقبل أولاً بالتوبة الصادقة ، والمؤمن كثير التوبة مع كل مَوْسم ، في كل مناسبة ، في مَطْلَع أي عبادة ، في قرب مجيء أي موسم يبدأ بالتوبة الصادقة ، لقوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾

[ سورة التحريم : 8 ]

 وفي آيةٍ أخرى :

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة النور : 31 ]

 وكما تعلمون التوبة علمٌ وحالٌ وعمل ، فكلما ازداد علمك ازدادت معرفتك بالذنوب ، كلما ازدادت معرفتك بالذنوب اشتدَّت حالات الألم لما بدر مِن ذنب ، العلم بالذنب والندم عليه يستدعيان الإقلاع عنه فوراً ، والعزيمة على ألا تقع به مستقبلاً ، وأن تُصَحِّح ما بدر منك في الماضي ، إقلاعٌ ، وعزيمةٌ ، وإصلاح ، وندمٌ ، وعلم .

كيفية استقبال هذه الأيام المباركة :

 سيأتي بعد قليل بعض الأحاديث الشريفة التي نوَّه بها النبي صلى الله عليه و سلم بفضل هذه الأيام العشر ، لابدَّ من أن يستقبل المسلم هذه الأيام بعزمٍ جادٍ على اغتنامها ؛ في إتقان عباداتها ، وفي الإكثار من العمل الصالح ، وفي أداء ما أقرَّه العلماء استنباطاً من السُنَّة الشريفة ، طبعاً الآية الكريمة :

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

[ سورة العنكبوت : 69 ]

 الشيء الثاني : البُعد عن المعاصي ، فقد يقول قائل : هذا الشيء ثابت في حياة المؤمن ؟ نقول : نعم . ولكن الذي هو مقصِّر في معصية ينبغي أن يبتعد عنها ، الذي تجول في خاطره ينبغي أن تُنْزَعَ منه ، الذي تركها ينبغي أن يثبت على تركها . دائماً عندنا قاعدة : إذا جاء الأمر للمجتهد أن اجتهد ، أي اثبت على اجتهادك . إذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام، أو إذا أُمر النبي عليه الصلاة والسلام :

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾

[ سورة الأحزاب : 1 ]

 هل معنى ذلك أنه ليس متقياً لله ؟ لا ، هو متقٍ لله ، فإذا الأمر للمتقي أن اتقِ، أي استمر واثبت على تقواك .
 أيها الأخوة . . . العلماء قالوا : كما أن الطاعات أسباب القُرب من الله تعالى ، كذلك المعاصي أسباب البُعد عن الله تعالى ، فبالنهاية ؛ طاعةٌ تقرب ، ومعصيةٌ تبعد ، عملٌ تقبل به وعملٌ تعرض به ، عملٌ يوصلك بالله ، وعملٌ يقطعك عن الله ، وفي النهاية المؤمن الصادق يتحرَّى كل عملٍ يوصله بالله ، ويبتعد عن كل عملٍ يقطعه عن الله ، الإنسان قد يحرم رحمة الله عزَّ وجل بسبب ذنبٍ ارتكبه ، فكل من أراد لقاء الله فعليه بالطاعة والعمل الصالح ، والآية الكريمة :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

 إذاً نستقبل هذه الأيام العشر بالتوبة .
 هناك سؤال : ما برنامج العبادات الذي ينبغي أن يكون مُطَبَّقاً على مدار العام ؟ لابدَّ مِن صلاة الفجر في وقتها ، ولابدَّ من تلاوة بعض القرآن ، ولابدَّ من التفكُّر في خَلق السموات والأرض ، ولابدَّ من الدعاء ، ذكرٌ ودعاء وتفكرٌ وتلاوةٌ وصلاة ، حصة يومية إما صباحاً أو مساءً ، إما قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها ، من آناء الليل أو في أطراف النهار ، لابدَّ من جلسةٍ تتصل من خلالها بالله عزَّ وجل ، فهذه ينبغي أن تكون في الأيام العشر واضحةٌ جداً ، فالطاعات أسباب القرب ، والمعاصي أسباب البُعد .

فضل الأيام العشر كما ورد في القرآن الكريم :

 الآن ، فضل هذه الأيام العشر كما ورد في القرآن الكريم ، الآية التي تشير إلى ذلك هي قوله تعالى :

﴿ وَالْفَجْرِ * ولَيَالٍ عَشْرٍ ﴾

[ سورة الفجر : 1-2]

 والليالي العشر في رأي بعض المفسرين هي الأيام العشر الأولى مِن ذي الحجة وهذا ما عليه جمهور المفسرين ، والسلف الصالح ، والخلَف الصالح .
 وهناك آية ثانية ، أيضاً أشار العلماء إلى أنها تعني الأيام العشر ، قال تعالى :

﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾

[ سورة الحج : 28 ]

 أيضاً جمهور العلماء على أن هذه الأيام المعلومات هي الأيام العشر الأولى مِن ذي الحجة ، هذه آيةٌ ثانية .
 والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ شريفٍ يقول :

(( أفضل أيام الدنيا أيام العشر- أي عشر من ذي الحجة - قيل : ولا مثلهن في سبيل الله ؟ ))

[البزار عن جابر ]

 لو أن هذه الأيام العشر يا رسول الله كانت في الجهاد ، في القتال ، في بذل الغالي والرخيص ، في بذل النفس والنفيس . فقال عليه الصلاة والسلام :

((ولا مثلهن في سبيل الله ؟ ))

[البزار عن جابر ]

 دققوا : النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى . .

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 4]

 وكلام النبي عليه الصلاة والسلام وحيٌ غير متلو ، وهو يقول :

(( أفضل أيام الدنيا أيام العشر - أي عشر من ذي الحجة - قيل : ولا مثلهن في سبيل الله ؟ قال : ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجلٌ عفَّر وجهه بالتراب ))

[البزار عن جابر ]

 أي استشهد ، وبذل روحه ونفسه في سبيل الله ، معنى ذلك الحُجَّاج في بؤرة النفحات الإلهية ، في المِحْرَق ، أما غير الحجاج فيحومون حول هذه البؤرة ، الحجّاج الصادقون في يوم عرفة و يوم عرفة هو أفضل أيام الدنيا على الإطلاق ؛ يوم المغفرة ، يوم العتْق من النار ، يوم قبول الله لعباده ، يوم إكرامهم ، يوم أن يعودوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم ، ما رئي في هذا اليوم الشيطان في حالةٍ يائسة كهذا اليوم ، لأن الله غفر لأهل الموقف ، وقبلهم ، وعفا عنهم ، ورضي عنهم ، ومَن وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له ، فلا حجَّ له ، هؤلاء في البؤرة ، في المِحْرَق ، أما غير الحُجَّاج فيجب أن يحوموا حول هذه البؤرة وحول هذا المحرق ، فكل إنسان لم يتح له أن يحج إلى بيت الله الحرام ، عليه أن يجعل مِن هذه الأيام العشر مُناسبةً للقرب من الله عزَّ وجل ، هناك عباداتٌ استثنائية ، وبإنفاقٍ استثنائي ، وبعلم وتعليمٍ استثنائي ، وبعملٍ صالحٍ استثنائي . مما يشير إلى فضل هذه الأيام العشر أن فيها يوم عرفة ، يوم الحجِّ الأكبر ، يوم مغفرة الذنوب ، يوم العتق مِن النار ، ولو لم يكن في العشر من ذي الحجة إلا يوم عرفة لكافاها ذلك فضلاً ، من هذه الأيام يوم عرفة .
 واللهِ أيها الأخوة ، لا يصح أن تقول مِن أعماق أعماق أعماق قلبك لإنسان : هنيئاً لك إلا إذا اصطلح مع الله ، إذا اشترى بيتاً ودعاك لزيارته ، ورأيت بيتاً رائعاً ، واسعاً ، جميلاً ، مُطِلاً ، فخماً ، مفخَّماً تقول له : هنيئاً لك على هذا البيت ، لكن هل يدوم له هذا البيت؟ لابدَّ من أن يخرج منه مرةً بشكلٍ أفقي ، كل واحدٍ منا لابدَّ من أن يخرج من بيته يوماً بشكلٍ أفقي ، لابدَّ من أن يخرج دون أن يعود .
 كل واحد منا ما دام في عمره بقية يخرج من البيت الساعة العاشرة أين فلان ؟ تأخر ، لم يخبرنا ، يقلق أهله عليه ، إلا الذي توفاه الله عزَّ وجل ، فإذا خرج مِن البيت ودفن ، لا أحد يسأل في السهرة عنه أنه تأخر ، انتهى الأمر ، لن يرجع ، ذهب ولن يعود .
فلو لم يكن في هذه الأيام العشر إلا يوم عرفة لكفاها فخراً ، والإنسان لا يمكن أن يقول لإنسانٍ آخر : هنيئاً لك إلا في حالةٍ واحدة إذا اصطلح مع الله ، أما في شراء بيت ، في نجاح تجارة ، في نيل شهادة ، في تسنُّم منصب ، هذه كلها زائلة ، أما في معرفة الله وطاعته والعمل الصالح فهذه باقية .

اجتماع أمهات العبادات في هذه الأيام :

 قيل : إن هذه الأيام فيها أيضاً يوم النحر ، وهو أفضل أيام السنة عند بعض العلماء وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( أعظم الأيام عند الله يوم النحر ))

[ رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن عبد الله بن قرط ]

 نحن بحياتنا رموز كثيرة ، العَلَم رمز ، العلم قماش أحمر وأسود وأخضر وأبيض مثلاً ، لو إنسان احتقر العلم يعاقب أشد العقاب ، يقول لك : هذا قماش . لا ، هذا ليس قماشاً هذا رمز للوطن ، فبحياة كل مجتمع مقدَّسات ، كذلك الإنسان في يوم النحر ، هو الحقيقة ينحر الأضحية ، لكنه ينحر شهواته المُحَرَّمة ، ينحر كل رغبةٍ في معصية ، مِن رموز يوم النحر أنك في هذا اليوم اصطلحت مع الله ، وفي هذا اليوم نحرت كل شهواتك التي لا ترضي الله عزَّ وجل، فيوم النحر أيضاً من أيام عشر ذي الحجة .
وقال بعض العلماء ، وهو الحافظ بن حجر في - فتح الباري في شرح صحيح البخاري - : إن سبب امتياز هذه الأيام أن فيها اجتماع أمهات العبادات ؛ فيها الصلاة ، والصيام ، والصدقة ، والحج ، ولا يتأتّى ذلك في غير هذه الأيام .

 

الأيام العشر من ذي الحجة مِن أفضل ايام الدنيا بالنسبة إلى المسلم :

 أيها الأخوة . . . أنتم مُقْدِمون على عشرة أيام ، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما ، قال : قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما مِن أيامٍ العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله تعالى من هذه الأيام . قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ))

[ البخاري عن ابن عباس ]

 أي بذل حياته في سبيل الله . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له الأعمال ، فقال :

(( ما مِن أيامٍ العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله تعالى من هذه الأيام . قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله ـ هذا كلام النبي ـ إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ))

[ البخاري عن ابن عباس ]

 أي يقتل في سبيل الله .
 إذاً في القرآن آيات ثلاثة ، وفي السنة عدة أحاديث ، وفي أقوال العلماء في شرح الأحاديث ، يتضح أن هذه الأيام مِن أفضل ايام الدنيا بالنسبة إلى المسلم .

 

الأعمال المستحبة في هذه الأيام :

1 ـ أداء مناسك الحج و العمرة :

 ما هي الأعمال المستحبة في هذه الأيام ؟ بالمناسبة في الأيام العادية ؛ يوم الجمعة له خصوصية ، فيه ساعة استجابة ، أيام رمضان لها خصوصية ، أيام الحج لها خصوصية ، وقت السَحَر له خصوصية ، كأن الله عزَّ وجل أراد أن تكون هذه الأيام مناسبات خاصة :

(( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))

[مسلم عَنْ َأَبِي هُرَيْرَةَ "]

 وقت السحر له روحانية خاصة .

((لو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 وقت السحر له خصوصية ، ويوم الجمعة له خصوصية ، فيه ساعة استجابة ، العشر من ذي الحجة لها خصوصية ، أيام رمضان لها خصوصية ، هذه خصوصيات الزمان ، أما خصوصيات المكان فالمسجد له خصوصية ، بيت الله الحرام له خصوصية .
 قال العلماء : يُفَضذَل أن يكثر المسلم من أوجه الخير ، وأنواع الطاعة ، هكذا كان السلف الصالح يفعل في هذه المواسم ، فقال بعض العلماء : كان السلف الصالح يعظِّمون ثلاث عشرات ؛ العشر الأخير من رمضان ، والعشر الأول من ذي الحجة ، والعشر الأول من محرَّم . أعظم الأعمال في هذه الأيام العشر أداء مناسك الحج والعمرة . .

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾

[ سورة آل عمران : 97 ]

 خالق الكون يدعوك لزيارته ، والعظيم إذا دعاك بماذا يكرمك ؟ إذا كان البيت بيت الله العادي . . من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ، ثم أتى المسجد فهو زائر الله وحق على المزور أن يكرم الزائر . فكيف إذا زرته في بيته الحرام ؟ أو في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ؟ إذاً أفضل الأعمال أداء مناسك الحج والعمرة .

 

قواعد الحج :

 لكن بالمناسبة ، الحج له قواعد ، الحج على المستطيع ، الشيء الذي يُحَيِّرني والله أيها الأخوة أن أناساً كثيرين يريد أن يقترض ليحجَّ بيت الله الحرام ، أتعلِّمون الله بدينكم ؟ فإذا الله عزَّ وجل ما فرضه إلا على المستطيع أيعقل أن تقترض مالاً مِن أجل أن تحج ؟ اليوم قال لي أخ : فلان عليه مئة ألف ليرة ، وصاحب هذا الدين في أمسّ الحاجة إليه ، وهو يريد أن يقترض ليحج هذا العام ، واللهِ شيء عجيب ، عليه مئة ألف ، وصاحب هذا الدين في أمسِّ الحاجة إليه ، ويريد أن يقترض هذا العام ليحج بيت الله الحرام ؟ قلت : والله أعلم ، هذا حج السمعة والرياء لا حج العبادة ، لأنك إذا أردت أن تعبده ينبغي أن تعبده وفق منهجه ، درء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع ، أن تعطي صاحب الدين دينه مقدمٌ عن أن تقول : هذه الحجة الخامسة عشرة . وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

[ متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 إذا السلطان لم يسمح لك ، كل أمة لها سلطان ، هناك تنظيمات ، السلطان ما سمح لك فنرشيه ، يجب أن نذهب بالرشوة ، أيعقل أن تبدأ أعظم عبادةٍ بمعصية ؟ أيعقل هذا ؟ أيعقل أن تبدأ هذه العبادة بتصريحٍ كاذب ؟ هكذا .
 الحج المبرور هو الحج الموافق لهدي النبي عليه الصلاة والسلام ، فقد حدثني أخ فقال لي : هناك طريقة في الحج رائعة جداً . فقلت : تفضل ما هي ؟ فقال لي : نصلي العصر في جدة . في أي يوم ؟ قال : يوم عرفة نصلي العصر في جدة ، قلت له : أكمل ، قال : الطريق إلى مكة فارغ ، والله شيء جميل ، ندخل بيت الله الحرام ونطوف مع عشرة أشخاص فقط ، لا يوجد أحد ، ربع ساعة ، حول الكعبة تماماً ، والسعي نصف ساعة ، وعلى عرفات ، نصل إلى عرفات آخر سيارة ، والطريق سالك فارغ ، الآن نستقر بها عشر دقائق إلى أن تغيب الشمس ، الطريق كذلك سالك ، قلت له : أكمل لأرى ، قال لي : نصل فنرمي الجمرة الكبرى ونطوف طواف الإفاضة تقريباً الساعة الثامنة أو التاسعة مساءً ، فلا أحد هناك ، ونوكِّل برمي الجمار بالأيام الباقية - الثاني والثالث والرابع - قلت له : هذا وضعه مثل إنسان دُعي إلى وليمة ثمينة جداً ، وفي الوليمة دفتر حضور ، إذا وضع " ميم ، أي موجود " ثم رجع ولم يأكل شيئاً وضع " ميم " أنه موجود ولكنه لم يأكل ، لذلك أفضل أعمال هذه الأيام العشر أداء مناسك الحج والعمرة .
 الحج المبرور . .

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

[ متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 هو الحج الذي لم يخالطه إثمٌ مِن رياءٍ ، أو سمعةٍ ، أو رفثٍ ، أو فسوقٍ ، بل رافقته الأعمال الصالحة .

 

2 ـ الصيام :

 من هذه الأعمال الصالحة في هذه الأيام الصيام ، فإذا كان جسم الإنسان يتحمل ، عمله مريح ، متقاعد ، والصيام لا يتعبه ، إذا صام هذه الأيام أفضل ، ولكن بشرط ألا ينكر الصائم على غير الصائم ، وألا يأخذ عليه مأخذاً ، الصحابة كانوا في أعلى درجة مِن الأدب ، الآن إذا إنسان صام يوم نفل يطبِّل الدنيا بسببه ، فيقول : ألستم صائمين ؟ ! مثلاً صام يوم عاشوراء لا يبقي واحداً إلا ويقول له : ألم تصم ؟ اليوم هذا يوم فضيل . فإذا كنت صائماً فاسكت ولا تحرج الناس .
 على كل الصحابة الكرام في أعلى درجة من الأدب ، ففي بعض الغزوات بعضهم صام وبعضهم أفطر ، بعضهم أخذ بالعزيمة ، وبعضهم أخذ بالرُخصة ، فلا الذي صام أنكر على المفطر ، ولا الذي أفطر أنكر على الصائم ، وهذا هو الأدب . فقد نجد إنساناً جسمه يتحمل الصوم ، متقاعد ، لا يوجد عنده شيء ، والنهار قصير ، صام هذه الأيام العشر ، و هناك إنسان عنده عمل شاق إذا صام تعطَّل عمله ، لم يتمكن أن يكمل إنجازاته فصام يوم عرفة فقط ، أنا بشكل مُلَطَّف : الذي عنده إمكان أن يصوم هذه الأيام كلها الأَوْلى أن يصومها ، والذي لا يوجد عنده إمكان فلا يصم ، بشرط ألا يأخذ الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام لحكمةٍ رائعةٍ رائعة في بعض الغزوات أناسٌ صاموا وأناسٌ أفطروا ، اشتدَّ الحر ، فالمفطرون ذبحوا الذبائح ، وطبخوا الطعام ، ونصبوا الخيام ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( ذهب المفطرون اليوم بالأجر ))

[ مسلم عن أنس ]

 المفطرون ، فإذا إنسان فرضاً عنده بيوم برنامج عمل كثيف جداً ، ممكن أن ينجز خمسين إنجازاً ، وكلها أعمال صالحة ، فإذا كان الفطر أقوى له ينبغي أن يفطر ، أما إذا في مشقة بالغة جداً ، النبي أمسك كأس ماءٍ وأفطر أمام كل أصحابه ، فالذي لم يفطر هذا يعدُّ عند النبي الكريم عاصياً . فمرة رفع كأس ماءٍ وأفطر ، وبلغه أن بعضاً لم يفطر ، فقال :

((أولئك العصاة ))

[ الموطأ عن جابر ]

 هذه مزاودة على النبي .

((أولئك العصاة ))

[ الموطأ عن جابر ]

 لست أشد ورعاً منه ، ولست أحرص على صلتي بالله منه ، إذاً العمل المفضَّل في هذه الأيام من دون مشقة ، ومن دون أن تنبس ببنت شفه ، صم واسكت ، قال لي أخ كريم عافاه الله : أنه علَّم أولاده أي أكلة كل واشكر ، زيتون كل واشكر ، أي أكلة مهما كانت خشنة كل واشكر ، مرة طبخنا طبخة لم يحبها الأولاد ، تململوا قليلاً ، فقال لهم : كل واسكت .
 تريد أن تصوم فصم واسكت ، تعمل مزاودات تحرج الناس ، تعلق تعليقات ، تستفهم. لقول الله عزَّ وجل في الحديث القدسي :

(( كل عمل ابن أدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 العمل الأول إذاً : أداء مناسك الحج والعمرة لمن أكرمهم الله بالحج والعمرة .
 العمل الثاني هو الصيام لمن قدر عليه ، أما صيام عرفة لغير الحجَّاج فهو سنة مؤكدة ، يوم ليس فيه مشكلة أبداً . فقال عليه الصلاة والسلام :

(( صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده))

[مسلم عنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ]

 الإمام النووي استحب أن تصام هذه الأيام استحباباً شديداً .

3 ـ الصلاة :

 العمل الثالث في هذه الأيام : الصلاة ، وهي من أَجَلِّ الأعمال وأعظمها وأكثرها فضلاً ، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه :

(( ما يزال عبدي يتقرَّب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

4 ـ التكبير و التهليل و التحميد و الذكر :

 قيل : ويستحب أيضاً التكبير ، والتحميد ، والتهليل ، والذكر في هذه الأيام .
 وذكرت لكم في مناسبةٍ سابقة أن الذكر واسع جداً ، فهذا الدرس ذكر ، هذا المجلس ذكر ، يتوهم الناس معنى مجلس ذكر أن فيه حضرة ، لا ، لا ، إذا حدثت الناس عن الله عزّ وجل ، عرفتهم بأسمائه ، بصفاته ، بكمال الأنبياء ، بشرح القرآن ، بشرح السُنَّة ، بمواقف الصحابة الكرام هذا من الذكر ، هذا ذكر دَعَوِي ، وهناك ذكر تَعْرِيفي ، و ذكر فقهي ، و ذكر تَعَبُّدي ، كل نشاطٍ يقرِّبك من الله فهو ذكر ، في هذه الأيام يستحب أن يكثر الإنسان من ذكر الله .
 عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( ما من أيامٍ أعظم عند الله ولا أحبُّ إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ))

[أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما]

 مع الأسف الشديد إذا الإنسان غضب من إنسان يقول له : لا إله إلا الله ، متى يوحِّد ؟ عند الغضب فقط ، وإذا صارت مشادة لدرجة خطيرة يقول له : صلِّ على النبي ، فالصلاة على النبي والتوحيد بمناسبات شاذَّة ، أما الأصل فأن تكثر من التوحيد ، ومن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ، والإمام البخاري يروي :

((أن ابن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهما كانا يخرجان إلى الأسواق في الأيام العشر يكبِّران ويكبِّر الناس بتكبيرهما ، ويكبُّر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً ))

[البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما]

 وكان ابن عمر يكبِّر بمنى في تلك الأيام ، وخلف الصلوات ، وعلى فراشه ، وفي مجلسه ، وفي مَمْشاه في تلك الأيام جميعاً . إذاً يستحب أن نكثر من التكبير ، والتهليل ، والذكر ، في هذه الأيام .
 لكن بصراحةٍ مؤلمة هناك كلمات عند المسلمين فُرِّغَت من مضمونها ليس لها معنىً فالذي يطيع مخلوقاً ويعصي خالقاً ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، والذي يغشُّ المسلمين ، وكبَّر في هذه الأيام ، ما كبر ولا مرة ولو رددها ألف مرة ، لأنه رأى أن هذا الربح الوفير مِن هذا الغش أكبر عنده من طاعة الله ، والذي يطيع زوجته ويعصي ربه ما قالها ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، فكلمة الله أكبر كلمة الإسلام الأولى ، ومع ذلك تردد كثيراً دون أن نفقه إلى مضمونها ، أي أكبر من كل كبير ، أكبر من كل مغنم دنيوي ، بالحرب الله أكبر ، أي أكبر من كل عدو ، الإنسان مع ضعف إيمانه يكبر عدوه عليه ، فيقول : عنده صواريخ ، عنده سلاح نووي ، عنده أقمار صناعية ، عنده طائرات شبح ، نحن ضعاف ، فهذا ما رأى أن الله أكبر منه ، رآه كبيراً ولم يكن إيمانه قوياً ، فرأى هذه الجهة قويةً ونسي الله عزَّ وجل .

5 ـ الصدقة :

 يستحب في هذه الأيام العشر الصدقة ، وهي من جُمْلَة الأعمال الصالحة التي يستحب للمسلم الإكثار منها في هذه الأيام ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

[ سورة البقرة : 254]

 و :

(( ما نقص مال من صدقة ))

[مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

6 ـ القيام بالأعمال الصالحة :

 نذكر قوائم من الأعمال الصالحة ؛ قراءة القرآن ، تعلّم القرآن ، تعليم القرآن ، برُّ الوالدين ، الاستغفار ، صلة الأرحام والاقارب ، إفشاء السلام ، إطعام الطعام ، الإصلاح بين الناس ، الأمر بالمعروف ، النهي عن المنكر ، حفظ اللسان ، حفظ الفرج ، الإحسان إلى الجيران ، إكرام الضيف ، الإنفاق في سبيل الله ، أن تميط الأذى عن الطريق ، النفقة على الزوجة والعيال ، كفالة الأيتام ، زيارة المرضى ، قضاء حوائج المسلمين ، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، عدم إيذاء المسلمين ، الرفق بالرعيّة ، صلة أصدقاء الوالدين ، الدعاء للإخوة بظهر الغيب ، أداء الأمانات ، الوفاء بالعهد ، البرُّ بالخالة والخال ، إغاثة الملهوف، غضّ البصر ، إسباغ الوضوء ، الدعاء بين الأذان والإقامة ، قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، الذهاب إلى المساجد ، المحافظة على صلاة الجماعة ، المحافظة على السُنَنِ الراتبة ، الحرص على صلاة العيد ، ذِكْر الله عقب الصلوات ، الحرص على الكَسْب الحلال ، إدخال السرور على المسلمين .
 الآن من أين يوجعك ؟ تجد شخصاً همه إيذاء الناس ، يتلذذ بإيذاء الناس ، بإخافتهم ، أما المسلم فعمله الأول إدخال السرور على المسلمين ، الشفقة بالضعفاء والمساكين ، اصطناع المعروف ، الدلالة على الخير ، سلامة الصدر ، ترك الشحناء ، تعليم الأولاد والبنات، التعاون على البر والتقوى ، هذه قوائم من الأعمال الصالحة في هذه الأيام .
 أيها الأخوة الكرام . . . هذه الأيام العشر من أفضل أيام الدنيا ، فإذا كان حُجَّاج البيت الحرام الآن حول الكعبة يطوفون ، وعند النبي يزورون ، فنحن أقل شيء علينا أن نكثر من الصيام ، والصلاة ، والصدقة ، والعمل الصالح في هذه الأيام العشر ، فلعل الله سبحانه وتعالى يتجلّى علينا بنفحةٍ من عنده .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018