بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات فقهية متفرقة - الدرس : 41 - الوكالة .


1992-10-25

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

معرفة الأمر والنهي لا تنشأ قبل معرفة الله :

 أيها الأخوة الأكارم : من حين لآخر أشعر أن موضوع من موضوعات الفقه نحن في أشد الحاجة إليه ، فإذا كان هذا اليوم مخصصاً للنبي عليه الصلاة والسلام ، لحديثه الشريف ولسنته الفعلية فلا يمنع هذا أن يكون هذا اليوم مخصصاً للأحكام الشرعية المستنبطة من أقواله وأفعاله وإقراره .
 موضوع اليوم الوكالة ، والوكالة باب من أبواب الفقه ، والإنسان غير الفقيه قد يوكل فيهلك بهذه الوكالة ، فالإنسان قبل أن يوقع وكالةً عامةً أو خاصةً قابلة للعزل أو غير قابلةٍ للعزل أو قبل أن يوكل عليه أن يعلم أحكام الفقه .
الشيء الآخر الذي أريد أن أنوه إليه هو أن الإنسان حينما يتعرف إلى الله عز وجل تنشأ عنده حالة ملحة لمعرفة أمره ونهيه ، معرفة الأمر والنهي لا تنشأ قبل معرفة الله ، قبل أن تعرفهم بالله عز وجل تهربوا ، واحتالوا ، وتفادوا أن يطبقوا أمر الله ، لذلك الوقت المناسب لمعرفة أمر الله بعد أن تعرف الله عز وجل ، ترى المؤمن الذي عرف عظمة الله عز وجل متحرقاً لمعرفة الحكم الفقهية ، الأمر الإلهي ، والنهي الإلهي ، حكم الشرع في هذا ، لذلك تتلقى أسئلةً كثيرةً وملحةً من مؤمن أراد أن يطيع الله عز وجل ، أراد أن يتقرب إليه ، أراد أن يمشي على منهجه ، أراد أن يطبق أمره ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام بقي مع أصحابه أعواماً كثيرة تزيد عن ثلاثة عشر عاماً في مكة وهو يرسخ الإيمان في قلوبهم من خلال الكون ، من خلال يوم القيامة ، من خلال الأحداث السالفة ، لكن في المدينة نشأت حاجة إلى التشريع .
 فنحن دائماً نحب أن نجمع بين ترسيخ العقيدة وترسيخ الإيمان وبين تبيان شرع الله عز وجل ، فلا يوجد أبشع من مؤمن يقع في أخطاء فاحشة في تعاملاته ، هذا الخطأ الفادح سببه الجهل لا سببه رغبة المعصيةِ هو مؤمن ، إذا عرف الحكم عليه أن ينطلق إلى الله عز وجل .

الوكالة :

 موضوع الوكالة أيها الأخوة موضوع حيوي ، موضوع متكرر ، والإنسان يحتاج في حياته إلى أن يكون وكيلاً أو موكلاً ، قبل أن توقع ، قبل أن توكِّل ، قبل أن توكَّل يجب أن تعرف ما الوكالة ؟ وما حكم الشرع فيها ؟
 أولاً : معناها في الأصل التفويض ، وكلته أي فوضته ، وكلت أمري إلى الله أي فوضت أمري إلى الله ، قال تعالى :

﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾

[ سورة غافر : 44]

 معناها الثاني الحفظ ، إذ قال الله عز وجل :

﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾

[ سورة آل عمران : 173]

 نعم الحفيظ ، فالوكيل هو المفوض ، والوكيل هو الحفيظ ، هذا المعنى القرآني ، لكن المعنى الفقهي للوكالة أن ينيب الإنسان غيره في أمر يقبل النيابة ، حينما نقول في أمر يقبل النيابة معنى هذا أن هناك أمراً لا يقبل النيابة ، رجل عمل وكالة لصديق قوي جداً في اللغة الإنكليزية ، فقال له : أنت وكيلي في أداء الامتحان ، هذا الامتحان لا يؤدى إلا من قبلك بالذات ، يوجد أشياء بالأصل لا تقبل الوكالة ، العبادات لا تقبل الوكالة ، الصلاة لا يوجد إنسان يصلي عن إنسان ، لكن بالحج يقبل حج البدل لمن لم يتمكن أن يحج وأوصى بحجة البدل ، كما يقبل للحاج أن يوكل إذا كان ضعيفاً أو مريضاً من يرمي عنه ، الزكاة تقبل أن توكل أحداً أن يدفعها عنك وليس من أصل ماله بل تعطيه مال الزكاة لخبرته ، لمعارفه ، لاتصالاته ، يوجد أشياء تقبل الوكالة ويوجد أشياء لا تقبل الوكالة إطلاقاً .
 بعد قليل إن شاء الله تعالى سنأتي على الموضوعات التي تقبلها الوكالة والموضوعات التي ترفضها الوكالة ، الوكالة مشروعة في الإسلام لماذا ؟ لأن الحاجة تشتد إليها، ولماذا إذا كانت حاجة الناس في هذا الموضوع ترى أن الشرع سمح به ؟ قال : لأن الشريعة مبنية على تحقيق المصالح ، الشريعة عدل كلها ، والشريعة رحمة كلها ، والشريعة مصالح كلها ، فكل أمر أو قضية خرجت من الرحمة إلى خلافها ، أو من المصلحة إلى المفسدة ، أو من العدل إلى الجور ، فهذه القضية ليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل .
 يجب أن تؤمن أن شريعتنا السمحاء عدل كلها ، رحمة كلها ، مصالح كلها ، القضية الجائرة ليست من الشريعة ، القضية الفاسدة ليست من الشريعة ، القسوة ليست من الشريعة ، لأن الناس في أشد الحاجة إلى الوكالة كانت الوكالة مشروعةً في ديننا ، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف : 19]

 هذا الذي بعثوه ليشتري لهم طعاماً هو وكيلهم في شراء الطعام ، سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أتم الصلاة خاطب الملك وقال ، قال تعالى :

﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة يوسف : 55]

 أي اجعلني وكيلاً على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ، والأحاديث الشريفة التي تؤكد أن النبي عليه الصلاة والسلام وكّل كثيرة جداً ، من هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل أبا رافع ووكل رجلاً من الأنصار فزوجاه ميمونة ، وثبت عنه رضي الله عنه التوكيل في قضاء الدين ، وكل صحابيين في الزواج ، ووكل أصحابه في أداء الدين ، والتوكيل في إثبات الحدود ، والديون ، والأعيان ، واستيفائها ثابت في الشرع الحنيف ، وقد أجمع المسلمون في كل العصور على جواز الوكالة .

الوكالة رحمة :

 أيها الأخوة : الوكالة رحمة ، هناك حالات صعبة جداً ، الآن تنزل إلى القصر العدلي فتوكل إنساناً بمحضر رسمي ، وتوقع أمام كاتب العدل ، فإذا هو وكيلك ، لكن هذه الوكالة أنواع أتمنى على كل أخ كريم أن يحذر ، الوكالة العامة أخطر شيء ، يمكن لهذا الوكيل أن يبيع لك كل أملاكك ، وكل بيوتك ، ويمكن أن يطلق منك امرأتك ، فقبل أن توقع وكالةً عامة احسب ألف حساب ، وادرس أمرك بعناية ، الحقيقة الوكالة تنضوي تحت قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة : 2]

 الوكالة فيها تعاون ، وقد قال المفسرون : البر صلاح الدنيا ، والتقوى صلاح الآخرة ، يوجد سفر ، مرض ، عجز ، طفل صغير ، كيف يدير أمواله ؟ إما أن السن أقل مما ينبغي أو أكبر مما ينبغي ، أو أن هناك سفراً ، أو أن هناك مشكلة ، عجز ، على كلّ الوكالة رحمة شرعت في شرعنا الحنيف .

الوكالة نيابة أو ولاية حسب الحالة :

 السؤال : هل الوكالة نيابة أم ولاية ؟ ماذا يترتب على قولنا إنها نيابة ؟ وماذا يترتب على قولنا إنها ولاية ؟ إن قلنا إنها نيابة على الوكيل أن ينفذ تعليمات الموكل بحذافيرها دون زيادة أو نقص ، وإذا قلنا ولاية كيف أن ولي الأمر يفعل بحرية كبيرة بمصلحة هذا الذي تولى أمره ، الفقهاء اختلفوا هل الوكالة ولاية أم نيابة ، من بعض وجوهها هي نيابة ومن بعض وجوهها الأخرى هي ولاية ، قال لك : بع لي هذا الشيء بخمسين ، سعره في السوق سبعون ، هل تبيعه بخمسين ؟ أنا معي تعليمات لا أستطيع ، معي تعليمات مشددة أن أبيعه فقط بخمسين، يجب أن ترعى صالح الموكل ، ممكن أن تكون الوكالة من بعض الزوايا ولاية ومن بعض الزواية نيابة .

أركان الوكالة :

 أركان الوكالة ، وكيل وموكل وموكل فيه ، طبعاً الإيجاب والقبول وارد لكن الأمور بمقاصدها ، والعبرة في المقاصد والمعاني لا في الألفاظ والمباني ، كنت أضرب لكم مثلاً قديماً أنه : أنا أقول لك : اشتريت هذا الكتاب بلا ثمن ، هذا عقد هبة ، مع أن فيه كلمة اشتريت ، وإذا قلت : وهبتك هذا القرآن بألف ليرة ، لفظت كلمة وهبتك لكن بألف ليرة صار عقد بيع ، والعبرة في المقاصد والمعاني لا في الألفاظ والمباني ، فالوكالة تنعقد بأية كلمةٍ ، أو بأية إشارةٍ ، أو بأي سلوك دلّ عليها .
 الحقيقة الوكالة أنواع منوعة ، الوكالة - قبل أن نخوض في أنواعها - ليست عقداً ملزماً بل هي عقد جائز ، العقد الملزم لا يحق لأحد الطرفين أن يفسخه ، لكن العقد الجائز يحق لأحد الطرفين أن يفسخه ، أنا وكلت فلاناً وفي أية لحظة مادام هذا العقد في أصل الدين عقداً جائزاً ، أنا وكلته وفي أية لحظة بإمكاني أن أعزله ، وعند أخواننا المحامين شيء متداول أعزله ينزل إلى كاتب العدل ويعمل تصريحاً : إنني أعزل موكلي فلاناً بدءاً من التاريخ الفلاني ، فالوكالة عقد ليس ملزماً بل هو عقد جائز ومادامت عقداً جائزاً بإمكان الموكل أن يعزل ، وبإمكان الموكَل أن يعزل نفسه ، لأنها عقد جائز وليست عقداً ملزماً .

أنواع الوكالة :

 يوجد في الشرع وكالة منجزة ، ويوجد وكالة معلقة ، المنجزة وكلتك بيع هذا البيتن المعلقة إذا تملكت هذا البيت وكلتك بكسوته ، هذه وكالة أنا وكلت بكسوته ولك مني أجر مجز ولكن إذا تملكته يوجد قضية ، فإذا قيدت الوكالة بشرط فهي وكالةٍ معلقة ، إن لم تقيدها بشرط فهي وكالة منجزة ، وهناك وكالة مضافة للمستقبل ، أنت وكيلي بعد انتهاء هذا المشروع ، بعد أن ينتهي التأسيس ويبدأ العمل وتنطلق الآلات ، أنت وكيلي في بيع المادة الفلانية ، صار هناك وكالة منجزة ، ووكالة معلقة على شرط ، ووكالة معلقة على زمن مستقبلي ، ممكن أن تكون وكالة مؤقتة ، أنت وكيلي في هذا العام فقط ، أنت وكيلي في أثناء سفري خارج القطر ، ويوجد وكالة معينة ، أنت وكيلي بكسوة هذا البناء ، أنت وكيلي بإدارة هذا المعمل ، أنت وكيلي بإنجاز هذه المعاملة ، يوجد عمل معين ، ووقت معين ، ومعلقة بمستقبل ، ومعلقة بشرط أو منجزة .

الوكالة تكون تبرعاً أو مأجورة :

 والوكالة أيها الأخوة ممكن أن تكون تبرعاً خدمةً ، أحياناً يقول لك صاحب البيت: اشتر لي أنت الحاجيات ببساطة ، أنت صاحب مصلحة ووقتك ثمين وعندك أولاد ، فقل له : أنا لا أستطيع أن أعطل وقتي ، تحب أن أكون وكيلك ولكن مقابل تعويض يكافئ عملي في هذا اليوم ، أنت رغبت أن تستخدم خبرتي في الشراء وكلهم يعرفوني ولي سعر خاص ولكن أنا أريد ما يكافئ هذه العطلة ، الأمور الواضحة أيها الأخوة أفضل لأن الجهالة تفضي إلى المنازعة ، أكثر منازعات الناس يقول لك بكل فرع من فروع الدعاوى خمسة آلاف دعوى ، والله ولا أبالغ لو دققت في هذه الدعاوى لوجدت أن الجهالة سبب أكثرها ، الأخ صاحب الصنعة عطل وقته وأضاف مبلغاً ، اكتشف صاحب العمل هذا المبلغ المضاف فقامت القيامة ، وضّح أنا لا أستطيع أن أترك عملي لمدة يوم أو يومين لأشتري لك الحاجات إلا بمقابل ، فالوكيل يمكن أن يقوم بعمله تبرعاً ويمكن أن يقوم بعمله أجيراً ، إما متبرع أو أجير ، لكن الوكيل يعلم دائماً أن الموكل كلفه تبرعاً أو كلفه مأجوراً ، قال له : تعبك محفوظ أي مأجور لا تضيع معي مأجور ، وأيضاً هناك كلمات مطاطة لا تضيع معي ، ما قيمتها هذه الكلمة ؟ إلا أن الوكالة إذا كانت مأجورة لا يستطيع الوكيل أن يعزل نفسه متى شاء ، وكلك وأعطاك مالاً وفوضك وقال لك اعمل ، في أحرج وقت أنا لا أستطيع أن أتابع هذا ليس من الدين في شيء ، إذا كنت وكيلاً متبرعاً لك أن تعتذر ، أما إذا كنت وكيلاً مأجوراً فلا تستطيع أن تعتذر إلا بعد أن تنجز المهمة التي وكلت بها .

شروط الموكل :

 ويسري على الوكيل ما يسري على الأجير - الموظف - أولاً : الموكل له شروط والوكيل له شروط ، وموضوع الوكالة له شروط ، الموكل أول شرط من شروطه أن يكون مالكاً في التصرف فيما يوكل فيه ، وكلتك بكسوة هذا البيت ، اسأله سؤالاً بسيطاً : هذا البيت لك ؟ ملكك ؟ وما الدليل ؟ لا تصح وكالة من لا يملك ، والوكالة يجب أن تنطلق من أن الموكل يملك موضوع الوكالة ، لذلك المجنون لا تصح وكالته ، والصبي غير المميز لا تصح وكالته لأن المجنون فاقد الأهلية ، والصبي غير المميز فاقد الأهلية ، أما الصبي المميز فتصح وكالته فيما يعود عليه النفع ، إذا كان صبياً مميزاً وكّل عمه بقبول الهبات التي يعود نفعها عليه ممكن . إذا كانت الوكالة في موضوع تضره فالصبي المميز لا تجوز وكالته ، الصبي المميز لا تقبل وكالته عند القاضي إذا وكل عمه بأن يهب من ماله لزيد أو عبيد ، تصح وكالته بقبول الهبة ، لكن لا تصلح وكالته بإعطاء الهبة لأن قبولها لمنفعته ، أما دفعها فليس في منفعته قد يحتال الناس عليه .

شروط الوكيل :

 أما الوكيل فلا بد من أن يكون عاقلاً فلو كان مجنوناً أو معتوهاً أو صبياً غير مميز لا تصح وكالته ، لذلك إنسان يضع ابنه في المحل ، ابنه صار وكيله ، يأتي رجل ذكي يلعب عليه إما بالسعر أو بالكمية هذا بيع فاسد ، هذا وكيل غير مؤهل ، ويمكن أن يدعي أي يأتي إنسان ويسرق من المحل فيقول هذا الطفل الصغير : فلان دخل إلى المحل ، إذاً الصغير لا تشتري منه إلا أشياء خسيسة ، أما الأشياء الثمينة فيوجد إشكال في الموضوع ، لكن الصبي المميز عند السادة الأحناف يجوز توكيله ، يوجد تاجر عنده في المحل ابن أخيه وعنده موظف آخر ، يعطي الموظف الآخر مبالغ طائلة أما ابن أخيه فله راتب محدود ، مرة عاتبه أصدقاؤه أن هذا ابن أخيك يأخذ فقط ألفين في الشهر ، مرة جلس أصدقاؤه عنده فقال أحدهم : يا فلان هل ابن أخيك في المحل موجود ؟ غاب ثلاثة أرباع الساعة ، ثم قال الآخر : هل فلان في المحل ؟ ذهب ولم يجده في المحل ، فوجده في مكان آخر يشتري صفقة ، أخذ مساطرها عرضها على الناس وجدوها مناسبة فباع قسماً منها وحقق ربحاً أحضر المال و أحضر معه الربح وباع واشترى ، فقال : هذا هو السبب أن فلاناً معاشه مرتفع عندي ، يوجد شباب عندهم طاقات كبيرة جداً ، فعند السادة الأحناف يجوز لمثل هذا الشاب أن يكون وكيلاً لك .

شروط الموكل فيه :

 أما شروط الموكل فيه في موضوع الوكالة ، قال : أول شرط يجب أن يكون موضوع الوكالة معلوماً ، توكله بقضية مجهولة ، قضية أبعادها غير واضحة ، قضية فيها خطر شديد ، هذه خيانة ، توكله هذا المبلغ أوصله لي إلى لبنان ، من المحتمل أن يضعوه عشرين سنة في السجن ، خذ هذه الصرة معك ، يوجد مواد ممنوع نقلها ، أحياناً يقع الوكيل تحت طائلة القانون ، ويدخل السجن ، فشروط الموكل فيه أن يكون معلوماً ، أنا مرة كنت في الحج وأنا في مطار جدة في طريقي إلى دمشق ومعي حقيبة صغيرة عشرة كيلو ، وقف رجل أمامي وقال لي : هذه ملكك ؟ قلت له : نعم ، فقال لي : هذه صغيرة ، حرام أن تصعد بها إلى الطائرة ، فقلت له : ماذا أفعل ؟ فقال لي : خذ معك هذه الحقيبة وهي لي ، فتحتها وكأني موظف جمرك وفتشتها وكأني موظف جمرك لأنها على اسمي ستكون وأنا صرت وكيله في هذه المحفظة ، ممكن أن يكون فيها شيئاً ممنوعاً وأقع تحت المسؤولية ، لم أجد بها شيئاً سوى أقمشة وعندئذ سمحت له بذلك .
 الإنسان كما قال سيدنا عمر : " لست بالخب ولا الخب يخدعني" ، لست من الغباء بحيث أُخدع ولا من الخبث بحيث أَخدع ، أحياناً إنسان يوصل حاجة فيكون في داخلها مخدرات ، ذهب بها عشر سنوات سجن ، إذا إنسان وكلك في شيء يجب أن تعلم ما هو هذا الشيء بالضبط ، المؤمن كيس فطن حذر ، قال له المعلم : كيس قطن ، فقال له الطالب : ما هذا يا سيدي كيس قطن ؟ فقال له : يعني قلبه أبيض ، ولين .
 قال : رجل له دعوة متواضعة أحب أن يجاري الدعاة المثقفين ثقافة علمية ففكر وفكر ثم قال : الآن يوجد مركبة تتجه إلى الشمس ، فقال له طالب : يا سيدي كيف تتجه إلى الشمس وطول لسان اللهب مليون كيلومتر ، فانزعج وأحدّ النظر إليه وقال : اسكت سوف نرسلها في الليل .
 المؤمن كيس ، فطن ، حذر ، موضوع الوكالة يجب أن يكون معلوماً تماماً ، لكن قال : يمكن أن يكون مجهولاً جهالة غير فاحشة ، أي قمح يوجد قمح إيطالي ، وقمح جديد ، وقمح قديم ، وقمح مسوس ، هو لا يعرف أنواع القمح ، يوجد جهالة ولكن غير فاحشة ، أما الجهالة الفاحشة يقول له صرة فتكون دولارات ، يقول له : غرض فيكون مخدرات ، هذه جهالة فاحشة ، أما جهالة غير فاحشة فممكن .
 لكن لو موكل قال لوكيله : اشتر لي ما شئت هذا إطلاق شديد جداً ، أي شيء أعجبك فاشتريه لي ، قال : ولو أن الوكالة بهذا الإطلاق يجب أن تشتري له الحاجات بأثمانها لا بغبن فاحش ، هو قال لي ، تشتري له بدلة بمئة ألف ؟ أنت قلت لي ، لذلك الإطلاق الأولى بالإنسان ألا يطلق ، أعطه حدوداً ، أكثر الخصومات بين الأسر بهذه الأشياء ، أحضر لي جاكيت شاموا من تركيا ، كان يعتقد أن سعره خمسمئة ليرة فكان سعره ثمانية آلاف ، وأعطاه له وله معه مال فخصمهم منهم ، وتخاصموا .
 لو أعطاك إطلاقاً للوكالة يجب أن تشتري بالسعر المعقول ، بثمن مثله ، وكأن هذه الحاجة لك هكذا المؤمن ، أجمل ما في النقطة لو أن الموكل أطلق أنت مقيد بالعرف ، مقيد بما يجري بين الناس .

موضوعات الوكالة :

 الحقيقة الوكالة يمكن أن تكون في البيع والشراء ، وفي الإيجار ، وفي إثبات الدين، وإثبات العين ، وفي الخصومة ، عمل المحامين ، من هو المحامي ؟ وكيل في الخصومة ، والتقاضي ، والصلح وحق الشفعة ، والهبة ، والصدقة ، ادفع عني ، ادفع هذا المبلغ بمعرفتك ، شرعي مئة بالمئة ، والرهن والارتهان ، والإعارة والاستعارة ، والزواج والطلاق، وإدارة الأموال سواء أكان الموكل حاضراً أم غائباً ، وسواء أكان الموكل رجلاً أو امرأة ، تقريباً هذه موضوعات الوكالة ، البيع ، الشراء ، إثبات الدين ، الإعارة ، الخصومة ، التقاضي ، الصلح ، الهبة ، الصدقة ، الرهن .

الوكالة تقبل من الصحيح المقيم و ليست خاصة بالمسافر أو المريض :

 لذلك ممكن لك أخ ببلد عربي أن يعمل لك وكالة مصدقة هناك ، تصدقها هنا وتصبح نافذة المفعول .

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنٌّ مِنَ الإبِلِ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 أي إبل في سن معينة .

(( فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ : أَعْطُوهُ فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلا سِنًّا فَوْقَهَا ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ ، فَقَالَ : أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 أي إذا إنسان أعطى النبي الكريم قال :

(( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى ))

[البخاري عن جابر بن عبد الله ]

 أحياناً يقول لك : باقي خمسة وسبعين قرشاً بذمتك ، يوجد باعة عندهم لباقة يقول لك : مسامح ، المشكلة على أربعين قرشاً يقول لك : لا أسامحك ، مرة قال لي أخ : دخلت إلى صيدلية وهناك صيدلانية عندها امرأة متقدمة في السن ويبدو أنها فقيرة طلبت دواءً ، فقالت لها الصيدلية ثمن الدواء ، فأخرجت لها ثمن الدواء نقصها خمس ليرات ، بمنتهى العنف والقسوة سحبت الدواء من يدها وقالت لها : اذهبي وأحضري ثمن الدواء كاملاً ، فقال لي : لم أتحمل فأعطيتها أنا الفرق ، فقالت له : أنت ليس لك علاقة ، فقال لها : لي علاقة أنت تريدين ثمنه وهذا ثمنه ، أحياناً الإنسان لا يرحم الناس ، امرأة كبيرة في السن وفقيرة نقصها خمس ليرات أحياناً الإنسان قسوة قلبه تظهر ولا يدري .
 العلماء استنبطوا ، النبي الكريم قال لهم : أعطوه هذا الجمل وكالةً عنه ليس هو مسافر ولا مريض ، إذاً يجوز وأنت صحيح وأنت مقيم أن توكل ، الوكالة ليست خاصة بالمسافر ولا بالمريض ، تقبل من الصحيح المقيم ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أقواله شرع ، وأفعاله شرع ، وقد وكل صحابياً لوفاء الدين وهو حاضر صحيح البدن .

ضابط الوكالة :

 العلماء وضعوا ضابطاً للوكالة ، ضابط يضبط موضوعات الوكالة فقالوا : كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل فيه غيره ، أما ما لا تجوز به الوكالة فكل عمل لا تدخله النيابة ، كما قلنا : رجل وكّل صديقه القوي بالرياضيات أن يؤدي الفحص عنه هذه وكالة فاسدة ، وكله أن يصلي عنه ركعتين أيضاً هذه وكالة فاسدة ، والصوم أيضاً .
 أما رمي الجمار في الحج ، وتأدية الزكاة أنت دفعتها لإنسان تثق به ، هو بحسب حكمته ومعرفته والطلبات التي تأتيه دفعها عنك فهذه تجوز .
 لا تصح لا في قتل ، طبعاً عصابات المافيا في أوربا وكالات بالقتل ، يستأجرون قاتلاً ، وكالات اغتصاب ، وكالات سرقة ، أحياناً يكون الرجل موظفاً عند شخص يقول له اشتر لي الخمر ، لا تصح الوكالة بمحرم ، اركل هذه الوظيفة بقدمك أنا لن أشتري خمراً لأحد ولن أحمله ، ولن أجعله في مركبتي .
 يوجد أخ من أخواننا الكرام عمل في شركة أجنبية ، أول مرة حملوا معهم بضاعة فيها خمور قال لهم : لا أسمح تفضلوا وانزلوا من السيارة ودخله في الشهر حوالي عشرين ألف ليرة ضحى بهذا الراتب الكبير تحت قدمه ، لا أسمح أن يكون في مركبتي شيء محرم ، والنتيجة أنهم احترموه وانصاعوا إلى تعليماته وازدادت ثقتهم به ، أنت تعتقد أنهم سوف يتخلون عنك رغم أنه أعطى تعليمات . لذلك الوكالات في عصابات ، في سرقة ، قتل ، في شراء خمر ، أو احلف يميناً عني أنا ليس لدي وقت ، طبعاً يوجد سبب لأن هذه الموضوعات لا تؤدى إلا من قبل أصحابها لأنها موضوعات اختبارٍ وابتلاء .

اختيار الإنسان الأمين عند التوكيل :

 بالمناسبة الوكيل أمين ، ما معنى أمين ؟ أي إياك أن توكل إنساناً غير أمين ، لأنه لو قال تلف هذا المال فهو مصدق ، لأنك وكلته ، لو فرضنا أنك وكلت راعٍ بمئة غنمة وقال لك: ثلاث ماتوا واثنتان أكلهم الذئب ، لو أنت رفضت هذا الكلام وأقمت عليه دعوى يأتي القاضي ويقول لك : قل يا بني ، فيقول له : إنه صادق ، لم وكلته ؟ ما وكلته إلا لأنه أمين ، لذلك القول قول الوكيل إذا وكلت إنساناً بمال وقال لك : تلف فأنت المسؤول .
 أساساً قصة سيدنا عمر مشهورة عندما قال للراعي : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ فقال له : ليست لي أنا وكيل ، فقال له : قل لصاحبها إنها ماتت ، فقال له : ليست لي ، قال له : خذ ثمنها ، قال له عندئذ : والله أنا في أشد الحاجة إلى ثمنها ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله ؟
 الوكيل من المفروض به أن يكون أميناً ، عند القضاء أمين ، فالقول قوله ، فإذا اختلفت مع الوكيل القاضي يصدقه ، إذاً يوجد توجيه : إياك أن توكل إنساناً لا تثق بأمانته ، لو أتلف لك المال وقاضيته عند القضاء فصرح بأن هذا المال تلف قضاءً وقدراً يصدقه القاضي ، إلا أنه إذا أنت أثبتت أن هناك عدواناً أو تقصيراً ، الأصل الوكيل أمين وهو غير ضامن ، يضمن في حالةٍ واحدة إذا أثبت أنه اعتدى أو قصر .

التوكيل في الخصومة صحيح :

 قال : يصح التوكيل في الخصومة سواء أكان الموكل مدعياً أو مدعى عليه ، أقيمت عليك دعوى لك أن توكل محامياً ، أقمت دعوى لك أن توكل محامياً ، هذا حق مشروع سواء أرضي الخصم بهذا الوكيل أم لم يرضَ ، الخصم ليس له خيار أنت وكلت فلاناً هذا وكيلك في هذه الخصومة رضي أم لم يرضَ ، لكن عظمة هذا الشرع ، الوكيل إذا أقرّ أن موكله ارتكب عملاً يوجب القصاص أو الحد لا يقبل إقراره ، مستحيل وكيلك يدينك ، هذه خلاف الفطرة أنا وكلتك أن تدافع عني ليس أن تُدينني ، رجل وكل شخصاً فقال الوكيل : نعم موكلي ارتكب هذه الجريمة ، فإقرار الوكيل في شيء يوجب القصاص أو يوجب الحد ليس مسموعاً إطلاقاً .
 ويوجد وكيل في الخصومة ليس وكيلاً بالقبض ، وكلته بالخصومة وصار هناك دعوى ولكن بالقبض وكلت إنساناً آخر لمصلحة راجحةٍ عندك ، يوجد نقطة مهمة جداً لو فرضنا أنك وكلته باستيفاء القصاص فالوكيل حكم بالإعدام ، حسب الشرع للوكيل حق أن يقتل القاتل بنفسه ، فقال : لا يجوز للوكيل أن يستوفي القصاص لعل الموكل يعفو ، نكون نحن أضعنا عن المجرم حقه بالعفو ، لذلك لا يجوز بالوكيل أن يكون وكيلاً باستيفاء القصاص ، وصل إلى الحكم فقال له : احضر القصاص فلعل الأصيل الموكل يرحم وهذه نقطة مهمة جداً .

انتهاء الوكالة بموت أحد المتعاقدين :

 آخر شيء تنتهي الوكالة بموت أحد المتعاقدين ، إذا مات الوكيل أو مات الموكل تنتهي الوكالة ، لذلك كل إنسان معه وكالة أحب أن يستخدمها يطالبه القاضي بأن يأتي بقيد نفوس يثبت أن موكله لا يزال حياً يرزق حتى تاريخ الإفراغ ، فإذا مات أحد المتعاقدين بطلت الوكالة ، إلا أنه يوجد الآن حالات أحدثوها وقالوا : وكالة غير قابلة للعزل ولا بالموت لتعلق حق الغير بها ، هذه إفراغ كامل ، بيع ، وتستوفي المالية من هذه الوكالة فقط رسم البيع إذا كانت الوكالة لعمل محدود ، لإنشاء بناء ، والبناء أنشئ مع انتهاء البناء تنتهي الوكالة ، يعمر بناء آخر ويقول له : أنا وكيلك ، لا انتهت إذا عزل الموكل وكيله ولو لم يعلم ، قال : و لكن الأولى أن يعلمه ، أو إذا عزل الوكيل نفسه ولو لم يعلم موكله والأولى أن يعلمه ، أو إذا كنت وكيلاً لإنسان على أرض والأرض أخذت منه بحكم قضائي ، فالوكالة تنتهي بموت أحد المتعاقدين أو بإنهاء العمل المقصود بالوكالة ، أو بعزل الموكل وكيله ولو لم يعلم والأولى أن يعلمه .
 فالإنسان قبل أن يوقع وكالة عامة أو خاصة ، دائمة أو مؤقتة ، معلقة أو منجزة عليه أن يتبصر هذه الأمور ، والوكالة رحمة ، امرأة متقدمة بالسن ، إنسان مسافر ، إنسان في ضائقة له أن يوكل ، والوكالة مأجورة وتعد مأجورةً أو تبرعاً ، فإذا كان متوهم الموكل أنك متبرع فلا ينبغي أن تأخذ من وراء ظهره ، خذ واعلمه تأخذ مالاً حلالاً .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018