٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1145 - علاج مرض الفتور- الاعتداءات على المسجد الأقصى - ومضة من التاريخ.


2010-03-26

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حقّ الجهاد، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، أخرجنا من وحول الشهوات إلى جنات القربات .

علاج مرض الفتور :

 الفتور مرض خطير
أيها الأخوة الكرام، كان الموضوع في الأسبوع الماضي عن مرض خطير يصيب المسلمين بعامة، وقد يصيب العاملين في الحقل الديني بخاصة، إنه مرض الفتور، وبينت لكم إن المؤمن كما قال النبي الكريم: ساعة وساعة، أي ساعة تألق وساعة فتور، الفتور الطبيعي غير المرضي، في ساعة التألق والفتور لا يعصي الله أبداً، لكن بين التألق وبين عدم التألق، أما الفتور كمرض يصيب معظم المسلمين، وقد يصيب العاملين في الحقل الإسلامي، هذا مرض خطير تحدثت عن أسبابه وعن تعريفه، واليوم أحاول أن أدرج بعض النقاط في علاجه.

1 ـ  توفيق الله عز وجل للإنسان :

 أول شيء ننطلق من آية الفاتحة:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

[ سورة الفاتحة الآية : 5 ]

 لأننا نوقن أنه لا يتحقق شيء على وجه الأرض إلا بتوفيق الله، والآية التي هي أصل في هذا:

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة هود الآية : 88 ]

 فالمؤمن يعبد الله عز وجل ويستعين على عبادته، سيدنا يوسف قال:

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة يوسف الآية :33 ]

 فالمؤمن الموحد لا يرى عمله بل يرى فضل الله عليه، لا يرى استقامته بل يرى فضل الله عليه، لا يرى حجم عمله الصالح بل يرى فضل الله عليه، فأولاً لا بدّ من توفيق الله حتى ننجو من الفتور كمرض، و النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( إذا أراد الله بعبد خيراٍ استعمله، قيل : كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال : يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه ))

[أحمد عن أنس ]

2 ـ القصد والاعتدال في الطاعات بلا إفراط ولا تفريط:

 شيء آخر: القصد والاعتدال في الطاعات بلا إفراط ولا تفريط، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان عمله ديمة أي مستمراً.

(( أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ))

[ متفق عليه عن عائشة ]

 العمل المعتدل يستمر
فالعمل المعتدل يستمر، أما العمل غير المعتدل لا يستمر، فمن أجل ضمان استمرار العمل الصالح وأداء العبادات ينبغي أن تكون في الحد المعتدل:

(( إن لربك عليك حقاً، و لنفسك عليك حقاً، و لأهلك عليك حقاً، فأعطِ لكل ذي حق حقه ))

[ أخرجه البخاري عن عون بن أبي جحيفة ]

 لذلك:

(( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 أي استعن على طاعة الله بأخذ قسط من الراحة، وفي الصحيحين من حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل المسجد يوما فوجد حبلاً مربوطا بين ساريتين فقال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ما هذا ))

 ؟ قالوا : حبل لزينب إذا فترت تعلقت به، فقال: لا إله إلا الله، أمّ المؤمنين ربطت الحبل؟ ـ تقف تصلي، إذا فترت تعبت، أحست بشيء من التكاسل أو التراخي تتعلق بالحبل لتقيم نفسها بين يدي الرب ـ فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:
 قال:

(( حلوه حلوه ))

 ثم قال:

(( ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد))

[متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها ]

 العبادات المعتدلة وتطبيق سنة النبي عليه الصلاة والسلام المعتدلة الوسطية، أعون على استمرار هذه العبادات، وفي الصحيحين من حديث أنس قال :"جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي عليه الصلاة والسلام يسألون عن عبادته، فلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها ـ أي وجدوها قليلة ـ فقالوا: أين نحن من رسول الله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر أبداً، وقال الثالث: وأما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج أبداً. فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بخبرهم قال:

(( أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ))

[متفق عليه عن أنس ]

3 ـ التدرج في الطاعة:

 أيها الأخوة، بند ثالث يعين على إلغاء هذا المرض العضال، مرض التكاسل في الطاعات وأداء الأعمال الصالحة، التدرج في الطاعة، معنى التدرج أن يصلي الفرائض ثم السنن، معنى التدرج لا أن يؤجل الصيام حتى يتقن الصلاة، معنى التدرج ليس كذلك، معنى التدرج أن تبدأ بالأسهل فالأسهل، الله عز وجل قدم بذل المال على بذل النفس، هناك آيات تزيد عن عشرين آية:

﴿ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾

[ سورة الأنفال الآية :72]

 بذل المال أيسر من بذل النفس، فالتدرج، أن تبدأ بالأسهل فالأسهل، وبالأحب على قلبك، أن تبدأ مثلاً قيام الليل إذا كنت ممن لا يقيمون الليل أن تبدأ بركعتين أو ركعة أو ثلاث ركعات حتى تصلي أحدى عشرة ركعة، ولتبدأ بأحب العبادات إلى قلبك، إذا فتح الله لك باب الدعوة إلى الله ابدأ بالدعوة إلى الله، و إذا فتح الله لك باب الذكر، ابدأ بالذكر، إذا فتح الله لك باب الإحسان للفقراء، ابدأ بهذا الباب، و إذا فتح الله لك أبواباً ابدأ بأسهلها وبأحبها إلى قلبك، لذلك يكون هناك شوق للعبادة والطاعة.

 

التدرج أفضل من الطفرة:

 أيها الأخوة، تقول السيدة عائشة:

(( إن أول ما أُنزل من القرآن سورة فيها ذكر للجنة والنار، حتى إذا تاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، لا تزنوا لا تشربوا الخمر، تقول: ولو نزل أول ما نزل: لا تشربوا الخمر ولا تزنوا لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنا أبدا ))

[ البخاري عن عائشة رضي الله عنها]

 ابدأ بالأسهل فالأسهل
الآن بالدعوة، ابدأ بالأسهل فالأسهل، أقنع الناس بوجود الله، أقنعهم بكماله، أقنعهم بوحدانيته، انههم عن الكبائر، عن المحرمات، وهكذا.
 الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز حين جاءه ولده عبد الملك، وهو شاب في ريعان شبابه، لم يبلغ السابعة عشر من عمره لما تولى والده الخلافة وبويع في المسجد، وذهب عمر ليستريح قليلاً، ذهب إليه ولده وقال: يا أبت يا أبت ماذا تصنع؟ تنام قبل أن ترد المظالم إلى أهلها ما لي أراك لا تحمل الناس على الحق؟ ثم قال الولد بحماس فوار وإخلاص كبير: والله لا أبالي إن غلت القدور بي وبك في الله، أي لا أبالي إن وضعت أنا وأنت في قدر يغلي فيه ماء أو زيت ما دام العمل لله، فقال عمر بن عبد العزيز العالم الفقيه الراشد: يا بني لا تعجل إن الله جل وعلا ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة واحدة فيدعون الحق جملة واحدة، فتكون فتنة، هكذا فهم الخليفة الراشد.
 أي احمل ابنك على الصلاة أولاً، أما أن تحمله على كل الطاعات معاً قد لا يستطيع، التدرج أفضل من الطفرة.

4 ـ صحبة الأخيار من أصحاب الهمم العالية:

 الشيء الآخر الذي يعينك على إلغاء مرض الفتور، صحبة الأخيار من أصحاب الهمم العالية، سأوضح لكم هذا، ائت بمستطيل رمادي اللون، ضع له إطاراً أسوداً، تتوهمه فاتحاً جداً مع الإطار الأسود، المستطيل نفسه الرمادي ضع له إطاراً أبيضاً، تراه داكناً هو هو، فأنت حينما تصحب الأخيار تتفوق، أما إذا صحب الإنسان الأشرار يرى نفسه ولياً ولو لم يعمل عملاً صالحاً، فلا بدّ من صحبة الأخيار:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

[ سورة الكهف الآية : 28 ]

(( لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد ] .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 119 ]

 إياك ومصاحبة الأشرار
لا بد من صحبة الأخيار حتى تستطيع أن تعبد الله الواحد القهار.
 لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:

(( مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ))

[متفق عليه عن أبي موسى الأشعري ]

 أيها الأخوة الكرام، يقول أحد العلماء:" إن من الناس أناساً تذكرك وجوههم بالله "، بل إن:

(( خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم ))

[البيهقي عن عمر ]

 فضلاً عن كلامهم الرائع، وعن أفعالهم، وعن تواضعهم، وإن من الناس أناساً تذكرك وجوههم بالشياطين، ويرغبونك بالمعاصي والآثام، وتستثير كلماتهم شهواتك، وتحرك ووجوههم غرائزك، إياك أن تصحب هؤلاء، اصحب الأخيار، الأطهار، الأبرار، ممن يذكرونك بالعزيز الغفار، ويذكرونك بمنهج النبي المختار.

5 ـ على الإنسان أن يضع له برنامج عبادة هو عمل اليوم والليلة :

ضع لك برنامج عبادة، هو عمل اليوم والليلة من الأذكار، والصلوات، والقرآن، والذكر، والاستغفار، المحافظة على الصلوات في جماعة، المحافظة على الورد اليومي للقرآن، المحافظة على أذكار الصباح والمساء، والذكر المطلق، هذا كله مما يشدك إلى هذا الدين العظيم، ويجعلك تتألق في حياتك الدنيا قبل الآخرة، لذلك من أدق الأحاديث في هذا الموضع كما ورد في الحديث القدسي:

(( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبد بشيء أحب إلى مما افترضته عليه، ولا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ))

[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

6 ـ ذكر الجنة و النار :

 أيها الأخوة، ذكر الجنة والنار، أي أن تعيش المستقبل، أي أن تعيش المصير الأبدي، هذا أيضاً يعينك على مداومة الطاعات، والتقرب إلى رب الأرض والسماوات:

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 50 ]

7 ـ فهم السنن الربانية :

 شيء آخر: فهم السنن الربانية، هذا الكون له سنن، أنت لو أردت أن تغير المجتمع في ليلة وضحاها لا تستطيع، وإن لم تستطع تصاب باليأس، المنطلق أنك لم تفهم حقيقة السنن الإلهية، الأمر يكون بالتدريج، فلذلك الإيمان يحتاج إلى نفس طويل لقوله تعالى:

﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 140 ]

8 ـ حضور مجالس العلم:

 ومن أسباب معالجة الفتور، حضور مجالس العلم لأن الإيمان في المجلس العلمي يتجدد ويقوى. حضور مجالس العلم

 

9 ـ  ذكر الموت :

 شيء آخر هو أن الإنسان إذا ذكر الموت، هادم اللذات، مفرق الأحباب، مشتت الجماعات.

 

(( لا تذكرونه في كثير إلا قلله، ولا قليل إلا كثره ))

[ رواه الطبراني عن ابن عمر ]

 الذي يملك أموالاً طائلة إذا ذكر الموت ذكر أنه سيوضع في قبر ولا شيء معه، والذي يعاني ما يعاني إذا ذكر الموت ذكر جنة عرضها السماوات والأرض، أعدّها الله لعباده الصالحين، فالموت إذا ذكر في كثير قلله وإذا ذكر في قليل كثره، من هنا:

(( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع الله عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له))

[ الترمذي عن أنس ]

10 ـ الاستقامة على أمر الله عز وجل :

 الوصية الأخيرة أن صحابياً جليلاً سأل النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: " يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك أو لا أسأل عنه أحداً بعدك؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( قل آمنت بالله ثم استقم ))

 أيها الأخوة، الحقيقة الدقيقة أن الإنسان ما لم يستقم على أمر الله لا يستطيع أن يقطف من ثمار الدين شيئاً.

 

 الاعتداءات على المسجد الأقصى :

 هذا الموضوع الأول لكن الموضوع الثاني موضوع ساخن، فاليوم يتعرّضُ المسجدُ الأقصى موطِنُ أبيكم إبراهيمَ، ومتعبَّد الأنبياء السابقين، ومَسْرى خاتم النبيين، المسجدُ الذي نَوَّهَ اللهُ به في الآيات المفصلة، وتُلِيَتْ فيه الكتبُ المنزَّلةُ، أُولَى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالثُ الحرمين الشريفين، والذي لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله ببركات الدين والدنيا، والذي أضحى بالإسراء إليه والمعراج منه رمزاً للشخصية المعنوية للمسلمين، وهذا المسجد يتعرض اليوم لاعتداءات متكررة على بنائه، حيث تجري أعمال الحفريات في حرمه وما حوله، بزعم التنقيب عن هيكل سيدنا سليمان، إنها حجة واهية تخفي وراءها نيات عدوانية، تستهدف تخريبه وإزالته من الوجود، وطمس هذا المَعْلم الإسلامي البارز من المعالم والمقدسات الإسلامية، وتدنيساً فاضحاً لحرمة هذا المكان الطاهر.
 إنها مؤامرة تحاك ضد هذا المسجد، حيث يحلم الصهاينة ببناء معبد يهودي على أنقاضه، لذلك هم ينشطون لإبراز مسجد الصخرة على أنه المسجد الأقصى تمهيداً لإزالته، وبناء المعبد المزعوم مكانه، إن مسجد الصخرة الذي يبرزه الإعلام الصهيوني على أنه المسجد الأقصى بصورته المعهودة عند عامة الناس ليس هو المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في القرآن الكريم بل هو مسجد الصخرة الذي تمّ منها عُروجُ النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى سدرة المنتهى، قال عز وجل :

﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى*فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى*فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾

[ سورة النجم الآية : 8-10]

 

الخزي والعار في الدنيا والعذاب في الآخرة لمن يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه :

 وفي وصف القرآنِ الكريمِ المسجدَ الأقصى بالبركةِ إيماءٌ قويٌّ للعرب حَمَلَةِ رسالةِ الإسلام، وإلى المسلمين في مشارقِ الأرض ومغاربِها، أنّه مفروض عليهم، وقد بارك اللهُ حولَه أنْ يحفظوا له هذه البركة، ومتى اعتُدِيَ عليها فعليهم أنْ يصطلحوا مع ربهم أولاً، ويُعِدُّوا لعدوِّهم ما يستطيعون من قوةً ثانياً، كي يحرِّروه، ويحرِّروا ما حوله مِن أيدي الغزاة ، ويُحْيُوا بتحريره سيرةَ فاتحيه الأبطال عمرَ بنِ الخطاب وصلاحِ الدين الأيوبي، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

[ سورة البقرة الآية : 114]

 فإن الخزي والعار في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة، جزاء لمن يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ويسعى في خرابها، أما الذي يعمر مساجد الله يعمرها بالبنيان، وينورها بالإيمان فعمله علامة مميزة على صحة الإسلام، وصدق الإيمان، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ﴾

[ سورة التوبة الآية : 18]

   وأخيراً..

 أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله .

***

الخطبة الثانية:

 

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

ومضة من التاريخ تعطينا حماساً وأملاً باستعادة المسجد الأقصى :

 فتح مدينة القدس بقيادة صلاح الدين الأيوبي
أيها الأخوة الكرام، هناك مصطلح معاصر هو الهروب إلى الأمام وقد يكون الهروب إلى الوراء، أي حينما تتالى النكبات، وحينما يدنس هذا المسجد الطاهر شذاذ الآفاق، ونتألم أشد الألم، نبحث في التاريخ عن ومضة تعطينا حماساً وأملاً باستعادة هذا المسجد، نعود القهقرى إلى يوم الجمعة الواقع في السابع والعشرين من شهر رجب عام خمسمئة وثلاثة وثمانين للهجرة، الموافق للثاني من تشرين الأول عام ألف ومئة وسبعة و ثمانين للميلاد، ففي هذا اليوم تمّ فتح مدينة القدس من قبل المسلمين، وبقيادة صلاح الدين، وتمّ تحريرها من أيدي الغزاة الطامعين، وها نحن أولاء نرى القلوب قد امتلأت بالفرح، والوجوه قد عمّها البشر ، ونسمع الألسنة وقد لهجت بالذكر، لقد علت الرايات، وعلقت القناديل، ورفع الأذان، وتلي القرآن، وَصَفَتِ العبادات، وأقيمت الصلوات، وأُديمت الدعوات، و تجلت البركات، وانجلت الكربات، وزال العُبُوس، وطابت النفوس، وفرح المؤمنون بنصر الله، أعاد الله علينا هذا النصر.
 وها نحن أولاء ندخل المسجد الأقصى، فإذا المسلمون، وفيهم صلاح الدين وجنده يجلسون على الأرض، لا تتفاوت مقاعدهم، ولا يمتاز أميرهم عن واحد منهم، قد خشعت جوارحهم، وسكنت حركاتهم، هؤلاء الذين كانوا فرساناً في أرض المعركة استحالوا رهباناً خُشَّعَاً كأن على رؤوسهم الطير في حرم المسجد.
 هذا هو خطيب المسجد محي الدين القرشي قاضي دمشق يصعد المنبر، ويلقي خطبته التي لو ألقيت على رمال البيد لتحركت وانقلبت فرساناً، ولو سمعتها الصخور الصم لانبثقت فيها الحياة، لقد افتتحها بقوله تعالى :

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 45 ]

 نسأل الله ثانية أن يعيد علينا هذا النصر.

فقرات من خطبة محي الدين القرشي قاضي دمشق عند فتح القدس :

 ها نحن أولاء نستمع إلى فقرات من خطبته، يقول: "أيها الناس أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمة الضّالة، وردِّها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المعتدين الغاصبين قريباً من مئة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع، ويذكر فيه اسمه من رجس الشرك و العدوان" .
 ثم قال محذراً ـ خطيب المسجد يوم افتتاح المسجد بعد استرجاعه ـ: "إياكم عباد الله أن يستزلكم الشيطان، فيخيل لكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد، وخيولكم الجياد، لا والله، ما النصر إلا من عند الله، فاحذروا عباد الله بعد أن شرفكم ربكم بهذا الفتح الجليل أن تقترفوا كبيرةً من مناهيه، انصروا الله ينصركم، خذوا في حسم الداء، وقطع شأفة الأعداء".
 وها نحن أولاء نخرج من المسجد الأقصى، ونلتقي بأحد الفرنجة الذين شهدوا فتح القدس، وها هو ذا يحدثنا ويقول: "إن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ولم ينهبوا مالاً، ولم يقتلوا مسالماً، أو معاهداً، و إن من شاء منا خرج، وحمل معه ما شاء، و إنا بعناهم ما فَضُل من أمتعتنا فاشتروها منا بأثمانها، وأننا نغدو ونروح آمنين مطمئنين، لم نرَ منهم إلا الخير والمروءة، فهم أهل حضارة و تمدن".
 وصَدَقَ من قال: "ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم".
 ولكن الفرنجة حينما فتحوا القدس قبل مئة عام من هذا التاريخ ذبحوا سبعين ألف مسلم في يوم وليلة، ولم يرق صلاح الدين قطرة دم واحدة، هذا هو الدين.

   دعاء الختام ..

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018