بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة البقرة - تفسير الآية 177 ، جوهر الدين


1994-02-28

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام ؛ في سورة البقرة آية رقمها سبعة وسبعون بعد المئة، يقول الله تعالى في الآية:

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)﴾

 كتمهيد لهذه الآية نأخذ موضوع الدراسة المدرسية، فلو أن طالباً اعتنى بدفاتره وجلدها واعتنى بأقلامه ونوّعها، واعتنى بمحفظته، وبهندامه وبشطيرته كل يوم، واعتنى بكل شيء لا علاقة له بالدراسة ولم يدرس، نقول له: أنت قد تعلقت بالقشور، ولم تتعلق باللباب.
 ففي الدين أشياء، إن طُبقت تطبيقًا جيدًا، لكنها لا تصل بها إلى جوهر الدين، فليس لها مردودات إيجابية على تدين صاحبها، فالله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾

 يعني ليس النجاح، وليس الفلاح، وليس التفوق، وليس الإحراز في الشكليات:

 

 

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾

 أحيانًا تنشأ مشكلاتٌ بين المسلمين، أخي: القبلة منحرفة بدرجة، القبلة خط وليست مقطعًا، ومادام الخط يحتمل ثلاث درجات، فتقع خلافات بين المسلمين مثلا: كم درجة بنظرك ؟ فقد تجد خصومات وخلافات وتمزقات لأشياء من ثانويات ثانويات الدين، وما أضل قوماً بعد إذ هداهم إلا أوتوا الجدل.
 فربنا عزو جل يلفت نظرنا إلى أن في الدين جوهرًا، وعرضاً، فإياكم أن تلتفتوا إلى القشور والأشياء الشكلية الإجرائية وتنسوا اللباب، فهذا الطالب الذي اعتنى بغرفته وطاولته وأقلامه ومحفظته ودفاتره وهندامه، لكنه لم يدرس أبداً، ثم ذهب إلى الامتحان، معه فطيرة ومعه أسبرين ومعه ستة أقلام، ينتظره السائق عند الباب، لكنه ما درس، لا كتب شيئًا، فلن ينجح في امتحانه.
 فربنا عز وجل يقول:

 

 

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ﴾

 

 فإذا آمنت بالله أنه هو الرزاق، وهو المعز وهو المذل، فكيف تعصيه من أجل الرزق؟ معنى ذلك أنك لم تؤمن به رازقاً، فكيف تعصي من أجل أن ترضي زوجتك، فلو أنك أسخطته وأرضيتها لأسخطها الله عليك.
 إذاً:

﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ﴾

 موجوداً وواحداً وفعالاً ورباً وحكيماً وقديراً وغنياً.

 

﴿مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾

 

 فإنْ أحدٌ نقل اهتمامته للدار الآخرة، ورأى الدنيا عرضاً حاضراً، يأكل منها المؤمن والفاجر، فهذا هو البر و الصلاح و السعادة.
 أجل السعيد الذي نقل اهتمامته ونقل أعماله للدار الآخرة.

﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾

 لكن أكثر الناس هذه الأيام وهم والله مساكين، يحسبون لكل شئ من أمور دنياهم حسابًا، فيقدم مثلاً طلبًا للحصول على هاتف لابنه و عمره شهر واحد، على مكاسب الدنيا ولا تراه يلتفت إلى آخرته.
 وليعلم الإنسان أيًّا كان و ليذكر قول الله تعالى:

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018