بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة البقرة - تفسير الآية 186 ، الدعاء مخ العبادة


1994-03-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

المؤمن بالدعاء أقوى إنسان :

 أيها الأخوة الكرام؛ يشكو المسلم أحياناً أنه مستضعف، أو أنه ضعيف فعلاً، لكن فاته أن الدعاء الذي هو مخ العبادة يجعله أقوى إنسان المؤمن بالدعاء أقوى إنسان
تصور أن أقل رتبة في الجيش مجند غر، فلو أن قائد الجيش قال له: اطلب ما تريد، ألا يبدو هذا المجند الغر أقوى عنصر في الجيش لأن القائد الأعلى قال له: اطلب ما تريد؟
 فالمؤمن بالدعاء يغدو أقوى إنسان، لكن فاته أن هذا الدعاء له شروط، قيل: لله رجال إذا أرادوا أراد.

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ الترغيب والترهيب عن ابن عباس ]

 أطب مطعمك، أي ليكن طعامك طيباً.
 لكن ليكن ثمن طعامك حلالاً، أي لتكن مستقيماً في كسب المال، فإذا كنت مستقيماً في كسب المال، وكان مالك حلالاً، واشتريت به طعاماً، كان طعامك طيباً، وإذا دعوت الله عز وجل استجاب لك.

 

انعدام الوسيط بين العبد و ربه :

 درس اليوم حول آية في سورة البقرة رقمها ست وثمانون بعد المئة، وهي قوله تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

 ورد في القرآن الكريم ما يزيد عن أربع عشرة آية بهذه الصيغة؛ تبدأ بكلمة يسألونك، أو يسألك:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾

[سورة البقرة:: 217]

﴿َيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾

[سورة البقرة:: 219]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾

[سورة البقرة:: 222]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾

[سورة البقرة:: 219]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾

[سورة البقرة:: 189]

 إلا هذه الآية اليتيمة ليس فيها قل:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾

[سورة البقرة:: 186]

 خالية مِن كلمة قل، بل جاءت عبارة

﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

 مباشرة، وهذا يعني كما استنبط العلماء أنه ليس بين العبد وربه حجاب، وليس بين العبد وربه واسطة، فإذا قلت يا رب: قال الله: لبيك يا عبدي، وإذا قال العبد: يا رب وهو راكع، قال الله: لبيك يا عبدي، وإذا قال العبد: يا رب وهو ساجد، قال الله: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب وهو عاصٍ، قال الله عز وجل: لبيك.. ثم لبيك.. ثم لبيك.
 الله يفرح بتوبة عبده
ليس ثمّة لحظة يسعد بها الأب أكثر مِن أنه حينما يرى ابنه العاق الشارد عاد إليه، وأعلن توبته، لذلك... إذا رجع العبد العاصي إلى الله، نادى منادٍ في السموات والأرض، أيتها الخلائق هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، كيف لا واللهُ أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد.
 إذا كان معك سند بخمسمئة ألف ليرة، وضيعته، وقال لك صاحب السند: أحضِر السند وخذ المبلغ، وإلا فمالك عندي شيء، وقد بحثتَ عنه يومًا أو يومين أو ثلاثة أيام أو أسبوعين، فنصف مليون ضاعت منك، ثم وجدته ألا تفرح؟ "والله أشدّ فرحاً بتوبة عبده من الضالّ الواجد".
 إنسان كاد يموت عطشاً في البادية، ثم وجد نبع ماء، فالله أشدُّ فرحًا من الظمآن الوارد، وإنسان عقيم معه مئة مليون وليس له ذرية، وقلبه متلهِّف ليكون له ولدٌ، فإذا بزوجته تحمل، قال: " ومن العقيم الوالد".
كيف لا؟ واللهُ أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد، ومن العقيم الوالد.

 

الدعاء الصادق هو الدعاء الذي يخرج من قلب المؤمن :

 لذلك يقول الله عز وجل:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾

 من دون كلمة قل:

﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

 أي يا عبدي ليس بيني وبينك أحد، قل: يا رب ؛ وأنا أقول لك: لبيك يا عبدي، فمن يذكر أرجى آية بالقرآن الكريم؟ أرجى آية لو قرأها إنسان سارق زانٍ مقترف كل المعاصي يقشعر جلده:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

[سورة الزمر:53]

 هذه أرجى آية في القرآن الكريم، والصلحة بلمحة، ولا يعرف طعمة التوبة إلا من قبلت منه توبته، يشعر كأن جبالاً أزيحت عن كاهله، يشعر بأنه خفيف، يشعر أنّ خالق الكون يحبه، فبادروا بالتوبة، قال سبحانه:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 من أجل أن أجيب دعوتهم.

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾

 إن آمنت بالله من خلال الكون، ومن خلال القرآن، ومن خلال أفعال الله عز وجل، ثم عرفت منهجه، وطبقت منهجه

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

 ولن يستجيبوا لي حتى يؤمنوا بي، هنا تسلسل عكسي.

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

  ولن يستجيبوا لي حتى يؤمنوا بي،

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

 إلى الدعاء المستجاب، وبعد فأكثر الكتب والأدعية مكتوب فيها: الدعاء المستجاب، والدعاء المستجاب إذا آمنت بالله، وإذا طبقت أمره، عندئذٍ تكون مستجاب الدعوة.
 وفي الآية شيء آخر:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

  الدعاء الصادق هو الذي يخرج من قلب المؤمن
أحياناً الإنسان يدعو في حكم العادة، فبعد كل صلاة هناك دعاء، لكن الدعاء الصادق هو الذي يخرج من قلب المؤمن:

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 الأمر يرجع إلى الله وحده :

 

 إذاً: أن تؤمن بالله خالقاً ورباً ومسيراً، وأن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، وأن تؤمن بمنهجه أنه المنهج القويم، والصراط المستقيم، وأن تحمل نفسك على منهجه، وعلى طاعته، وأن تدعوه مخلصاً، عندئذٍ تكون مستجاب الدعوة، وأنت بالدعاء المستجاب أقوى إنسان حقًّا، أقوى إنسان على وجه الأرض، فلا تقل: إني ضعيف، ولا تقل: إني مستضعف، ولا تقل: المسلمون ضعفاء في هذه الأيام، لا، أنت بالدعاء أقوى إنسان، وكل ما في الكون ومَن في الكون بيد الله عز وجل، والله عز وجل ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله إليه، فلو أن الأمر بيد زيد أو عبيد، وقال لك: يا عبدي اعبدني، تقول عندئذٍ: كيف أعبدك وحدك وأمري بيد فلان؟ لكنه قال لك: لا:

﴿َإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

[سورة هود: 123]

 كله؛ في صحتك، في قلبك، في كليتيك، في كبدك، في دماغك، في زواجك، في تجارتك، في كسب المال، في وظيفتك، عند مَن هم فوقك، وعند مَن هم تحتك.

﴿َإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[سورة هود :123]

الالتجاء إلى الله في كل الأحوال :

 فيا أخواننا؛ لا تنسوا هذه الآية الكريمة:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾

 يمكن أن تدعوه في سرك دون أن تحرك شفتيك.

﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

[سورة مريم: 3]

 فإذا دخلت إلى مكان تهابه، قل: يا ربي إني تبرأتُ من حولي وقوتي، والتجأتُ إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، وإذا أقدمت على عمل، أو على تأسيس مشروع، أو على زواج، أو على سفر، أو دخلت بيتك، وفي كل أحوالك.
 مثلاً إذا دخل الإنسان بيته فَسَلَّمَ، قال الشيطان لإخوانه: لا مقام لكم في هذا البيت، وغادره الشيطان ومَن معه، فقل: السلام عليكم عند دخول البيت دائماً، فإذا جلس الإنسان إلى الطعام وسمَّى الله، قال الشيطان: لا مبيت لكم في هذا البيت، فارتحلوا إلى غيره، قال: فإذا دخل الرجل إلى بيته ولم يسلم، ولم يسمِّ، قال الشيطان لإخوانه: أدركتم المبيت والعشاء، طوال الليل خلافات، وطوال الليل مشاكل فيما بينه و بين أهله. فإذا أردت أن يكون بيتك سليماً كأنه قطعة من الجنة إذا دخلت فسلم، وإذا خرجت من البيت فقل: " اللهم إني أعوذ بك من أن أضل أو أُضل، أو أزل أو أُزل، أو أَجهل أو يجهل عليّ ".
 إذًا هناك دعاء للدخول.. ودعاء للخروج. ودعاء لدخول المسجد.. " اللهم افتح أبواب رحمتك" اخشع بالصلاة، تتلقى من الله تجليات بالصلاة، فإذا خرجتَ من المسجد فقل: " اللهم افتح لي أبواب فضلك" ليكن لي عمل صالح أتقرب به إليك، فأنت بين بيت الله وخارج بيت الله، في بيت الله اسأل الله الرحمة، وخارج بيت الله اسأله التوفيق لأعمال صالحة تقربك إليه.
 كان عليه الصلاة والسلام إذ جلس إلى المائدة قال:

((الحمد لله الذي أذاقني لذته ))

[الجامع الصغير عن ابن عمر]

 أنت إنْ أكلت صحن فول، أو أي طعام كان، فاصولياء، أو تفاحة، أو قطعة حلو، فقل: " الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته" فصحتي كلها جيِّدة والحمد لله، فالإنسان إذا دخل الخلاء، ثم خرج منه، دخل بيته أو خرج منه، أو قارب زوجته مثلاً، أو دخل محله التجاري فادعُ الله، وإنْ نويت خدمة المسلمين فقل: " اللهم إني أعوذ بك من يمينٍ فاجرة، وصفقةٍ خاسرة" أتورط فيها، هناك دعاء بالعمل التجاري، دعاء لدخول المسجد، دعاء لدخول البيت، دعاء في أثناء المرض، أنت بالدعاء أقوى إنسان، أقوى إنسان على وجه الأرض، لله رجال إذا أرادوا أراد الله.

 

حاجة الدعاء إلى إيمان و إخلاص و عمل صالح :

 الدعاء يحتاج إلى إيمان بالله أولاً... وإلى طاعته ثانياً... وإلى إخلاصٍ في الدعاء ثالثاً... فإذا توافر الإيمان والعمل الصالح والإخلاص كنتَ مستجاب الدعوة، وإذا كنت مستجاب الدعوة كنت أقوى إنسان، فلا تقل: أنا مستضعف وضعيف، فالله معك، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ لا أحد.
 من كان الله معه كان قويا
كان شخص لا يعرف الله عز وجل، وهو ذو اختصاص نادر بالطب، والقصة من خمسين سنة، والحادثة قديمة، ما يدخل بيت مريض إلا بسيارة تنقله، وليرة ذهب يتقاضاها، طبعاً اختصاص نادر؛ طبيب نسائي، وامرأة عندها ولادةٌ عسرةٌ على وشك الموت، باع أهلُها الفراش من تحتها ليعطوا الطبيب ليرة ذهبية قبل أن يتحرك إلى بيتها، فلما تقدمت به السن، أصيب بمرض عضال، بعد أربعة أيام زوجته قررت أن تجعله بالقبو، وقد عَمِّرَ بناية من أفخر بنايات دمشق القديمة، بينما كان يسكن في الطابق الثالث وضعته زوجتُه بالقبو، ولا تأتيه بل تبعث إليه الخادمة، فيقول لها: أين الخانم؟ فتسبه و تدعو عليه ثم تقول له: الخانم تقول لك: أما تأكل؟ هذا ما آل إليه الطبيب المشهور الذي لم يرحم الناس، فأقرب الناس إليه بالغ في إهانته، ثم تفاقم مرضه، وأصبحت له رائحة كريهة، فاستأجرت له قبوًا بعيداً عن البناء، وبقي في القبو الآخر ثماني سنوات ثم توفي، إذا كان الله معك فمن عليك؟ فإن عدوك قد يخدمك، وإذا كان الله عليك فإنَّ زوجتك تهينك، وابنك قد يضربك.
 إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ فيا ربي ماذا فقد من وجدك؟ واللهِ ما فقد شيئًا، وماذا وجد من فقدك؟ ما وجد شيئًا، فاعتبروا يا أولي الألباب.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018