بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 057 - الإعتكاف.


1993-03-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، و زدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، موضوع متعلق بالصيام، أومن متممات الصيام، هذا وقته المناسب وهو الاعتكاف، لا أريد منم هذا الموضوع أن يُفهم فهما ضيقا، بل أن يفهم فهما موسّعا، فأصل الاعتكاف أن الإنسان لا بد له من خلوة مع الله، إن لم تكن له هذه الخلوة فهو يعاني نقصا في طمأنينته و نقص في النور الذي يلقيه في قلبه، الاعتكاف النبي عليه الصلاة و السلام فعله في رمضان، وفي العشر الأواخر منه، وقد يكون أحدكم مرتبطا بعمل وظيفي لا يسمح له أن يعتكف هذه الأيام العشر، و لكن سوف نأخذ تفاصيل هذا الموضوع و سوف أطرق لكم طريقة تطبيق الاعتكاف بشكل يتناسب مع حياة كل منا.
 على كلٍّ العشر الأخير في رمضان له طعم خاص، العشر الأخير في رمضان أساسه الانقطاع عن الدنيا، فمعنى الاعتكاف لغة، الاعتكاف لزوم الشيء و حبس النفس عليه، خيرا كان أم شرا، معناه اللغوي: عكف على هذا العمل أي ألزم نفسه به واقتصر عليه، قال تعالى:

﴿هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52)﴾

)سورة الأنبياء)

 فالعكوف على الشيء البقاء معه، و حبس النفس عليه، خيرا كان أو شرا، المقصود به بالمعنى الشرعي لزوم المسجد و الإقامة فيه بنية التقرب إلى الله عز وجل، الآن المعنى الدقيق أن أيَّ توجه إلى المسجد و أي بقاء فيه، وأيّ جلوس فيه، وأيّ استماع فيه، أو أيّة صلاة فيه، أو أي ذكر يُذكر الله فيه، أو أيّ تلاوة قرآن فيه نوع من أنواع الاعتكاف، إذًا أنت على مدار العام ما دمت قد أتيت أحد بيوت الله لا تبتغي منه تجارة و لا صفقة و لا بيعا ولا شراء و لا وجاهة ولا سمعة ولا علاقات مع إخوانك، لا تبتغي من هذا المجيء إلا رضاء الله عز وجل، فأنت ممن ينطبق عليك هذا الحكم، أنت معتكف في هذا المسجد، حتى إنكم تقرؤون في بعض المساجد لوحات كُتب عليه " نويت الاعتكاف في هذا المسجد ما دمت فيه " الاعتكاف عبادة من العبادات، بمعنى أو بآخر الانقطاع إلى الله عز وجل، الحياة فيها زحمة فيها مشكلات،وفيها متاعب، وفيها هموم، و فيها أحزان، وفيها مقلقات، إذا الإنسان دخل بيتا من بيوت الله ليصلي، فدخوله للصلاة وانتظاره للأذان وصلاة السنة، وانتظاره إقامة صلاة الفرض وأداؤه لصلاة الفرض، والدعاء بعد الصلاة هذا اعتكاف، هو دخل هذا البيت تقربا إلى الله عز وجل، ماذا ينتظر من الله

(( إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمّارهما، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر...))

 مشروعية الاعتكاف ؛ أجمع العلماء على أن الاعتكاف مشروع، فقد كان عليه الصلاة و السلام يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما انقضى العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوما، لا تصدق إنسانا يعتكف لا يلقى شيئا، و لا تصدق إنسانا يقرأ القرآن و لا يجد شيئا، يذكر و لا يجد شيء،ولكن ربنا عز وجل لا يعمل نتائج فورية، يمتحن صدقك، إذا أنت حريص على الدخول لهذا البيت تطرق أول مرة وثانية و ثالثة، أما إذا لم تكن حريصا، حريص أن تضع كارتا فقط في العيد، ولا مصلحة لك بالدخول، حريص تسمي أنك زرته، وما عندك وقت لمقابلته، تطرق الجرس مرة واحدة و لا تعيدها،
فأخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
فالاعتكاف، ما الاعتكاف ؟ تقرع أنت باب الملِك، الاعتكاف تسأل الله الرحمة، ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16 ﴾

 

(سورة الكهف)

 إذا الإنسان صعد إلى الجبل، ذهب إلى البرية كما يقولون، شعر بضيق، فانطلق إلى فلاة، إلى مكان ليس فيه أحد، وقرأ القرآن، فهذا اعتكاف، إذا ضاقت علينا الأمور، واشتدت الهموم و الأحزان، شعر الإنسان بجفاف في قلبه، شعر بوحشة، شعر بسأم، بملل و ضجر، عليه بالاعتكاف، الاعتكاف أيها الإخوة يمكن أن تفعله طوال العام، وعلى مدار السنوات، كلما ضاقت نفسك ابتعد عن الناس، وابتعد عن عملك اليومي، ابتعد عن بيتك، والجأ إلى ركن من أركان الحياة، أحيانا الإنسان أحيانا في مكان بعيد عن الناس، بعيد عن الضوضاء، إذا جلس يقرأ القرآن فهو معتكف، الاعتكاف خلوة مع الله، بأضيق المعاني لو دخلت إلى غرفة الضيوف في بيتك و أغلقت الباب، وأطفأت الأنوار و دعوت الله عز وجل، أو قرأت القرآن أو صليت قيام الليل، هذا اعتكاف، أعطيكم المعاني الواسعة، المعنى الواسع خلوة مع الله، معناه الواسع انقطاع عن هموم الدنيا

(( عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَاكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ))

(رواه مسلم)

 الحياة فيها متاعب، وفيها هموم، وفيها أشياء مملة، فيها أشياء تقليدية، أعراف و تقاليد، الإنسان يمل، يقول لك: شعرت قلبي تصدّى، العوام هكذا يقولون، و الله عز وجل قال:

 

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾

 

(سورة الرعد)

 إن القلب لتصدأ قيل: وما جلاؤها ؟ قال: ذكر الله " أنت إذا دخلت إلى غرفة الضيوف، و أغلقت الباب و صليت ركعتين و تلوت القرآن فأنت معتكف، إذا ذهبت إلى مكان بعيد عن ضوضاء الناس، إلى شعب من شعاب الجبل، إلى بستان، إلى فلاة، إلى طريق منزوي، ودعوت الله عز وجل فأنت معتكف، الاعتكاف هي خلوة مع الله، الاعتكاف انقطاع عن الدنيا، فإذا ضاقت عليك الصدور كما قيل، عليكم بزيارة القبور، كل هؤلاء المدفونين لهم قوائم أعمال ماتوا و ما انتهت، كل واحد منا له دفتر، جدول أعمال، تشطيب، هذه ما انتهت، وهذه لا بد لها من مراجعة، هذه لا بد أن أتصل مع فلان، هذه قضية لا بد أن نسأل محاميا، هذه لا بد أن نأخذ رأي شريكنا، هذه لا بد أن نرى رأي الخانون، ما رأيك،كل قضية لها متابعة، يعيش الإنسان كل حياته و لا تنتهي القضايا، فلا بد لك أن تسحب نفسك من زحمة العمل، من وحل المادة، من الانغماس من هموم الحياة إلى ساعة لقاء مع الله عز وجل.
 بالمناسبة إذا الإنسان طرق باب شخص، و أحب أن يكون استقباله جيدا جدا يأخذ معه هدية، أليس كذلك، طبعا إذا فات الواحد إلى بيت ومعه هدية شعر بثقة في نفسه كبيرو، طيب مع الله ماذا تفعل، قال تعالى:

 

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾

 

(سورة الكهف)

 تصدق واختل مع الله، اخدم إنسانا وانقطع لله، اعمل عملا طيبا وناج الله عز وجل، فهذا اللقاء مع الله يحتاج إلى عمل صالح، قال تعالى:

 

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾

 

(سورة الكهف)

 اعتكف أصحاب النبي وأزواجه معه و بعهده، وهو إن كان قربة إلا أنه لم يرد نص في فضله صحيح، لكن اعتكاف النبي وحده دليل لأن السنة كما تعلمون أقواله وأفعاله و إقراره.
 الاعتكاف أنواع ؛ مسنون وواجب، فالمسنون ما تطوع به المسلم تقربا إلى الله عز وجل وطلبا لثوابه و اقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم، و يتأكد هذا الاعتكاف في العشر الأخير من رمضان، أما الاعتكاف الواجب ما أوجبه المرء على نفسه إما بالنذر المطلق ؛ مثل أن يقول: للهِ عليّ أن أعتكف كذا، هذا النذر المطلق، أو بالنذر المعلق: لئن شفى الله مريضي لأعتكفن عشرة أيام، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

((عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ ))

(رواه البخاري)

 وفي صحيح البخاري

((عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ ))

(رواه البخاري)

 إذًا عندنا اعتكاف مسنون، سنة، و عندنا اعتكاف واجب، الواجب نوعان ؛ النذر المطلق و النذر المقيَّد، إذا الواحد عليه مادة في الامتحان صعبة جدا، يا ربي إذا أكرمتني أنا سأعتكف من أجلك أياما ثلاثة، وهناك طلابا في الجامعة يقولون: يا ربي إذا نجحت في أول دورة فالصيفية كلها لك، لا تشغلني الصيفية بغيرك، والله دعاء لطيف، ينجح في أول دورة، كان سابقا حمل المواد، فكان يقول الواحد: أنت حامل ؟ لا والله لست حاملا، صار كأنه ذكر أو أنثى، حامل أي عنده مواد، فإذا الإنسان نذر لله عز وجل إن نجحه في أول دورة أن يجعل الصيف كله لله عز وجل في الدعوة إليه و في طلب العلم الشرعي، و في خدمة المؤمنين، فهذا نذر، فإذا نجح من أول دورة فعليه أن يفيَ بنذره، و الأكمل لا تستخدم مع الله أسلوب النذر، لأن الله عز وجل أهل التقوى من دون شرط، لا تشارطه ولا تجربه، فالله عز وجل لا يُشارط و لا يجرَّب، إذا أردت التقرب منه فتقرَّب منه بلا شرط، بلا قيد و لا شرط.
 الاعتكاف الواجب يُؤدّى بحسب ما نذر صاحبه، إن نذر يوما فيوم، وإن شهر فشهر، في رمضان، في رمضان، ليس له وقت محدد، بحسب ما تطلب أنت، أما الاعتكاف المستحب المسنون ليس له وقت محدود، أيُّ دخول للمسجد اعتكاف، أيّ حضور مجلس علم اعتكاف، أنتم جميعا الآن معتكفون، ليس هناك ضيافة،و لا قواعد وثيرة ومريحة، و لا عقد صفقات، ولا شركة، لا يوجد شيء، لا يوجد إلا أنك أتيت هذا البيت إرضاء لله عز وجل، لم تأت هذا البيت إلا تقربا إلى الله عز وجل، النية بالأساس، الأخ الكريم سأل من دون نية، النية من عمل القلب، أما ما يتوهمه بعض الأشخاص لا بد من أن تقول: نويت أن أصلي، العلماء حينما استحبوا التلفظ بالنية من أجل تأكيد نية القلب، أما النية في القلب إنما هي من أعماله فقط، فواحد يوم أحد، يوم الاثنين يوم الجمعة، يوم الجمعة، درس الجمعة، قبل المغرب بساعة لبس و هيأ نفسه و عمل حسابات لا بد من ساعة في الطريق أو نصف ساعة و ركب و جاء، لماذا جاء، هذه هي النية، واضحة جدا، ما جاء لهذا البيت إلا يبتغي حضور هذا المجلس، أما إذا كان على موعد مع واحد في الجامع يدل على دلاّل ليشتري بيتا، فقال له: نلتقي بالجامع، هذا لم يعد درس علم، هذه النية اختلفت، أما ليس له أيّة علاقة مع إنسان القصد أنه يحضر مجلس العلم، هذا الاعتكاف بنية، لماذا طرحت هذا الموضوع ؟ أنتم طول السنة معتكفون، حضور هذه المجالس اعتكاف، حتى لو دخلت إلى الصلاة فأنت معتكف، أنت تركت دكانك و مكتبك و تجارتك و بيتك، البيت فيه مقاعد وثيرة، وفيه أركان في البيت مسلية، هناك أولادك بين يديك، هناك مطبخ، هاوت قهوة، هاتوا شاي، هنا في المسجد لا يوجد شيء من هذا، تركت البيوت جئت بيت الله عز وجل، طبعا

(( إن بيوتي في الأرض المساجد، زوارها هم عمارها ))

 الاعتكاف المستحب ليس له وقت محدود، فهو يتحقق بالمكث في المسجد مع نية الاعتكاف طالا الوقت أم قصر، نية الاعتكاف لماذا ؟ حتى إذا الواحد لا بيعة في المسجد، أو يلتقي مع شخص في المسجد، إذا التقى معه فهو غير معتكف، إذا نفينا المصلحة المادية و الأهداف الضيقة الدنيوية، طبعا الاعتكاف نيته التقرب إلى الله عز وجل، و يثاب ما بقي في المسجد، فإذا خرج منه ثم عاد إليه جدّد النية إن قصد الاعتكاف، فعن يعلى بن أمية قال

(( إني لأمكث في المسجد ساعة ما أمكث إلا لأعتكف " قال عطاء: هو اعتكاف ما مكث فيه، وإن جلس في المسجد احتسابا للخير، فهو معتكف، وإلا فلا ))

إذًا أ،ت في عبادة ما دمت في المسجد تصلي أو تذكر أو تقرأ القرآن أو تنتظر الصلاة، أو تحضر مجلس العلم.
 قال: للمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب متى شاء، إذا كان نذرا فله ترتيب، أما إذا كان سنة فمستحب متى شاء، قبل قضاء المدة التي نواها، فعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكَفه

(( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَالَتْ وَإِنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ قَالَتْ فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ - مثل خيمة صغيرة - فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَمَرْتُ بِبِنَائِي فَضُرِبَ قَالَتْ وَأَمَرَ غَيْرِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ نَظَرَ إِلَى الْأَبْنِيَةِ فَقَالَ مَا هَذِهِ آلْبِرَّ تُرِدْنَ قَالَتْ فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَقُوِّضَ وَأَمَرَ أَزْوَاجُهُ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَقُوِّضَتْ ثُمَّ أَخَّرَ الِاعْتِكَافَ إِلَى الْعَشْرِ الْأُوَلِ يَعْنِي مِنْ شَوَّالٍ ))

(رواهأبو داوود)

 المرأة أحيانا تتخذ حتى من العبادات مظاهر، البر أردتن، قالت عائشة، فأمر ببنائه فقوض، وأمر أزواجه ببنائهن فقوضن، ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول من شوال " معناه أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس مثل رمضان ليس كالصوم، ممكن أن الإنسان لو قال: أنا أعتكف عشرة أيام، ثم رأى أن ينهي اعتكافه قبل مضي المدة لا عليه.
 شروط الاعتكاف، أن يكون مسلما مميِّزا طاهرا من الجنابة و الحيض و النفاس، فلا يصح الاعتكاف لا من كافر و لا من صبيّ غير مميز و لا من جنب و لا من حائض ولا من نفساء، مسلم مميز طاهر من الجنابة، هذه شروط الاعتكاف.
أركانه ؛ المكث في المسجد بنية التقرب غلى الله تعالى، فلو لم يقع المكث في المسجد، أو لم تحدث نية الطاعة لا ينعقد الاعتكاف، المكث مع النية، و النية كما قلنا: قصد القلب، عزم القلب على فعل الطاعة.
وأما في المسجد فقال تعالى:

 

﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾

 

(سورة البقرة)

 ووجه الاستدلال أن الاعتكاف في الأصح وفي الأعم الأغلب ينبغي أن يكون في المساجد، الأصل في الاعتكاف أن يكون في المساجد، أما في غير المساجد فنكون قد أعطينا الاعتكاف معنى أوسع، كما قلنا في الفلاة أو شعب م شعاب الجبل، أو في غرفة نائية في البيت، أو في مكتبة، فإذا وسّعنا معنى الاعتكاف يمكن أن يكون في غير المساجد.
المعتكِف إن صام فصومه حسن، و إن لم يصم فلا شيء عليه، يمكن أن تعتكف خارج رمضان و أن تأكل، فروى البخاري

((عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ))

(رواه البخاري)

 ففي أمر النبي صلى الله عليه و سلم له بالوفاء بالنذر دليل على أن الصوم ليس شرطا لصحة الاعتكاف، إذ أنه لا يصح الصيام في الليل، الصوم ليس من لوازم الاعتكاف، و سئل سيدنا عمر بن عبد العزيز فقال: ليس على المعتكفة صيام إلا تجعله على نفسها نذرا " والحسن البصري قال: من اعتكف من غير صيام أجزأه ذلك " و المعتكف إن شاء صام وإن شاء أفطر، طبعا هذا الكلام خارج رمضان، أما في رمضان طبعا الصيام فرض، إذا قلت امرأة معذورة ليس لها حق أن تعتكف في المسجد، لأنه لا يصح أن تكون موجودة في المسجد، كان عليه الصلاة و السلام إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، هذا البدء الطبيعي للاعتكاف.
 يستحب للمعتكف أن يكثر من نوافل العبادات، ماذا يفعل الواحد في المسجد إذا كان معتكفا، أن يكثر من نوافل العبادات، و أن يشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والتسبيح و التحميد و التهليل و التكبير و الاستغفار و الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم و الدعاء، ونحو ذلك من الطاعات التي تقرب إلى الله تعالى و تصل المرء بخالقه جل ذكره، إذًا المعتكف وظيفته أن يكثر من نوافل العبادات، صلاة، تلاوة تسبيح وتحميد وتهليل ، لا إله إلا الله، تكبير استغفار، صلاة على النبي صلى الله عليه و سلم، والدعاء للمعتكف.
 قال العلماء يمكن أن يدخل في الاعتكاف دراسة العلم، والله شيء جميل، قراءة كتب التفسير و الحديث، قراءة سير الأنبياء و الصالحين، إذا الواحد صعد إلى المكتبة فتح كتاب سيرة معناها معتكف، فتح كتاب تفسير، معناها معتكف، فتح كتاب فقه معناها معتكف، و المكتبة ضمن المسجد، الباب خارجي، إذًا هذه رحمة، قال: مما يدخل في هذا الباب دراسة العلم ن وقراءة كتب التفسير و الحديث و قراءة سير الأنبياء و الصالحين، و كتب الفقه و الدين.
يكره للمعتكف أن يشغل نفسه بما لا يعنيه من قول أو عمل، إذا فوت معه راديو لسماع الأخبار، هذه لا، صار بيتا، لم يعد معتكفا ن صلاة و تلاوة و ذكر ودعاء واستغفار و تحميد وحمد وتهليل و تكبير و الصلاة على النبي صلى الله ع ليه و سلم و الدعاء فلا مانع، هذا كله اعتكاف، أما أن يشغل نفسه بما لا يعنيه من قصد أو عمل طبعا هذا مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه و سلم

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ))

 

(رواه الترمذي)

 يكره له الإمساك عن الكلام ظنا منه أن ذلك مما يقرب إلى الله عز وجل، صيام الكلام ليس واد إطلاقا، ليس في شرعنا صيام الكلام، أما قوله تعالى:

 

﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً (26) ﴾

 

(سورة مريم)

 هذا في شرع من قبلنا، أما في شرعنا صيام الكلام ليس واردا إطلاقا، الدليل

(( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ))

[رواه البخاري]

 أحيانا يقول لك:واللهِ أنا يتيم، عمره خمسة و أربعون و يقول: أنا يتيم، فعليه الصلاة و السلام قال، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ

 

[رواه أبو داوود]

 واحد عمره خمسة عشر سنة بم يعد يتيما، كلمة يتيم تعني عمره سنتان أو ثلاثة أو أربعة، دون البلوغ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حَفِظْتُ

 

((عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ))

[رواه أبو داوود]

 في الإسلام لا يوجد صوم عن الكلام إطلاقا، لأن البيان الله عز وجل هذه نعمة كبيرة أنعم الله بها على الإنسان.
ماذا يباح للمعتكف ؟ قال: يباح للمعتكف خروجه من معتكفه، لتوديع أهله كما فعل النبي

((عليه الصلاة و السلام، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي ))

أي ليودعني إلى البيت

(( وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالَا سُبْحَانَ - معقول - اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا ))

[رواه البخاري]

 فإذا النبي سيد الخلق المعصوم الذي يوحى إليه لما رآه أصحابه مع زوجته صفية خاف أن يقع في نفوسهم شيء، فأنت إنسان عادي إذا فعلت شيئا يوجب التهمة، واتهمك الناس فلا تلم أحدا على ذلك، ابتعد عن مواطن التهمة، بيّن ووضِّح، لو فرضنا أن واحدة زوجها مسافر، و لها أخ قلما يأتي إليها، في غيبة زوجها بدأ الأخ يتردد إليها، ماذا يمنع أن تقول للجيران هذا أخي، أنا مرة كنت في محل تجاري، هذا المحل صاحبه رجل ديِّن، جاءه شخص آخر ملتحي عليه سماء الصلاح، فأنا جالس في المكتب الداخل، تأتي امرأة فيخف صاحب المحل لاستقبالها، نسمع كلاما فيه مودة، اشتقنا لكم لم، نعد نراكم، رأيت هذا الزائر قد تغير لونه، هذا معقول، إنسان يدير حديثا مع امرأة في مودة و في سؤال عن صحتها وعن الغيبة طالت، فأنا أحسنت الظن بصاحب المحل، جزمت أنها أخته، طبيعية جدا، أما أنت في محل بيع أقمشة و دخلت امرأة و تقول لها: اشتقنا لك، هذه لا تضبط، فإذا كان الرسول وهو سيد الخلق و حبيب الحق بيّن ووضح، يا إخوان، أكمل موقف و أذكى موقف أن تبين ذلك، لئلا تدع الناس يتهمونك، فإن اتهموك فأنت المذنب، هذا قول سيدنا علي

(( لا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك ))

 مشكلة، قاعد وراء مكتب صديقك، و الباب مفتوح مملوء بالأموال، تريد الصرافة، طالعت خمسمائة وضعتها في الدرج أنت تأخذ المئات فلم تجد هذه مشكلة، استأذنه، اسمح لي أصرف هذه، ما هذه الكلفة، لعل يأتي وارد، لو فرضنا نقص الصندوق مبلغ صار عنده شاهد أنه صديقي فتح الدرج، إياك أن تفعل شيئا تتهم به، هذه قاعدة، انظر غلى موقف النبي، زوجته و سيد الأنبياء و رسول و نبي و معصوم و قال لهم: هذه زوجتي

(( فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا))

 هناك واحد من إخواننا عنده كم محل من الحلويات، طلب من معمل زبدة أن يأتيه بعدد من القوالب، فقال له: أريد مائة قالب، جاء صاحب المعمل وضع الكمية و ذهب، عدّهم وجدهم تسعة و تسعين، اقترب على معطف أحد العمال وجد في الجيب قالب زبدة، طبعا غلا و اتهم هذا الصانع بسوء الائتمان و زمجر و هم أن يطرده، لكن قال لي: إن الله هدأني، ذهب إلى صاحب المعمل ليحاسبه، قال له: بعثنا لك مائة قالب، اشترى صانعك قالبا هات ثمن التسعة و التسعين، الصانع مخطئ، كان لا بد أن يبلغ صاحب المحل، أنا أقول لكم أحيانا يقع طلاق تنفصم شركة لعدم التبيين، يكون جاء شخص للشريك وضع عنده مبلغ أمانة، ما قال للشهود، بعد يومين أما الشريك الآخر جاء الشخص أعطاه مبلغا، لم يسجل شيئا، ما هذا، يغلي، لم يسجل، ما سجل، محاسب لا يوجد شيء، هو دفع أمانة وضعت عنده مؤقتا، لو كان بلغ يا فلان وضع عندنا من أسبوع أمانة لفلان و ها أنذا أعطيه إياه، بكل علاقاتنا الاجتماعية و المادية و القرض و الدين و الأمانة، كله بين، اجعل شعارك البيان يطرد الشيطان، إذًا خروجه من معتكفه لتوديع أهله، و ترجيل شعره، إذا واحد معتكف لا بد أن يخيف، لا بد أن تخاف منه، إذا الواحد نظم شعره، لا مانع، ترجيل شعره و حلق رأسه وتقليم أظافره، وتنظيف بدنه من الشعر و الدرن ولبس أحسن الثياب و التطيب بالطيب، شيء جميل جدا، و أنت معتكف، حالق و مرتب و معطر، مهفهف و لابس، أنت مع الله، أنا كنت أسمع أن هناك من يصلي في الليل يلبس ثيابا حسنة و يتطيب و يقرأ القرآن، حتى في العلاقة مع الله الأكمل أن يكون الوضع مقبولا.
الشيء الثالث الخروج للحاجة التي لا بد منها

(( عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِي الْحَائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي الْمَرْأَةُ وَهِيَ جُنُبٌ فَقَالَ عُرْوَةُ كُلُّ ذَلِكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ تَعْنِي رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حَائِضٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا فَتُرَجِّلُهُ وَهِيَ حَائِضٌ ))

[ رواه البخاري]

 يمكن أن يقضي الحاجة في بيته مثلا، و البيت جنب المسجد، خروج المعتكف لحاجة لا بد منها، لو فرضنا مثلا غفل نام قليلا فاحتلم، لا بد أن يغتسل، له أن يذهب إلى البيت و يغتسل و يعود إلى معتكفه، أجمع العلماء على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط و البول لن هذا مما لا بد منه، ولا يمكن فعله في المسجد، و في معناه الحاجة إلى المأكل والمشرب، إذا لم يكن له من يأتيه به فله الخروج إليه، يمكن أن تذهب لتتغدى و ترجع، تتعشى و ترجع، إذا أتوا لك، طبعا سندوش و ليس تسقية و شغلات، تكبه على السجاد، تعمل لن مشاكل، مبلول، إذا أكل لطيف خفيف ممكن أن تأكله في الجامع، و إلا اذهب إلى بيتك.
 إذا كان هناك دورات، سمعت أن بعض البلدان هناك أماكن للاغتسال في المساجد، ماء ساخن، و ترتيبات، لا مانع، لكن البيت الحرام شيء لطيف دورات المياه خرج البيت الحرام، وضوء في البيت الحرام لا يوجد، ولا هناك دورات مياه.
قال: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة و ليحضر الجنازة و ليعن المريض، و ليأت أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم، دخل على الباب: هيئوا لنا طعاما، الحاجة الفلانية، له أن يحضر جنازة و يشهد الجمعة ويعود المريض، وليأت أهله يأمرهم بحاجته.
وعن قتادة أنه كان يرخص للمعتكف أن يتبع الجنازة و يعود المريض ولا يجلس " إن جلس صار هناك خلاف الاعتكاف، على الواقف.
الآن، وله أن يأكل و يشرب في المسجد و ينام فيه مع المحافظة على نظافته و صيانته، هذا مباح للمعتكف.
 الآن الذي يبطل الاعتكاف، الخروج من المسجد لغير حاجة عمدا، بلا سبب، ضاق خلقه، معناه انتهى، خروجه من المسجد عمدا بلا عذر ولا سبب، هذا الخروج و لو كان قليلا يبطل اعتكافه، بطل المكث في المسجد، والردة طبعا لمنافاتها للعبادة،

 

﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾

 

(سورة الزمر)

 إذا الإنسان شك في هذا الدين انتهى اعتكافه، وذهاب العقل، بجنون أو سكر، و الحيض و النفاس، لفوات شرط التمييز، و الطهارة من الحيض و النفاس، هذه كلها تبطل الاعتكاف.
 الآن عندنا قاعدة في الفقه ؛ إذا الإنسان شرع في عبادة نافلة، ثم قطعها انقلبت إلى عبادة واجبة، من شرع في الاعتكاف متطوعا ثم قطعه استحب له قضاؤه و قيل: يجب، واختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على ما نوى، قال مالك: إذا قطع اعتكافه وجب عليه القضاء، و احتجوا بالحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم لما خرج من اعتكافه فاعتكف شهرا من شوال " العبادة لعظمتها إذا بدأت بها ثم تركتها عليك أن تعيدها، كانت نفلا فأصبحت واجبا.
المعتكف إذا اعتكف من نذر: من نذر أن يعتكف يوما أو أياما ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه بالإجماع، متى قدر عليه باتفاق الأئمة فإن مات قبل أن يقضيه لا يُقضى عنه، إذا كان الاعتكاف النذر هذا قضاؤه واجب، أما إذا اعتكاف سنة قضاؤه بعضهم قال واجب، و بعضهم قال مستحب.
 من نذر الاعتكاف في المسجد الحرام أو النبوي أو الأقصى وجب عليه وفاؤه بنذره في المسجد عينه، بالحرام، بالحرام، بالنبوي بالنبوي، بالأقصى بالأقصى، الأقصى حتى يفتحه الله علينا، لقول النبي عليه الصلاة و السلام

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ))

[رواه البخاري]

 الآن الحكم الثاني أما إذا نذرت الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاثة فلا يجب الاعتكاف في المسجد الذي عيّنته، أيّ مسجد غير هذه الثلاثة كلها سواء، لو قلت: أريد أن أتكف في الجامع الأموي في حلب، أموي الشام ماشي الحال، إذا نويت و عينت مسجدا غير الثلاثة يجزئك أن تعتكف في أي مسجد آخر، هذه قاعدة، أما إذا عينت المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو الأقصى لا بد من أن تعتكف في أحد هذه المساجد بحسب ما عينت، ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ))

[رواه البخاري]

 ألف بمائة، و الباقي عادي.
الآن من نذر الاعتكاف في المسجد النبوي قال: جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام، النبوي لك أن تعتكف في الأهم، أما إذا نويت في الحرام لا يجزئك إلا أن تعتكف في المسجد الحرام.
 ملخص الدرس بشكل سريع، الاعتكاف انقطاع إلى الله،الاعتكاف خروج من هموم الدنيا و من متاعبها و من مشكلاتها ومن مقلقاتها ومن همومها و من أحزانها، الاعتكاف خلوة مع الله، معناه الواسع أي انقطاع إلى الله عز وجل اعتكاف، معناه الضيق أن تلزم المسجد، المعنى الواسع في المسجد أيُّ دخول للمسجد بنية التقرب إلى الله بأداء صلاة لحضور مجلس علم، أو لقراءة قرآن أو لذكر، حتى لو طالعت كتب التفسير و كتب الحديث و الفقه و كتب السير ة وأي كتاب يمت إلى الدين بصلة، فأنت معتكف، أنت الآن في عبادة، دخلت إلى بيت من بيوت الله تبتغي وجه الله، تبتغي الصلاة، و تبتغي الذكر و التلاوة و الدعاء والاستغفار و التحميد و التهليل و التكبير، تبتغي طلب العلم، سماع درس علم، مطالعة كتاب، أنت في بحبوحة الله عز وجل وفي ضيافة الله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018