بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 022 - بعض الحكم لأبي زكريا - يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي .


1991-10-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتبعاه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم:
أردت في هذا الدرس أن أطلعكم على أقوال رجل تابع النبي عليه الصلاة والسلام.
 نحن في درس الأحد نتحدث عن حديث النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن سيرته المطهرة، ولكن العلماء قالوا:إن كل من تابع النبي عليه الصلاة والسلام ظهرت آثار هدايته على أقواله وأفعاله، الآن نريد أن نبين لكم كيف أن المؤمن إذا تابع النبي، وسار على أثره، واقتدى به وجعله قدوةً له، كيف أن الحكمة ينطق بها لسانه، وكيف أن الأفعال الطيبة يقوم بها في حياته اليومية.
 من هؤلاء، أي كتاب تقرؤونه تجدون أقوال يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي، له أقوال كثيرة وكثيرة، اطلعت عليها فإذا بها تدهش قلت والله لو أنني أطلعت إخواني على ثمرة من ثمار متابعة النبي، هذا يكنى أبا زكريا يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي نزيل الري، قرية من قرى بلاد فارس، انتقل إلى مي سابور فسكنها وبها مات، أقواله خلاصة تجاربه، خلاصة خبرته مع ربه، خلاصة حقيقة الدنيا.
من أقواله:الكلام الحسن حسن.
قال:وأحسن من الحسن معناه.
أن تفقه معناه قد يجري على لسانك كلام حسن، كلام طيب، كلام عميق، لكن الأحسن منه أن تفقه معناه، ربنا عز وجل يقول :

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾

( سورة محمد:24)

 فقالوا تدبر القرآن خير من تلاوته، تتلوه مع التدبر.
قال:وأحسن من الحسن معناه، وأحسن من معناه استعماله.
أن تطبقه، أن ينقلب هذا الكلام الحسن إلى سلوك، إلى أخلاق إلى عادات، إلى مواقف، إلى أخذ، إلى عطاء.
قال:وأحسن من استعماله ثوابه.
 حينما تطبق هذه الأقوال الحسنة تقبل بها على الله عز وجل تذوق بها طعم القرب، ما هو الثواب ؟ من ثاب، يعني رجعت إليك ثمار هذا العمل، إذاً الكلام الحسن حسن، لكن الأفضل منه أن تفهم معناه وأفضل من معناه أن تطبقه، وأثمن من تطبيقه ما يأتيك من إقبالك على الله أو ما يأتيك من تجلي الله على قلبك هو ثواب العمل، يعني المردود الذي تناله حينما تعمل صالحاً.
قال:وأعظم من ثوابه رضاء الله عنك.
 وهو قمة السعادة، فهذا قانون، كلام حسن، أحسن منه أن تفهمه أحسن من فهمه أن تطبقه، أحسن من تطبيقه الثواب الذي يأتيك من الله عز وجل، هذه السكينة، هذا السرور، هذه السعادة، هذا التجلي وأحسن من التجلي أن يرضى الله عنك، إنك بهذا الرضوان تسعد في جنان الخلد.
فنحن كم مرحلة، كلام، معنى، تطبيق، ثواب، جنة، كلما انتقلت من مرحلة إلى أخرى ارتقت مرتبتك عند الله عز وجل، كل إنسان يبحث عن موقعه من هذا الكلام، هو على مستوى الكلام، أم على مستوى العقل والفهم، أم على مستوى التطبيق، أم على مستوى السكينة التي تنحدر إلى قلبك من قبل الله عز وجل ثمن إخلاصه، أم على مستوى أن يشعر أن الله راضٍ عنك، وربنا عز وجل قال حينما تحدث عن الجنة:

 

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

 

( سورة التوبة:72 )

 يعني أكبر من الجنة أن يرضى الله عنك، إحساس المؤمن أن الله راضٍ عنه أكبر من نعيم الجنة، مع أن نعيمها لا يوصف، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأعظم من هذا النعيم أن يرضى الله عنك، والله كلام دقيق، كلام حسن، فهم حسن، تطبيق حسن، ثواب حسن، رضوان من الله عز وجل، فلتكن همتنا عالية لنسعى، لا إلى أن ينطق اللسان بكلام حسن، هذا حجة علينا، وسوف يندم من يتكلم بالكلام الحسن ولا يفقه معناه ولا يطبقه أشد الندم، فكلام بني آدم إما حجة له أو حجة عليه.
وله قول آخر يقول:الذي حجب الناس عن التوبة طول الأمل.
 لماذا الناس لا يتوبون من فورهم، يقول لك أنا صغير بعدني وين للستين وأنا بالثلاثين الآن، مادام يأمل أن يعيش مديداً، فأخطر آفات النفس طول الأمل.
 من حوالي ستة أشهر يعني صديق صديقي قاعد بسهرة قال بكل راحة، قال أنا لا أموت، كلام غريب، لماذا ؟ قال أنا أولاً لا أدخن ولا أحملها، والله ما مضى اثنا عشر يوم حتى كان من أصحاب القبور أما فعلاً كلمة دقيقة قالها أمام جمع في سهرة، هو طبعاً يعتني بصحته لكن بعيد عن أن يكون في مستوى المسؤولية فوجد أن القضية لها علاقة بالدخان، لها علاقة بالهموم والأحزان، أنا لا أدخن، ولا أهتم لشيء وصحتي طيبة، ومعتني بنفسي، الآن لا أموت، بعد اثنا عشر يوماً كان من أصحاب القبور.
إذاً:طول الأمل من أخطر آفات النفس، لهذا ورد في الحديث الشريف :

((من عد غدا من أجله فقد أساء صحبة الموت ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن أنس تصحيح السيوطي: ضعيف ]

 إذا الإنسان قال غداً سوف أفعل كذا وكذا وعلى أن غداً مضمون فقد أساء صحبة الموت.
قال:إن الذي حجب الناس عن التوبة طول الأمل، وعلامة التائب انهمار الدموع، وحب الخلوة، ومحاسبة النفس.
علامة التائب شدة بكاءه، وميله للخلوة مع ربه، ومحاسبة نفسه حساباً عسيرا، لماذا قلت هذه الكلمة، لماذا ابتسمت، لماذا ردت هذا الرد علامة التائب الصادق، انهمار الدموع، وحبه للخلوة مع الله عز وجل وشدة محاسبته لنفسه.
من أقوال هذا العالم الجليل:العالم العامل، عمل كالسراب، وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب والأتراب.
بدك جنة، جنة عرضها السماوات والأرض، ركعتين بلا وضوء كيف ما كان الدين، أما إذا كان صنع شيء يريده متقناً، إذا اشترى حاجة يريدها متقنة، أما عمل الآخرة من الدرجة الخامسة.
ناجى ربه مرةً فقال:يا رب كيف أمتنع من الذنب بالدعاء، ولا أراك تمتنع بذنبي من العطاء.
يعني إذا الإنسان وقع بذنب من له غير الله ؟ أحد أمراض النفس الكبيرة اليأس، القنوت، بل إن اليأس والقنوت يلتقي مع الكفر، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

 

((لا ملجأ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِليْكَ ))

 

[ رواه البخاري ومسلم ]

((اللَّهُمَّ أعُوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخطِك‏))

(رواه مسلم، عن عائشة رضي اللّه عنها‏)

 كيف أمتنع بالذنب من الدعاء، ولو كنت مذنباً، توسل إلى الله تذلل إليه، اعقد توبةً نصوحة، كيف أمتنع بالذنب من الدعاء، ولا أرك يا رب تمتنع بذنبي من العطاء، لذلك ابن آدم لي عليك فريضة ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك.
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جاء وعدنا

 

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾

 

( سورة الحديد:16 )

 دائماً القلب صخري، دائماً العين لا تدمع، دائماً في تعلق بالدنيا.
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر به ما جاء وعدنا

 

(( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ))

إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
ويقول هذا العالم الجليل:ليكن حظ المؤمن منك ثلاثاً، إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه.
 المؤمن غالي على الله، هذا ولي الله، ومن عاد لي ولياً آذنته بحرب، يعني إذا ما عندك استعداد أن تنفعه فلا تضره، وإذا ما عندك استعداد أن تفرحه فلا تحزنه، وإذا ما عندك استعداد أن تمدحه فلا تذمه لأنه من أكرم أخاه فكأنما أكرم ربه، الحد الأدنى ألا تذمه، وألا تغمه وألا تضره.
قال:أكبر مصيبة تصيب الإنسان عند الموت في ماله شيئان، انه يأخذ ماله كله ويحاسب عن ماله كله.
 الآن من باب التشبيه أيام بضاعة تصادر، تؤخذ، وتدفع ثماني أمثال ثمنها غرامة، هو من الثلاثة للثمانية النظام، الأدنى ثلاثة، الأقصى ثمان أمثالها، تؤخذ كلها، وتدفع ثمانية أمثالها غرامةً، لو أخذت مصيبة لو دفعت الغرامة مصيبة، أما أن تؤخذ وأن تدفع، فقال مصيبة الإنسان يوم القيامة في ماله مصيبتان أنه يؤخذ منه كله، ويسأل عنه كله.
‏لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من

 

(( أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه ))

[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ‏ ]

أما عن ماله سؤالان، من أين اكتسبه وفيم أنفقه.
هذا العالم الجليل يحي بن معاذ يقول:دواء القلب خمسة أشياء :
قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر ومجالسة الصالحين.
 أنت إذا جالست الصالحين، جالست أهل الإيمان، أهل القرب أهل المعرفة، أهل الحب، تقتبس شيء من محبتهم، شيء من علمهم شيء من أخلاقهم، شيء من قيمهم، شيء من أشواقهم، من جالس جانس هكذا يقولون، والصاحب ساحب، قل لي من تجالس أقول لك من أنت فقال دواء القلب في خمسة أشياء:قراءة القرآن بالتفكر، يعني المؤمن لا بد له من وجبة صباحية يتلو بها كلام الله، والله سبحانه وتعالى قال :

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78)﴾

( سورة الإسراء:78)

 قال بعض العلماء:القرآن الذي يتلى في صلاة الفجر، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

 

((من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله.))

 

[رواه مسلم عن جندب بن سفيان مرفوعا ].

 مَنْ صَلَّى الفَجْرِ في جَماعَةٍ، يعني حينما خرج من بيته شعر بالنشاط، حينما دخل إلى المسجد رأى إخوانه، رأى القارئ يقرأ القرآن بشكل جيد بإحكام، كل يوم يقرأ صفحة أو صفحتين بتسلسل، إنك تستمع إلى كلام الله كله خلال عام تقريباً، بشكل متسلسل، فدواء القلب خمسة أشياء:قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن، الخير كله مجموع في خزائن الجوع، وقيام الليل ، ولو قبل الفجر، قبل الفجر بنصف ساعة هذا الحد الأدنى بالصيف، بالشتاء ربيع المؤمن، طال ليله فأقامه فقصر نهاره فصامه، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
يعني التضرع هو الدعاء، والدعاء مخ العبادة، والدعاء في أعلى درجات القرب، يا رب أنا عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي في يدك، ماضٍ فيّ قضاءك، نافذ فيّ حكمك، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، دعاء فيه جوامع الحكم، اهدنا فيمن هديت مع المهتدين لا مع الضالين وعافنا فيمن عافيت، نعوذ بك من عضال الداء، وتولنا فيمن توليت وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، الحقيقة إذا الإنسان دعا ربه هذا الأدعية النبوية يشعر بأعلى درجات القرب، فإذا الإنسان ماشي بالطريق مثلاً، وراكب مركبة عامة إذا شغل نفسه بالدعاء أو بالذكر، بالتسبيح أو الحمد أو الاستغفار أو التهليل، هذا شيء يبعث بالنفس المسرة.
ويقول هذا العالم الجليل يحيى بن معاذ أبو زكريا:إذا كنت لا ترضى عن الله، فكيف تسأله الرضى عنك، الله عز وجل قال:

 

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾

 

(سورة المجادلة:22 )

 إذا أردت أن يرضى الله عنك فارضا عنه، ولا ترضى عنه إلا إذا عرفته، إذا عرفته، عرفت أسماءه الحسنى، عرفت حكمته، علمه عدالته، قدرته، رحمته، عندئذٍ ترضى عنه، عندئذٍ تقول كما قال الإمام أبو حامد الغزالي:ليس بالإمكان أبدع مما كان، تقول كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة وحكمته متعلقة بالخير المطلق، وهذه المقولة لو عقلناها لارتاحت قلوبنا.
قال يحيى بن معاذ:كم من مستغفر ممقوت، وساكت مرحوم قالوا كيف ؟ قال:هذا استغفر الله وقلبه فاجر، وهذا ساكت وقلبه ذاكر.
يعني في حالات يسبح بلسانه وعينه تنظر.
طيب محبتك لله عز وجل ما علامتها، المحبة الصادقة، الأصلية المحبة الخالصة، يعني الله عز وجل قال:

 

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

 

( سورة المائدة:54 )

فما علامتك حبك لله الصادق قال هذا العالم:المحبة الحقيقية لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء.
 يعني إذا الله أعطاك الدنيا والمحبة زادت معناها أنت هذه المحبة مشوبة بالمصلحة، وإذا حجب عنك الدنيا أو قلل رزقك، أو ضيق عليك أو حجب عنك الأحوال، صار في جفاء، ولم تعد تحب الله عز وجل هذه المحبة إذاً لا قيمة لها، المحبة الحقيقية لا تزيد بالبر، ولا تنقص بالجفاء، هذه علامة الحب الصحيح.
أنا أقلب هذا الكتاب صفة الصفوة، وجدت هذه الأقوال رأيتها رائعةً جداً يمكن أن تعرض عليكم.
 قال:الرجال ثلاثة رجلٌ شغله معاده عن معاشه ـ الآخرة عن الدنيا ـ ورجل شغله معاشه عن معاده ـ غارق في الدنيا ـ ورجل مشتغل بهما جميعاً، قال:الأول فائز، والثاني هالك ـ والثالث ؟ الأول فائز، من اشتغل لأخرته وآثرها على دنياه، معرفة الله، مجالس علم، عمل صالح، استقامة، خدمة، دعوة إلى الله، طبعاً له حرفة، لكن جل وقته، جل اهتمامه، كل قلبه ملأن محبة لله، هذا اشتغل بآخرته عن دنياه، وإنسان غارق هذا لمصلحته بتجارته، بنزهاته، باحتفالاته، بزواجه، بتأسيس بيته، بتزيين بيته غارق في الدنيا، الغارق في الدنيا هالك، والغارق في الآخرة ناجي، أما الذي جمع بينهما، أنا أسألكم:سيد معتز:موقوف.

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)﴾

( سورة الصافات:24)

 سيد أحمد:فالح، قال:هذا مخاطر لعل الدنيا تجره إليها.
قال:من شغله معاشه عن معاده فهو هالك، ومن شغله معاده عن معاشه فهو فائز، ومن شغله معاده ومعاشه معاً فهو مخاطر.
يعني على حرف، لأن الدنيا تغر وتضر وتمر.

 

((‏إني أوحيت إلى الدنيا أن تمرري وتكدري وتضيقي وتشددي على أوليائي كي يحبوا لقائي، فإني خلقتها سجنا لأوليائي وجنة لأعدائي)).

 

(رواه البيهقي عن قتادة بن النعمان، تصحيح السيوطي:ضعيف‏)

 فإذا المؤمن وجد هذا الطريق مسدود، وهذه الصفقة لم تصح له وهذا البيت لم يؤمن، وهذه السفرة لم تتيسر، لا يتبرم، لعل الله يحميه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، لعل الله يحميه من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلاك.
يقول هذا العالم الجليل:يا بن آدم طلبت الدنيا طلب من لا بد له منها ـ بإلحاح، بإصرار، بتشبث ـ وطلبت الآخرة طلب من لا حاجة له بها.
 يعني صليت شعرت شيء بالصلاة ما شي الحال، ما شعرت ماشي الحال، صمت صيام الأتقياء ماشي الحال، صيام المؤمنين ماشي الحال، صيام الناس العاديين ماشي الحال، ما في اهتمام، يعني أعمالك الصالحة إذا أحد كلفك، تتفضى لها، تبحث عنها، يعني في برود وفي فتور بأعمال الآخرة، أما الدنيا لا ينام الليل، إذا يريد الذهاب لرحلة يربط الساعة، لا ينام أبداً، هو يوقظ الساعة، لم ينام، أين النوم طار من عيونه، فهنا قال:يا بن آدم طلبت الدنيا طلب من لا بد له منها وطلبت الآخرة طلب من لا حاجة له إليها، والدنيا وقد كفيتها وإن لم تطلبها، والآخرة بالطلب منك تنالها فاعقل شأنك
يعني الله عز وجل قال :

 

﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

 

( سورة الزخرف:32 )

 وقال :

 

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)﴾

 

( سورة النجم:39)

 هذه الآية دقيقة جداً، لو قلت لك لك ما سعيت، هل يمنع أن يكون لك ما تسعى، لا يمنع، لك هذا الكتاب، هل يمنع أن تكون لك هذه المسجلة لا يمنع، لو أن صاحب هذه المسجلة قلت له لك هذا الكتاب يقول لك وهذه لي أيضاً، أما إذا قلت له ليس لك على هذه الطاولة إلا هذا الكتاب معناها راحت من يده

(( ليس للإنسان إلا ))

 هذا اسمه حصر، الله لم يقل، وإن للإنسان ما سعى، لا، قال

(( وإن ليس للإنسان إلا ما سعى ))

يعني ليس لك في الآخرة شيء إطلاقاً إلا الذي سعيت إليه، فلما الإنسان يهتم بالغ الاهتمام لما ضمن له، ويهمل ما كلف به.
 حينما كنا في التجهيز الأولى، فهذه الثانوية أضخم ثانوية في القطر وكانت كالجامعة، تستقبل طلاب من كل المحافظات، فيها قسم داخلي في قسم مهاجع، وقسم للمطالعة، وفي مطبخ، الآن ابن خلدون، هذا مطبخ الثانوية كان، فخطر مرة في بالي مثل، أن طالب انتهى الدوام له أن يجلس في مهجعه ساعة أو ساعتين ليستريح، وبعدها يجلس للمطالعة ساعة أو ساعتين، وبعدها يأتي طعام الغذاء، طعام الغذاء فيه طباخين فيه موظفين، كل شيء جاهز، حينما يقرع الجرس يجد مكانه على الطاولة وأطباق الطعام، وكل ما يحتاجه، هو ترك دارسته الأساسية وجاء على المطبخ، البصلات فرموا ؟ هذه ليست شغلتك، حضرتم البقدونس ؟ أين الصلطة، أين الشوربة، فترك مهمته الأساسية وهي الدراسة، وهو مكلف بها، وسيحاسب عنها، وذهب يهتم بشيء مضمون له، فإذا الإنسان عنده عشي يزفر يديه ؟
فالدنيا مضمونة والناس مهتمين، والآخرة مطلوبة والناس تاركين فهذا كلام، يا ابن آدم طلبت الدنيا طلب من لا بد له منها وطلبت الآخرة طلب من لا حاجة له إليها، والدنيا وقد كفيتها وإن لم تطلبها، والآخرة بالطلب منك تنالها فاعقل شأنك.
‏قال هذا العالم الجليل:مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب.

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

( سورة الشعراء:88 ـ 89).

 يعني رأس مال الإنسان يوم القيامة قلبه السليم، لا في غش، لا في حقد، في محبة لله، في إخلاص، في توكل، في رضى، في استسلام، في تواضع، في حب للآخرين، في رحمة، في إنصاف رأس مالك قلبك والآية رائعة جداً

(( يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم ))

انتهى الوجه الأول من الشريط.
 لا يفلح من شممت منه رائحة الرياسة، يلي يحب الزعامة، ويلي يحب يقود الناس، يحب أن يستعلي عليهم، ويحب أن يسيطر عليهم، هذا لا يشم رائحة القرب، الدليل :

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83﴾

 

( سور القصص:83).

 هذه الدار الآخرة لا تنالها إلا إذا عزفت نفسك عن العلو في الأرض.
ويقول:للتائب فخر لا يعادله فخر، فرح الله بتوبته.
يعني مرة قال لي واحد أنت عرفان من دعا الناس لحضور الخطبة أنا لم أنتبه قلت له لا والله من دعاهم ؟ قال لي الله دعاهم، قلت له كيف قال لي الله ما قال:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾

 

( سورة الجمعة:9 ).

((معناها الله دعا الناس للجامع، وللصلاة، فالداعي هو الله، فبقدر عظمة الداعي يجب أن تتقن هذه الخطبة، طيب هذا التائب هل يعرف ما شرفه العظيم، شرفه العظيم أن الله يفرح بتوبته، شو قولك إذا أنت عملت عمل يفرح الله عز وجل، أن تتوب.
‏لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد.))

(عن ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة، تصحيح السيوطي:ضعيف‏).

 تصور واحد عقيم وصل لليأس، وسيطلق زوجته، وهو يحبها حباً جما فإذا بها حاملة أو حامل أما حاملة، شو معنى حاملة ؛ على ظهرها، حامل ؛ في بطنها، حاملة على ظهرها في اللغة، كالعقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد.
قال:الليل طويل، فلا تقصره بمنامك، والنهار نقي فلا تدنسه بآثامك.
 يعني من أمضى عمره بالنوم جاء يوم القيامة مفلساً، ما في واحد نام واستيقظ ووجد معه دكتوراه، نام واستيقظ ووجد نفسه أكبر تاجر، ما في أحد، نام واستيقظ وجد نفسه صاحب معمل، بدى سعي، حتى بالآخرة من أمضى حياته بالنوم جاء يوم القيامة مفلساً، فالليل طويل فلا تقصره بمنامك، والنهار نقي ؛ صافي متألق فلا تدنسه بآثامك.
في منجاة:يا ربِ لا يحل الليل إلا بمناجاتك، ولا يحل النهار إلا بخدمة عبادك.
يعني أجمل ما في النهار أن توفق لعمل صالح، أن تكون مصدر سعادة للآخرين، وأجمل ما في الليل مناجاة الله عز وجل، وأصحاب النبي كانوا رهباناً في الليل فرساناً في النهار.
قال:العاقل المصيب من عمل ثلاثاً، ترك الدنيا قبل أن تتركه.
 تجد المؤمن قبل ما يموت بثلاثين سنة يفكر بالموت، بساعة المقابلة ساعة الحساب، ساعة الوقوف بين يدي الله عز وجل، ساعة مواجهة حضرة الله، ساعة المحاسبة، فقبل أن تتركه الدنيا تركها، قال لها غري غيري يا دنيا، طلقتك بالثلاث، إليك عني، أمدك قصير وشأنك حقير، وزادك قليل.
فقال:العاقل ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله.
هذا الصالح كان ينام يوم الخميس بالقبر، اشترى قبر وهو طيب وتركه مفتوح، كل خميس يزل ويجلس فيه، يتلو آية واحدة يقول :

 

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

 

( سورة المؤمنين:99 ـ 100).

 يقع بقلبه قومي فقد أرجعناك، تفضل اذهب واشتغل، قومي قد أرجعناك.
وأرضى ربه قبل أن يلقاه.
مادام قال له عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت.
 الآن إذا لك خدمة كبيرة لشخص وأصبح وزير، لك دالة عليه تدخل لعنده بدون إذن، أما بعد ما أصبح، أنت تقربت منه، يقول لك إني مشغول، لو لك خدمة كبيرة له قبل أن يصبح وزير موضوع ثاني صار.
 قبل أن تلقى الله عز وجل لك معرفتك، لك استقامتك، لك محبتك له أعمال طيبة، فإذا جاء الموت، والنبي الكريم يقول:أن ملك الموت يأتي للمؤمن بأحب الناس إليه، من أحب شخص له بالدنيا يأتيه ملك الموت بصورة هذا الشخص، إكراماً له، لهذا اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة.
ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا، طاعمة ناعمة يوم القيامة. ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين. ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم.
 سيدنا عمر بن عبد العزيز انتقى عالم جليل وقال له أنت مرافق أنت معي دائماً، راقبني، انظر ماذا أفعل، ماذا أقول، فإذا رأيتني ضللت امسكني من تلابيبي وهزني هزاً شديداً، وقل لي اتق الله يا عمر فإنك ستموت، هذه وظيفتك، كن معي دائماً، وراقبني مراقبة دقيقة، فإذا رأيتني ضللت امسكني من تلابيبي، وهزني هزاً شديداً، وقل لي اتق الله يا عمر فإنك ستموت.
يقول:الدنيا خراب، وأخرب منها قلب من يعمرها، والآخرة دار عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها.
إذا إنسان أخلص لله كيف أن الحكمة تجري على لسانه، هذه ثمار المعرفة، هذه خلاصة تجاربه في الدنيا، هذه خلاصة معرفته بالله عز وجل، وكل واحد منا إذا سار بصدق مع الله عز وجل ينطق لسانه بالحكمة، ويمتلأ قلبه بالحب.
قال:أخوك من عرفك بالعيوب، وصديقك من حذرك من الذنوب.
 الذي يمدحك إنه يغشك، فإذا الإنسان نصحك قال لك هذا العمل غلط، هذا الخط غير صحيح، هذا التصرف لا يري الله، هذه العلاقة مشبوه، هذه السهرة ما بدك إياها، هذه التجارة دعها، إذا إنسان يحبك ينصحك، إذا لا يحبك يقول أعطيه جمله، ما شاء الله، أحسن شيء والله في أشخاص عندهم مجاملة، يمدحك على الدوام، بأي عمل، بأي تصرف بأي موقف، ما في أحسن من هيك، الله يوفقك، أما إذا كان مؤمن يقول له غلط هذا الشيء
قال:عجبت لمن يحزن على نقصان ماله كيف لا يحزن على نقصان عمره.
وأجمل ما في هذا الكلام.
قال:على قدر خوفك من الله يهابك الخلق.
علاقة عالية جداً، كأنه في علاقة مضطربة، كلما ازداد خوفك من الله ازداد خوف الخلق منك، أصبح لك مهابة، وكلما قل خوفك من الله قل خوف الخلق منك، المؤمن الله يعطيه مهابة كبيرة.
يقولون من هاب الله هابه كل شيء، ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء، يخاف من آذن عنده، يخاف من طفل صغير، الله عز وجل جعل قلبه هواء، يخاف لنسمة، لحركة، لصوت، طبعاً الله عز وجل قذف في قلوبهم الرعب بما أشركوا، المشرك خائف دائماً.
فقال:على قدر خوفك من الله يهابك الخلق، وعلى قدر حبك لله يحبك الخلق.
 كلما ازداد حبك لله ألق الله حبك في قلوب الخلق، يحبونك الناس يقولون نحبه، نفرح به، نأنس به، نحب أن نجالسه، نحب أن نعامله نحب أن نزوره، إذاً ما أخلص عبد لله عز وجل إلا جعل قلوب العباد تهفو إليه، والله رائع القول، وعلى قدر شغلك بالله يشتغل الخلق بأمرك كلما اشتغلت بالله أكثر، اشتغل الناس بأمرك يعني اعتنوا واهتموا وأعانوا والتفوا، إذا انشغلت في الدنيا انصرف الناس عنك، لذلك:

 

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

 

( سورة آل عمران:159 ).

 أروع ما في القول، على قدر خوفك من الله يهابك الخلق، حتى الواحد مع زوجته، إذا كان طاعته لله عز وجل له هيبته بالبيت، إذا ما في طاعة لله يتكلم مع زوجته كلمة تردها له عشرة، ما له هيبة، وعلى قدر شغلك بالله يشتغل الخلق بأمرك.
قال:من قوة اليقين ترك ما يرى لما لا يرى.
أنت شايف الدنيا شايف بيوتها، شايف سياراتها، شايف مزارعها شايف متاجرها، شايف الأرصدة، الدنيا صارخة، حلوة خضرة، أما إذا كان شفت أعلى منها تتركها، الأعلى منها لا تراه، لكن بالفكر تراه العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه.
قال:أيها المريدون، إذا اضطررتم إلى طلب الدنيا فاطلبوها ولا تحبوها، واشغلوا بها أبدانكم وعلقوا بغيرها قلوبكم، فإنها دار ممر وليست لدار مقر.
ناجى ربه فقال:ربِ إن غفرت فخير راحم، وإن عذبت فغير ظالم.
قال:يا رب هذا سروري بك خائفاً فكيف سروري بك آمناً.
الإنسان بالدنيا يخاف الله ومع أنه يخاف الله يشعر بسعادة، وهو في خوفه، الخوف نعمة لأنه، فهذه السعادة وهو خائف فكيف بها وهو آمن.
في شيء آخر:سئل ما العبادة ؟
قال:حرفة حانوتها الخلوة، وربحها الجنة.
الدكان الخلوة مع الله، وربحها الجنة، والواحد منا لا بد له من ساعة يناجي بها ربه، يستغفر، يحمد، يوحد، يهلل، يكبر، يقول الله الله، يفكر، يقرأ قرآن، لا بد من خلوة، فهذه العبادة حرفتها حرفة حانوتها الخلوة وربحها الجنة.
الآن مع صحابي جليل اسمه خبيب بن عدي :
 هذا الصحابي الجليل الحقيقة تعرفون قصته، وأنا لم أذكره لتعاد قصته ولكن لفقرة من قصته ما ذكرتها لكم من قبل، ولها أهمية كبرى.
هذا الصحابي الجليل اسمه خبيب بن عدي بن مالك، قال شهد أُحداً مع النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان فيمن بعثه رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع بني لحيان فأسروه هو وزيد بن بفنة، فباعوهما من قريش فقتلوهما وصلبوهما بمكة بالتنعيم هذه ملخص قصتهم.
التفصيل:روى البخاري من حديث أبي هريرة قال بعث رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشرة أصحاب ليكونوا عيناً له، يبدو بعد موقعة بدر أصبح في توتر شديد، فأمر عليهم عاصم بن ثابت، حتى إذا كانوا بالهدى، موقع بين مكة والمدينة يقال له الهدى، بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل، يعني قبيلة هزيل بلغها أن هناك عشرة من أصحاب رسول الله أرسلهم ليكونوا عيناً له، هؤلاء الحي من هذيل هم بنو لحيان فنفروا إليهم بقريب من مائة رجل رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه، فقالوا هذا تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم، فقالوا لهم انزلوا وأعطوا أيديكم لنا، ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحداً، يعني عشرة فوجئوا بمائة فارس قد أحاطوا بهم، ومعهم السيوف والرماح والقسي ونادوا بهم أعطوا أيدكم لنا، ولكم العهد ألا نقتل منكم أحد، فقال أميرهم عاصم:أما أنا فلا أنزل بذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً في سبعة، ونزل إليهم نفر على العهد والميثاق، هم عشرة مات منهم سبعة، بقي منهم ثلاثة، هؤلاء الثلاثة صدقوهم، ألم يقولوا أعطينا أيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحداً، صدقوا، هؤلاء الذي صدقوهم هم خبيب بن عدي صاحب هذه الترجمة، وزيد بن الدفنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، ماذا فعلوا إذاً ؟ غدروا بأبشع أنواع الغدر، إنسان أمنته فلما صدقك غدرت به فقال الثالث وقد رأى غدرهم:هذا أول الغدر، فو الله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء الذين سبقوني إلى الله أسوة حسنة، فجرجروه وعالجوه فأبَ فقتلوه بقي كم واحد ؟ اثنان، سيدنا خبيب بن عدي، وزيد بن الدفنة، قال باعوهما بمكة بعد وقعة بدر باعوهما أحراراً، هم أحرار فباعوهم عبيداً فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيباً، بنو الحارث بمكة اشتروا خبيب، لأن أبوهم قتل ببدر فاشتروا خبيب لماذا ؟ ليقتلوه، وكان خبيب عندهم أسيراً قيدوه في غرفة من غرف البيت ثم أجمعوا قتله، هذا سيدنا خبيب استعار من بعض بنات الحارث موس، شفرة يعني، ليستحد بها فأعارته هذا الموس هنا القصة الجديدة، فدرج بني لها، ابن صغير درج نحو هذا الأسير، وهم في غفلة عنه، حتى أتاه، فوجدته مجلسه على رجله، سيدنا خبيب لما هذا الطفل الصغير قدم إليه، أخذه ووضعه على رجله، على حضنه يعني، طفل صغير، فلما رأته أمه فزعت فزعةً شديدة، لأنه هذا أسير وغداً سيقتل، وابنهم بحضنهم، ومعه موس اللازم أن يقتله، ففزعت فزعةً شديدة، انتبه خبيب، قال أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل هذا، هم غدروا به، وباعوه أسيراً ليقتل، وها هو ذا ابنهم الصغير في حجره وبيده موس، فقال أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل قالت والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، يعلم علم اليقين أنه غداً سوف يقتل، وأنه قبض عليه غدراً، والله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول:إنه لرزقٌ رزقه الله خبيباً، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال خبيب دعوني أصلي ركعتين فتركوه يركع ركعتين، قال والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت صلاةً، خاف أن يظنوا إذا أطال في الصلاة أنه خايف من الموت، فصلى صلاة عادية، وقال اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً، وقال بيتين من الشعر :
واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً، وقال:

 

فلست أبالي حين أقتل مسلما  على أي جنب كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ  يبارك على أوصال شلو ممزع

 ثم قام إليه أبو سروعة، عقبة بن الحارث فقتله، وكان بإمكانه أن يقتل ابنهم الصغير، ويشفي غليله، لكنه الوفاء، لكنه الإخلاص.
 قال سيدنا خبيب سن لكل مسلم يقتل صبراً الصلاة أن يموت، وأبو سروعة أسلم بالنهاية الذي قتله، وروى الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال سعيد بن عامر شهدت مصرع خبيب، وقد بضعت قريش لحمه، ثم حملوه على جزعةٍ فقالوا، هنا تعرفونها القصة، أتحب أن يكون محمد مكانك، قبل أن يموت، وضعوه على خشبة، وبدؤوا ينهشوا بالسهام والسيوف، قاموا جزء من لحمه قبل أن يموت، فقالوا أتحب أن يكون محمد مكانك، وأنت معافاً في أهلك، فقال والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة.
ويروى أن معاوية بن أبي سفيان رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ قال كنت فيمن حضر قتل خبيب، وقد رأيت أبا سفيان حينما دعا خبيب اللهم أحصيهم عدداً يلقيني إلى الأرض فزعاً من دعوة خبيب، يعني رجل لما دعا هذا الدعاء خاف أبا سفيان أن يصيبه دعاءه، فألقاني في الأرض وخشع وكانوا يقولون إن الرجل إذا دعي عليه فاضجع زالت عنه الدعوة، هذا كان وهم في الجاهلية، إنسان دعا على إنسان إذا انبطح لا تصيبه، هكذا فعل أبو سفيان.
 أنا مرة قرأت قصة، ذكرتني بهذه القصة، كان في قصة بالمناهج التعليمية بالصف الحادي عشر، قصة أدبية بس واقعية، باخرة غرقت نجى منها قارب نجاة واحد فيه 76 شخص، وفيه كمية ماء بحسب تقدير قائد هذا المركب أن كل واحد لازم أن يشرب ملعقة ماء كل يوم حتى يكفي هذا الماء الـ 76 شخص حتى الشط، هؤلاء 76 شخص وصلوا إلى الشط ثلاث أشخاص فقط كل واحد يقتل أخوه عندما ينام أو يغفل ليشرب ملعقتين بدل ملعقة، انظر كيف مجتمع البعد عن الله، هذه القصة واقعية 76 شخص لو شرب كل واحد ملعقة ماء الكل يصلون، لكن الطمع بملعقة ماء دفعه لقتل أخيه.
 أما أصحاب النبي عليهم رضوان الله كانوا في بعض المعارك عشرة جرحى، وجاء ساقي ليسقيهم، فأول جريح قال له أسق أخي لعله أحوج مني، فانتقل للثاني فقال له اسق أخي، من واحد لواحد، إلى أن وصل على كل العشرة، فلما عاد لأول فقد مات، والثاني مات، كلهم ماتوا، وهو على وشك الموت وجاءه الماء، والجريح في أشد الحاجة إلى الماء آثر أخاه بالماء.
هذه تربية رسول الله، وهذا سيدنا خبيب كان بإمكانه أن يفعل ما يفعل لكن طهره ووفاءه لله عز وجل منعه من أن يغدر مع أنه ألقي القبض عليه غدراً، واشتراه من اشتراه ليقتله في اليوم التالي.
 فلذلك هذه البطولات إذا الإنسان أخلاقي، وكان مطبق لمنهج الله عز وجل يشعر بسعادة لا توصف، هذا نمط من أصحاب رسول الله وهذه تربية رسول الله لأصحابه، هكذا، نحنا مثلاً بهذا الزمان المؤمن لا يكذب، لا يخون، لا ينظر لامرأة لا تحل له، لا يأكل قرش حرام لا يكذب، ولا يغش، ولا يدلس، لا يخفي عيب، الحد الأدنى هذا، يعني إذا لم نستطيع للبطولات العالية، البطولات المألوفة هي الاستقامة والعمل الصالح، لا تتألق إلا بطاعة لله عز وجل، الواحد حتى لا يغلب نفسه ولا يمضي عمره سُدى، إذا ما استقام استقامة تامة لن تفتح له أبواب السماء لن يذوق طعم القرب، لن يشعر بالسكينة، لن يشعر بثمار الدين، ثمار الدين كلها، السعادة النفسية، هذا الرقي، وهذه الطمأنينة كلها بطاعتك لله وجرب مع أن الله لا يجرب، لكن إذا أخلصت لله عز وجل حقاً، وتبت له توبةً نصوحاً تعرف معنى القرب، معنى التجلي الإلهي على قلبك معنى السعادة، من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة والحمد لله رب العالمين.
 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا أخرتنا التي إليها مردنا وأجعل الحياة زاد لنا من كل خير، وأجعل الموت راحة لنا من كل شر اللهم أجعل جمعنا هذا جمع مبارك مرحوما، وأجعل تفرقنا من بعده معصوما، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروما، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبة وسلم، والحمد الله رب العالمين.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018