بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 007 - التواضع2 - حقيقة التواضع والكبر وعلاقتهما - إن الله أوحى إلي...


1989-09-03

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجـتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... لازلنا في الحديث النبوي الشريف الذي ورد في صحيح مسلم، من حديث عياض رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد ))

 أيها الإخوة الأكارم... الخُلُقُ من الدين كالرأس من الجسد، أي إذا أردت أن تلخِّص الدين كله فهو خلقٌ عظيم، خلقٌ كريم، الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والمُعاملات، والعبادات كلها من أجل أن تكون إنساناً راقياً، لذلك لما ربنا عزَّ وجل مدح النبي عليه الصلاة والسلام، بماذا مدحه ؟ قال:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

( سورة القلم )

 موقع الخُلُق من الدين موقعٌ خطير، فإذا تخلى الإنسان عن مكارم الأخلاق فلا دين له، الذي يميز المؤمن عن غير المؤمن اتصافه بمكارم الأخلاق، من هنا جاء الحديث عن التواضع ؛ لأن الإنسان إذا عرف الله، ولم يكنْ في المستوى المطلوب من الخلق الكريم فكأنه ما عرف الله عزَّ وجل، فربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

 

( سورة الفرقان: من آية " 63 " )

 الهَوْن برفقٍ ولين، أما الهُون من الهوان. أرأيت حركة واحدة بين الهَون وبين الهُون، الهَون الرفق واللين، والهُون الذل والخنوع..

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

 أي برفقٍ ولين، بتواضع، بتراحم، أي يمشون بسكينةٍ، ووقارٍ، متواضعين غير أشرين، ولا مرحين، ولا متكبِّرين.
 الإمام الحسن وصف هذه الآية، أو فسَّر هذه الآية فقال: علماء حكماء..

 

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

أي علماء حكماء.
 وقال ابن الحنفية: أي أصحاب وقار وعفةٍ، لا يسفهون، وإن سفه عليهم أغيارهم.
 إذاً الهَون الرقَّة، واللين، والتواضع، والرحمة، والعِلم، والحكمة، كل هذه المعاني مستفادةٌ من كلمة (الهَون) أما الهُون فهو الهوان، وشتَّان بين الهَوْن وبين الهَوان.
 آيةٌ ثانية تعيننا على فهم الحديث الشريف، قال تعالى:

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾

 

( سورة المائدة: من آية " 54 " )

 فـ الأذلَّة جمع ذلول، وذلول شيء وذليل شيءٌ آخر، المؤمن ذلول، المؤمن كالجمل الذلول، والمنافق والفاسق ذليل، وشتَّان بين الذلول وبين الذليل، الذلول سهل الانقياد، الذلول ليِّن الجانب، الذلول يألف ويؤلف، الذلول هو السَمْح ؛ في بيعه، وشرائه، في قضائه، في كل أحواله، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( المؤمن كالجمل الذلول))

 

( من كشف الخفاء: عن " أبي هريرة " )

 

 

والمنافق والفاسق ذليل لأن المعاصي، والدناءات، والقذارات، وانخفاض النفس، وطمعٌ فيما عند الآخرين هذا كله يجعله ذليلاً، بينما المؤمن لحبه لله عزَّ وجل، ورحمته بالخلق يصبح كالجمل الذلول، ليِّن الجانب.
 ألم يمر معنا البارحة أن الجارية ـ أي الطفلة الصغيرة ـ كانت تمسك بيد النبي عليه الصلاة والسلام وتمشي به حيث تشاء ؟ فالمؤمن ذلول أي لين، تعامله سهل، يسامح. ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

 أي عزة القوة والمَنَعة والغَلَبة. في بهذه الآية لقطة رائعة جداً، كلمة: فلان عزيزٌ في نفسه، أو عزيزٌ لفلان، أما هنا جاء في الآية:

 

﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى﴾

 ما في باللغة عزيزٌ على، هذه الصفة حمِّلت معنى الرحمة، أي شفوقٌ عليهم، خائفٌ عليهم، رحيمٌ بهم، فجاءت كلمة (على ) مع أعزة لتفيد أن هذه الذلة ذلة برحمةٍ، وذلة عطفٍ وشفقة..

 

 

﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 أي على مع أذلة تعني أن هذا المؤمن يشفق على إخوانه، يعطف عليهم، يخاف عليهم، أي ذل، عطف، وشفقة، وخوف.
شيءٌ آخر: كما قلت في الدرس الماضي:

 

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾

 

( سورة النساء: من آية " 48 " )

 أيهما أكبر الكبْر أم الشرك ؟ الشرك أن تعبد الله وأن تعبد معه إلهاً آخر، ولكن الكِبْر أن تستنكف عن عبادة الله، فالعلماء اتفقوا على أن الكبْر أعظم من الشرك، فإذا كان الله عزَّ وجل..

 

﴿ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾

 فهل يغفر الكبْر ؟ الكبر أعظم من الشرك لأن المشرك يعبد الله ويعبد غيره، بينما المتكبِّر يستنكف عن عبادة الله عزَّ وجل.
 لذلك القاعدة يا إخوان، هذه قاعدة لا تخيب

 

(( من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه ))

 . أي أن المتكبر له عذابٌ خاص هو عذاب الهون، عذاب الذل، عذاب الإهانة، من تواضع لله رفعه.
 يروون أن هارون الرشيد سأل أحد خلفائه: أريد عالماً أستفاد منه. فهذا المرافق ذهب إلى الإمام مالك ـ إمام دار الهجرة ـ قال له:
ـ إن الخليفة يطلبك.
ـ فقال له: قل لهارون العلم يؤتى ولا يأتي.
فلما قيل لهارون الرشيد هذا الكلام قال:
ـ صدق نحن نأتيه.
ـ قال له أيضاً: وقل له أنني لا أسمح له بتخطي رقاب الناس.
ـ قال له: صدق.
فلما وصل الخليفة إلى المسجد وضعوا له كرسياً فخماً جلس عليه،
ـ فقال الإمام مالك: من تواضع لله رفعه.
ـ فقال: نحوا عني هذا الكرسي وجلس مع الناس.
هذه قاعدة:

((من تواضع للناس رفعه ))

وانظر إلى الأكحال وهي حجارةٌ  لانت فصار مقرها في الأعينِ
* * *

 والتواضع هو سبب لمحبة الناس لك، إذاً من تواضع رفعه، ومن تكبَّر أذله الله، ووضعه، وصغره، وحقَّره، هذا لم ندخل بعد في حقيقة التواضع.
 حقيقة التواضع تتضح من حقيقة الكبر، لأن التواضع نقيضٌ للكبر، بماذا شرح النبي عليه الصلاة والسلام الكبر ؟ إذا فهمنا شرح النبي عليه الصلاة والسلام للكبر نعرف معنى التواضع. قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( الكبر بطر الحق غمص الناس ))

 

( من الموطأ للإمام مالك: عن " ابن مسعود " )

 أدق تعريف للكبر بطر الحق، البطر أي الرد، يأتيك الحق على شكل آيةٍ قرآنية، تردُّ هذا المعنى، لا تنقاد له، يأتيك الحق على شكل سنةٍ للنبي عليه الصلاة والسلام، ترد هذا الحق، أن ترد الحق ولا تعبأ به، أن ترى نفسك فوق ذلك هذا أحد أنواع الكبر.

 

(( الكبر بطر الحق غمص الناس ))

 

( من الموطأ للإمام مالك: عن " ابن مسعود " )

 غمص الناس يعني إنسان له مكانته، فتتجاهل هذه المكانة، تريد أن تصغِّره، تتجاهل علمه، تتجاهل أخلاقه، تتجاهل قيمته، تتجاهل أعماله وإنجازه، تتجاهل حجمه، وترى نفسك فوقه بالباطل، فحينما ترد الحق من جهة، وحينما تستعلي على الناس من جهةٍ أخرى فهذا هو الكبر.
 ما هو التواضع إذاً ؟ أن تخضع للحق، أي أنت عبد من عبيد الله، فالله سبحانه وتعالى أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام قرآناً هو منهجك في الحياة، فمن لوازم تواضعك لله عزَّ وجل أن تقبل كل ما في هذا القرآن. إذا ثبت لديك أن الله خالق السماوات والأرض، وأنك عرفت الله عزَّ وجل من خلال الكون، وأن الله عزَّ وجل لن يدع خلقه من دون منهج، من دون تعليمات، من دون توجيه، من دون دستور، وأن هذا القرآن قرأته وعرفت إعجازه التشريعي، والعلمي، والبلاغي، والبياني، وإعجازه في النَظم، حينما تيَقَّنت أن هذا القرآن كلامه، وأن الله سبحانه وتعالى خلق الكون، الآن يقتضي التواضع أن تخضع لهذا القرآن بكل آياته.
 هذا الذي يأخذ آيةً ويدع أخرى، يقبل هذا المعنى ولا يقبل هذا المعنى، يقبل هذا التوجيه ويرفض هذا التوجيه، ينصاع لهذا الحُكم ولا ينصاع لذلك الحكم، هذا مثله كمثل بني إسرائيل، هم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، لذلك معنى التواضع أن تقبل الحق، أن تقبله كلاً وجزءً، بقضِّه وقضيده، جملةً وتفصيلاً، أي تقبل أحكام الزواج، والله أخي الزواج سنة، وترفض أحكام الميراث، تتهرَّب من توريث البنات، تكتب أموالك كلها في حياتك لأولادك الذكور وتدع البنات بلا شيء، ما معنى هذا ؟
 معنى ذلك أنك رفضت حكم الله عزَّ وجل، كأنك تشرِّع من جديد، كأن حكم الله لا يعجبك، هذا الذي يقبل شيئاً ويدع شيئاً آخر، يقبل سنة الزواج ويرفض أن يعطي المهر لامرأته المطلَّقة، يضايقها حتى تنزل له عن المهر، هذا المهر من حقها، ما دمت قد طلَّقتها فهذا المهر من حقها، فالإنسان عندما يتهرب من تنفيذ حكم الله فهو متكبِّر، لذلك:

 

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65)﴾

 

( سورة النساء )

 حينما تنصاع لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، حينما تنصاع لسنته، حينما تنصاع لتوجيهه، فأنت مؤمنٌ ورب الكعبة، لذلك:

 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 

( سورة الأحزاب: من آية " 36 " )

 أنت كمؤمن ؛ بعد أن عرفت الله عزَّ وجل، وعرفت عظمته، وعرفت إعجاز كتابه، لا تستطيع أن ترفض حكماً لله عزَّ وجل أبداً، لذلك أحكام العبادات، أحكام المعاملات، أحكام البيوع، أحكام الزواج، أحكام الطلاق هذه كلها تخضع لها، هكذا حكم الله، سمعاً وطاعةً يا رب، في كبر مبطن، أنت متواضع، ومنظرك متواضع جداً، لكن حينما ترفض هذا الحكم، حينما تعطِّل هذا الحكم، حينما تتهرَّب من تنفيذ هذا الحكم فهذا أحد أنواع الكبر، إنك رفضت هذا الحكم، إما أن ترفضه صراحةً بلسانك، وإما أن ترفضه حقيقةً بتهرُّبك من تنفيذه، فهذا الذي يعطِّل حكم الله إما تهرباً، أو رداً، أو تعطيلاً هذا متكبر.
 الآن نداخل بمعاني دقيقة للتواضع... تحدثنا الدرس الماضي عن قول النبي عليه الصلاة والسلام في التواضع، وعن أن سنته المطرة توافق كلامه. الآن في شيء آخر:
 أنت كعبد أمام تشريعٍ من عند الله عزَّ وجل، متمثلٍ في القرآن والسنة، لمجرد أن تختار من هذا التشريع ما يعجبك، وأن تدع ما لا يعجبك، فهذا كبر، من أنت حتى تختار ؟!! هذا التشريع كلُّه من عند الله عزَّ وجل، الأشياء التي تعجبه يأخذ بها، ويثني عليها، أما التي تقيِّد حريته، أو لا تعجبه يتجاهلها، أو يردها، أو يتحايل للتخلص منها، هذا أحد أنواع الكبر في الإنسان.
 هذا الذي يختار من الدين ما يعجبه، هؤلاء فئة قليلة اسمها أصحاب الرأي، لهم رأي خاص، هم اخترعوا ديناً جديداً، يأخذوا من القرآن ما يوافق هذا الرأي، ويتجاهلوا الآيات التي تخالف هذا الرأي، يأخذوا من العبادات ما يحلوا لهم ويتجاهلوا من العبادات ما لا يروق لهم، طبعاً بشكل أو بآخر ؛ هذا الإنسان يخترع ديناً جديداً، من علامات تواضعك لله عزَّ وجل أن تأخذ بكل ما جاء به القرآن الكريم من أمرٍ ونهيٍ.
 إذاً انتبهوا أيها الإخوة... عندما يهمل الإنسان أمر، يتجاهل حكم، يتنصَّل، يتهرَّب، يحاول ألا يأخذ بكل الأحكام، هذا عنده كبر، فالتواضع أن تخضع للحق لأن الكبر بطر الحق، أي أن ترد الحق، وغمص الناس، فالمتكبر لا يحب إلا نفسه، لا يرى مع نفسه أحداً، كل هؤلاء الناس لا يراهم إطلاقاً، يراهم تافهين، يراهم لا شأن لهم، لا يرى أحداً أعلم منه، هذا إنسان يعبد ذاته، حينما تنقلب إلى تعظيم ذاتك فهذا أحد أنواع العبادة للذات، وهذا مرض خطير.
 لذلك، بعض العلماء قالوا: التواضع على ثلاث درجات ؛ الدرجة الأولى التواضع للدين، وهو ألا تعارض بمعقولٍ منقولاً، الدين نقل، نقلٌ عن الله، والعقل ـ كما قلت في الدرس السابق البارحة، أو قبل البارحة ـ العقل ميزان، لكن هذا الميزان قد يختل، قد يضل، ما الذي جعله الله على الميزان ميزاناً ؟ الشرع ، العقل ميزان، والشرع ميزان على الميزان، فأيُّ تفكيرٍ منطقي خالف الشرع فهذا تفكيرٌ فيه خلل، أي تفكيرٍ عقلاني انتهى بك إلى مخالفة الشرع فهذا التفكير خطأ، وغلط مائة بالمائة، لأن الله سبحانه وتعالى هو الحق، وكلامه الحق، وشرعه الحق، والحق هو الشيء الثابت والهادف.
 كحائط بني على غير شاقول، بني مائلاً، فهذا الحائط لابدَّ من أن يقع، لأنه باطل، مادام هذا الحائط لم يبنَ على شاقول، مادام هناك ميل، فهذا الميل لابدَّ من أن يتفاقم إلى أن يهوي الجدار، هذا هو الباطل، أما الحق جدارٌ بني على أسسٍ صحيحة، إنه بني ليبقى، فالحق هو الشيء الباقي، الشيء الثابت..

 

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾

 

( سورة الإسراء )

 من صفات الباطل أنه زهوق، وهذه الصفة صفةٌ مترابطةٌ مع الباطل ترابطاً وجودياً، يعني أي باطل ؛ الفكر الباطل لابد من أن ينهار، والسلوك الباطل لابد من أن ينكره الناس، وأي عمل باطل ينتهي إلى بوار، إذاً أول شيء بالدين: ألا تعارض بالمعقول منقولاً، تقرأ النص، تصفن فيه، فلا يعجبك، فترفضه، هذا كبر، من أنت ؟! هذا النص من عند الله، وهذا الحديث من عند الله، من حضرتك أنت حتى لا يعجبك ؟ ومن هو عقلك ؟ وما قيمة عقلك ؟ عقلك إذا هداك إلى تعظيم هذا النص فهو عقلُ راجح ؟ " أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ابن آدم أطع ربك تسمى عاقلاً "، عقلك لابد من أن يهديك إلى طاعة الله عزَّ وجل، لأن عقلك ميزان أعطاك الله إياه.
 أحياناً المصالح، أحياناً الشهوات، أحياناً الغرائز، النزوات هذه تصرِف العقل عن الحُكم الصحيح، يأتي الشرع ليصحح خطأ العقل، فنحن عندنا الشرع هو الميزان، لذلك كل مَن ألقى من يده ميزان الشريعة لحظةً هلك..

 

أحبابنا اختاروا المحبة مـذهباً وما  خالفوا في مذهب الحب شرعنا
* * *

 أي إنسان يخرج عن قواعد الشرع هذا ليس بمؤمن، إذاً فهمنا أن المعقول والمنقول، الدين بالنقل، الدين نقلٌ جاءك من الله، قطعي الثبوت، القرآن والسنة المتواترة هذه قطعية الثبوت جاءتك عن الله، عقلك مسموحٌ له أن يفهم المنقول فقط، أما أن يرد المنقول فهذا ليس من شأن عقلك، ليس من شأن عقلك أن تردَّ به المنقول بل يجب أن تفهم به المنقول، لأنه أنت عبد، عبد علمك محدود، والله سبحانه وتعالى أنزل هذا الكتاب على نبيه، وأمره أن يبينه للناس، فنص الكتاب، وتبيين النبي له، هذا نقلٌ صحيح عن الله عزَّ وجل، فأنت دورك عقلك مهمته أن يفهم هذا النقل لا أن يرد النقل، فلذلك الدرجة الأولى في التواضع ألا يعارض المنقول بالمعقول، فكل إنسان جعل عقله هو المقياس، عقله القاصر.
 العقل يا إخوان تماماً كالعين ؛ جهاز بالغ الدقة، لكن كيف أن العين لا ترى إلا بالنور، كذلك العقل لا يُدْرِك إلا بنور الله عزَّ وجل، فمَن انقطع عن الله عزَّ وجل صار في ظلام، ظلماتٌ بعضها فوق بعض، الله عزَّ وجل قال عن المؤمنون..

 

 

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾

 

( سورة البقرة: من آية " 257 " )

 فالإنسان لو كان ذكي جداً، وعقله متفوّق جداً، مادام مقطوع عن الله عزَّ وجل فهو في ظلماتٍ بعضها فوق بعض.
 إذاً ؛ إذا عارضت بالمعقول المنقول فهذا أحد أنواع الكبر، التواضع أن تخضع لله من خلال خضوعك لكتابه، ولسنة نبيّه، النبي الكريم أعطاك هذا التوجيه فقال لك:

 

(( لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك ))

 هذا توجيه نبوي في البيع والشراء، فإذا أنت بعت شيء قبل أن تحوزه، تقع في إشكاليات كبيرة جداً، من هنا سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: " والله ثلاثةٌ أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى ".. هذا توجيه رسول الله اللهم صلِ عليه..

 

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)﴾

 

( سورة النجم )

 حديثٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم سمَّاه علماء الأصول وحياً غير متلو، لقول الله عزَّ وجل:

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

 كلامه وحيٌ من عند الله، لكنه وحيٌ غير متلو، إذاً ألا تعارض بالمعقول المنقول، لذلك علماء الكلام رفضوا النصوص وحكَّموا العقل، بعض الفلاسفة رفضوا النصوص وحكَّموا العقل، فكل مَن يرفض النص ويحكِّم العقل مكانه ـ العقل غير المنضبط ـ فهذا أحد أنواع الكبر.
 درسنا عن التواضع، لكننا انتقلنا منه إلى أن التواضع له علاقة بالعقيدة، من تواضعك لله عزَّ وجل أنك تقبل من الله كل شيء، لأنه هو الخالق، وأنت عبد، أي أن الله عزَّ وجل قال:

 

 

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾

 

( سورة الإسراء )

 فإذا توهَّمت أنك تعرف كل شيء فأنت متكبِّر، فإذا ربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾

 أنت تريد أن تعرف كل شيء ؟! يجب أن تبقى أشياء لا تعرفها، في أشياء متعلِّقة بعالم الأزل، في أشياء متعلقة بعالم الأبد، في أشياء متعلقة بذات الله عزَّ وجل، هذه موضوعات محظورٌ عليك أن تطرُقها، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

 

((تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا))

 

( من الجامع الصغير: عن " أبي ذر " )

 فإذا الإنسان دخل بموضوع العلم الإلهي وتعمق فيه، وصل لمتاهة، ووصل لمشكلة كبيرة جداً، الاختيار، والعلم الإلهي، علم الله علم كشف وليس علم جبر، الله يعلم كل شيء، يعلم ما كان، ويعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون..

 

﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16)﴾

 

( سورة الحجرات )

 الله عزَّ وجل قال لك في القرآن الكريم:

 

﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16)﴾

 والله سبحانه وتعالى خالق المكان والزمان... وانتهى الأمر... وربنا عزَّ وجل بآيات كثيرة يبيِّن أنك مخيَّر..

 

 

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾

 

( سورة الإنسان )

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾

( سورة البقرة: من آية " 148 " )

 فهذه موضوعات متعلِّقة بذات الله، من الأولى أن تقف معها أديباً، أن تقول: لا أعلم. ويجب ألا تعلم، وينبغي ألا تعلم، وإذا كنت تعلم تقول: لا أعلم، لأن العجز عن الإدراك إدراك، فهذا الذي يظن أنه يعرف كل شيء، ويريد أن يُدلي رأيه في أي موضوع مهما كان شائكاً.
 سيدنا مالك بن أنس ـ كما قلت لكم ـ جاءه وفد من المغرب يحمل له ثلاثين سؤالاً أو أكثر من ذلك، أجاب عن سبعة عشر وقال عن الباقي: لا أعلم، فاستغربوا، الإمام مالك لا يعلم ؟!، الإمام مالك لا يعلم، هكذا ببساطة، عوِّد نفسك العبودية لله عزَّ وجل، هذه أعرفها وهذه لا أعرفها، فأنت عالم إذاً، أما إذا ادَّعيت أنك تعرف كل شيء فأنت لا تعرف شيئاً، لكن قل: هذه أعرفها وهذه لا أعرفها، الله سبحانه وتعالى وفقني في هذا الموضوع، هذا الموضوع فلان أقوى مني على فهمه، اعرف للآخرين حقوقهم.
 الآن الطبيب المتواضع المؤمن يعرف أنه مختص بالموضوع الفلاني، يأتيه مريض فيقول له: علاجك عند فلان، هذا المؤمن، عند فلان، فلان يحمل اختصاص في هذا الموضوع، معلوماته أحدث، علمه أغزر، هذا المؤمن، أما هذا الذي يدعي أنه يعرف كل شيء هذا إنسان جاهل، فمن علامات التواضع أن تقول: لا أعلم، الله عزَّ وجل قال لك: إنني أعلم، صدقت يا رب، وقال لك: إنك مخير، صدقت يا رب وانتهى الأمر، كيف مخير، وكيف يعلم ؟ أما أن تقول: لا، لا يعلم، لا بل يعلم. فمن أنت ؟ أنت عبد لله عزَّ وجل، أتظن أنك ندٌ لله عزَّ وجل فتحاسبه ؟ ليس هذا من شأن العبد أبداً، من شأنك أن تقبل ما قاله الله عزَّ وجل، عقلك تستخدمه في فهم قول الله عزَّ وجل لا في رده، في فهمه لا في رده. كيف انتقلنا من موضوع التواضع لموضوع عن العقيدة، انتقلنا من التواضع كخُلُق إلى رد الحق، فلا إله الله إلا الله، قال:

 

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾

 أيها البشر..

 

 

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85) ﴾

 قال:

 

 

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

 

( سورة البقرة: من آية " 255 " )

 فانظر حينما ترد النصوص الصحيحة، النص قطعي الثبوت حينما ترده فأنت لا تعلم، أنت متكبر، أحد أنواع الكبر أن ترد النص الصحيح لأن الدين نص، الدين نقل، وأنت عبد، وهذا النقل جاءك عن الرب، تصور سيِّد وله عبد، بعث له رسالة ـ السيد للعبد ـ افعل كذا وكذا وكذا، فتطلع العبد فيها وقال: هذه بلاها، هذه غير معقولة، هذه لن أفعلها، هذه ما، هذه سأعمل نصفها فقط، هذا أصبح ليس عبد، هذا صار شريك، فالشريك يمكن يأخ برأي شريكه أو لا يأخذ لأنه شريك، إذا كنت شريك لله عزَّ وجل فخذ ما يعجبك ودع ما لا يعجبك، إذا كنت شريك لله، أما إذا كنت عبداً له يجب أن تأخذ كل شيء عن الحق عزَّ وجل.
 هذا موضوع دقيق جداً لأن الإنسان أحياناً لا يحس على حاله، بشكل لا شعوري، هذا الحكم جمَّده، هذا الآية ما أخذ فيها، هذه ما عجبته..

 

﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾

 

( سورة البقرة: من آية " 230 " )

 هذا حكم إلهي هذا، يعملها شغلة شكلية، يعمل عقد قران لليلة واحدة، ويطلقها ثاني يوم، أنت بهذا تلعب بدين الله عزَّ وجل، تستخف بالله عزَّ وجل..

 

﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾

 أي تنكح زوجاً غيره، أي زواج ثاني على التأبيد، ينتهي بطلاق طبيعي، عندئذٍ تحل هذه المرأة بهذا الزوج. فكل إنسان هذه يتلافاها، أساساً الحيل الشرعية استخفاف بالله عزَّ وجل، استهزاء بشرعه، الحيل الشرعية.
 يعني أنا أقدر أن أبيعك هذه الحاجة بمائة ليرة ديناً، أتبيعني إياها بمائة وعشرين نقداً ؟ أتبيعني إياها بثمانين نقداً ؟ أعطيتك الثمانين وسجلت عليك المائة، فأنا ماذا فعلت ؟ أقرضتك بالربا على شكل بيع وشراء، هذه حيلةٌ شرعية، وكأن الله طفلٌ صغير تنطلي عليه هذه الحيلة، شيء مضحك جداً،.
 فهذا الذي يحتال على الله عزَّ وجل.. كمن يقول: لازم نسكن مع زوجة أخانا في بيت واحد، سهلة الشغلة سهلة، هذه البنت الصغيرة بنت أخيك، تأتي امرأة من الحي ترضعها، تخطب أنت بنت الجيران عمرها سنة ونصف تخطبها وأنت عمرك خمسة وخمسين سنة، تخطب بنت عمرها سنة ونصف، ما هذا الزواج، تأتي زوجة أخاك وترضعها، عندما أرضعتها أصبحت حماتك، والحماة محرَّمة على التأبيد، بعد ساعة تطلقها لهذه البنت الرضيع، وتصبح زوجة أخاك حماتك، وجلسنا في بيت واحد وانتهت المشكلة، هذا لعبٌ في دين الله عزَّ وجل، هذه الحِيَل الشرعية لا تنطلي على الله عزَّ وجل.
 فلذلك حينما تأخذ كلام الله بشكلٍ جدي ؛ تأخذه كله من دون تمييز، وليس أن تأخذ ما يعجبك وتدع ما لا يعجبك ليس هذا الدين، ولكن أن تأخذه كله، هذا من صفات التواضع لله عزَّ وجل، فأنت عبد وهذه تعليمات من سيدك، أول واحدة سمعاً وطاعة، الثانية سمعاً وطاعة، الثالثة سمعاً وطاعة، الرابعة سمعاً وطاعة، عشرة سمعاً وطاعة، إذا كنت ليس عبد فموقفك: هذه الثالثة ليست مظبوطة، هذه تخنها نلغيها، الرابعة غير معقولة، الخامسة ليس وقتها، هذه ليس وقتها، وهذه غير معقولة هذا لم يعد عبد، هذا صار شريك ند لند.
 فكيف انتقلنا من التواضع كخُلُق إلى رد الحق، رد الحق هو بطر الحق كما قال النبي الكريم:

 

 

(( الكبر بطر الحق غمص الناس ))

 

( من الموطأ للإمام مالك: عن " ابن مسعود " )

 إنسان له حجم، وأنت صغَّرته، هكذا بهوى في نفسك، طمست إمكانياته، أهملته، جعلته في الظل، تكلمت عنه كلاماً لا يليق وغير صحيح، فهذا الذي يحكم على الناس من دون علم، من دون تروي، من دون بصيرة هذا إنسان متكبر. لا تنسوا هذا التعريف النبوي الشريف، التعريف النبوي:

 

(( الكبر بطر الحق... ـ أي رد الحق، لك موقف من هذا النص غير الخضوع، موقف الرد ـ... وغمص الناس " ـ أن ترى نفسك فوق الناس جميعاً.))

 الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: أجمع المسلمون على أن مَن استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يحل له أن يدعها لقول أحد. انظر هذه النقطة ما أخطرها، أي إذا ثبت لديك أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام أن تفعل كذا وكذا، لا يجوز أن تنصاع لإنسانٍ على وجه الأرض كائناً مَن كان، إذا استبان لك بالدليل القطعي أن هذا الحديث صحيحٌ عن رسول الله، وفي توجيه معين، حينما تتبع قول أي إنسانٍ مخالفاً هذا الحديث فأنت لست مسلماً..
 قال الإمام الشافعي:

 

(( أجمع المسلمون على أنه مَن استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد ))

 الشيء قبل الأخير في هذا الدرس: أن النجاة من الشقاء والضلال إنما هي في البصيرة، البصيرة نورٌ يقذفه الله في القلب..

 

﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)﴾

 

( سورة الحج )

 فمَن لا بصيرة له فهو من أهل الضلال في الدنيا وأهل الشقاء في الآخرة، هذا النور لا يقذف في قلبك إلا إذا استقمت على أمر الله، وأقبلت عليه، عندئذٍ يقذف الله في قلبك النور، فإذا قذف الله في قلبك النور رأيت الحق حقاً فاتبعته، ورأيت الباطل باطلاً فاجتنبته، يعني هذا النور يريك الحق حقاً، ترى في توجيه النبي عليه الصلاة والسلام أنه عين الصواب، وأنه عين الكمال والحكمة.
ملخصٌ سريعٌ لما ورد في هذا الدرس أن التواضع عكس الكبر، النبي عليه الصلاة والسلام عرَّف الكبر فقال:

((. " بطر الحق.))

 أي رد الحق..

 

((.. وغمص الناس))

 إنسان يحب الأناقة هذا ليس كبر، يحب أن يرتدي ثوباً جميلاً، يحب أن يكون بيته نظيفاً مرتَّباً، دكانه فيها جمال، فهذا الذي يحب الأناقة والنظافة والتجمُّل هذا من الإيمان، ليس هذا هو الكبر، الكبر أن ترد الحق، وأن تغمص الناس حقهم، أي لمجرد أن تبني مجدك على أنقاض الآخرين فهذا كبر، لمجرد أن تهمل الناس جميعاً، أن تصغِّرهم، أن تحقِّرهم، أن تبحث عن عيوبهم لا لشيء إلا من أجل أن تجعلهم دونك فهذا كبر، فكيف انتقل الموضوع من خُلُق إلى علم ؟ الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 

( سورة الأحزاب: من آية " 36 " )

 ليس له خيار، إذاً قَبِلَ الحق كله، فالذي يحرم البنات من الميراث هذا في عنده كبر، لأنه يرى رأيه أقوى من القرآن الكريم، يرى أن هذه البنت مزوجة لها زوج، يجب أن يبقى هذا المال في بيت فلان كله، فعمل ترتيبات في حياته ؛ المعمل والبيت كله سجله باسم أبنائه الذكور والبنات متزوجات ماشي حالهم، هذا متكبر، هذا رفض حكم الله عزَّ وجل، فأنت كن مع الحق حيثما دار.
 إن شاء الله الموضوع لم ينته بعد، في له تفصيلات دقيقة جداً ونحن في أمس الحاجة إليها. أنه حينما تنصاع لحكم الله تقبل عليه، تسعد بقربه، عندئذٍ يلقي الله في قلبك نوراً، ترى فيه الخير خيراً والشر شراً، أما إذا الإنسان رفض حكم، أو عطله، أو جمَّده، أو احتال عليه أنت أصبحت من أهل الرأي، تخترع ديناً جديداً تأخذ ما يحلو لك، وترفض ما لا يحلو لك، إما رفض قولي ظاهر أو رفض ضمني باطن، حينما تعطل حكماً، أو ترفض حكماً، أو ترى رأياً آخر موازياً لحكم الله عزَّ وجل أنت ماذا فعلت ؟ قدمت بين يدي الله ورسوله، قدمت رأياً آخر الله سبحانه وتعالى لا يرضى عنه.
 فالناس في أشياء تعجبهم في الدين، يقول لك: يا أخي الزواج سنة. نعم لكن كذلك الطلاق سنة، عندما تدفع المهر، يجعلها معذبة إلى أن تنزل له عن المهر، لماذا أنت اعتبرت الزواج سنة وأخذت به، فلما أردت أن تترك هذه المرأة ضايقتها حتى تركت لك المهر ؟ أنت رفضت بذلك حكم الله في المهر وفي أحكام الطلاق. فالإنسان..

 

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 

 

( سورة الأحزاب: من آية " 36 " )

 لذلك قال بعضهم: في بالمصطلحات الاجتماعية " أنه تنتهي حريتك حينما تبدأ حرية الآخرين "، هذه كلمة مدنية. في لها تعبير آخر: " تنتهي حريتك حينما تعرف الله عزَّ وجل "، ليس لك حرية، صرت أنت عبد في معك تعليمات من سيدك، وتحبه، وتعظمه، ولك ثقةٌ بعلمه، وبحكمته، وبرحمته، وبحبه لك، تأخذ هذه التعليمات واحدةً واحدة، لا تختار منها على كيفك، اجعلوا هذا المثل في بالكم، سيد بعث إلى عبد تعليمات فتطلع فيها وقال: هذه معقولة، هذه غير معقولة، هذه لن أنفذها، هذه ليس وقتها، أنت لست بعبد أصبحت، إذاً أنت شريك له، أما العبد يأخذها، ويطبقها واحداً واحداً ويقول: سمعاً وطاعة وعلى العين والرأس.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018