بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 060 - النجاسات - أمراض القذارة.


1993-07-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... لا أدري لماذا قفز إلى ذهني في هذا اليوم موضوع النجاسات، موضوع النجاسات يحتل باباً كبيراً من أبواب الفقه، الذي خطر في بالي أن أمراضاً كثيرة كثيرة كثيرة سمَّاها العلماء أمراض القذارة، تصيب في العالم كله ما يزيد من مائة وثمانين مليون إنسان، والرقم قد يكون أكثر بكثير، هذا الذي بقي في ذهني من نشرةٍ اطلعت عليها قبل أشهر، الأمراض التي سببها القذارة، والتي تفتك بعشرات بل ببضع عشرات الملايين من البشر كل عام، المسلمون ربنا سبحانه وتعالى أكرمهم بالنجاة منها.
 فهذا الذي يطبقه المسلم في حياته من نظافةٍ هي جزءٌ من عبادته، الوضوء للصلاة، الغُسل يوم الجمعة، غسل اليدين قبل تناول الطعام، ذكرت هذا الموضوع لأن أوبئة كثيرة تستشري في معظم البلاد ولا سيما في الصيف بسبب التساهل في النظافة، لذلك موضوع النجاسة موضوع ينبغي أن يدرك ملياً، ولا سيما وأن من الأمراض الوبيلة الفتَّاكة ما لا يسمح للمريض أن يستفيد من خطئه، ففي أمراض مميتة، مباشرة إسهالات، قيء، إلى أن يصبح ماؤه كله خارجه، ثم يأتيه الموت، فينبغي أن نحتاط كثيراً في أمور النظافة، ولا سيما في تطبيق الأوامر الإلهية التي أمرنا بها.
 فالنجاسة هي القذارة التي ينبغي على المسلم أن يتنزَّه عنها، ويغسل ما أصابه منها، قال تعالى:

﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)﴾

( سورة المدثر )

 وقال تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾

 

( سورة البقرة )

 وقال عليه عليه الصلاة والسلام:

 

(( الطهور شطر الإيمان ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن: عن " مالك الأشعري " )

 وبالتعبير الدقيق الموجز ( المؤمن نظيف ) بكل معاني هذه الكلمة، بمعانيها المادية، ومعانيها الأخرى، بمعانيها المادية ؛ نظافته ظاهرة، ونظافته باطنة، يعني ألبسته، أدواته، حاجاته، ثيابه، بدنه، أعضاؤه، كلها نظيفة، لا لأنه يحب النظافة بل لأن الله سبحانه وتعالى أمره بها، فالآيات كثيرة:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾

 

( سورة البقرة )

 والذي يلفت النظر هو أن بعض المعلومات الدقيقة، التي نظمتها منظمة الصحة العالمية، تشير إلى أن أمراض القذارة تقل كثيراً في بلاد المسلمين، والسبب هو: النظافة التي هي جزءٌ من عبادتهم، " اغتسل ولو مداً بدينار "، لو أن مُدَّ الماء بدينار عليك أن تغتسل، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( بركة الطعام الوضوء قبله وبعده ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن )

 وضوء الطعام، غسل اليدين والفم، لأن معظم الأمراض التي تعدي تنتشر عن طريق الملامسة، وعن طريق الغذاء، فالإنسان إذا غَسَّل يديه قبل تناول الطعام وبعد الطعام فقد نجا من أمراضٍ كثيرة.
 فأول أنواع النجاسات: الميتة، وتعريف الميّت: الميتة هي ما مات حتف أنفه أي من غير تذكية، التذكية هي الذبح، إنك إن ذبحت الحيوان من الوريد إلى الوريد، فقد ذكيته، وتعلمون أن القلب يقوم بدور مهم جداً بعد الذبح وهو إفراغ الدم من الحيوان، وتعلمون أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن أن نقطع الرأس كلياً، لأن القلب يتلقى التنبيه الكهربائي من داخله، ولكن تنبيه القلب الذاتي هو يعطيه الحركة الثابتة، ثمانين ضربة، أما لو جاءه تنبيه استثنائي من الدماغ لارتفعت الضربات إلى مائة وثمانين ضربة، لذلك بقاء الرأس معلقاً بالجسم معناه ضمان أن يأتي الأمر الاستثنائي للقلب، فيقذف الدم كله خارج الجسد، لذلك الحيوان المذكى هو الحيوان الذي خرج دمه كله، فالميتة: هي كل حيوان مات حتف أنفه من غير تذكية، والتذكية هي الذبح، وتعلمون أن الحيوان لك أن تأكله إن لم يسمّى عليه، تسمي أنت عليه، ولكن لا ينبغي أن تأكله أبداً إن لم يذبح ذبحاً شرعياً، لذلك اللحوم المستوردة إن لم تكن متأكِّداً أنها ذبحت ذبحاً شرعياً على الطريقة الإسلامية، لا ينبغي أن تأكلها لأن دمها فيها، والدم نجس.
 الآن في عندنا حكم استثنائي، قال: ما قُطَّ من البهيمة وهي حيةٌ فهي ميتة. دابة لو قطعت منها جزءً من لحمها وهي حية، هذه القطعة في حكم الميِّتة، أكلها حرام، لأم الدم موجود فيها.
 فيجب أن نعلم أيها الإخوة أن العلم كلما تقدَّم التقى مع الحكم الشرعي، لماذا ؟ لأن هذا الحكم الشرعي هو حكم الله خالق الكون، العلم إذا تقدم كشف الحكمة، لكن المسلم لا ينبغي له أن يطبِّق الشيء بعد أن يقرأ مقالة علمية، ليس عابداً لله عز وجل، الأصل أن تطبق الشيء إذا عرفت الحكم الشرعي، من الكتاب والسنة، إن عرفت هذا عندئذٍ تنطلق إلى تطبيقه، فالتطبيق ينطلق من أن هذا أمر إلهي، لكن تكريماً للإنسان العابد الذي يبادر إلى تطبيق الأمر الإلهي، ربنا سبحانه وتعالى يكشف له عن الحكمة.
 فلما النبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن أن نقطع رأس الدابة، وأن نذبحها من أوداجها، أن نذبح الشريانين الثخينين وأن نبقي الرأس بالدابة، هذا الآن كشفنا الحقيقة، أنا طبيب قلب حدثني قال لي: القلب فيه ثلاثة مراكز تنبيه: لحكمة بالغة، إذا كان في مستشفى تجري عمليات خطيرة جداً، هل يمكن لهذه المستشفى أن تعتمد على التغذية الكهربائية الخارجية ؟ لو أن الكهرباء قطعت لسبب أو لآخر، والمريض قد يموت، فالمستشفيات الراقية لابد لها من تغذية كهربائية ذاتية، والقلب لأنه أخطر عضو في الجسم، لا يحتاج إلى تنبيه كهربائي خارجي يأتيه عن طريق الأعصاب، بل يحاج إلى تنبيه كهربائي ذاتي، في ثلاثة مراكز، المركز الأول وهو أكبر المراكز لو تعطل لعمل المركز الثاني، لو تعطل لعمل المركز الثالث، لكن هذه المراكز الثلاث، من شأنها أن تعطي القلب الضربات النظامية، أي ثمانين ضربة بالدقيقة، لما أحدنا يصعد درج أو يحمل ثقل أو يضطرب نفسياً، يشعر بأن قلبه ضرب مائة وثمانين ضربة، مَن الذي أعطى هذا الأمر للقلب أن يرفع الضربات ؟ الدماغ، الجهة المدركة في الجسم تعطي الأمر للقلب برفع الضربات.
 إذاً في عندنا أمرين ؛ أمر داخلي يعطي الضربات النظامية وأمر خارجي يعطي الضربات الاستثنائية، فالدابة لو ذبحناها، وقطعنا رأسها كلياً، قطعنا التنبيه الخارجي، والقلب فيه تنبيه ذاتي، ترى أن هذا القلب ينبض نبضات نظامية، نبضاته المتباطئة لا تكفي لإخراج الدم كله من الذبيحة، يبقى دمها فيها، لكن لو قطعت الوريدين وبقي الرأس متصلاً، وهناك اتصالٌ عصبي بين الدماغ والقلب، عندئذٍ ينبض القلب نبضات عالية جداً، من شأن هذه النبضات أن تخرج الدم كله من الذبيحة.
 هذا الشيء لا يمكن أن يعرف في عهد النبي، ولكن لأن النبي عليه الصلاة والسلام نبيٌ يوحى إليه، الشيء الدقيق، إيَّاك أن تظن أن النبي عبقري، هذه الصفة، هو عبقري، وذكي، وفطن جداً، ولكن إيَّاك أن تظن أن هذه الأحكام التي نطق بها من اجتهاداته، إنما هي من وحي الله له، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وعلامة الإيمان أن تشعر أن هذا الأمر الذي جاء به النبي هو من عند الله، من عند الصانع، من عند الخالق.
 إذاً كلما تقدم العلم اكتشف أن الحكم الشرعي ينطبق مع أحدث البحوث العلمية، لكن نحن نطبق الحكم الشرعي لا لأن العلم أيَّدَهُ بل لأن الله أخبرنا به، نطبق الأمر الإلهي لأنه أمر إلهي، فقالوا: علة أي أمرٍ من الله عز وجل أنه أمر من الله، وبعد تطبيقه يكشف الله للإنسان الحِكَمَ البالغة من تطبيقه.
 إذاً ما قُطِعَ من لحم الدابة وهي حية فهو في حكم الميتة، هذا الحكم الفرعي، قالوا: استثنى من ذلك ميتة السمك والجراد، وأيضاً في حكمة بالغة، أنت تظن أحياناً عقل الإنسان يتساءل: إذا كان حكمة الذبح إخراج الدم من الدابة، فلماذا سُمِحَ لنا أن نأكل السمكة من دون ذبح ؟ إذاً دمه فيه، إذاً علة الذبح غير معقولة، فالسمك فيه دم، ما قولك أن العلماء اكتشفوا حينما تصطاده كل الدم الذي في جسمه ينتقل إلى غلاصيمه، فالدم كله ينتقل إلى الغلاصم وكأنك ذبحته، ولكن السمكة التي تطوف على سطح الماء، أي أنها ماتت منذ أمد بسبب موتها طافت، هذه في أغلب الآراء الفقهية أنه لا يجوز أكلها، السمكة الطافية أي التي ماتت من دون صيد، لأن صيد السمكة من شأنه أن يجعل دمها كله في غلاصيمها، يستنى من ذلك ميتة السمك والجراد فإنها طاهرة.
 ومن أجل أن تعرف أن بعض المُعَلَّبات، وبعض الأغذية المستوردة يكتب عليها عبارات ترضي العالم الإسلامي، أن هذه اللحوم ذبحت وفق الشريعة الإسلامية، هناك علب سمك كتب عليها: ذبح هذا السمك وفق الطريقة الإسلامية. معناها ذلك كذب، فالأجانب مستعدين يتملَّقوا العالم الإسلامي، يكتبون ما نشاء على هذه المستوردات، فلابد من التحقق.
الآن في عندنا حكم فرعي ثالث

(( عظم الميتة، وقرنها، وظفرها، وشعرها، وريشها، وجلدها))

 وكل ما هو من جنس ذلك طاهر لأن الأصل في هذه كلها الطهارة، ولا دليل على نجاسته، عظم الميتة، وقرنها، وظفرها، وشعرها، وريشها، وجلدها، وكل ما كان من جنس هذا فهو طاهر لأن الأصل في هذا كله الطهارة.
 روى البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام مر بشاة ميتة فقال عليه الصلاة والسلام:


((ـ هلا أخذتم إيهابها، فانتفعتم به ؟ـ قالوا: إنها ميتة.ـ قال: إنما حرم أكلها ))

( رواه الجماعة )

 معنى الجلد، العظم، الظفر، القرن، الشعر، الصوف، هذا كله طاهر، الأصل فيه الطهارة ولو كانت الدابة ميتة.
 في عندنا قاعدة: " الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه ". الإنسان في شيء الله عز وجل حرمه، وفي شيء حلله، وفي شيء سكت عنه، الشيء المسكوت عنه هناك حكمة من السكوت عنه لا تقل عن التصريح به، الشيء الذي ممكن يخضع إلى تطورات الله عز وجل سكت عنه رحمة بالخلق، فالإنسان ليس مكلف أن يسأل عن أشياء، أن يدقق في أشياء الشرع سكت عنها، الأصل في الأشياء الإباحة، ما لم يأتي دليل على حرمتها.
 الآن، الدم، العنصر الثاني من النجاسات هو الدم، الدم، سواء ما كان دماً مسفوحاً أو مصبوباً، كالدم الذي يجري من المذبوح، أم دم الحيض هذا نجس، لكن العلماء قالوا: يعفى عن اليسير منه، فأحياناً نقطة دم أو نقطتان هذه لا تنجس الثوب، أما أكثر من ذلك كحجم الدرهم هذا يجعل الثوب نجساً، أحياناً تجد بالدجاجة عروق سوداء فيها دم، الأكمل تنزعها، وإذا ما نزعتها كذلك معفو عنها، فما بقي من آثار الدم في بعض الشرايين الفرعية، هذا مما عفى الله عنه.
 الحقيقة من إعجاز لقرآن الكريم أن الدم المسفوح الدم المراق، لكن الدم وهو في جسم الإنسان هناك أجهزة كثيرة التصريف، الكليتان تصفي الدم، الرئتان تصفي الدم، الغدد العرقية تصفي الدم، فهناك تصفية عن طريق التنفُّس، وهناك تصفية عن طريق الكليتين، وهناك تصفية عن طريق التعرقُّ، إذاً ما دام الدم في الجسم فهو طاهر، أما إذا سفح صار بؤرةً للجراثيم والأوبئة.
 الشيء الثالث من النجاسات: لحم الخنزير، قال تعالى:

 

﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾

 

( سورة الأنعام: من آية " 145 " )

 أي نجس، فإن هذا كله خبيثٌ تعافه الطباع السليمة، فلحم الخنزير والميتة الدم فإنه رجس، وتعلمون أن لحم الخنزير فيه أمراض كثيرة من أبرزها الدودة الشرطية، وهذا الحيوان يحب أن يأكل الجيَف، إذا مات خنزير يأكله بقية الخنازير، والخنزير مُغْرَم بالجرذان، فهذا الحيوان من شأنه أن يأكل الجيف، وأن يأكل الميتة، وأن يأكل القذر، ولحمه مستعد باحتواء بعض الأمراض الخبيثة والوبيلة، فلذلك الله عز وجل نهانا عن هذا اللحم أكلاً وهو نجس.
 بقي في بنود النجاسات قيء الآدمي وبوله، نجاسة هذه الأشياء متفقٌ عليها، إلا أنه يعفى عن يسير القيء، ويخفف في بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، القيء القليل وبول الصبي الذي لم يأكل الطعام بعد، أي ما زال يرضع من ثدي أمه، هذا البول من النجاسة المخففة، النجاسة مخففة وليست مركزة، والقيء القليل مما هو معفوٌ عنه، أما القيء الكثير نجسٌ ينجِّس الثوب.
 فاللهم صلي عليه كان قدوة، إحدى الصحابيات أم قيس، أتت النبي عليه الصلاة والسلام بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام، وقد بال هذا الطفل الصغير في حجر النبي عليه الصلاة والسلام، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بماءٍ فنضحه عن ثوبه، ولم يغسله غسلاً، ففهم أن بول الصبي الذي لم يأكل الطعام نجسٌ نجاسةً مخففة ؛ بمعنى أن نضح الماء فوقه يطهره دون أن يغسل الثوب كلياً.
لكن الطفل الصغير إذا أكل الطعام، وبال على ثوب أو على شيء لابد من غسله، لأن هذا الشيء يصبح نجس نجاسة كلية.
 هناك شيء آخر في النجاسات هو الودي، والودي ماءٌ أبيض ثخين يخرج بعد البول، وهو نجس من غير خلاف، قالت عائشة: " وأما الودي فإنه يكون بعد البول فيغسل ويتوضأ ولا يغتسل منه المرء ". أي يغسل ويتوضأ الإنسان وانتهى الأمر لا يحتاج إلى غسل، وكذلك المذي، هو الماء الأبيض اللزج الذي يخرج عند التفكير في شؤون الجماع، عند التفكير في هذا الموضوع ربما خرج ماءٌ أبيض لزج هذا اسمه المذي، الودي والمذي لا يستوجبان الغسل، ولكن يكفي أن يغسل مكان وجوده، وأن يتوضأ، وأن يصلي الإنسان من دون شيء آخر.
أما المني فذهب بعض العلماء إلى القول بنجاسته، والظاهري أنه طاهر، هو ماء الحياة، لكن يستحب غسله إن كان رطباً، وفركه إن كان يابساً، إذاً هو طاهر يستحب غسله إن كان رطباً وفركه إن كان يابساً كما قلت.
بقي بول وروث ما لا يؤكل لحمه، فكل دابة لا يؤكل لحمها هو نجس.
 ثم هناك الجَلاَّلة، الجلاَّلة الدابة التي تأكل الغائط، في دجاج يقول بيض بلدي، في دجاج يأكل النجس، فكل دابة تأكل النجس هذه اسمها جَلاَّلة لا يجوز أكلها ولا أكل منتجاتها، ما لم تعزل وتأكل العلف الصحيح إلى أن تذهب عنها هذه النجاسات. فالإنسان ينتبه، فالجلالة نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن شرب لبن الجَلاَّلة، إذا دابة تأكل النجس نهى النبي عن شرب لبنها، لأنه في إشكال يصير، والجلالة بالتعريف الدقيق هي التي تأكل العذرة من الإبل والبقر والغنم والدجاج والإوَز، تعزل عن هذا المكان، حتى يتغير ريحها، فإذا حبست بعيدةً عن العذرة زمناً وعرفت طاهراً، طاب لحمها وذهب اسم الجلالة عنها، وحلَّت.
ومن النجاسات الخمر، وهي نجسة عند جمهور العلماء، لقول الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾

 

( سورة المائدة: من آية " 90" )

 وذهبت طائفةٌ إلى القول بطهارتها، وحملوا الرجس في الآية على الرجس المعنوي، يقول لك: واحد صافح إنسان غير مسلم، فصافحه توضأ، يا ترى إذا إنسان اغتسل اغتسال جيد وما كان مسلم، وأنت صافحته، فهل حقيقة تنجست أنت ؟ هل هي نجاسة حقيقة ؟ الجواب: لا، نجاسة حُكمية، ما الفرق بين النجاسة الحقيقة والحكمية ؟ إذا كان عاملت إنسان كافر، زوجته، أو شاركته، أو صاحبته، أو سافرت معه، علاقاته كلها مشبوهة، دخله مشبوه، اختلاطه مع النساء فاضح، مزحه رخيص، نظراته خبيثة، فالنجاسة هنا ليست نجاسةً حقيقيةً، بل هي نجاسة حُكْمِيَّة، فمَن ذهب إلى أن الكافر إذا صافحتيه ينبغي أن تغسل يديك أو أن تتوضأ هذا تفسير غير صحيح، مع أن هناك من المتشددين من يفعل ذلك ؛ إما أن يصافحه من تحت العباءة يقول لك: هذا نجس، وهذه تسبب إحراجاً شديداً، وإرباكاً شديدة، ويظهر المسلم بأفقِ ضيِّق، وإما أن نفهم النجاسة على أنها نجاسة حكمية، بمعنى أنه نجاسة معنوية، فإذا عاشرته، أو عاملته، أو سافرت معه، أو زوجته، أوشاركته، ربما وجدت من أخلاقه ومن علاقته الشيء الذي لا يحمد، وربنا عز وجل قال:

 

﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 28 " )

 ودقة الآية ما قال: هم نجسون، قال:

 

﴿ نَجَسٌ﴾

 والفرق كبير بين كلمة نَجِس، وبين كلمة نَجَس، كلمة نَجِس هي صفة، أما نَجَس: اسم ذات، النَجَس عين النجاسة، أما النَجِس صفة الشيء، كل شيء نجس يمكن أن يطهر، لكن النَجَس نفسه هذا ما لا سبيل إلى تطهيره، فقال ربنا:

 

 

﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾

 

 

( ورة التوبة: من آية " 28 " )

 وأنا لا أرى سبب لمذلة قدم المسلم، أو لتقصيره في دينه، أو لبعده عن الله عز وجل إلا صاحب السوء، لأنه هو نجس، والإفساد سهل، إذا أنت وجدت مادة متفجرة، إلقاء عود ثقاب عليها لا يكلف شيء، قضية سهلة جداً، فإفساد خُلُق الإنسان عن طريق إغراؤه بشيء من الشهوات المألوفة هذا عمل ليس بطولي، هذا عمل واطي، عمل حقير، عمل دنيء، فالإفساد سهل، وقاعدة عامة: ( التخريب سهل والبناء صعب )، تبني إنسان بناء صحيح، تحتاج إلى جهد كبير، لكن إفساده يحتاج إلى جهد يسير، فالذين يفسدون الناس يفسدون العلاقات ؛ كلمة، غيبة واحد، أو نميمة واحدة، أو كلمة سوء تنقل من فلان إلى فلان، هذه تكفي لإفساد علاقة كبيرة جداً بين الناس.
لا زلنا في قوله تعالى:

 

 

﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 28 " )

 وحكمة الآية: أن المشرك ليس نَجِساً بل نَجَس، هو عين النجاسة لا يطهر ما لم يترك شركه، ما دام مشرك، ما دام لا يصلي، ما دام بعيد عن الدين، ما دام دنيوي، ما دام مادي فهو نجس، بمعنى أن العلاقة معه علاقةٌ سيئة قد تجرُّ إلى الفساد، والإنسان إن كان لذاته، أو لأولاده، أو لمَن حوله، أخطر شيء في الحياة صاحب السوء، لأن الصاحب ـ كما يقال ـ ساحب، والإنسان قد يتأثر بأصحابه أكثر بكثير مما يتأثر ممَّن يدرسه، لأن في مشاركة، في مقاربة في السن، في توافق بالطباع، فالصاحب له تأثير كبير جداً، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن: عن " أبي هريرة " )

 فإذا أنت بلغت معك الصحبة مع إنسان درجة عالية جداً إلى مستوى الخُلَّة، فهذه الخلة خطيرة، لماذا ؟ أقوى الخليلين يفرض على الطرف الآخر عقيدته، وقيمه، واتجاهاته، وأعماله، وسلوكه، وأنماط حياته، فأنت شئت أم أبيت إذا أحببت إنساناً إلى مستوى الخُلَّة، هذا الإنسان إن كان أقوى منك شخصية أثر فيك، المرء على دين خليله، مهما يكن دين خليلك، ليس المقصود الدين الإسلامي هنا، الدين الاتجاه، أي أن خليلك اتجاهه يفرضه عليك، فلينظر أحدكم مَن يخالل، كما تنتقي الحاجات التي تستعملها يومياً بعناية فائقة، ينبغي أن تنتقي الأصحاب بدقة بالغة، ينبغي أن تنتقي الكتب التي تقرؤها بدقة بالغة.
 لأن الكتاب أحياناً أنت مالك مسلح تسليح ضد شبه الكتاب، كتاب أحياناً يكون فيه شبهات حول الإسلام، إفساد للعقائد، الباطل يكون مزخرف، الباطل أحياناً يكون يدغدغ عواطف المنحرفين، فإذا الإنسان ما كان بالمستوى الذي يمكِّنه من رد هذه الشبه ومن كشف زيفها، لو قرأت كتاباً من دون أن تكون مسلحاً بالإيمان ربما وأنت لا تشعر أثرت فيك أفكار هذا الكتاب، فلابد من قبل أن تقرأ هذا الكتاب من أن تسأل أهل الخبرة، وأهل الاختصاص، والمؤمنين الصادقين المتمرسين بالعلم: هل تنصحني بقراءة هذا الكتاب ؟ يجب أن تختار الكتب اختياراً دقيقاً كما ينبغي أن تختار الأصحاب اختياراً دقيقاً، وكما قلت قبل قليل: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.
 في البداية قلت لكم: المؤمن نظيف، فذكرنا بعض النجاسات، لكن كأن الله سبحانه وتعالى أراد من النجاسة الخطيرة النجاسة المعنوية، أحياناً يكون حي موبوء، فإذا سكنت في حيٍّ ليس نظيفاً، العلاقات المشبوهة بين الفتيات والشباب في هذا الحي ربما أثرت تأثيراً سلبياً على بناتك وعلى أولادك، فيجب أن تختار الحي الذي تسكنه بعنايةٍ فائقة، يجب أن تختار البيت وأن تختار جيرانه أيضاً، في جيران غير مؤمنين، باحتفالاتهم، بعلاقاتهم، بتبذلهم، بشرفاتهم المكشوفة، بنوافذهم المفتوحة، قد يفسدوا الشباب.
 إذاً معنى نَجِس أي صفة، أما نَجَس أي عين النجاسة، والمشرك نجس، حتى النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق ))

 لماذا ؟ لأن هذا الخير إذا انحدر إليك عن طريق الكافر أو المنافق ماذا يحصل ؟ يحصل ميل قلبي، فإذا مِلت إلى هذا الإنسان الكافر، الفاسق، الفاجر ميلاً قلبياً حقيقياً، ربما اقتبست من أفكاره ومن عاداته ومن تقاليده، ومن قيمه الشيء الكثير، في شيء مهم جداً أذكره دائماً
أن كل إنسان منا له خطوط دفاع، أنا مسلم، الخمر حرام، أنا مسلم، السرقة حرام، أهل الكفر والضلال بطرق خفية جداً يتسللون عبر خطوط دفاع المسلم، فإذا قرأت قصةً، وفي هذه القصة البطل الإيجابي الأول كان يشرب الخمر، فالكاتب أضفى عليه صفات البطولة، صفات الشجاعة، صفات الجُرْأَة، صفات العدالة، أضفى عليه من الصفات الأخلاقية الشيء الكثير، حتى أصبح هذا الشخص محطَّ الأنظار، ثم هو يشرب الخمر أو لا يصلي، ماذا يحدث ؟ وهذا أكثر مطب يقع به الشباب أحياناً والفتيات.
 فكل عمل فني يظن أن أجهزة اللهو لها سيئة واحدة وهي الإثارة، الإثارة سيئة جداً، إنسان بينه وبين الزواج مسافة كبيرة جداً وأمد طويل، لا زال في مقتبل حياته، فإذا شاهد في هذه الأجهزة المناظر المثيرة، ربما أثيرت هذه الغرائز عنده، ولا سبيل إلى تفريغها إلا عن طريق الحرام، فربما كانت الإثارة سبباً للفساد، هذا شيء مفروغ منه.
 أقول لكم: هناك أخطار لأجهزة اللهو أكبر بكثير من الإثارة، وهو أن كل القيَم الإسلامية الرفيعة، ربما تهتز هذه القِيَم من خلال عمل فني، فيكفي أن ترى أن المرأة المسلمة امرأة جاهلة، وأن المرأة غير المسلمة منطلقة ؛ امرأة ذكية، وامرأة تعتني بأولادها، وربَّة بيتٍ من الطراز الأول، فأنت إذا رأيت امرأتين، واحدة مظهرها إسلامي لكنها مهملة لأولادها ؛ تحب الثرثرة، تمضي وقتها كله عند الجيران، أولادها في الطرقات، زوجها لا تعرف حقوقه، ولها مظهر إسلامي، والمرأة الثانية؛ منضبطة، وحريصة على أولادها، وسيدة بيت من الطراز الأول، هذا العمل فني لو شاهده شاب أو شاهدته شابة لتسللت إليه القيم غير الدينية دون أن يشعر، هذا الخطر، الخطر أن تتسرب إليك القيم غير الدينة وأنت لا تشعر، لذلك المسلم لا يستطيع أحد أن يجابهَهُ بإسلامه، في عنده خطوط دفاع، أما إذا تسللت هذه القيم وهو لا يدري.
 فنحن عندما نسمح لشبابنا وبناتنا يتابعوا أعمال فنية الذين كتبوها، والذين أخرجوها، ليسوا مؤمنين بالقيم الإسلامية، فهناك خطر كبير أن يُبْنَى الإنسان بناء غير إسلامي، والحقيقة البناء خطير جداً، فكل مَن عنده أولاد أخطر ما في الشاب بناؤه الداخلي، في بناء أخلاقي، في بناء إسلامي، في بناء عقيدي صحيح، في بناء أساسه الإيمان، في بناء أساسه، أحياناً الناس يقولون لك: قد ما فيك غب. ما هذه الكلمة ؟!! الشيطان ركَّز هذه الكلمة؛ من حلال، من حرام، الآن أنت شاب، أنت على قدر ما تستطيع وتقدر اجمع مال كيف ما كان، الحلال على الشاطر. ما هذا الكلام، هذا كلام الجهل، كلام الشيطان.
 فنحن لما نرتاد بيوت الله عز وجل، ونجلس في مجالس العلم، ونستمع إلى كتاب الله ، ونستمع إلى السنة، ونستمع إلى منهج الله التفصيلي في الحياة اليومية، معنى ذلك أن الإنسان يُبْنَى بناء صحيح، والملاحظ أن الإنسان عندما ينبنى بناء صحيح، بشكل أو بآخر وهو لا يدري يسلك سلوكاً صحيحاً، الله عز وجل قال:

 

 

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

 

( سورة الزمر: من آية " 9 " )

 إذا كان بناءك صحيح معناها السلوك صحيح، البناء أساسه التلقِّي، فأنت وعاء، من أين تتلقى معلوماتك، تصوراتك، عقيدتك، قيَمك، مُثُلَك العليا، من أين تأتي بها ؟ فدائماً انتبه ما الذي يغذي هذا الإنسان ؟ الإنسان يغذيه الطعام والشراب، يغذي جسمه، لكن روحه، نفسه، ما الذي يغذيها؟ قل لي ما الذي يغذيك من الثقافة أقل لك مَن أنت. المسلم يأتي إلى بيتٍ من بيوت الله يُغذى بالقرآن، يغذى بالسنة، يغذى بالصحابة الكرام، يغذى بالمنهج، فالشيء الطبيعي جداً أن التغذية الصحيحة ينتُج عنها حركة صحيحة.
 فتجد المسلم يبحث عن زوجة، هكذا مغذى أن أهم شيء الزواج نظام الأسرة الإسلامي نظام مقدس، وعلاقة الإنسان بالمرأة علاقة زواج فقط ليس غير، بينما إذا الإنسان غذي تغذية مغلوطة ؛ يبحث عن قضاء شهوته خارج الزواج، فالتغذية الغلط ينتج عنها سلوك غلط، أخطر إذاً ما في الحياة أن تبحث عن مصدر لتغذية نفسك، بناء إيمانك، بناء قيمك، بناء منهجك، إذاً النجاسة التي أرادها الله عز وجل في قوله تعالى:

 

﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 28 " )

 تعني النجاسة الحكمية، إذا أنت صاحبت إنسان فاسق، فاجر، ما فيه دين، علماني فرضاً، غير مسلم، فما عنده قيم، ما في عنده حدود، ما عنده محرمات، الدنيا هي كل شيء، المال هو كل شيء، المرأة هي كل شيء عنده، فينطلق بحركة عشوائية نحو قضاء شهوته، إن الشهوة المادية في كسب المال، أو الشهوة الأخرى عن طريق علاقات غير صحيحة.
 إذاً أنت طلب العلم فرض واجب على كل مسلم، لماذا ؟ العلم حارس لك، الحقيقة في شيء آخر: أنت لما تعرف الحكم الشرعي، الله فرض الصلاة، هذا حكم شرعي، خمس صلوات، صبح، ظهر، عصر، مغرب، عشاء، الصبح ركعتين، هذه أحكام فقهية، سنة مؤكدة والفرض، تصلى قبل طلوع الشمس، والظهر أربع ركعات، وأربعة قبلها وأربعها بعدها، أو اثنين اثنين، أو أربع باثنين على اختلاف المذاهب، والعصر والمغرب والعشاء، السنن والحركات والقعود، هذا هي الأحكام الفقهية، لكن في أشياء بالصلاة أعمق من ذلك.
 العلماء قالوا ثلاثة: عالم بالشريعة، وعالم بالطريقة، وعالم بالحقيقة. عالم الشريعة يعطيك الأحكام الفقهية، لكن عالم الطريقة له مهمة أخرى يقول لك: الصلاة صلة، والصلة بالله عز وجل أساسها الاستقامة، فما لم تكن مستقيماً لن تستطيع أن تتصل بالله عز وجل، وأن كل ذنب تقع فيه لابد له من توبة، وأن الله عز وجل يسترضى بالصدقة، فصار معك منهج ـ لا سمح الله ولا قدر ـ لو زلت قدمك بخطيئة لابد من التوبة، والتوبة تحتاج إلى بذل، فأن يلاحظ المسلم أن يكون مع الله دائماً، وأن يشعر أن الله راضٍ عنه دائماً، هذه حالة راقية جداً في الإيمان، فمثل ما قال سيدنا عمر: " تعهد قلبك " كيف أن الإنسان يتعهد عينه أحياناً، كيف إذا شعر أن في ذبابة تطير أمامه، إذاً في عنده خلل داخلي، مباشرة يتصل بطبيب عيون، كذلك المؤمن يتعاهد قلبه إن أنكر قلبه ؛ وجد في قلبه جفاف، أو بُعد، أو إعراض، أو صلاته لم تكن كما يريد، أو شعر أنه مقطوع عن الله عز وجل، فهذا يدفعه إلى أن يبحث عن السبب.
إذاً عالم الشريعة لا يكفي وحده، لابد من عالم يجمع بين الشريعة والطريقة، الصيام ترك الطعام والشراب وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الصادق إلى غياب الشمس، شيء جميل، فهل هذا هو الصيام ؟ الصيام:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)﴾

 

( سورة البقرة )

 معناها فيه تقوى بالصيام، ما هي التقوى ؟ إذاً الصائم يحاول طوال يوم الصيام أن يرقى بعبادته إلى المستوى الذي يؤهِّله أن يقف بين يدي الله في صلاة التراويح، ويؤدي صلاةً صحيحة كما أرادها الله عز وجل، إذاً العالم الأول عالم الشريعة الذي يعرف الأحكام الشرعية، تماماً لو التقيت بمهندس أطلعك على ورق فيه مخططات لبناء، حسابات دقيقة، مصوَّرات دقيقة، لكل طابق، لكل مرفق من مرافق البناء، البناء قبل أن يكسى، بعد أن يكسى، تصميمات حدائق كله على الورق، فأنت تجد شيء جيد جداً يعبر عن علمه الغزير، لكن في إنسان آخر يعطيك البناء نفسه البيت، فشتان بين بيتٍ على الورق وبين بيتٍ حقيقي.
 فعالم الشريعة هو الذي يعرف الأحكام الشرعية، ولكن عالم الطريقة هو الذي يدلك على طريق الصلاة الصحيحة، طريق الصيام الصحيح، طريق الحج الصحيح، بأحكام الحج كل مَن طاف حول الكعبة طواف القدوم، وسعى بين الصفا والمروة، وتواجد في عرفات لحظةً، ورجم، انتهى حجه، لكن الحج المعنى الذي أراده الله أهم من ذلك بكثير، الحج لقاء مع الله، صلح مع الله، معرفة بالله عز وجل، إذاً نحن نحتاج بالعبادات إلى مستوى أرقى من أدائها بشكل شكلي، نحتاج إلى مستوى فهم حقيقتها.
 العالم الثالث هو عالم بالحقيقة، فشبهوا الذي يرسم لك مخطط البيت عالم الشريعة، والذي يدلك على الطرق الموصل إليه هو عالم الطريقة، والذي يأخذ بيدك ويدخلك القصر نفسه هو عالم الحقيقة، ولن يكون العالم عالماً إلا إذا كان عالماً بالشريعة، ولن يكون عالم الطريقة عالماً بالطريقة إلا إذا كان عالماً بالشريعة، ولكن يكون عالم الحقيقة عالماً بالحقيقة إلا إذا كان عالماً بالشريعة وعالماً بالطريقة.
 إذاً الموضوع موضوع البناء الصحيح حتى الإنسان ينتقل إلى المستوى الذي يسعده في الدنيا والآخرة، إذاً أخطر مصدر على حياتنا الصاحب السيئ لأنه نَجِس، فانظر لعلاقاتك الاجتماعية، أصدقاءك، النشاط الاجتماعي مع مَن تمضيه ؟ مع مَن تمضي العطلة، مع مَن تسهر، مع مَن تجلس، مع مَن تذهب إلى النزهات، هؤلاء بقيمهم غير الصحيحة قد يؤثرون فيك، لذلك الحديث الشريف:

 

(( لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي ))

 

( من الجامع الصغير: عن " ابي سعيد " )

 والحكمة العطائية: " لا تصاحب من لا يدلك على الله مقاله، ولا ينهض بك إلى الله حاله " الإنسان له مقال وله حال، فإذا صاحبت إنسان له مقال يدلك على الله عز وجل، وحال يوصلك به، فهذا الإنسان اصحبه، ودائماً الإنسان يصحب في أمر الدين من هو أرقى منه، يسعد به، وليصحب في أمر الدنيا مَن هو أدنى منه يتعبه، لو صاحبت أغنى منك تتعب كثيراً، دخلك محدود ودخل غير محدود، دائماً مسيطر عليك، بالإنفاق، إذا جاريته تخرب بيت حالك، لا تقدر، مع أهل الدنيا اصحب مَن هم دونك، مع أهل الدين اصحب مَن هم فوقك.
الآن حتى بالنظرة، الإنسان إذا وازن نفسه مع أهل الدنيا الكبار يرى أن الله حرمه كل شيء، " من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط " ما عنده شيء..

 

(( يا عائشة إذا أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، ولا تستخلقي ثوباً حتى ترقعيه، وإياك والدخول على الأغنياء ))

 

( من الدر المنثور: عن " السيدة عائشة " )

 طبعاً المقصود بهم الأغنياء غير المؤمنين، المؤمن متواضع.
 فانطلقت من كلمة نجس إلى الصحبة والعلاقة، والتغذية الشيء أساسي بحياتنا، لاحظ المؤمن إذا نزهاته، سهراته، لقاءاته، نشاطه الإنساني كان محصور مع المؤمنين، يسعد، ويرقى، سبحان الله كل مؤمن يعطي أخاه المؤمن ما هو بحاجة إليه، تجد هذا المؤمن حليم، وهذا المؤمن مندفع، فإذا تصاحبوا اندفاع هذا ينتقل إلى الثاني وحلم الألو ينتقل إلى الثاني، فأرقى علاقة بين المؤمنين العلاقة الحميمة التي تصل إلى مستوى الخُلَّة، فكل واحد عنده شيء ثمين يؤثر في الآخر.
 فنحن يجب أن نستفيد من هذا أنه جزء من دينك أن تكون بعيد عن أهل الكفر، أن تكون بعيد عن أهل الفسق، ألا تصاحب إلا أهل الإيمان، ولكن مع أهل الفسق والفجور صحبتهم محرجة جداً، فقد تدعوه قائلاً: تفضل عندنا اسهر. يأتي هو وزوجته، يقعد يحرجك، وإن ذهبت إليه تستقبلك زوجته، يعدونها قضية بسيطة جداً، فإذا كان صار في اختلاطات أو علاقات غير صحيحة، ينتج عنها آثار كبيرة، لا تصاحب إلا مؤمناً لا، يأكل طعامك إلا تقي، في إخوان كثيرين يشارك أخ من أهل الدنيا، يؤمن باستثمار المال عن طريق البنوك مثلاً، معقول المال ما نربح فيه ؟! إحراجات كثيرة، يشتري بضاعة محرمة، ما عنده هذا الشيء، الهدف يربح، أما المؤمن الهدف يربح من طريق مشروع.

 

﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 28 " )

 هذه نجاسة ما نوعها ؟ حكمية، في نجاسة حقيقية، كنجاسة الدم المسفوح، ونجاسة لحم الخنزير، ونجاسة الميتة، ونجاسة الخمر، وهناك نجاسة حكمية ترقى إلى مستوى العلاقات، فإذا صحب المؤمن مؤمناً سعد في الدنيا والآخرة.
 من الأشياء النجسة أيضاً: الكلب، هو نجس ويجب غسل ما ولغ فيه سبع مرات أولهن بالتراب، لحديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 

(( طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مراتٍ أولهن بالتراب ))

 

( رواه مسلم وأحمد وأبو دواد والبيهقي )

 طبعاً هذه الفقرة الأخيرة في الدرس، نجاسة الكلب إذا ولغ في إناء الإناء، أما شعر الكلب فالأظهَر أنه طاهر، لم تثبت نجاسته، إذا كان كلب جاف ولمس ثوبك من جهة شعره، الأغلب والأظهر أنه طاهر، لكن فم الكلب ولعاب الكلب هو النجس.

 

(( طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولهن بالتراب ))

 فالدرس الماضي إخواننا، والحمد لله رب العالمين، تأثروا كثيراً بموضوع نشاط المؤمن، أتمنى أن أذكر هذا باختصار شديد:
 أن إخواننا لابد لهم من جلسة مع مَن يلوذ بهم من أقربائهم، فأنت إذا جلست مع أهلك جلسة مع أولادك، مع بناتك، مع إخواتك، مع بنات أخواتك، مع من يلوذ بك جلسة في الأسبوع الواحد نقلت لهم ما سمعته في هذه الدروس، اختار آية من الآيات، حديث من الأحاديث، اختار موضوع فقهي، اختار سيرة من سيَر الصحابة، هذه إذا ألقيتها إلى من يلوذ بك شعرت بالعطاء، الإنسان إذا أعطى يسعد، إذا كان عمله قليل، من قصر بالعمل ابتلاه الله بالهم.
 في حقيقة الإنسان لابد من أن يرقى إلى الله، فإن لم يرقَ بعمله ربما رقي بصبره، بمعنى أن الله عز وجل ما رأى منك ذلك المسعى الطيِّب لخدمة الخلق، ربما ابتلاك ببعض المشكلات فإذا صبرت عليها ارتقيت إلى المستوى الذي كان من الممكن أن تصله، فأيهما أحب إليك أن ترقى بالعمل الصالح أم أن ترقى بالصبر ؟ والله الرقي بالعمل أرقى وأجمل وأريح، فإذاً الإنسان يجب أن يعاهد نفسه على العطاء، أن ينتقل من طور التلقي إلى الإلقاء، من الأخذ إلى العطاء، من التعلم إلى التعليم، من التذكُّر إلى التذكير، والآية الكريمة:

 

 

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)﴾

 

( سورة البقرة )

 واتفقنا اتفاق ثاني أولاً: أن يكون لك نشاط في الدعوة إلى الله عز وجل ممن يلوذ بك، والنشاط الثاني: أن تتفقد أحد إخوانك، وهذا الشيء أنا حريص عليه، وكلما التقيت بأخ من الإخوان الكرام سأسأله: مَن أخوك في الله، مَن الأخ الذي اصتحبته في الله، من الأخ الذي تعهدت أن تصله، وأن تتفقد أموره، وأن تتفقد غيابه، وأن تصله، وأن تعوده إذا مرض، وأن تعينه إذا طلب، نشاط متعلق بمَن يلوذ بك، ونشاط آخر متعلق بإخوان هذا المسجد، فإذا فعلت هذا وهذا فقد خطوت خطوة في الطريق الصحيح الذي أراده الله سبحانه وتعالى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018