بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 056 - الحكم العطائية1 -اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة.


1993-03-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، و زدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مراتب الإيمان :

 أيها الأخوة الأكارم، منهجنا في درس الأحد أحاديث شريفة و فقه تشتد الحاجة إليه، ولكن في رمضان أردت أن أنوِّع لكم بعض الشيء في موضوعات يكثر الحديث عنها، فمثلا حِكم ابن عطاء الله السكندري التي وعدتكم إن شاء الله تعالى بعد رمضان عقب مجلس الذكر من فجر يوم الجمعة نأخذ كل يوم حكمة من حكم ابن عطاء الله السكندري، وهذه الحكم كما تعلمون هي قمة في معرفة الله عز وجل، قبل الدخول في موضوع الحكم لا بد من معرفة مراتب الإيمان، فإذا تصورنا أن دائرة واسعة جداً كل من آمن بوجود الله دخل فيها، كل من ترك شيئاً لله دخل فيها، كل من عمل عملاً لله دخل فيها، و لكن هذا الإيمان بوجود الله، وهذا الترك لما لا يرضي الله أحياناً، وهذه الفعل لما يرضيه، هذا السلوك سلوك إيماني، لكن ربما كان إيمانه من مستوى لا ينجيه من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فهذا الإيمان يمكن أن نسميه إيماناً غير منجٍ، فكلما توغل باتجاه مركز الدائرة كلما ازدادت معرفته بالله، أولاً: آمن بوجوده، آمن بوحدانيته، آمن بكماله، آمن بعلمه، آمن بقدراته، ترك هذا لله، وفعل هذا لله، هو ينتقل باتجاه مركز الدائرة إلى أن يصل بما يسمى بالمركز الأحمر إلى دائرة ضمن الدائرة الكبرى، هذا الخط الأحمر بعده دخل في الإيمان المنجي، أي هنا استقام استقامة تامة، أعماله الصالحة التي رافقتها أعمال سيئة، الأعمال الصالحة لها حساب، و السيئة لها حساب، و لكن مادام خلط عملاً صالحاً و آخر سيئاً، الطريق إلى الله غير سالك، ذنوبه حجاب بينه و بين الله، أما أعماله الصالحة فيكافأ عليها في الدنيا، هذا كلام دقيق جداً، نحن عندنا أهل كفر و أهل إيمان، من أنكر وجود الله، ومن كذّب بما جاء به النبي عليه الصلاة و السلام فقد كفر، أما إذا آمن بوجود بالله، آمن بوجوده، آمن بما جاء به النبي، آمن بالكتاب، آمن برسالة النبي، آمن بالنبوة، آمن بالقدر خيره و شره، إذا آمن بأركان الإيمان، وترك هذا لله و فعل هذا لله، و له أعمال سيئة و أعمال صالحة، فهذا الإيمان غير منجٍّ، لكن أعماله الصالحة، وأعماله السيئة عليها عقاب، أما إذا بقي يرقى في هذه الدائرة باتجاه المركز إلى أن وصل إلى خطٍّ نقله إلى الإيمان المنجي، الإيمان المنجي الذي معه استقامة على أمر الله، فهذا لا ينفي الزلل، لا ينفي الخطأ غير المقصود، لا ينفي أن يتكلم بكلمة لا يقصدها، و لكنها لا ترضي الله عز وجل، علاج هذا الزلل و هذا الخطر و هذه الهفوات التوبة السريعة إلى الله، لذلك المؤمن المذنب أوّاب، أما إذا تجاوز الخط الثاني في الدائرة و دخل في الإيمان المنجِّي ومع الإيمان المنجي استقامة على أمر الله، إذا بقي متوغلاً في اتجاه المركز، في مركز الأنبياء، في أعلى درجات العلم بالله، و أعلى درجات البذل و العطاء، وأعلى درجات السعادة، ألستم تقولون في الورد: الله صلِّ على أسعدنا محمد، هو أسعد الخلق، ويكفي أن تزور مقامه بعد وفاته حتى تشعر بهذه السعادة، فإذا تجاوزت مرتبة الاستقامة و بدأت ترقى، الآن يمكن أن نستفيد من حِكم ابن عطاء الله السكندري.

حكم ابن عطاء الله السكندري تفيد السالكين إلى الله :

 حِكم ابن عطاء الله السكندري هي حكم لمن سلك إلى الله عز وجل، لا يكفي أن تلتزم أوامر الشرع فقط، لا، لا بد من شوق إلى الله، لا بد من عمل صالح، لا بد من بذل، و الحقيقة رمضان شهر يقدِّم نوعية في العبادة، رمضان هو المعرفة الجديدة لله عز وجل، والنبي عليه الصلاة و السلام يقول: "جددوا إيمانكم...." الإنسان إذا بقي في معرفة واحدة دخل في مرحلة السأم و الملل، فكل إنسان يقول: هذا كله أعرفه، معناها هو واقف في مرتبته و لم يتقدم، كلما خطا خطوة رأى شيئاً جديداً، و رأى حالاً لم يكن يعرفه من قبل، إذًا حكم ابن عطاء الله السكندري ربما أفادت السالكين إلى الله عز وجل، ألا تقرؤون سورة الواقعة فيها:

﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴾

[سورة الواقعة: 10]

 و فيها

﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴾

[سورة الواقعة: 27 ]

 وهناك

﴿ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ﴾

[سورة الواقعة: 41 ]

 أصحاب الشمال هم الهالكون، أصحاب اليمين هم الناجون، و السابقون السابقون هم المتفوقون الذين تفوقوا وازدادوا معرفة وازدادوا حبًّاً.

الإنسان بإيمانه يصل إلى الله و يزداد معرفة به :

 فمن حكم ابن عطاء الله السكندري، ونحن إن شاء الله تعالى كما وعدناكم صار في هذا المجلس الطيب مجلس ذكر يُعقد عقب صلاة الفجر من كل يوم جمعة في رمضان و بعد رمضان، أذكار وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، و نقرأها قراءة جماعية، و ربما وزّعنا كتيبات فيها الأذكار، كما قال الله عز وجل:

﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد: 28 ]

 دائما عندنا غذاء للجسم هو الطعام والشراب، و عندنا غذاء للعقل هو العلم، وعندنا غذاء للقلب وهو الذكر، فالقلب يسعد بذكر الله، والعقل يرتاح بمعرفة الله، و الجسم يقوى بالطعام و الشراب، فأنت مثلاً لك جانب مادي و جانب عقلي وجانب نفسي، فنفسك تحتاج إلى ذكر الله عز وجل، و ليس بعد حكم ابن عطاء الله السكندري بمعنى أن الذي قالها تشعر أنه سلك طريق الإيمان حقيقة، و قد وصل إلى الله، و تعبير " وصل إلى الله " تعبير لطيف جداً، الإحاطة بالله مستحيلة، و لكن الوصول إليه ممكن، الإنسان بعقله و بإيمانه و باستقامته يصل إلى الله، لكن بإقباله على الله يزداد معرفة به.

اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل انطماس البصيرة :

 يقول ابن عطاء الله السكندري - من بعض حكمه التي نأخذ بعضها في هذا الدرس-: "اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة " فلان أعمى، كيف؟ فلان لا يرى الحقائق، وفلان ضائع،هذا الذي يجتهد فيما ضمن الله له، وهذا الذي يتكاسل عما طلب منه، مثلاً، قال تعالى:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

[سورة النجم:39]

 نحن مشكلتنا نقرأ كلام الله عز وجل قراءة إذا أحببت أن تسميها قراءة سريعة، ألطف تعبير، تحب أن تسميها قراءة غير مسؤولة، قراءة غير متأنية، قراءة و القارئ يقرأ و لا يشعر أن هذا الكلام خطير، مثلاً إنسان يخطب ابنته شابان، الأول مؤمن إيمانه عال و لكنه فقير، والثاني دينه رقيق، و إيمانه ضعيف، و صلواته غير محكمة، واستقامته غير تامة لكنه غني، فهذا الذي قرأ القرآن يقرأ و يقول لك: ختمنا أربع ختمات في رمضان، شيء جميل، جزاك الله خيراً، و كثر من أمثالك، أنت كلما تقرأ صفحة أو كلما تقرأ جزءاً تقول: صدق الله العظيم، فإذا اخترت زوجاً لابنتك، اخترت الغني على ضعف إيمانه، و رفضت الفقير على قوة إيمانه، فأنت ما صدقت الله عز وجل، تقول: صدق الله العظيم، أنت ما صدّقته، صدّقت أن الغنى أنفع لابنتك من الإيمان، هذا واقع، فإذا تعاملك أنت مع القرآن تعاملاً ضبابياً، تعاملاً يسمونه رمزياً، هذا كلام الله جلا وعلا، والله قرأناه و استفدنا، و تباركنا به و الحمد لله، هذا الذي ضيّع المسلمين، أنت الآن تقرأ كلام خالق الكون، صدقوني أن هناك أشخاصاً اختاروا لبناتهم الزوج الغني على الزوج المؤمن، وهؤلاء الذين اختاروهم ضيعوا بناتهم و انتهى الأمر إلى الطلاق، الله قال:

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

[سورة البقرة: 221 ]

من سلك سلوكاً مخالفاً للقرآن فقد كذبه :

 وإذا الله قال:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

 أنت هذا الكلام لست قابضاً له كثيراً بالتعبير اليومي، لا حاجة أن تقول كلاماً غير صحيح، أعوذ بالله، في العالم الإسلامي لا يستطيع إنسان أن يقول كلمة خلاف القرآن، أما الواقع و السلوك فكله خلاف القرآن، لذلك ماذا ننتظر من الله عز وجل؟ أنت حينما تسلك سلوكاً مخالفاً للقرآن إنك تكذبه و أنت لا تدري، تكذيب عملي، والتكذيب العملي أبلغ من التكذيب القولي، و السبب أن التكذيب القولي يجعل الناس يناقشونك و يوضِّحون لك، و يبيِّنون لك، ويؤكِّدون لك بالدليل و البرهان و بالنقل و بالعقل، أما إذا أقررت ما أقرّ الناس و لم تسلك سبيل الله عز وجل، و خالفت القرآن أنت و الحالة هذه من مكذبي كتاب الله و أنت لا تدري، إذًا حينما يضمن الله لك الرزق، وحينما يقول لك:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

[سورة النجم:39]

 أي إذا أدخلناك إلى غرفة فيها ألف قطعة معدنية و بلَّغناك فيها مئة قطعة ذهب، عيار كل قطعة أربعة و عشرون، و مئة ثانية واحد و عشرون، ومئة ثالثة ستة عشر، ومئة رابعة أحد عشر، و مئة خامسة نحاس ملبس بالذهب، و مئة سادسة نحاس ملمّع، ومئة سابعة تنك، و لكن كله مدهن بالأصفر و يلمع، و لك الحق أن تأخذ مئة قطعة فقط، لو استطعت بشكل أو بآخر أن تأخذ مئة قطعة ذهب من عيار أربعة و عشرين تغنى إلى أولاد أولادك، وقالوا هناك مقياس غالي الثمن، و لكن بمجرد أن تضع القطعة عليه يكشف لك عيارها، هذا المقياس خطير جداً، فلو أن القرآن الكريم هو المقياس، كل شيء يقول لك: هذا حلال، وهذا حرام، هذا فيه فلاح، وهذا فيه شقاء، و هذا فيه سعادة، وهذا فيه رضوان من الله، وهذا فيه غضب من الله، الكتاب هو الذي يدلك على ما في الدنيا من خير أو من شر، فاجتهادك فيما ضمن لك، و تقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك، أي أعمى القلب، المقبل على أشياء مضمونة، التارك أشياء مطلوبة، نحن كنا في الثانوي، في ثانوية جودت الهاشمي كان اسمها قديماً " التجهيز الأولى " هي الثانوية الوحيدة في القطر، في الثلاثينات كانت وحيدة، فالطابق العلوي كله مهاجع درجة أولى، و ابن خلدون الآن كانت كلها مطاعم، أما مكان التدريس فهي التجهيز الأولى الطابق السفلي، مهاجع كلها مفتوحة على بعضها، وطاولات، مكتبة من أفخم مكتبات دمشق، و كان الطلاب يقعدون فيها داخلياً، بعثات من المحافظات إلى هذه الثانوية، طبعا طعام وشراب و مطالعة، و هناك موجه ليلي، ومجه نهاري إلى آخره، فأنا خطر ببالي مثل منتزع من هذه الثانوية، يُقرع الجرس الساعة السادسة ينطلق الطلاب إلى المطعم، و المطعم مجهز بكل ما لذّ و طاب، ويقرع الجرس الساعة الثامنة ينطلق الطلاب إلى المطالعة، جو مريح، و تدفئة مركزية، إضاءة جيدة، ومكتبة غنية، و مشرفون، لكن لو أن الطالب مطلوب منه أن يدرس، و طعامه مضمون، وجاء على المطبخ هل قشرتم البصل؟ أنت يا أخي هذا ليس عملك، في الساعة السادسة يقُرع الجرس فتجد الطعام جاهزاً في أعلى مستوى، فحينما يتجه الإنسان إلى ما ضمن له فيهتم له و يحشر أنفه فيه، و حينما يدع ما طُلب منه، فهذا أعمى، هذا معنى قول ابن عطاء الله السكندري: اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك ".

الغنى و الفقر بعد العرض على الله :

 إذًا من علامات العمى عمى القلب أن تنكب على الدنيا بكل وقتك، و معظم الناس ليل و نهار، و صبح ومساء، و صيف و شتاء في التجارة، يجمع، وطعامه طعامه، و شرابه شرابه، سريره سريره، استهلاكاته قليلة، أما جمعه فكثير، يفاجأ أنه على مشارف الموت، وما أعد للآخرة شيئاً،هذه الصعقة حينما يكتشف الإنسان أنه مقدم على حياة أبدية لا يملك من عملتها أو نقدها شيئاً، إذا الواحد ذهب إلى بلد أجنبي، و جمع أملاكاً من دول متخلفة مثلاً، و دخل لمطعم فخم وأعطاه مثلاً هذا الذي جمعه، فيقول له: هذه العملة ليست مقبولة، بل هي مرفوضة، الإنسان ما قوله لو فوجئ أن كل مكتسباته في الدنيا عملة مزيفة يوم القيامة؟

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 الغنى و الفقر بعد العرض على الله " الغنى غنى العمل، و الفقر فقر العمل، إذًا " اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك " هذه حكمة من حكم ابن عطاء الله السكندري.

عبادة القلب و الجوارح :

 "الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها " تصور إنساناً ميتاً موحشاً مخيفاً، لا أحد يقترب منه، أما إذا هناك حياة، الإنسان مؤنس مسلّ، قد يعلمك، و قد يعطيك من ماله، فالروح خطيرة جداً، فابن عطاء الله السكندري يقول: "الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها " قد يكون لها صورة كبيرة جداً، لكن لعدم الإخلاص فيها فقدت روحها، إذًا لا قيمة لها، وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾

[ سورة الفرقان: 23 ]

 ومعنى قول الله عز وجل:

﴿ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 28]

 إما أن عملهم بالبعد عن الله عز وجل يصبح شريراً و مؤذياً أو سخيفاً أو تافهاً، وإما أن أعمالهم الجليلة التي هي بمقياس الناس جليلة إذا فقدت الإخلاص منها أحبطت و فقدت قيمتها، لن تعينك على الإقبال على الله:

((عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ]

 " الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها " لذلك الآية الكريمة:

﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾

[ سورة الزمر:11]

 القلب عبادته الإخلاص لله، و الجوارح عبادتها الانصياع لأمر الله، من الداخل إخلاص، و من الخارج انصياع، فلذلك قال الفضيل بن عياض: الأعمال لا تُقبل إلا بشرطين، أن تكون خالصة، وأن تكون صواباً، خالصة ما ابتُغي بها وجه الله، وصواباً ما وافقت السُّنة، هذا المقياس دقيق.

العودة إلى أصل الدين الكتاب و السنة :

 لذلك هناك مطب كبير يقع فيه بعض المؤمنين، يقول لك: نيتي عالية، لا تكفي، لا يكفي أن تنوي نية طيبة، لا بد من أن تجعل عملك مطابقاً للشرع، فنيتك وحدها من دون تطبيق للشرع لا تكفي، كما أن انصياعك للشرع من دون إخلاص و نية عالية لا يكفي، لا هذا يكفي، ولا هذا يكفي، من الداخل إخلاص، و من الخارج عمل موافق للسنة، لا يوجد فرقة من الفرق الإسلامية الضالة ضلّت إلا بسبب مخالفة السنة، تصور نبع ماء صاف زلال تدفق و سار في المجاري، هذه المجاري جاءتها روافد، بعض هذه الروافد مياه طاهرة، وبعضها مياه نجسة، و بعضها مياه آسنة، وبعضها مياه مالحة، في نهاية مجرى هذا النبع أصبح الماء أسود اللون، الشاهد بين أيديكم، انظر إلى ماء نبع بردى، وانظر إلى ماء الغوطة الشرقية، أسود اللون، فهذا الدين العظيم عد إلى أصوله تجده عذباً فراتاً، عد إلى أصوله تجده ديناً عظيماً، أما لو أخذته من فروعه المتأخرة لوجدت الخرافة، و لوجدت الدجل أحياناً، لوجدت الشعوذة أحياناً، و لوجدت البُعد عن المنطق و العقل أحياناً، لوجدت سوء الفهم أحياناً، لوجدت الشطط أحياناً، لوجدت الغلو أحياناً، هناك غلو، و هناك شطط، وهناك بعد، وهناك مبالغة، و هناك دجل، وهناك تزوير، هذا كله جاءه من الروافد الفرعية، لذلك:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ فَقِيلَ مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ))

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص]

 نحن حينما تختلط الأمور، و حينما تتشعب المذاهب، و حينما تفترق الأمة، و حينما يتيه الناس في عقائد بعضها صحيح، و بعضها زائغ، في مثل هذه الحالات علينا أن نعود إلى أصل الدين، أصل الدين الكتاب و السنة:

((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي ))

[ الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

كل شيء قائم بالله :

 "الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها، كيف يتصوَّر أن يحجبه شيءٌ وهو الذي أظهر كل شيء " أحياناً الإنسان يعجب بالعقل، يقول لك: انظر إلى هذا الجهاز، فاكس مثلاً، ليس معقولاً، وثيقة تضعها على جهاز تنتقل إلى أقصى الدنيا في الثانية نفسها، هناك الآن ملوَّن، بعض مراسلي الصحف يكفي أن يصور هذه الآلة تبث إلى قمر صناعي، والقمر الصناعي يبث إلى محطة مركزية في العالم، وهذه المحطة تبث إلى كل أنحاء العالم عن طريق الأقمار الصناعية، فالحدث الذي يقع في هذا المكان يشاهده سكان المعمورة بألوانه حيًّاً، ما هذا؟ يقول لك: ما هذا العقل الجبّار؟ تركب طائرة أحياناً تجد ثلاثمائة و خمسين راكبا، مقاعد مريحة، و طعام ساخن، على ارتفاع ثلاثة و أربعون ألف قدم كل شيء فيها، اتصالات، أحياناً تُعقد مؤتمرات صحفية في الجو، أرسلوا إنساناً إلى القمر، فعقد مؤتمراً صحفياً وهو على القمر، والمراسلون يسألون من الأرض فأجابهم، أيُعقل أن يحجبك العقلُ عن الله؟ هو من صنعة الله عز وجل، هنا النقطة، أنا -اللهُ يشهد- حينما أرى شيئاً بالغ الدقة في صنعه أعظم الخالق، لأنه خلق هذا العقل، أنا مرة - من باب الطرفة - سمعت أن مجموعة من الحيوانات اخترعوا طائرة مثلاً، اخترعوا جهازاً، واخترعوا آلة، وعمّروا بيوتاً، ووضعوا نظاماً معيّناً، الحيوان حيوان، أما الإنسان بهذا العقل - الإنسان وُلِد عارياً- لبِس أجمل لباس، صنع الخيوط، وصبغ الخيوط، و نسج الأنسجة، و خيط الثياب، تجد الثياب عالَماً قائماً بذاته، الجزء الثاني بعد الطعام و الشراب الثياب، سكن بيوتاً، و دفّأ البيوت، و برّد البيوت، ووضع فيها كل شيء، فيا ترى إذا عظّمت أنت العقل البشري بهذا الإنجاز الحضاري، أيُعقل أن يكون العقل حجاباً بينك و بين الله؟ بالعكس هو من صنع الله، فكيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كلَّ شيء، هذا العقل من خلق الله، و كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء، أول واحدة أظهر كل شيء، والثانية ظهر بكل شيء، كل شيء قائم بالله.

لولا الله ما كان وجود كل شيء :

 ما معنى:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾

[ سورة البقرة: 255]

 حياة كل كائن حي بالله عز وجل، وقيام كل شيء بالله، المادة فيها حياة، لكن لا نراها، الخشب الجامد فيه ذرات ونواة و إلكترونات كهارب و مدارات و حركات سريعة جداً، و شحنة موجبة و شحنة إيجابية، فإذا رأيت شيئاً حجبك عن الله عز وجل فهذا من ضعف البصيرة، لأن كل شيء أظهره الله، و أن الله أظهر كلَّ شيء، و ظهر بكل شيء، إنسان حيّ يسمع، لا يسمع فقط، بل يقول لك: فلان على الهاتف، معنى ذلك عنده ذاكرة أصوات، بمجرد أن يستمع إلى صوت فلان يقول لك: فلان، عنده ذاكرة، و يشم فيقول لك: هذه رائحة الورد، هذه رائحة الياسمين، هذه معطرة بالعطر الفلاني، عنده ذاكرة شمية و ذاكرة سمعية، يبصر أدق الأشياء، إذا كان هناك ميلي فعشر الميلي تكشفه العين، أنا مرة ركب لي أخ نجار مسكة مكتبة، قلت له: واللهِ مائلة، قال: أعوذ بالله أستاذ، رأساً أتى بالمتر وضعه في أول مكان والثاني، و قال: تفضل، ولكن أنا رأيتها مائلة، لما أنا أصررت على الميلان، أتى بالبيكار وضعه على أول مكان وقفله، وضعه على المحل الثاني، الفرق كان أقل من ربع الميلي، لما وضع ظفره على المتر أزاحه قليلا بظفره، قلت له: إنها مائلة و ليست متوازية مع الحرف الأول، فالعين تفرِّق بين درجتين و بين ثمانمئة ألف درجة بالعين البشرية، الإنسان يسمع و عنده ذاكرة صوتية، ويرى، و عنده ذاكرة صور، في الإنسان المتوسط تزيد عن سبعين مليار صورة، إذا الإنسان عمره ستون سنة، مخزن في ذاكرته سبعين مليار صورة.
 دخلت إلى مكان أول مرة في حياتي، مكان لم أكن أرتاده، وجدت رجلاً ملامح هذا الرجل ليست بعيدة عني، بقيت ساعة و ساعتين و أنا في حيرة، هذا متى رأيته؟ وهذا المكان لم آته من قبل، وبعد البحث و الدرس تبيّن أن هذا الرجل والد لطالب كان من طلابي في الشام، ملامح مشتركة، هذه الذاكرة، أحياناً شخص غائب عنك مدة ثلاثين سنة تقول: أنا أعرفك، هناك في ذاكرتك سبعون ألف مليار صورة، و المحاكمة، و التخيل، و التصور، و التذكر، و الاستنتاج، و الاستقراء، والاستدلال، النشاط الفكري هائل جداً، في دماغه مئة و أربعون مليار خلية، القشرة السطحية أربعة عشر مليار خلية، العصب البصري تسعمئة ألف عصب مجموعة في عصب واحد، الشبكية مئة و ثلاثون مليون مخروط و عصية، الخلايا الذوقية و المعدة فيها خمس و ثلاثون مليون عصارة، تفرز لتراً ونصف من حمض كلور الماء مع وجبة طعام، ومع ذلك لا تضر نفسها، الكبد خمسة آلاف وظيفة، كل خلية من خلايا الكبد تقوم بكل هذه الوظائف، الكظر شيء مذهل، النخامية نصف غرام و تفرز اثني عشر هرموناً، من هذه الهرمونات هرمون النمو، مؤلَّف من مئة و ثمانية و ثمانين حمضاً أمينياً، لابد أن تكون عشر ميكروغرام بكل لتر دم، أكثر يتعملق الإنسان , أقل يتقزّم، هذا الإنسان ضعه على ميزان حسّاس جداً، الآن هناك موازين تزن بها ورقة يكتب عليه كلمة واحدة ترجح الكفة، وزن الحبر، حساس، ضع هذا الإنسان على هذا الميزان، و لصدفة نادرة فقد روحه وهو على الميزان، الميزان ينقص، أين محاكمته؟ أين ذاكرته؟ و أين دقة بصره؟ أين عمل كبده؟ أين عمل دماغه؟ و أين عمل كليتيه؟ أين حركاته؟ أين بسمته؟ أين ذكاؤه؟ أين إيناسه؟ إذًا ظهر بكل شيء، فما معنى ظهر بكل شيء؟ أنت لولا الله لما كنت، و لما وقفت، و لما تكلمت، و لما رأيت، ولما سمعت، العين تبصر بالله، والأذن تسمع بالله، و العضلات تتقلص بالله، فكيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء، كان الله و لم يكن معه شيء، فكل شيء تراه عينك أظهره الله، أظهره بحكمة ما بعدها حكمة، بدقة ما بعدها دقة، و بعلم ما بعده علم.

الكون مظهر لأسماء الله الحسنى و لصفاته الفضلى :

 إذًا هو ظهر بكل شيء، أظهر كل شيء، و ظهر بكل شيء، معنى ذلك أن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى و لصفاته الفضلى، إذا أنت وقفت أمام نجّارين أحدهما طويل والآخر قصير، أحدهما أبيض و الآخر أسمر، أحدهما عيناه واسعتان، والثاني عيناه صغيرتان، أحدهما خداه أسيلان، و الثاني خداه ناتئان، أيهما أكثر إتقانا في عمله؟ هل تعرف إتقانهما من شكليهما؟ لا، لا علاقة بينهما، أما أنت انظر إلى غرفة نوم صنعها أحدهما، وانظر إلى غرفة نوم أخرى صنعها الآخر، أنت عندك خبرة، اختيار الألوان، نوع الخشب، و الدقة، فأنت تعرف النجار من صنعته، فالخالق من خلقه، و المكوِّن من كونه، و الصانع من صنعته، و المنظم من نظامه، و المسير من تسييره، إذً كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء، و كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء، انظر أظهر كل شيء، و ظهر بكل شيء، و كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر لكل شيء، أحيانا يقول لك: الله كبير، تجد شخصاً شاهد حادثاً يقول لك: الله كبير، يشعر الإنسان في حالات معينة بشكل واضح جداً بوجود الله، أحيانا ينقذ الإنسان من موت محقق، بقدرة قادر، أحياناً الله عز وجل ينتقم من ظالم، تجد الظالم وقع حتف أنفه، أعرف شخصاً له ظلم شديد، يأخذ ما له و ما ليس له، قوي، و له صلات كبيرة جداً، وناجحة، و ذكي، هو تاجر، صاحب معمل، لكن دائماً مع من حوله يأكل حقه و حقهم، دخل إلى الحمام رأى القاطع الكهربائي أصابه عطب فاستدعى كهربائي وقال له: أصلح لي إياه، فأصلحه، وقال له: يا سيدي أراه منخفضاً فهل أرفعه لك إلى فوق؟ فقال: ارفعه، المرة الثانية لزمه أن يحركه فوجده أعلى من طوله، طلب كرسياً ليصعد عليه، فدخل عمود الكرسي في مقعدته، دخل المستشفى و مكث فيها عشرين يوماً، ثم خرج ميتاً، لسبب تافه جداً، وهو في أوج قوته، وأوج غناه، و أوج نشاطه، والله عز وجل على كل شيء قدير، تشعر أن هذا الإنسان الذي أكل المال الحرام اللهُ قصمه قصماً، و كذلك رجل آخر يبتز أموال الناس، و يستغل قوته فيبتز أموالهم، حتى أصبح من كبار الأغنياء، ولكن هذه الأموال كلها جاءته ظلماً، وهو يمشي في الطريق وراء سيارة محمّلة بالحديد صار هناك انزلاق دخلت مركبته في الشاحنة و الحديد بارز فدخل إلى رقبته فقصّها قصًّ، ورأى شهود عيان أعرفهم رأسه على المقعد الخلقي، الله كبير، هو ظهر بكل شيء، أظهر كل شيء وظهر بكل شيء، وظهر لكل شيء، الإيمان بالله كمن يؤمن بالشمس في رابعة النهار، لا يتجرّأ إنسان على إنكار وجودها، يا إمام متى كان الله؟ فقال: ومتى لم يكن؟ قل لي متى لم يكن حتى تقول لي متى كان الله.

الله كان و لم يكن معه شيء :

 "و كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء " كل الكون حادث، قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 1]

 الكون كله حادث، والله عز وجل كان و لم يكن معه شيء، إذًا وهو الظاهر قبل وجود كل شيء، و كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء، تجد مدينة من مدن المغرب العابثة اللاهية، نوادي عراة، نوادي ليلية، أماكن للزنا، مدينة أغادير الزلزال لمدة ثلاث ثوان جعلها رأساً على عقب، أضخم فندق في هذه المدينة كان بؤرة للفساد و القمار والزنا و كل أنواع الموبقات، هذا الفندق غاص كله- ثلاثون طابقاً- وبقي منه طابق واحد وهو الطابق الأخير، وعلى الطابق الأخير اسم هذا الفندق الكبير، وكأنه شاهدة عليه، الله كبير هكذا يقولون، أرسلوا المركبة الفضائية سموها المتحدية، بعد سبعين ثانية أصبحت كتلة من اللهب، أنتم تتحدّون من؟ ترجمتها " المتحدي، واسمها "CHALENGER " تتحدون من؟ فالله عز وجل أظهر كل شيء، و ظهر بكل شيء، وظهر لكل شيء، وظهر قبل كل شيء، وهو أظهر من كل شيء، وكيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء، يقول لك أحدهم: ليس هناك إلا الله، يرى كل الأشخاص حتى الأقوياء دمى بيد الله عز وجل، يحرك هذا و يوقف هذا، فالله الملهم، فإذا كنت مع الأصل كان الفرع معك، وإن لم تكن مع الأصل لم يكن الفرع معك، "وكيف يتصور أن يحجبه شيء ولولاه ما كان وجود كل شيء " هذا هو الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة غافر: 64]

 فكلما نما إيمان الإنسان كشف نفسه، كلما نما إيمان الإنسان لا يرى مع الله أحد.

 

في الكون حقيقة واحدة هي الله :

 قلت لكم مرة: هناك في الكون حقيقة واحدة هي الله، فكل شيء يقربك إليها هو الحق، وكل شيء يبعدك عنها هو الباطل، كل شيء يقربك إليها هو الخير، وكل شيء يبعدك عنها هو الشر، كل شيء يعينك على أن تصل إلى الله عز وجل هو الهداية، و كل شيء يصرفك عن هذه الحقيقة هو الضلال، فالمؤمن مستنير، و المؤمن أموره واضحة جداً، قيمه ثابتة، تعامله مع القوانين، نعيده مرة ثانية من أجل أن نجمعها " كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء، وكيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء، وكيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء، وكيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر لكل شيء، وكيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء، وهو أظهر من كل شيء، وهو الواحد الذي ليس معه شيء، وهو أقرب منك من كل شيء، ولولاه ما كان وجود شيء " الله عز وجل:

﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 91 ]

 هذا التوحيد، و هذا الاتصال بالله، وهذا التنور، فلان منور القلب، رأى الحقائق، و لم ير الصور.

 

الإنسان مخلوق لمعرفة الله :

 الآن هناك مرض، آخر حكمة من حكم ابن عطاء الله السكندري، طبعاً سنأخذها إن شاء الله بالتفصيل في يوم الجمعة القادمة، تجد شخصاً تقول له:لماذا لا تصلي معنا؟ فيقول: واللهِ لا يوجد وقت، لست متفرغاً، واللهِ عندنا موسم، عندنا دوام، مشغول، فمرة خطر ببالي مثل أن واحداً درس في أمريكا ثماني عشرة سنة وأخذ بورد، و جاء إلى الشام و فتح عيادة، و كتب على العيادة " من السابعة إلى التاسعة " جاءه مريض الساعة الثامنة، وقال له: لست متفرغاً، إذًا لأي شيء أنت متفرِّغ؟ إذا كنت لست متفرغاً أن تداوي مريضاً بعدما درست ثماني عشرة سنة في الوقت المخصص، لأيِّ شيء أنت متفرِّغ إذًا؟ أنت مخلوق لمعرفة الله، إذا لمعرفة الله لست متفرغا فلأي شيء متفرِّغ؟ قال تعالى:

﴿ أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النمل: 84 ]

 ماذا كنت تفعل؟ إذا بعثنا إنساناً للدراسة في أوروبا فاستأجر غرفة و زينها و رتبها و له أصدقاء و سهر معهم، و لكن لم يدرس، أنت لم تصنع شيئاً، ولكن لم يدرس، لستُ متفرغاً للدراسة، لأيِّ شيء متفرغ؟ أنت هناك متفرع للدراسة، فإذا الشيء الأساسي أنت لست متفرغاً له، فأنت إنسان غريب الأطوار، قال: "إحالتك الأعمالَ على وجود الفراغ من رعونات النفس " النفس الرعناء الحمقاء البعيدة، يقول لك: واللهِ لست متفرغاً، متفرغ لأي شيء؟ كل شيء سوى الله فان زائل لا قيمة له، أنا مرة شخص قال لي كلمة، و كان عصبي جداً، قال: أقل من دخل كذا لا يعاش به، و وضع رقماً كبيراً جداً، الإنسان يعيش بواحد من المئة منه، كرامته، وأكله، وشربه، لا يعاش، سبحان الله مرض مرضاً شديداً زاره شخص، فقال له بالحرف الواحد: يا فلان الإنسان تكفيه ألف ليرة في الشهر، هو تصور حاله معافى من هذا المرض تكفيه ألف ليرة بالشهر، فهذه رعونات النفس، أحياناً يقول لك العوام: فلان أعجر، الإنسان تبدو رعونته من كلامه، وأحياناً من اعتراضه، وأحياناً من تكبره، أحياناً من عُجبه، أحياناً من ازدرائه للآخرين:

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ))

[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك]

المؤمن أديب و لا يتكلم كلمة إلا بالحق :

 النفس لها رعونات أيها الأخوة، و ليس هناك أرقى من نفس مهذبة، يا رسول الله ما هذا الأدب؟ قال:

(( أدَّبني ربي فأحسن تأديبي ))

[الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

 تجد المؤمن أديباً و لا يتكلم كلمة إلا بالحق، كلمة أنا يستحي بها، إن شاء الله دائماً، أنا ألاحظ المؤمنين الصادقين إذا أراد أن يتكلم عن ميزة آتاه الله إياها يقول لك: من فضل الله عليّ، والله أكرمني، وأطلق لساني بهذا الموضوع، الله تفضل عليّ و أكرمني و ألّفت الكتاب، الله أكرمني وأخذت هذه الشهادة، الله أكرمني بهذه الزوجة، تفضل عليّ بهذا البيت، دائماً يرى فضل الله عليه، والله قال:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

.

[ سورة النساء: 113 ]

 الآن إذا أنت مؤمن مستنير العقل، طليق اللسان، قرأت القرآن، وفهمت كلام النبي، والأمور عندك واضحة تماماً، لسانك منضبط، جوارحك منضبطة، بيتك إسلامي، وزوجتك إسلامية، أحوالك طيبة، و لك سمعة طيبة، اسمع الآية الكريمة:

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا ﴾

[ سورة النور: 21]

 الله زكّاك و دلّك عليه، جمعك مع أهل الحق، و نوّر قلبك بالإيمان، أطلق لسانك بتعريف الناس بالله:

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا ﴾

[ سورة النور: 21]

 لذلك قال تعالى:

﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾

[ سورة النجم: 32]

 هذا المؤمن، لطيف، الطبيب شفى له ابنه، الله يجزيه الخير، واللهِ تفضّل علينا، اللهُ عز وجل قدّر الشفاء على يد هذا الطبيب، واللهِ كلام جميل، و كلام لطيف، وكلام علمي، الله عز وجل أكرمنا بشفاء الطفل على يد هذا الطبيب، أما هذا الطبيب لولاه لراحت، لولا هذا الطبيب لأتى أجل هذه البنت، فهمان، ومعه بورد، أي بورد؟ مثل بعضها، إذا لم يقدِّر الله عز وجل هذا الشفاء لما ألهم الطبيب:

 

إن الطبيب له علم يدلُّ بــه  إن كان للناس في الآجال تأخيرُ
حتى إذا ما انتهت أيامُ رحلته  حار الطبيبُ وخانته العقاقيــرُ
***

 

أدب النبي صلى الله عليه و سلم :

 المؤمن أيها الأخوة بشكل مختصر شخصية فذة، فحضور مجالس العلم، والقيام بالعبادات، و الإكثار من ذكر الله عز وجل، و ضبط الجوارح، و العمل الصالح، هذا يرقى بالإنسان، تارة يرقى فكره، وتارة يرقى قلبه بالذكر، وعقله بالعلم، وقلبه بالذكر، و جوارحه بالطاعات، فجوارحه في الطاعة، وعقله في معرفة الله، و قلبه في ذكر الله يرقى، إذا رقي تجده صار إنساناً مهذّباً، ما هذا الأدب؟ قال:

(( أدَّبني ربي فأحسن تأديبي ))

[الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

 تصور عزيز مصر، تقريباً رئيس وزراء، و له أخوة حسدوه حينما كان صغيراً، فائتمروا على قتله، ووضعوه في غيابة الجب، وخرج من الجب و انتقل إلى قصر العزيز، وصار عزيز مصر، واستدعى إخوته الفقراء من أطراف البلاد، و دخلوا فعرفهم، قالوا:

﴿ قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة يوسف: 90]

﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي ﴾

[ سورة يوسف: 100]

 أخوته جالسون:

﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 100]

 لو قال لهم من الجب لأذابهم خجلاً، و حرقهم حرقاً، ذكرهم بجريمتهم، ذكّرتهم بفعلتهم، قال:

﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾

[ سورة يوسف: 100]

 أغفل البئر، ما هذا الأدب؟ والنبي كان أديباً لأقصى درجة، رأى فتاة من قريباته ترتدي ثياباً شفافة قال: يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم، يقول لها: ساقك، أي اسم من أسماء أعضاء المرأة تثير الشهوة، قال لها:

(( يا بنيتي، إن هذه الثياب تصف حجم عظامك ))

[ أحمد والطبراني عن أسامة بن زيد]

((عَنِ ابْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ أُسَامَةَ قَالَ كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسْ الْقُبْطِيَّةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا ))

[أحمد عَنِ ابْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ]

 ما عُرف أنه تكلم كلمة تجرح المشاعر، أو تجرح حياء الصغار، هذا الأدب.

من يستقيم على أمر الله يسمو عقله و وجدانه :

 أنت عندما تستقيم يعمر قلبُك بذكر الله، و عقلك بمعرفة الله، وجوارحك بطاعة الله، يسمو عقلك ووجدانك، و يستقيم لسانك، فالمؤمن شخصية فذة، شخصية علمية مع الحقائق، بل مع الحقيقة الكبرى، المؤمن رجل مبادئ، و ليس رجل مصالح، رجل مبادئ أخلاقي، رجل حقائق، رجل سعيد جمالي يعرف كيف يعيش، يعرف كيف يأكل و كيف يتزوج، زوجته طاهرة مؤنسة، أما إذا الواحد اختارها لجمالها فحسب وهي فاسقة، تصير بلاء من الله، يتزوج وفق هدي النبي، و يختار عملاً صالحاً فيه نفع للناس، وليس أعمالاً ربحها كبير لكن إيذاؤها كبير.
 على كل إن شاء الله تعالى أردت أن أعطيكم نموذجاً من حِكم ابن عطاء الله السكندري، التي نرجو الله أن يوفقنا لتقريب هذه الحقائق في دروس الذكر عقب صلاة الفجر يوم الجمعة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018