بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 024 - الحب الإلهي.


1991-11-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... قبل أن أشرع في شرح بعض الأحاديث الشريفة التي اخترتها لكم من كتاب الجامع الصغير، لابد من مقدمة تلقي ضوءً على محور هذه الأحاديث، المقدمة
هو أن الإنسان له جانب عقلي وجانب نفسي، لأن غذاء العقل هو العلم، وأن غذاء القلب هو الحب، والذي لا يُحِب أو لا يُحَب ليس من بني البشر، إذا كنت تنتمي إلى بني البشر لابد من أن تُحِب، ولابد من أن تُحَب، السؤال الآن أن تحب شيء واقع، هذه حقيقة لا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن ينكرها، لأن هذا من جبلة الإنسان، ولكن المشكلة مَنْ تُحب، المشكلة كلها مَن الذي هو أهلٌ أن تحبه ؛ زوجتك، أولادك، عملك، الدرهم والدينار، الشهوات، الملذَّات، المباهج، لابد من أن تحب لأنها فطرتك، لأنها جبلَّتك، لأنها طبيعتك، ولكن السؤال الدقيق: مَن هو أهلٌ أن تحبه ؟
 بادئ ذي بدء كل شيء فانٍ ليس أهلاً أن تحبه، لسبب بسيط لأنه فانٍ، لأنك إذا تورَّطت وأحببته غاب عنك في أدق اللحظات، " لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكر خليلي، ولكن أخ وصاحب في الله " فلما الإنسان يتورط، أقول يتورط في حب غير الله، فقد غامر وقامر بحياته، وقد ضل ضلالاً مبيناً، وقد ضل سواء السبيل، وقد اتجه إلى طريق مسدودة، وقد انطلق في هاويةٍ ما لها من قرار، لسبب بسيط ؛ لأن الذي أحببته لن يدوم لك، هذا أول سبب. فأحب الباقي ودع الفاني، أحب الذي يدوم إلى الأبد، ودع الذي ينتهي عند الموت، ألم يقل عليه الصلاة والسلام:

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنه مجزيٌ به ))

( الدر المنثور في التفسير المأثور )

 حتى أن هذا الإنسان الذي طرق باب سيدنا عمر ليشكو زوجته، فسمع صراخاً في بيت عمر، فعاد أدراجه، سيدنا عمر سمع طرق الباب، انطلق ليفتح الباب، رأى رجل قد ابتعد، فناداه:
ـ يا أخَ العرب تعال، لماذا طرقت الباب وابتعدت ؟
ـ قال: جئتك أشكو مما أنت منه تشكو. ماذا أشكو لك، فتشكو أنت من المشكلة نفسها.
ـ قال: يا أخَ العرب هذه الزوجة إما أن تفارقنا وإما أن نفارقها.
 فليست شيء أبدي، دارها تعش بها، كذلك فهو حل معقول، الحياة لا تدوم ؛ فشيء من المداراة، شيء من التساهل، شيء من التنازل، منك شيء، منها شيء، التقوا في منتصف الطريق، فالقضية انحلت، فمَن مؤهل أن تحبه ؟ الله سبحانه وتعالى، هذا أول موضوع.
أول قسم بالدرس: لماذا يجب أن تحب الله ؟ لأنه باقي، ولماذا يجب ألا تتورط في حب الدنيا ؟ لأنها زائلة، فمَن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار، بلوى وجعل الآخرة دار عقبى.
 في سبب آخر: لأن المخلوق مهما علا شأنه لا يستطيع أن يدفع عنك ضراً ولا أن يجلب لك نفعاً. لو كنت أقرب الناس إلى فلان، وصار في مرض عضال، يبعث لك باقة من الورد، يموت يبعث له إكليل، هل هناك غير ذلك ؟ يبكي، والله تأثرنا لمرضك، لكن هل يقدر مخلوق يتدخل ليشفيك ؟ لا يقدر، لأن الله عز وجل باقٍ على الدوام، هو الذي ينبغي أن تحبه، الشيء الثاني: لأن ما سوى الله لا يستطيع أن يجلب لك نفعاً ولا أن يدفع عنك ضراً..

 

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾

 

( سورة فاطر: من آية " 14 " )

 إذاً يجب أن تحب الله لأنه باقٍ على الدوام، ولأن أمرك كله بيده، النقطة الثانية في الدرس: يا ترى المُعَوَّل عليه أن تحبه أم أن يحبك ؟ أن تحبه شيء طبيعي وبديهي، لأنه المنعم، ولكن الشيء الذي يسعدك أن يحبك هو، إنسان عندك، وأعطيته منحة كبيرة فأحبك، ما له فضل بهذا الحب، ولكن إذا رأيت منه عملاً أخلاقياً رائعاً تضحية إيثاراً الآن تحبه، فمحبتك له بعطائك إياه محبة ابتدائية، أما إذا وقف موقفاً أخلاقياً، وقف موقفاً مخلصاً الآن تحبه محبةً لها نوعٌ خاص.
 درسنا اليوم: يا ترى إذا أنت أحببت الله عز وجل لأنه يغزوك بنعمة، كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( أحبوا الله لما يغزوكم به من نعمة ))

 وقال: أحبوني بحب الله وأحبوا آل بيتي بحبي، إذا أحببت الله عز وجل لما يغزوك به من نعمه، ماذا يقتضي حبك لله عز وجل ؟ أن تلتزم أمره ونهيه، الآن إذا طبقته أمره تماماً أحبك الله، فالسؤال اليوم: هل عندك دليل على أن الله يحبك ؟ في الحديث الشريف طائفة من أقوال النبي عليه الصلاة والسلام فيها إشارةٌ إلى الآن الله إذا أحبك أراد بك الخير، وإذا أراد بك الخير فعل معك كذا وكذا وكذا، وهذا محور درسنا.
 يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( إذا أراد الله بعبد خير جعل غناه في نفسه ))

 

( من الدر المنثور: عن " أبي سعيد الخدري " )

 أنت عالم، هذه النفس البشرية خُلِقَت للأبد، عالم زاخر بكل شيء..

 

أتحســـب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
* * *

 فإذا كنت غنياً في نفسك، إذا كنت مؤمناً بربك، إذا كنت صادقاً مع نفسك، إذا كنت أميناً على من ائْتمنك، إذا كنت محباً لمن خلقك، إذا كنت صابراً، إذا كنت ذاكراً، إذا كنت شاكراً، إذا كنت متوكِّلاً، إذا كنت مستسلماً، إذا كنت مفوِّضاً، أنت دولة، إن إبراهيم كان أمة، في شخص بألف، بمليون، بألف مليون، بمائة ألف مليون، النبي عليه الصلاة والسلام أقسم الله بعمره، فقال له:

 

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

 

( سورة الحجر )

 الله عز وجل خاطب النبي فقال:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

( سورة القلم )

 الله عز وجل قال:

 

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

 

( سورة الشرح )

 لا يذكر الله عز وجل وإلا ويذكر معه النبي، وأنت أيها المؤمن لك نصيبٌ من هذه الآية، فإذا أنت أخلصت لله عز وجل إخلاص جيد، وأحببت الله حباً صحيحاً صداقاً، وانطلقت لخدمة الخلق لكي يرضى عنك رب الخلق، إذا كنت كذلك، الله عز وجل يرفع لك ذكرك بقدر إيمانك، بقدر إخلاصك، أي أنك إذا أحببته ألقى حبك في قلوب الخلق، إذا أحببته فيما بينك وبينه ألقى حبك في قلوب الملائكة، فإذا أحببته وانطلق لسانك بذكر نعمائه، ألقى حبك في قلوب بالخلق، إذا خفته ألقى في قلوب الخلق الخوف منك، صار لك هيبة، إذا اشتغلت به اشتغل الناس بك، بمعنى حديثهم أنت، إذا اشتغلت به اشتغل الناس بك، إذا أحببته أحبك الناس، إذا هبته هابك الناس، إذا خفته خافك الناس، معادلة دقيقة جداً، ومعادلة رياضية، بالثواني لا بالدقائق، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، إذا أردت أن تكون أغنى فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، فقال

(( إذا أراد الله بعبد خيراً جعل غناه في نفسه.))

 غني، إن جلست معه تحسه منتش، مُمْتَلئ، في عنده معنويات عالية بشكل لا تصدق، من أين هذه المعنويات ؟ تصور شخص يعمل عند ملك، دخل على الملك، قابله، والملك ابتسم بوجهه، أثنى على ذكائه، منحه شيء، يطلع ماشي بالعرض، ابتسامته إلى هنا، منتشي، يشعر بمكانة علية، إذا كان إنسان عادي أقوى من الآخرين، له مكانة عند الآخرين، الله جعله فوقهم، خصك بابتسامة، أو بنظرة، أو بمصافحة حارة، أو بهدية، أو أثنى عليك، فتجد أنك تنتشي، هذا انتشاء مزيف، أما إذا شعرت أن خالق الكون يحبك، وأنك بعينه، وأنك برعايته، هذه معنويات، هذه إذا أراد الله بعبد خيراً جعل الله غناه في نفسه.
 وإذا كان هذا الإنسان امتلأ قلبه حباً للدنيا، قد يجعل غناه في دفتر شيكاته، فيقول لك: أنا معي شيك مفتوح، لكن هذا لا ينفعه، حين يأتي الأجل، وهذا لا ينفعه، إذا أراد الله المعالجة، إذاً أنت غنيُ بماذا، غني بممتلكاتك، أم غني بنفسك ؟ المؤمن غني بنفسه، غير المؤمن غني بممتلكاته.
 لذلك، من علامات قيام الساعة أن قيمة المرء في آخر الزمان متاعه، ولكن المؤمن قيمته في معرفته بربه، وفي تطبيقه لمنهجه، وفي حبه له، قال و:

 

(( إذا أراد الله بعبدٍ خيراً فقَّه في الدين ))

 

(الدر المنثور في التفسير الماثور )

 أي أن رتبة العلم أعلى الرتب، إن الله عالم يحب كل عالم، الفرق الدقيق بين الإنسان وبين غير الإنسان هو العلم، قف عند قصاب يقول هذه الكلاوي يا أستاذ، هذا الكظر، هذه الكبد، هذه المعدة، أمعاء، عضلات، عظام، أوتار، دماغ في خروف، نخاع، سودة، أي في كبد، البُنيا واحدة، يجوز يكون حيوان أقوى من الإنسان، يجوز يكون أضخم، أوزن، أسرع، بصره أدق، النسر ثماني أمثال بصره، الكلب، قرأت أن شمه مليون ضعف شم الإنسان، يكفي أن تعطيه بعض أدوات المتهم حتى يميز رائحته من بين الملايين، بالشم الكلاب أقوى، بالبصر النسور أقوى، بالسمع القطط والكلاب أدق سمعاً ؛ يتعرفون إلى الزلازل قبل وقوعها، وبعض الدواب كذلك، في خفة الحركة القطط، في سرعة الجريان هناك الغزال، فأي حيوان، لحكمة أرادها الله عز وجل، جعله يتفوق على الإنسان، إلا الإنسان بالعلم والخُلُق، فإذا تخلَّف في عقله وفي أخلاقه، كان دون مستوى الحيوان، وهذا الذي قاله الله عز وجل:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7﴾

 

( سورة البينة )

و..

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)﴾

( سورة البينة )

 الإنسان المؤمن خير ما برأ الله، والكافر شر ما برأ الله

(( إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين ))

 بالمناسبة أي علم ممتع، لو تعلمت تاريخ العصور البيزنطية، فيه متعة، أي علم تقرأه ؛ تاريخ، جغرافية، فيزياء، كيمياء، رياضيات، فلك، تقرأ تشريح بعض الحيوانات، أي علم ممتع، هناك علم ممتع ونافع، إذا كان معك اختصاص، الناس في أمس الحاجة له، تطلب أرقام غالية جداً، مختص بالكومبيوتر، ونحن بحاجة له، تطلب بالشهر ثلاثين ألف مثلاً، وفي علم ممتع، في علم ممتع نافع، أما العلم الديني ممتع نافع مسعد، لا في الدنيا فحسب بل في الدنيا والآخرة

(( فإذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وزهده في الدنيا، وبصره بعيوبه ))

 ، هذه كلها مقاييس، أي إذا أردت أن تعرف أيحبك الله عز وجل ؟ أيريد بك خيراً ؟ فقهك في الدين، أي جمعك مع أهل الحق، جعل قلبك يهفو إلى المساجد، جعل المسجد مأواً لك..

 

﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16)﴾

 

( سورة الكهف )

 الكهف في آخر الزمان هو المسجد، أنت أويت إلى بيت الله، حيث معرفة الله، حيث آياته، حيث سنة نبيه، حيث سيرة أصحابه، فلذلك إذا أراد الله بعبدٍ خيراً فقهه في الدين، وبالمعنى المعاكس ؛ إذا أراد به شراً، يريد خمسة نجوم، يريد عرس بمكان فخم، يريد حفلة مختلطة، يريد نادي ليلي، يريد حيث الخمور، وحيث الزنا، وحيث الفسق والفجور، فالناس رجلان برٌ تقي، وفاجر شقي، فالمؤمن يأوي إلى بيوت الله، وغير المؤمن يأوي إلى أماكن اللهو والطرب، الحديث جداً دقيق:

 

(( إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وزهده في الدنيا وبصره عيوبه))

 

( الدر المنثور في التفسير الماثور )

الآن:

(( إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظاً من نفسه يأمره وينهاه ))

( الجامع الصغير )

 دائماً في تفكير، في حساب مع نفسه، يا ولد لا تذهب هذا المذهب، واعظ من نفسه، هذه الصفقة لا تريدها فيها شبهة، فلان لا تزوره هذا إنسان ضال مضل، فلان زره، دائماً إذا أراد الله بعبد خيراً في عنده وعظ داخلي يأمره وينهاه، هذا الواعظ هو المَلَك، أنت بين إلهام مَلَكٍ ووسوسة شيطان، تأكد أن حركتك اليومية إما بوحي من مَلَك أو بوسوسة من شيطان، فإذا كنت مع الله قيَّد الله لك ملكاً يلهمك رشدك، وإذا كنت مع الشيطان ـ لا سمح الله ـ قيد لك قريناً يوسوس لك كل فعل سيئ..

 

﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾

 

( سورة النمل: من آية " 24 " )

 الشيطان يريك المعصية متألِّقة، يريك أكل مال الناس مغنماً، وذكاءً، يريك العدوان بطولة، يريك الانغماس في الشهوات ذكاءً، هكذا، هذا الذي دعاه النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

 

(( اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ))

 

( مختصر ابن كثير )

 إذاً:

 

(( أراد الله بعبد خيراً جعل غناه في نفسه ))

 

( الدر المنثور في التفسير المأثور )

 و..

 

(( إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، وزهده في الدنيا، وبصره عيوبه "))

 

( الدر المنثور في التفسير المأثور )

 و..

 

(( إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظاً من نفسه ))

 

( الجامع الصغير )

 في عنده محكمة داخلية، في عنده ميزان داخلي، هو في ميزان والله لو نطبقه، أنا أقول لإخواني: هذا الميزان الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام لو طبق، والله لمات القضاة من الجوع، ولأغلقت المحاكم كلها، ما هو الميزان ؟ قال:

 

(( عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ))

 هذه كنتك التي بالبيت، هل تعاملها معاملة كما تتمنى أن يعامل زيد ابنتك وهي عنده ؟ عندما تعامل أم زوجتك معاملة، أتنتظر من زوجتك أن تعاملها بهذه المعاملة ؟ أترضى من زوجتك أن تسخر من أمك ؟ لماذا تسخر من أم زوجتك ؟ لو طبقت هذه القاعدة في العلاقات الاجتماعية، في العلاقات المالية، في البيع، في الشراء، في كل شيء، عامل الناس، وأقول لكم ولا أكتمكم: أن الإنسان إذا استخدم مقياسين سقط من عين الله، مرة كنت بمحل تجاري، فالابن حمل، فقال له أبوه: أوعك بابا ظهرك. لم ينتبه، بعد دقيقتين أو ثلاثة عنده صانع، حمله، حمله، حمله، فقال الصانع له: سيدي !! فقال له: أنت شاب، مازلت في أول حياتك. لم ينتبه لحاله، ابنه خاف على ظهره، أما الصانع مازلت شاب، مقياسين، حينما تقيس الأمور بمقياسين انتهيت كإنسان، سقطت من عين الله، يجب أن تقيس الأمور كلها بمقياسٍ واحد: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك هذا كيف طبقه النبي ؟ جاءه أعرابي قال:
ـ يا رسول الله إذن لي بالزنا. دجها وبدون مقدمات مرة واحدة، فالصحابة قاموا إليه، قال:
ـ دعوه، تعال يا عبد الله اقترب مني. بالمنطق، قال له: يا عبد الله أتحبه لأمك ؟ يا لطيف احمر وجهه:
ـ أعوذ بالله !!
ـ قال له: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لأختك ؟ أتحبه لزوجتك؟ أتحبه لابنتك ؟ يكفي.
ـ يقول: دخلت على رسول وليس شيء أحب إلي من الزنا، وخرجت من عنده وليس شيء أبغض إلي من الزنا.
 فعلى مستوى شاب، إذا كان أطلق بصره بفتاة، هذا الشاب نفسه لو رأى شاباً آخر يحدق في أخته، يمكن يغلي، هذا المقياس، هذا المقياس لو طبقناه بحياتنا لا يوجد عندنا ولا مشكلة، ما عندنا ولا قضية، ما عندنا ولا معضلة، ينتهي كل شيء، أنت واقف وراء الطاولة أمام موظف، أنت موظف أمامك مراجع، لو كنت مكانه أترضى أن يقول لك: تعال غداً وبعد غد، تخلق له مشكلة، عقبة، تخوفه، ترضى تكون محله، لا ترضى، أنت بائع، أترضى لو كنت شارياً أن تغش ؟ أن يدلَّس عليك، لا ترضى هذا المقياس: عامل الناس كما تحبك أن يعاملوك.
فلذلك، إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظ من نفسه يأمره وينهاه.
و..

 

 

(( إذا أراد الله بعبد خيراً عسله، وقيل ما عسله ؟ ـ ليس طعمه عسل، لا ـ قيل: وما عسله ؟ قال: يفتح له عملاً صالحاً قبل موته ))

 

( الجامع الصغير )

 يرزقه عمل صالح ؛ إن في الدعوة إلى الله، إن في هداية الناس، إن في خدمتهم، إن في بناء المساجد، إن في إطعام اليتامى، إن في رعاية الأرامل، إن في تأمين الشباب في بيوت، إن في تزويج الشباب:

 

(( إذا أراد الله بعبد خيراً عسله، قيل: وما عسله ؟ قال: يفتح له عمل صالحاً قبل موته ثم يقبضه عليه ))

و..

 

 

(( إذا أراد الله بعبدٍ خيراً صيَّر حوائج الناس إليه ))

 

(الدر المنثور في التفسير المأثور)

 وهذا مقياس أيضاً، إذا أراد الله بعبد خيراً صير حوائج الناس إليه، فالإنسان لا يضجر، إذا الله عز وجل سمح لك أن تخدم خلقه هذا شرف عظيم نلته، وهذه مرتبةٌ عالية تفضل الله بك عليها، ولو شاء لصرفهم عنك إلى غيرك، والآية المُخيفة:

 

﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾

 

( سورة محمد )

 لا تتدلل كثير: يا أخي لا أرتاح. لا ترتاح، الدنيا للعمل، هموم، والهموم كلها مقدسة، حامل هموم كبير جداً، كلها هموم مقدسة، لا تمن على الله عز وجل..

 

﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)﴾

 

( سورة الحجرات )

 الآن، إذا شخص جاء على وليمة ولم يأكل، أتينا، أما إذا أكل فيقول: كثر خيرك، دائمة إنشاء الله، على هوى إذا أكل شيء، وإذا لم يأكل شيء آخر، إذا كان وضعوا له صحون وما في طعام، معالق وصحون، وانتظر ساعات، وبعد ذلك خرج، تجده يقول: لقد أتينا يا سيدي. يمن عليه، أما لو أكل لا يمن عليه، بالعكس شكروا..

 

﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)﴾

 

( سورة الحجرات )

 إذا كنتم صادقين في طلب الإيمان، ذقتم حلاوة الإيمان، عندئذٍ لا تمنون على الله بل الله يمن عليكم، " إذا أراد الله بعبد خيراً صير حوائج الناس إليه "
وقال:

 

(( إذا أراد الله بعبد خيراً عاتبه في منامه ))

 

( الجامع الصغير )

 الإنسان الصادق، إذا كان في طريق غلط، يرى مناماً فيه تحذير، معنى ذلك أنه غالي على الله، فالعتاب في المنام، صير حوائج الناس إليك، طهره قبل موته، عسله، فقهه في الدين، زهده في الدنيا، بصَّره بعيوب نفسه، جعل له واعظاً من نفسه يأمره وينهاه، جعل غناه في قلبه، هذه كلها من علامات حب الله لك، وهذا مقياس، تجد الشخص يعمل تحليل يجد في القائمة النسبة الطبيعية، يرى النسبة عنده الكولسترول ثلاثمائة وخمسين، والطبيعية مائة وخمسة وعشرين، تجده يقول: والله زيادة، الأحاديث كلها معايير طبيعية، هكذا المؤمن، فإذا أنت طُبِّقت عليك هذه الصفات فاشكر الله عز وجل، ما طبقت في شيء آخر.
 قبل أن ننتقل إلى السيرة أقرأ عليكم مرة أخيرة الأحاديث:

 

((إذا أراد الله بعبد خيراً جعل غناه في نفسه ))

 

( من الدر المنثور: عن " أبي سعيد " )

 غني..
 و..

 

(( إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، وزهده في الدنيا، وبصره عيوبه ))

 و..

 

 

(( إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظا من نفسه يأمره وينهاه ))

 و..

 

 

(( إذا أراد الله بعبد خيراً عسله، قيل: وما عسله ؟ قال: يفتح له عملاً صالحاً قبل موته ثم يقبضه عليه ))

 و..

 

 

((إذا أراد الله بعبدٍ خيراً طهره قبل موته ))

 و..

 

 

(( إذا أراد الله بعبد خيراً صير حوائج الناس إليه ))

و..

 

 

((" إذا أراد الله بعبد خيراً عاتبه في منامه))


 في حديث أخير:

 

 

(( إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا ))

 يعني ثوب أبيض في عليه نقطة، رأساً تنظف، أما ثوب أصله أزرق من الشحم والزيت والوحل صار أسود، أسكب عليه لتر حبر لا يبين، ما في مشكلة، إذا واحد كله ذنوب، كله انحرافات، لا يشعر على شيء، أما النقي الطاهر لو كلمة قالها بلسانه، قال لها:

 

 

(( يا عائشة لقد قلتي كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته "))

قالت له عن السيدة صفية: قصيرة، هذه الكلمة قالتها.
فإذا واحد شعر أن الله عز وجل يراقبه كلما غلط، تأتيه ضربة، يفرح لذلك.
 سيدنا ابن حذافة، الذي حدثتكم عنه في الدرس الماضي، كان قائداً لسرية فيها ثمانون من أصحاب رسول الله، وقد وقعوا في أسر هرقل، وكيف أن هرقل ملك الروم عذَّبهم، ووصل إلى رئيسهم، أو إلى قائدهم ابن حذافة، وعرض عليه أن يتنصَّر، أو أن يضعه في بقرةٍ من النحاس فيها زيتٌ مغلي، وكيف أن ابن حذافة، هذا الصحابي الجليل، قال: والله لا أفعل. فجاء برجل ووضعه أمامه في هذه البقرة فانفصل جلده عن لحمه فوراً.
ثم عرض عليه أن يزوجه ابنته، وأن يجعله شريكه في الحكم على شرط أن يتنصَّر، فأبى فقال: والله لا أفعل.
 ثم جاءه كتاب من سيدنا عمر يأمره أن يطلقه سراحه، قال: قَبِّل رأسي وانطلق، قال: والله لا أفعل. إلى أن قال له: قبل رأسي وخذ كل أصحابك. فقال له: أما هذه فنعم، وقبَّل رأس هرقل، ولما بلغ عمر ما فعل، قام أمام أصحابه جميعاً وقَبَّل رأسه إكراماً له.
 هذا سيدنا ابن حذافة، كان في القسطنطينية، في استنبول حالياً مقر هرقل، وفي القسطنطينية رجل عربي كان ملك من ملوك الغساسنة، وفي القسطنطينية رجل مقيم مع هرقل كان ملكاً من ملوك الغساسنة اسمه جبلة بن الأيهم الغساني، من آل جفنة، آخر ملوك الغساسنة في بادية الشام، عاش زمناً في العصر الجاهلي، وقاتل المسلمين في دومة الجندل، وحضر معركة اليرموك، وهو على أطراف الجزيرة، ثم أسلم، وجاء المدينة في عهد سيدنا عمر بن الخطاب، مَلِك جاء المدينة وقد أعلن إسلامه، سيدنا عمر رحَّب به، وقرَّبه منه، فهذا لا يزال عقليته عقلية مَلِك، فلما كان في الطواف ـ والقصة تعرفونها جميعاً الآن نأخذ تتمتها ـ
 فلما كان في الطواف يبدو أن بدوياً من قبيلة فزارة داس طرف ردائه، الذي كان يجر وراءه، فلما داس طرف ردائه انكشف عن كتفه، فالتفت وهو ملك إلى هذا البدوي، وضربه ضربةً هشَّمت أنفه، هذا البدوي ليس له إلا عمر، توجه إلى سيدنا عمر يشكو جبلة بن الأيهم الملك الغساني، يقول: فلطم جبلة عينه أو أنفه. فأمر عمر بالاقتصاص منه.
 ـ فقال: يا أمير المؤمنين أوعينه مثل عيني !! هو من سوقة الناس، أنا ملك، عينه مثل عيني ؟! والله لا أقيم في بلدٍ علي به سلطان، فهاجر إلى بلاد الروم مرتداً، لأنه رفض أن ينفذ حكم الله. ضرب أنف هذا البدوي فهشمها، فلما أمر عمر أن يضرب أنفه، رفض.
أحد الشعراء صاغ هذا الحوار ببعض الأبيات فيقول له:
ـ يا ابن أيهم ما ادعا هذا الفزاري الجريح ؟
ـ فقال ابن الأيهم: لست ممن يكتم شيئاً، أنا أدَّبت الفتى، أدركت حقي بيدي.
ـ قال له: أرضِ الفتى لابد من إرضائه، مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك.
ـ قال: كيف ذاك يا أمير، هو سوقة وأنا عرش وتاج ؟!! هذا من عامة الشعب، وأنا ملك، كيف ترضى أن يخر النجم أرضا ؟!
ـ يقول له عمر: نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا.
ـ قال له جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندي أقوى وأعز ـ محسب حالي أقوى عندك من هذا المقام ـ أنا مرتدٌ إذا أكرهتني.
ـ فقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم مبني، كل صدع فيه بشذى السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
وارتد إلى بلاد الروم، واستقبله هرقل، وقرَّبه، وأعطاه قصراً وأسكنه فيه، وتنصر.
 سقت هذه القصة لأن الإنسان أحياناً بساعة غضب يرتكب حماقة يدفع ثمنها طوال حياته، وأحياناً يدقع ثمنها بعد مماته، وأحياناً يخلُد النار بسبب موقفٍ غير صحيح، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( ألا رب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً ))

 

( من الجامع الصغير: عن " أبي الجبير " )

 يصنفون المجرمين مع الأغبياء، لأنه بساعة من ساعات الغضب قتل إنسان، فمكث ثلاثين سنة بالسجن، غبي، غبي جداً، لذلك النبي قال: لا تغضب، ودائماً الإنسان المستقيم لا يصل إلى مواقف حرجة، فهذا ارتدى ثوباً طويلاً، وهذه مخالفة للسنة، بالخطأ داس هذا البدوي طرف الثوب، انخلع من كتفه، انزعج، التفت فإذا بدوي، ضربه ضربة هشمت أنفه، البدوي شكاه إلى عمر، وعمر يقيم الحق، فالناس عنده سواسية كأسنان المشط قال النبي الكريم:

 

(( والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، إنما أهلك الناس الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ))

 

(رياض الصالحين )

 فهذا التمييز بالمعاملة هذا يوجب الهلاك للأمة، أن الشريف لا يحاسب إذا سرق والضعيف يحاسب.
 ابن حذافة رضي الله عنه كان في القسطنطينية، ويبدو أنه كان قبل الإسلام على علاقة مع جبلة بن الأيهم، أراد أن يزوره فلعله يعيده إلى حظيرة الإسلام، فالآن زاره في القسطنطينية في قصره المنيف، يقول له ابن حذافة:
ـ ويلك يا جبلة، إن قصرك هذا لأجمل من القصر الذي يقيم فيه هرقل!!
ـ قال: أجل، ذاك قصرهم القديم وهذا قصر جديد.
ـ يقول له ابن حذافة: متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب.
سيدنا عمر بن العزيز كلما دخل إلى مجلس الخلافة يقول:

 

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

 

( سورة الشعراء )

ـ يقول له جبلة: هات ما عندك، فليس بيننا أحد.
ـ يقول له ابن حذافة: بلغني أن هرقل قد تغيَّر عليك.
ـ فقال جبلة: أفلهذا رغبت في زيارتي ؟
ـ يقول له: نعم، لا تبتئس يا جبلة، فلعل الله قد أراد بك خيراً في ذلك.
ـ فقال جبلة: أي خير يا أبا حذافة ؟!
ـ فقال: وما يمنعك من الرجوع إلى قومك والإسلام. عد إلى دينك، عد إلى أمَّتك، عد إلى قومك، عد إلى المدينة.
ـ قال: أبعد الذي قد كان !! بعد الموقف مع سيدنا عمر.
ـ قال له ابن حذافة: قد ارتد الأشعث بن قيس، ثم رجع للإسلام. في أمثلة أخرى.
ـ فقال جبلة: شتان ما بيني وبين الأشعث، الأشعث لم يلحق بقيصر مثلي، ولم يتزوَّج ابنته، قيصر زوجه ابنته لجبلة.
ـ ابن حذافة قال له: بلغني أنك لست معها على وفاق فلمَ لا تطلقها ؟
ـ فقال: أطلقها وهي ابنة القيصر ؟!
ـ قال له: ولم لا، وقد هجرتك ونشزت عنك.
ـ فقال له: وكيف أعيش بعد ذلك ؟ من أين إذا طلقتها ؟ تحمل الهوان.
ـ قال له: تعني الرزق الذي يجريه عليك قيصر ؟
ـ قال له: نعم.
ـ قال له: سنفرض عليك عطاءً من ديوان المسلمين.
ـ فقال: هل أجد عندكم هذه العيشة ؟ هنا في رفاه كبير جداً، فقد آثر هذا الرفاه على كرامته.
ـ فقال ابن حذافة: هذه عيشة الملوك يا جبلة، وليس في الإسلام ملوك، ولكنك سوف تعيش بيننا حراً كريماً، لا يتعبدك أحد ولا يمن عليك أحد.
ـ قال له جبلة: إذا ليلطمني أعرابي جلف من بني فزارة ؟!!
ـ قال له: ذلك الحق يا جبلة ولا غضاضة على أحد، أن يؤخذ منه الحق، ألا تحب يا جبلة أن تقيم في أرض تسوده كلمة الحق ؟
ـ قال: تلك آفة الملوك يا ابن حذافة، لا يستطيعون إن عزلوا أن يعيشوا ملوكاً، ولا أن يعيشوا سوقةً، فيضيعون بين ذاك وذاك، قال له: لو أن عمر ولاَّني الشام لكفاني هذا الهوان
ـ فقال: ما كان لعمر أن يوليك شيئاً من أمور المسلمين وأنت ترى أنك ملك عليهم وهم سوقة. ما نضجت، لست أهلاً أن تكون ملكاً عليهم.
ـ قال له جبلة: أتضمن لي يا ابن حذافة أن عمر يقبلني إن عدت إليه ؟
ـ قال له: نعم.
ـ قال له: بعد كل هذا الذي صنعته معه ؟
ـ قال له: نعم، إنه لا يملك أن يردك.
ـ فقال له: ويزوجني إحدى بناته.
ـ قال له: ويزوجك إحدى بناته.
ـ قال له: وتضمن لي ذلك ؟
ـ قال له: نعم.
ـ قال له: وأين أسكن، في خصٍ كالخص الذي يقيم هو فيه ؟
ـ قال له: ويحك يا جبلة ستكون واحداً من المسلمين لك ما لهم وعليك ما عليهم.
ـ قال: يا ليتني أستطيع أن أفعل هذا يا ابن حذافة.
ـ قال له: وما يمنعك ؟
ـ قال له: المصير الذي كتب عليّ.
أرأيت إلى أهل الشرك دائماً: الله مقدر علي ذلك، دائماً المذنب المنحرف يتهم الأقدار، قال له: هذا مصيري هكذا الله كاتب علي.
ـ قال له: كلمة واحدة تقولها يا جبلة، ويتغير هذا المصير كله.
ـ قال له: هيهات يا ابن حذافة، إني أعرف بنفسي منك، ولكن لي رجاءٌ حبذا لو قبلت. طلب منه أن يتزوج ابن حذافة ابنته، فذهب إلى ابنته وقال:
ـ يا بنيتي إن ابن حذافة يريد الرجوع إلى المدينة، وقد رجوته أن يحملك معه، فيزوجك هناك مَن هو جديرٌ بك من فتيان العرب ـ فابن حذافة رفض أن يتزوجها ـ
ـ قالت له: امرأتك الرومية يا أبي هي التي أوعزت إليك ذلك ؟
ـ ضاع فقال جبلة: إنك تعلمين أني لست معها اليوم على وفاق.
ـ قالت: فعلامَ تريد أن تقصيني عن القسطنطينية، لترميني في الصحراء ؟
ـ فقال: إنها ليست صحراء، إنها مدينة عامرة.
ـ قالت وردة: أنسيت يا أبي ما كنت تحدثنا بالأمس، ألم تقل لي: أن أمير المؤمنين يقيم في خصٍ حقير لا ترضاه أنت لخدمك وعبيدك ؟ ذكرته بالكلام السابق.
ـ فقال لها جبلة: إنه عمر بن الخطاب زاهد في الدنيا
ـ قالت: كلا، بل تريد أن تقصيني عنك، تريد أن تقبرني كما قبرت أمي من قبل. وصارت تبكي.
ـ قال جبلة: لا والله، إنك لأغلى الناس عندي، وما كنت لأصبر على فراقك، ولكنني أخاف عليك.
ـ قالت له: مما ؟
ـ أن يتزوج علج من علوج الروم.
ـ فقالت له: ما بالك، تريد أن تزوج عمتي عالية واحداً منهم.
ـ قال: يا وردة ـ اسمها وردة ـ قيصر أكرهني على ذلك ـ ليس لي خيار ـ وطلبها مني، وأخاف أن يزوجك هو أحد علوج الروم.
أنا ذكرت التفصيلات لأن: الإنسان لما قال عليه الصلاة والسلام:

(( مَن أقام مع المشركين برئت منه الذمة ))

(الجامع الصغير )

 صار تحت رحمتهم، وتحت ضغوطهم، يمرِّغون به الوحل، ويضغطون عليه، فساعة غضب شيطاني جعلته يعيش هذه العيشة البعيدة والتي فيها إهانة لكرامته.
في نقطة دقيقة جداً...
 ـ يقول له: تلك المحنة التي ليس لي بها يد، فبالله عليك يا ابن حذافة إن سألوك عني فقل لهم إني سعيد في بلاد الروم، أعيش في هذا القصر المنيف، كما يعيش قيصر الروم بل أكرم وأعز، إحكِ لهم ما رأيت عندي من الجواري والكراسي من الذهب، والطنافس والحرير، والطيور المغردة، احكِ لهم كل ذلك، ولا تحك لهم عن شيئاً من ذلي وهواني وعذابي في هذه الديار.
 فالذي أتمناه على كل مسلم أن يعرف أنه إذا بقي مع دينه، ومع إسلامه، ومع طاعة ربه، ومع إقباله على الله، ومع تطبيقه منهج ربه، في قصة طويلة فيها كثير من التفصيلات، نقلت لكم هذه التفصيلات: زوجوه امرأة تأمره وتنهاه، ونشزت عنه، واستعلت عليه، وهجرته، وأمروه أن يزوج أخته لعلجٍ من علوجهم، وهو يخاف على ابنته أن يتزوجها واحد منهم، وهو في ذل، كرامته في الوحل، هذا كله ما جناه، لذلك هذه القصة يمكن أن تكون ترجمةً تفصيليةً لحديث رسول الله الذي ورد في الجامع الصغير:

 

(( من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة ))

 

( الجامع الصغير )

 فأنت انكشفت، كنت مغطى، فكشفت، كنت في ظل الله، فانكشفت، كنت تحت رحمة الله، فانكشفت، فالإنسان عليه دائماً وأبداً أن يبقى مع منهج الله عز وجل.
 أيها الإخوة الأكارم... القصص تعلمنا الشيء الكثير، فالسعيد من اتعظ بغيره لا من اتعظ بنفسه، فكلما قرأت قصة، وهذه قصة قديمة، هذا جبلة بن الأيهم الملك الغساني، كان ملكاً في بلاد الغساسنة، وحارب المسلمين في مواقع عديدة، في دومة الجندل، ثم اهتدى إلى الله، وجاء إلى المدينة، وطاف حول الكعبة، وفي ساعة غضب، ساعة ثأر، ساعة حُمق، ساعة ثأرَ لكرامته، فارتكب هذه الأحموقة، فهشم أنف الأعرابي، احتكما إلى عمر، أمره أن يرضيه قال له:
ـ أرض الفتى لابد من إرضائه لو أرضيته انتهى الأمر، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه وإن لم ترضه أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك، فلم يتحمل.
ـ قال: كيف ذاك يا أمير هو سوقة وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟
ـ قال له هذه نزوات الجاهلية ورياح العنجهية، قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا.
ـ قال له: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني.
 ارتد وذهب إلى بلاد الروم، وتزوج بنت قيصر، وعاش في هذا الذل والهوان، هو تأمره أن يرسل ابنته إلى الصحراء، تأمره أن يفعل كذا، فدائماً وأبداً: أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حباً، الله عز وجل أعطانا عقل، وبهذا العقل نستطيع أن نحكم، والنبي الكريم يقول:

 

(( إذا أردت إنفاذ أمر تدبر عاقبته ))

 قبل أن تقدم عليه، قبل أن تقدم على هذه التجارة، قبل أن تقدم على هذا الزواج، قبل أن تقدم على هذا السفر، قبل أن تقدم على هذا الطلاق، قبل أن تقدم على هذه الشراكة، تدبَّر عاقبتك، دائماً ليكن عملك وفق المنهج الإلهي، دائماً ليكن عملك وفق ما أراد الله، لا وفق ما تريد، أقول لكم كلاماً صحيحاً:

 

 

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

 

( سورة طه )

 والله الذي لا إله إلا هو ما من إنسان ضالٍ على وجه الأرض إلا بسبب خروجه عن منهج الله، وما من إنسان شقيٍّ على وجه الأرض إلا بسبب خروجه عن منهج الله، وهذه الآية من آيات الله الدالة على عظمته:

 

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

 

( سورة طه )

 و..

 

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾

 

( سورة البقرة )

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

( سورة الإسراء: من آية " 9 " )

 اجعل هذا القرآن حَكَماً في زواجك، في عملك، في حرفتك، في سفرك، في إقامتك، في غضبك، في رضاك، في عطائك، في منعك، في كل أحوالك، فالإنسان إما أن يتَّبع أمر الله وإما أن يتعظ، هذا عبد الله بن جحش زوج مَن ؟ زوج رملة بنت أبي سفيان، كان معها في الحبشة، تنصر، وعاقر الخمر، ومات مرتداً، فلذلك الإنسان عندما يتّبع شهوته انتهى، أما إذا حكم عقله نجح، والعقل هو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( إنما الدين هو العقل، ومَن لا عقل له لا دين له ))

فكما قلت لكم: إذا كان أخ في مغنم كبير من سفر، ولكن على حساب دينه، لا يسافر، وإذا في مغنم دنيوي كبير على حساب استقامته وعلى حساب انضباطه الشرعي لا يسافر، لأن الآخرة خير لك من الأولى، الله عز وجل قال:

 

 

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)﴾

 

( سورة الأعلى )

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)﴾

( سورة الأعلى )

 قد أفلح وردت في أربع مواطن:

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾

 

( سورة الشمس )

 و..

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾

 

( سورة الأعلى )

 و..

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)﴾

 

( سورة المؤمنون )

 هذا هو الفلاح، أن تأتي الله بقلب سليم.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بينك وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018