بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 055 - الترغيب والترهيب4 - إدخال السرور على المسلم.


1992-10-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... في كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري رحمه الله تعالى، بابٌ عقده تحت عنوان (الترغيب في إدخال السرور على المؤمن)، فأجمل ما في هذا الدين أن الأعمال الصالحة التي تنفع الناس، ترتقي إلى مستوى العبادات، والأحاديث الشريفة في هذا الموضوع كثيرةٌ وغنيَّة.
فعن جعفر بن يزيد، عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( ما أدخل رجلٌ على مؤمنٍ سروراً إلا خَلَقَ الله عزَّ وجل من ذلك السرور ملكاً يعبد الله عزَّ وجل ويوحِّده، فإذا صار العبد في قبره، أتاه ذلك السرور فيقول: أما تعرفني ؟! فيقول له: مَن أنت ؟ يقول: أنا السرور الذي أدخلتني على فلان، أنا اليوم أونس وحشتك، وألَقِّنك حجتك، وأثبتك بالقول الثابت، وأشهدك مشاهدك يوم القيامة، وأشفع لك إلى ربك، وأريك منزلتك في الجنة ))

 ما هذا الدين العظيم ؟‍!! إذا أدخلت على أخيك المؤمن السرور فهذه من أرقى العبادات، قد تسُرّه بكلمة، قد تسره بابتسامة، قد تسرُّه بعطاء، قد تسرُّه بهدية، قد تسره بقرض، قد تسره بإطعامه الطعام، قد تسره بتلبية دعوته ولو كان بيته بعيداً، أية طريقة من طرق إدخال السرور على المؤمن لها عند الله عزَّ وجل شأنٌ كبير.
 فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيُّ الناس أحب إلى الله ؟ يعني أن يحبك الله عزَّ وجل هذا منتهى الآمال، أن يحبك خالق الكون، أن يحبك مَن إليه المصير، أن يحبك من تؤول إليه إلى الأبد، العوام لهم كلمات عميقة يقول لك: الوجه الذي ستصابحه لا تقابحه. أحياناً يجمعك سفر مع شخص، اتفقتم أم لم تتقفوا ما شي الحال، سفرة يومين ماشي، تلتقي مع إنسان بالخدمة الإلزامية، يمكن ما يعجبك طبعه، فتدابروا، لكن جارك بيته مِلك وبيت ملك على طول، دائماً في مقابلة، فلما الإنسان يحتاج إلى أن يعد للمليون قبل أن يعادي جاره الذي هو وجهه بوجهه كل يوم، فكيف يقصِّر في إرضاء خالق الكون الذي سيؤول إليه الأبد ؟ ألم يقل الله عزَّ وجل للذي يموت ويوضع في قبره أول ليلة:

((عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق معمك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ))

 فإذا كان إنسان مضطر لأن تكون معه لأمدٍ طويل ؛ مستحيل تعاديه، مستحيل تقصر معه، مستحيل تسيء له، وإذا كان أقوى منك !! إذا كان من مستواك، ليس لك مصلحة تعادي شخص من مستواك أنت مضطرٌ أن تكون معه لأمدٍ طويل، ما لك مصلحة، فكيف إذا كان أقوى منك ؟ وهذا الأمد الطويل إلى متى ؟ مهما كان هذا الأمد طويلاً ينتهي، أما أن تكون مع خالق الكون إلى الأبد، وأنت في هذه الدنيا المحدودة مقصرٌ معه، مسيءٌ إلى خلقه، مهملٌ لواجباته، فهذا شيءٌ غريب.
فلذلك قال: يا رسول الله أيُّ الناس أحب إلى الله ؟ اسمع كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس))

 يطلع منك خير، تخدم الناس، تعاونهم، أما كل مزاريبك للداخل، هذا تعبير شعبي، يعني كل خيرك للداخل فقط لأولادك، الناس الذين حولك يطلع منك شيء لهم ؟ تخدمهم ؟ تعاونهم ؟ تقرضهم ؟ تديّنهم ؟ تمنحهم شيء من الميزات ؟

 

 

(( أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس ـ طبعاً بيت القصيد: لماذا وضع هذا الحديث في هذا الباب ؟ هنا ـ وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم ))

 هل تعرف أحياناً ابتسامتك فقط عمل، شخص عندك موظف عينته حديثاً خائف ما يكون جيد، ملبَّك، فأنت آنسته، ابتسمت بوجهه، وجدت منه عمل طيب فأثنيت عليه، رأيت غلطة من غير قصد تجاوزتها، هذه ابتسامتك عمل صالح، طمأنته، طيّبت قلبه، قربته منك، فالابتسامة أحياناً عمل، أحدكم قد لا يدري، وقد لا يصدِّق أن ابتسامةً، وترحيباً، ووجهاً طلقاً تعامل به بعض الناس، تشدهم به إلى الله، تحملهم على توب

 

ة.(( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق " إذا الإنسان دخل للبيت يسلَّم، كان إذا دخل بيته بساماً ضحَّاكاً، كان إذا دخل بيته آنس أهله..))

 أكرموا النساء فإنهن المؤنسات الغاليات " هذه التي عندك امرأة إذا أدخلت على قلبها السرور أيضاً هذا عمل صالح، إذا أدخلت على أولادك السرور عمل صالح، إذا أدخلت على موظفيك السرور عمل صالح، إذا أدخلت على مَن يلوذ بك السرور عمل صالح.
وأنا لا أقول لك كيف يدخل هذا السرور ؟ أحياناً إنسان يكون بحاجة إلى قرض، وأنت مالك هذا المبلغ، وهو مؤمن وصادق وليس له سابقة سيئة، فأقرضته هذا المبلغ، كشفت غمَّه، فككت ضيقه، لبَّيت حاجته هذا عمل.
 محور هذا الباب: أحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم تكشف عنه كربةً. في عليه ضبط تمويني، وأنت تقدر ترفع عنه هذا الكُربة، لك أصحاب فقلت له: هذه اتركها لي، ذهبت ثاني يوم وعطلت وقتك، وذهبت عند صديق لك، وشفعت له ليرفع عنه هذا الكَرب مثلاً، تكشف عنه كربةً، في له عند إنسان دين، وهذا الإنسان أنت تمون عليه فقلت له: هذا الدين خذه مني، في له قضية معقدة تحتاج لموافقة وهو غير مستطيع وأنت عندك إمكانية، تكشف عنه كربةً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، هذا معنى إدخال السرور على مسلم.
 أحياناً الطفل يسره خمس ليرات، أحياناً تسره لعبة صغيرة، أحياناً تسرة مسطرة، أحبها، لذلك يقولون أن في بالجنة دار اسمها دار الفرح يدخلها الذين يفرِّحون الصبيان، أحياناً الآباء لا يقنعون بأشياء متعلِّقة بأبنائهم، ابنك له عالمٌ خاص، له خيالات خاصة، له مطامح خاصة، فهذا المسلم، أحب الأعمال إلى الله عزَّ وجل سرورٌ تدخله على مسلم تكشف عنه كربةً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً.
 لكن إذا الإنسان هكذا شخص عظيم كثير ؛ إما بالعلم، أو بالمال، أو بالجاه، وله ولد، وأنت أدخلت على قلب هذا الولد السرور، أنت في الحقيقة تفعل هذا مع مَن ؟ مع الأب، حقيقة هذا العمل أنك تتقرب إلى الأب بإدخال السرور على قلب هذا الولد، هذا كل ما في الأمر، والمؤمن ـ وهذا ما أعتقده جزماً ويقيناً ـ المؤمن إذا خدم الناس، ومسح عنهم دموعهم، وأزال عنهم كُرَبهم، وأعانهم، وسترهم، أحياناً تطلع على سر لو بحت به لافتضح أناسٌ كثيرون، فجئت أنت وسترت، لأن اسم الله الستَّار، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( تخلقوا بأخلاق الله ))

 قصة أنا أحكيها كثير، وأنتم تعرفونها، أحد خطباء مساجد دمشق قبل خمسين ستين أو سبعين سنة ـ القصة قديمة ـ رأى النبي عليه الصلاة والسلام، قال له النبي عليه الصلاة والسلام في المنام: أبلغ جارك فلان أنه رفيقي في الجنة. فلان سمَّان، وهو الخطيب، وهو المدرس، وهو ذو الشأن، فالبشرى لجاره، معقول هذا ؟! وهو أين أصبح ؟!! طرق باب جاره وقال له: لي عندكم سؤال. قال له: تفضل. قال له: لك عندي بشارة من رسول الله، ولن أقولها لك إلا إذا أنبأتني ماذا فعلت مع الله حتى استحققت هذه البشارة ؟
 طبعاً هذا الجار تمنَّع، وتأبى، إلى أن استحلفه بالله وألح عليه، قال: والله تزوجت امرأةً، ومضى على زواجي بها خمسة أشهر، فإذا هي في الشهر التاسع من حملها، قال له: بإمكاني أن أطلِّقها، وبإمكاني أن أفضحها، وبإمكاني أن أسحقها، وبإمكاني أن أفعل كل شيء، لأن العرس صار له خمسة أشهر، وهي بالشهر التاسع، قال: جئت بقابلة وولدتها، وعلمت أنها أخطأت وأنها تابت، أخذت هذا المولود الصغير تحت عباءتي، ودخلت إلى المسجد، إلى أن نوى الإمام الصلاة، ووضعته وراء الباب، واقتديت مع الناس، فلما انتهت الصلاة بكى هذا الصغير، وتحلق الناس حوله، فحشرت أنفي معهم وكأنني لا أعرف شيئاً، قلت: ما هذا ؟ قالوا: تعال انظر غلامٌ صغير ولد لتوه، قلت: أعطوه إلي أنا أكفله. أخذه ودفعه إلى أمه لتربيه، وسترها، وتابت على يديه، وكأن أمراً ما لم يحدث.
 هذا الإنسان بهذا العمل استحق أن يرى جاره النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يقول النبي عليه الصلاة والسلام: قل لفلانٍ إنه رفيقي في الجنة. إن الله ستَّار، وتخلَّقوا بأخلاق الله، هذا عمل طيب، في أشخاص في فمه بحصة، إلا ما يحكي القصة، استحلفك بالله، وترجَّاك ألا تحكيها، واستره، هو حكاها فقط لواحد، وهذا الواحد حكاها لعشرة، وكل واحد لعشرة، بعد يومين صارت كل البلدة تعرف قصَّته.
 لذلك الإنسان طبعه يقتضي أن يحكي، لكن التكليف يقتضي أن يسكت، فالسكوت عمل صالح، في حالات تضبط نفسك، تسكت، تعرف قصة ممتعة، مثيرة جداً، وإذا تكلمت فيها فغر الناس أفواههم وقالوا لك: ما هذا الكلام أكمل أكمل !! تعرف قصص كثير لو حكيتها لكنت سيد المجلس، وانعقدت حولك العيون، وهفت إليك القلوب، ومع ذلك ينبغي أن تسكت، البطولة أن تسكت، والبطولة أن تصمت، والبطولة أن تستُر، والبطولة أن تحفظ الوَعد، والبطولة أن تنجز العهد، هذه البطولة.
إذاً

 

((" أحب الأعمال إلى الله عزَّ وجل سرورٍ تدخله على مسلم تكشف عنه كربةً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخٍ في حاجةٍ أحب إلى الله من أن أعتكف في هذا المسجد ـ يعني مسجد المدينة ـ شهراً..))

يا الله، نبيٌ كريم يقول:

(( ولأن أمشي مع أخٍ في حاجةٍ أحب إلى الله من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً ))

 أن تمشي مع أخٍ في حاجته، قال لك: أنت خبير بالخشب، ناوي أشتري غرفة نوم، أتذهب معي وتنصحني، تفحصها لي أنت ؟ قال له: على عيني، كل واحد عنده أعمال مغمور فيها، ومتاعب، وأعمال، ومواعيد، وما لي فاضي، واجتماعات، وحسابات، ولقاءات، اقتطعت من وقتك ثلاث ساعات ذهبت معه في حاجةٍ، فالإنسان عليه أن يبذل وقته رخيصاً في خدمة المؤمنين، هذا عمل طيب.
شيء جميل جداً..

 

((ولأن أمشي مع أخٍ في حاجةٍ أحب إلى الله من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً.. ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ))

 أي أنه كظم غيظه لا عن واحد أعلى منه، في هذه سيكظم غيظه غصب عن رأسه، واحد أقوى من ستبلعها وتسكت، ولكن من كظم غيظه عن إنسان أدنى منه، عن طفل أحياناً، أحياناً يمتلئ المعلم غيظ يعني طلاب شوشوا عليه، يضرب واحد ضرب يفش قلبه، فيذهب سمعه.

 

 

(( ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه...))

 إذاً لا يسمى كظم الغيظ عن إنسان أقوى منك، هذا صبر ليس لله، هذا صبر فيه قهر، أما الله عزَّ وجل قال:

 

 

﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)﴾

 

( سورة المدثر )

(( ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه يوم القيامة رضاً، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام ))

 أسمع عن أشخاص كثيرين أنه خدومي، ما في إنسان طلب منه شيء إلا لبَّاه، هذه صفة المؤمن، ما في إنسان طرق بابه في حاجة إلى قضاها له، ما في إنسان طلب منه خدمة إلا قدَّمها له، هذا المؤمن.
أعيد على أسماعكم الحديث مرةً ثانية:
 روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عزَّ وجل سرورٌ تدخله على مسلم تكشف عنه كربةً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخٍ في حاجةٍ أحب إلى الله من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه يوم القيامة رضاً، ومَن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام ))

 في أخ كريم حدثني، والله وترك في نفسي أثر، مؤمن غريب عن هذه البلدة، له حاجة، فتبرَّع هذا الأخ لخدمته، وذهب إلى المكان الذي تقضى به هذه الحاجة، وتوسَّط إلى أن قضاها له، وجاء بالوثيقة، فلما أعطاها إياه، وهو طالب علم، هذا الإنسان توجَّه إلى الله بكل قلبه أن يجزيه عنه كل خير، قال لي: واللهِ شعرت بقشعريرة وبقيت أياماً وأنا منتشٍ من هذه الدعوة التي دعاها لي في ظهر الغيب، لأنني قدَّمت له هذه الخدمة.
 حدثني أخ ثاني كان متجه إلى دمشق من الزبداني بسيارته ـ والقصة قديمة ـ رأى إنسان وإنسانة يحملان طفلاً صغيراً الساعة الثانية عشر أو الواحدة مساءً في دُمَّر، فتوقف وسألهما: خير ؟ الابن حرارته واحد وأربعين والأشخاص من لبنان غرباء، هذا أثناء أحداث لبنان، ولا يدرون ماذا يصنعون، أخذ هذا الطفل إلى طبيب مناوب، وتعالج هذا الطفل، واشترى الدواء، وذهب إلى مستشفى أخذ إبر، قال لي: للساعة أربعة، بقيت معهم من الساعة الثانية عشر وحتى الساعة الرابعة قُبَيل الفجر، وأعدت الطفل وقد انخفضت حرارته، واطمأنت أمه، واطمأن أبيه، أعدتهم إلى بيتهم وعدت إلى بيتي، يقسم هذا الأخ أنه بقي أكثر من أسبوعين مَغْموساً بسعادةٍ لا توصف.
 هذا الدين يا إخوان، الدين خدمة، كل هؤلاء الناس ربُّهم الله، فإذا خدمتهم تقرَّبت إلى خالقهم بخدمتهم، وكل إنسان يخدم، الله عزَّ وجل يجزيه في الدنيا قبل الآخرة.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( من أدخل على أهل بيتٍ من المسلمين سروراً لم يرضَ الله له ثواباً دون الجنة ))

 أحياناً واحد يكون ساكن في ملحق، وأولاده الشباب والشَّابات ينامون في غرفةٍ واحدة، وهذه مخالفة للسنة، مُخالفة للدين أن ينام الشباب والشابَّات في غرفة واحدة، متضايق مادياً، مهموم، قلت له: اذهب وابن غرفةً وفرِّق بين الشباب والشابات، وهذه نفقة هذه الغرفة، أو تكاليف إنشائها، هذا عمل عظيم إذا أعنت إنسان على طاعة الله عزَّ وجل، أعنته على أن يقيم شرع الله عزَّ وجل.
حديثٌ آخر عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

 

(( إن أحب الأعمال إلى الله تعالى ـ هذا أحب اسم تفضيل من دون استثناء ـ بعد الفرائض إدخال السرور على المسلم ))

 لذلك كان السلف الصالح، يا الله كم الفرق كبير ؟! السلف الصالح إذا فتح محله التجاري كان يقول: نويت خدمة المسلمين. ذاهب إلى عمله لا ليكدِّس المئات والألوف وليجمع ثروة طائلة، لا، ذهب إلى عمله ليخدم المسلمين، ليقضي حاجتهم، سمعت عن صاحب معمل صابون يبقي الصابون في الشمس عشر أمثال المدة التي تبقيها بقية المعامل، حتى ينشف، ويدعوا لي الناس، كثير في غش الآن، واحد والله قال لي: أخذنا غرفة نوم طلع منها عرق أخضر، نبتت، الخشب لا يقطع إلا في وقت معيّن، فيقطعونه في غير أوقاته وهو طري ويصنعونه رأساً.
وعن عمر رضي الله عنه مرفوعاً:

 

 

(( أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن، كسوت عورته... ))

 أحياناً يكون طفل صغير لباسه في الشتاء لا يكفي، ما في عنده معطف، أو كنزته رقيقة ومشلفة، أخذت له كنزة جديدة وألبستها له، فتدفأ فيها، في أعمال كثير، بيت بحاجة إلى مدفأة، بحاجة إلى وقود، ما في وقود فأمَّنت لهم ألف ليتر، هل هذه قليلة ؟ تؤمن للناس مواد أساسية، مواد تدفئة، الطعام، الشراب، الكساء، فقال:

 

 

(( أفضل الأعمال إلى الله إدخال السرور على المؤمن، كسوت عورته، أو أشبعت جوعته ))

 والله اللحم شيء ثمين، ودخل الإنسان يتناقص مع ارتفاع الأسعار، وكلما تناقص الدخل يهبط مستوى الغذاء، فأن تقدم لإنسان قطعة لحم يأكلها هو وأولاده أنت أشبعته "... أو قضيت له حاجةً ".

 

 

((.. كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجةً ))

 وقد روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 

 

(( إن من موجبات المغفرة ))

 ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام

 

 

((اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك ))

 

( من الدر المنثور: عن " أنس " )

(( إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم ))

 لو سألناكم سؤال الآن: ما البنود التي يمكن أن تدخل بها على أخيك سروراً، من يجيبني ؟ أحد هذه البنود أخوك مريض، ذهبت فعدته، عيادة المريض عمل عظيم، أنا أذكر منذ فترة بسيطة عدنا أخاً بالله، فشعر بسرورٍ بالغ، ونحن سررنا، لأنه هو بهذا المرض صار قريب من الله، لما جئناه شعر بسرور ونحن سررنا مع سروره، عيادة المريض، مثلاً
 تلبية دعوته، دعاك، وقال سيأتي فلان، وانتظر، وانتظر، ولم ينفذ فلان، يتألم، لأنه تكلم، دعاك وتكلم، فإذا لم تأت يتألم ، لا سمح الله صار تعزية، فوجدك موجود، وعزيته، أو هنأته إذا جاءه مولود ، تزوج هنأته، اشترى بيت هنأته، زرته بلا سبب محبة له، أيضاً الزيارة، العيادة، التهنئة، أهديته، أنا أرى أن أثمن هدية تقدم عند الزواج، عندما أسمع أن أحد الإخوان تزوج، والإخوان تعاونوا ؛ أمنوا له سجادة، برَّاد، شهد الله أشعر براحة كبيرة جداً، والله شيء جميل هكذا الإسلام، تجد الشاب المتزوج في أمس الحاجة إلى مَن يساعده، تأتي الهداية مناسبة جداً، لا نريد هداية استعراضية نريد هدايا حقيقية، شيء أساسي، يريد غسالة، يريد براد، يريد ثريا، يريد سجادة، فتجد كل واحد مم الإخوة هذا يقول: هذه الحاجة علي، والآخر كذلك.. إلخ، أحياناً واحد ما معه يأمن له سجادة، تكاتفوا عليها أربعة أو خمسة تعاونوا، أجمل هدية تقدم للإنسان عند الزواج.
 أحياناً يكون عنده حالة وضع وهو بحاجة ماسة، يقولون: له أطلب ماذا تريد ؟ أحياناً تجد نفسك بأمس الحاجة لشيء تأتيك أشياء ليس لها طعمة، لوحة، اثنين، أربعة، تصير تبيعهم، ماذا تفعل بهم، أما في أشياء ثمينة، في أشياء تأتي في وقتها المناسب.
إذاً إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم...
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( مَن لقي أخاه المسلم يما يحبُّ ليسره بذلك، سره الله عز وجل يوم القيامة ))

 كل شيء عند الله محفوظ ؛ مواقفك، عطاءاتك، ابتساماتك، زياراتك، أحياناً الإنسان في عنده مشكلة، يتذكرها لأخوه، الله يلهمه أخوه، فيصدمه أخوه بقوله: هكذا أنت، أنا ليس كذلك، الحمد لله أنا ليس كذلك. يزيده ألم. سيدنا حنظلة كان يبكي في الطريق، مر سيدنا الصديق فسأله:
ـ مالك يا حنظلة تبكي ؟
ـ قال: نافق حنظلة.
ـ قال: ولمَ يا أخي ؟
ـ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى.
ماذا قال له الصديق ؟
ـ قال: أنا كذلك يا أخي. أنا مثلك.
 أنظر إلى التواضع آنسه، ولم يوحشه، أحياناً في واحد يكون عنده ابن متعب يشكي لأخوه همي، يقول له: أنا والله عندي أولاد الحمد لله ؛ مؤدبين، أخلاق عالية، حرقته حرق بهذا الكلام، لابد أن تخفف عنه قليلاً، تقول له: الولد في هذا السن متعب، وهذه المشكلة عامة، وهذه بلوى عامة وليست لك فقط، في كلام يطيب القلب، في كلام موحش، النبي يقول هنا: " مَن لقي أخاه المؤسلم بما يحب ليسره بذلك سره الله عز وجل يوم القيامة ".
وقال عليه الصلاة والسلام:

 

 

((من كان وصلةً لأخيه إلى ذي سلطانٍ في مبلغ برٍ، أو إدخال سرورٍ، رفعه الله في الدرجات العُلا من الجنة ))

 وصلةً إلى ذي سلطانٍ، هذه الشفاعة الحسنة، أحياناً الإنسان يكون له أقرباء، يكون له أصحاب، يكون له زملاء بمراتب حساسة، هذا الشيء أنت الآن ممكن أن تعمل أعمال صالحة كثيراً، طبعاً بالحق وليس بالباطل، فقد يكون شخص مظلوم، ولو طلب مقابلة هذا الشخص لا يسمح له، وهذا المسؤول صديقك، فاذهب إليه اتصل معه، وقل له: هكذا فلان قصته، إياك أن تكون شفيعاً في ظُلامة، ولكن بالحق، كأن يكون مقدم طلب، ومهمل هذا الطلب، يريد رخصة مهمل الطلب، من شهرين بالدرج موضوع، في مخالفة لا يوجد مخالفة، من حقه، من حقه، ألا توقع له عليه ؟ نبهه.

 

 

(( من كان وصلة إلى ذي سلطان في بملغ برٍ.. مقيدة القضية ليس ضده، في مبلغ بر.))

 فلو واحد له عند شخص مبلغ من المال وأقام عليه دعوى، والقاضي صاحبك، فهل تقول له: سيدي أيمكنك تأجل لنا الدعوى على طول سنتين زمان تقريباً ؟ الله يعطيك العافية على هذه الوساطة، شخص له حق عند شخص وأقام عليه دعوى، والقاضي صاحبك، فأنت أردت أن تضيع هذا الحق، تترجى القاضي أن يؤجل، أجل لنا هذه القضية سنتين، نكون استفدنا من أرباح هذا المبلغ، وضعه باستثمار يربح الآن، فيأجل سنتين الدعوى، فليست كل وساطة مقبولة، هذا كان موضوع الخطبة الأسبوع الماضي.
رواية أخرى:

 

 

(( من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطانٍ في مبلغ برٍ أو تيسير عسير أعانه الله على إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام ))

أي عندما تزل الأقدام.
 حديث دقيق جداً، وله أبعاد كبيرة، عن أبي قلابة: أن ناساً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ـ أشخاص من أصحاب النبي ـ قدموا يثنون على صاحب لهم خيراً ـ يا رسول الله في شخص، مستواه راقي جداً، صلاته، ذكره، وتلاوته ـ قالوا: ما رأينا مثل فلان هذا قط، ما كان في مسيرٍ إلا كان في قراءة، ولا نزلنا في منزلٍ إلا كان في صلاة ـ دائماً يقرأ أو يصلي ـ فالنبي سأل، قال: فمن كان يكفيه ضيعته ؟ ـ له أرض مَن كان يزرعها له، أو يسمدها له، أو يسقيها له، حتى ذكر، فاضي ليس عنده ولا عمل ـ ومن كان يعلف جمله أو دابته ؟ قالوا: نحن ـ نحن نخدمه يا سيدي ـ فقال عليه الصلاة والسلام: فكلكم خير منه "
 هل فهمتهم مراد النبي اللهم صل عليه، ما شفناه إلا وهو يصلي، ويقرأ أوراد من كان يكفيه ضيعته حتى ذكر ـ من كان يعلف جمله أو دابته ؟ قالوا: نحن فقال: كلكم خير منه ـ نحن نريد إسلام عملي، نريد إنسان ليس عالةً على أحد، نريد إنسان يده عُليا، نريد إنسان مفعال لا مقوال.
وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
ـ على كل مسلمٍ صدقة.
ـ قيل: أرأيت إن لم يجد ؟
ـ قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق.
ـ قال: أرأيت إن لم يستطع.
ـ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف.
ـ قال: قيل له أرأيت إن لم يستطع ؟
ـ قال، يأمر بالمعروف أو الخير.
ـ قال: أرأيت إن لم يفعل ؟
ـ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة.
وفي رواية أخرى:
ـ قالوا: وإن فعل هذا دخل الجنة ؟
ـ قال: ما من عبدٍ مسلمٍ يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة.
 عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث ذكره ابن عباس كان معتكف في مسجد رسول، الله جاءه رجل جلس إلى جنبه رآه مغموماً فقال:
ـ مالك ؟
ـ قال: ديون ركبتي، لا أملك لها قضاءً.
ـ قال له: لمَن ؟
ـ قال: لزيد، لفلان.
ـ قال: أتحب أن أكلمه لك ؟
ـ قال له: إن أردت، إذا تحب.
فقام: سيدنا ابن عباس وخرج من معتكفه، فقيل له: يا ابن عم رسول الله أنسيت أنك معتكف ؟!! أنت في عبادة
ـ فقال ابن عباس: سمعت حبيبي ـ هكذا نص الحديث ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

 

 

(( من مشى في حاجة أخيه كان خيراً له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله عز وجل، جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق، كل خندقٍ أبعد مما بين الخافقين))

 هكذا فهموا الصحابة الدين، ترك معتكفه وخرج، أنت معتكف نسيان ؟! قال له: ليس نسيان، ولكن النبي قال: من مشى في حاجة أخيه أخيه خير له من أن يعتكف عشر سنين.
وعن رسول الله صلى الله عيله وسلم أنه قال:

 

 

(( ما من عبدٍ أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه ـ أي أتمها ـ ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرَّم فقد عرَّض تلك النعمة للزوال ))

 أنت بنعمة لا أعرف ما هي ؛ صحة، قوي، دخلك جيد، لك مركز رفيع مرموق، لك مكانتك، فلما رآك الناس مقتدر، ميسور الحال، لك شأنك، أقبلوا عليك ؛ هذا يريد مشكلة، هذا يريد حل قضية، هذا يريد عملية لابنه، هذا يريد ديناً، فأنت لا تتبرم، لو تبرمت، لو ضقت ذرعاً بهم، لو تأفَّفت، لعرَّضت هذه النعمة للزوال.
 أروي لكم قصة تعرفونها: بيت من بيوت دمشق القديمة، فيه ليمونة تحمل أربعمائة أو خمسمائة حبة لسرٍ فيها، لكن صاحبة هذا البيت امرأة متقدِّمة في السن، ديِّنة، تحب الله ورسوله، ما مِن إنسان طرق بيتها وطلب ليمونة إلا قدمت له حاجته، تحملها أربعمائة أو خمسمائة، بيت عربي كبير، يطرقون بابها ويسألونها: نريد والله ليمونة، كان قديماً في تواصل، الآن تقول له: من جارك الذي يسكن فوقك ؟ يجبك: لا أعرف صار لي عشر سنين، لم أزره. كانت الأحياء أسرة واحدة، أنا أعرف سمعت إذا كان أخ معه ضيف ولاحظوه الجيران كل إنسان يقدم له صحن، هذا يضع أكل فيجد ثلاثين نوع وضع، من أين أتى كل ذلك ؟!! جارنا معه ضيف، يسكبوله، في تعاون، في حرص.
 فهذه الحرمة توفاها الله تعالى، هذه الختيارة، هذه الصالحة، هذه الدينة، لها كنة من الفأس الجديد، دق الباب نريد ليمونة: ما عندنا، وأغلقت الباب، على مرتين ثلاثة، الليمونة يبست، وماتت، فإذا أراد ربك إظهار فضله عليك، خلق الفضل ونسبه إليك، أنت كريم والله أكرم.
 أحياناً تلاحظ الذي يعطي كثير، الله يعطيه كثيراً أيضاً، يعطيك على قدر ما تعطي، أما إذا بقيت تحسب، ولا يناسب، خبي قرشك، ضب يدك، طول بابك، والله يضب عنك يدهه كذلك، لا يوجد شيء، هذه خلصت، وهذه منعوا استيرادها، وهذه لم تصح لك، وهذه لابد من الترخيص، أين الدخل الكبير ؟ كله ذهب، لا توكي فيوكي عليك يا عائشة، لا تشنق الكيس، لا توكي فيوكئ عليك، تضييق الله يضيق عليك، تعطي الله يعطيك، ما نقص مالٌ من صدقة.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( ما عظمت نعمة الله عز وجل على عبدٍ إلا اشتدت إليه مؤْنة الناس ـ الناس يميلو عليه، يطلبوا منه، يترجوه، يتقربوا منه، أما ـ ومن لم يحمل تلك المؤنة للناس فقد عرَّض تلك النعمة للزوال ))

 وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( إن لله أقواماً اختصهم بالنِعَم لمنافع العباد، يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحوَّلها إلى غيرهم ))

 

﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)﴾

( سورة ااحجرات)

 وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال عليه الصلاة والسلام:

 

((إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله ))

 الباب واسع جداً، وبقي بعض الأحاديث القليلة ننهيها مع نهاية هذا الدرس.. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

 

(( مَن نفَّس عن مسلمٍ كربة من كُرب الدنيا نفس الله عنها كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر في الدنيا ويسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم في الدنيا ستر الله عنه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ))

 أحد إخواننا الآن غير حاضر طبعاً، ساكن ببيت أجرة، صاحبة البيت رجته حينما أعطته البيت أن يسلِّمها إيّاه متى طلبت، في أشد الأزمات طلبت منه البيت، فهو عند وعده وعند عهده فسلَّم البيت، طبعاً أخذ مهلة ستة أشهر، جاءت بمحام ووقع عقد، المحام رتب العقد قال لي بالحرف الواحد: بعد أن وقعت هذا العقد قال لي محاميها: أمجنون أنت، أصبحت في الطريق.
 والقصة طويلة جداً، لكن ملخصها: أن الله جل جلاله، بشيء لا يصدق خلال ستة أشهر رزقه بيت أفضل من ذلك البيت بعشرات المرات، وفي بناء عمله، أي مكان عمله في نفس البناء، والبيت صحي وواسع، فبعد حين سأل عن السر، فقيل له: إن هذه المرأة صاحبة البيت لها ابنةٌ عانس، فجاءها خاطبٌ وقد فاتها قطار الزواج، جاءها خاطب جيد لكن لا بيت له، فقالت لأمها: قولي لفلان أيعطينا البيت ؟ قالت: والله أحاول، فلما حاولوا معه هذه المحاولة رضي، أعطاهم البيت، ذهبت ابنتها إلى العمرة، وكانت هذه الابنة طوال العمرة تقول: يا رب وفق فلان إلى بيتٍ خير من بيتنا، لأنه حل مشكلة كبير جداً، الخاطب موجود ولكن بيت لا يوجد، وهذه فاتها قطار الزواج، وتعلَّقت بهذا الزواج، هو لبى هذه الرغبة، وسلم البيت، القصة غريبة جداً، أنا سمعتها منه ودعانا إلى عشاء في البيت تكريماً فرحاً بهذه المناسبة، وقال لنا: أنا ستة أشهر كنت مستأجر صرت مالك، وبيت أفضل من بيتي بعشرات المرَّات، لكن تفاصيلها غريبة جداً الله فتح عليه وأمن البيت.
 أن إنسان يحل مشكلة إنسان والله ينساه ؟! هذه مستحيلة، تحل مشكلة والله يتخلى عنك، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه إذاً:

 

 

(( من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخر، ومن ستر على مسلمٍ في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخر"))

آخر حديث في هذا الباب: عن أبي عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عيله وسلم قال:

 

 

(( المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، مَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه بها كربةً من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ))

 هذا هو الدين يا إخوان، الدين أعمال، الدين مواقف، الدين أخلاق، الدين خدمات، الدين تعاون، الدين تعاضد، الدين حل مشكلات، والله عز وجل كما يقول الناس أكرم الأكرمين، أنت تتكارم الله أكرم منك، تعطي الله يعطيك، وكل واحد يعطي له مع الله تاريخ، يحكي لك مائة قصة، كنت في ضائقة، والله حدثني أخ قال لي: والله معي مبلغ بجيبي ليس معي سواه، تقريباً مئتين ليرة، طلع من المسجد وجد شخص بحاجة لمساعدة، طبعاً ليس متسول، أخ يريد منه قال له: معك هذا المبلغ ؟ وهو ما معه غيره، صار معه تردد: شعرت وقع بنفسي أن يا عبدي في مرة ما عوضنا عليك، فدفع المبلغ فوراً، الله عز وجل بنفس اليوم عوض عليه، بنفس اليوم، ما نقص مال من صدقة، أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً، عبدي أنفق أنفق عليك، أنت حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، وفي بالإنفاق لذَّة لا يعلمها إلا مَن نفق.
 وحتى ربنا عز وجل يذوقنا طعم الإنفاق، أمرنا جميعاً في رمضان أن نتصدَّق ولو كنا فقراء، الذي يملك قوت يومه، الذي عنده بيضتين مسلوقتين فقط، وجبة طعام، عليه أن يدفع زكاة الفطر، من أجل ماذا ؟ من أجل أن يذوق طعم الإنفاق، أن يذوق طعم الإنفاق، والإنفاق أبوابه واسعة جداً ؛ في إنفاق طعام، في إنفاق أموال، في إنفاق مساعدات.. إلخ فهنيئاً لمَن كان عمله في مساعدة الآخرين، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018