بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 114 - رمضان دورة لما بعد العيد .


1999-01-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... نتابع تفسير سورة البقرة إن شاء الله بعد العيد، وجدت من المناسب أن يكون هذا الدرس في موضوعٍ متعلِّقٍ بعيد الفطر السعيد.
 أيها الإخوة الكرام... ذكرت لكم من قبل أن الشيطان حينما يأتي على ابن آدم يأتيه من أبوابٍ متدرجة، يبدأ بِحَمْلِهِ على الكُفر، فإن كانت عقيدة الإنسان قويةً انتقل إلى بابٍ آخر يَحْمِلُهُ على الشرك، فإن كان توحيده قوياً انتقل معه إلى بابٍ ثالث ألا وهو حَمْلُهُ عن الابتداع.
والابتداع الآن رائجةٌ سوقه، أي أن هذا الحكم غير معقول، وهذه الآية يجب أن نغيِّر مفهومها، وهذه السنة النبوية هذه بنت وقتها ولوقتها، ولا تصلح لهذا العصر، فحينما يستعصي على الشيطان أن يحمل الناس على الكفر لسلامة عقيدتهم، ويستعصي عليه أن يحملهم على الشرك لقوة توحيدهم يأتيهم من باب البدعة، فهذه قضية منطقية، وهذه فيها إنجاز حضاري، وهذه أمة، والمرأة نصف المجتمع، والأموال المجمدة يجب أن تأخذ فوائد، وكأن الله عزَّ وجل غاب عنه هذا العصر، شَرَّعَ لعصر الصحابة، أما معطيات هذا العصر لم تدخل في حسابات القرآن، فلذلك الابتداع بابٌ كبيرٌ من أبواب الشيطان.
 فإن استعصى على الشيطان باب الابتداع، ينتقل إلى الكبائر، الكبائر، تَحْجُبُ عن الله عزَّ وجل، فإن استعصى عليه أن يفعل كبيرةً طَمَّعَهُ في الصغائر، الصغائر: لم نفعل شيئاً، لمم، استغفر الله عزَّ وجل، تجد المؤمن أو المسلم في هذه الأيام لا يزني فالزنا كبيرة، لا يسرق السرقة كبيرة، لا يقتل القتل كبيرة، لكن يجلس مع امرأةٍ لا تحلُّ له، ينظر إلى مناظر لا تحل له، يأكل في المال بشكل غير مشروع، يقول لك: فيها فتوى وبمصر أفتوها، فلما الإنسان يصل للصغائر حجب بها عن الله عزَّ وجل، الحديث الصحيح:

(( لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار))

بدأ معه بالكفر، بالشرك، ابتداع، كبائر، صغائر، استعصى عليه لوَرِعه !
 الآن في المباحات، يشغله في دنياه، كل طاقته، وكل وقته، وكل إمكاناته في بيت، في مزرعة، في تجارة، في معمل، كل طاقته وكل وقته، فلو جاءه ملك الموت لا يوجد معه شيء، لقابل الله صِفْرَ اليدين، المباحات أيضاً خطيرة، الإنسان له رسالة، له مهمة، وأنا أقول دائماً: العمل الذي يأخذ كل وقتك ولا يسمح لك أن تعرف الله، ولا أن تحضر مجلس علم، ولا أن تأمر بمعروف، ولا أن تنهى عن منكر، ولا أن تتلو القرآن، ولا أن تربِّي أولادك، هذا العمل خسارة كبيرة جداً لأنه ألغى وجودك، الله عزَّ وجل قال:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

(سورة الفرقان: من آية " 63 " )

 مع أن النبي لم يكن يمشي هونا، كأنه يَنْحَطُّ من صَبَب، كان يسرع في مشيه، سيدنا عمر كذلك، " كان إذا سار أسرع، وإذا أطعم أشبع، وإذا ضرب أوجع، وإذا قال أسمع "، يمشون هوناً أي لا يسمح للدنيا أن تأخذه، لا يسمح للدنيا أن تستهلكه، معظم الناس يعمل عمل شاق إلى أن تلصق نعوته على الجدار، لا يعرف آية من حديث، حكم شرعي لا يعرف، لا يعرف شيء عن الدين، أما بالعمل درجة أولى، فهذه المباحات ولو أنها مشروعة، ضمن الشرع، لكن نسي الله معها، فالمباحات أحد أبواب الشيطان على المؤمنين، فهو إما في البيت، أو في التجارة، أو في المصنع، أو في العمل، لدرجة الإتقان الكامل، لدرجة أن وقته ليل نهار.
رأيت شخص زرته، شاري بيت بمائة وستين مليون بدمشق، عنده معمل من الساعة الرابعة فجراً بالمعمل، يأتي أول إنسان ويذهب آخر إنسان، ليله نهار عمل مستمر، فهذا لو جاءه ملك الموت، لا يسمح له العمل أن يقرأ القرآن، ولا أن يعرف الله، ولا أن يعمل عملاً صالحاً.
فأنا دقيق بكلامي، بدأنا بالكفر، فالشرك، فالابتداع، فالكبائر، فالصغائر، فالمباحات، فإذا لم يتمكَّن شخص فقير، الآن بالتحريش بين المؤمنين، هنا المشكلة، تجد المؤمنين متخاصمون، متنازعون، متحاسدون، من فعل الشيطان، ضمن الأسرة الواحدة، ضمن الحي الواحد، ضمن القبيلة الواحدة، ضمن العَشيرة الواحدة، ضمن الإسلام، ضمن الدعوة إلى الله، تجد مهاترات، وتكفير، واتهام بالشرك، واتهام بالكفر، وطعن بالعلم، وحسد والعياذ بالله، ما هذا الإسلام ؟ هل يغري هذا الإسلام أحد أن يأتي إليه ؟ كم من مسلمٍ عرف الله في بلاد الغرب فلما جاء إلى بلادنا قال: " من نعم الله الكبرى أني عرفت الإسلام قبل أن ألتقي بالمسلمين، لو التقيت بهم لما أسلمت أساساً ".
 فأنا أريد ونحن مقبلين على العيد، هذه الخصومات بين الأسر، هذه العداوات، هذا الكبر، إذا كل إنسان عاهد ربه في هذا العيد أن يحل مشكلة، يعمل جرد لعلاقاته، إنسان في قطيعة نزوره، لعل الزيارة تُلغي هذه القطيعة، إنسان في عنده شيء بقلبه نعمل له هدية، لعل هذه الهدية كما قال النبي تذهب بوحل الصدر، إنسان أسأنا له بكلمة نعتذر، لعل هذا العذر يقيم جسر بينك وبينه، حسن العلاقة مع الناس أساسية من أجل حسن العلاقة مع الله.
فأنا أتمنى على إخواننا الكرام.. شيء ذكرته بشكل سريع البارحة، وألمحت له إلماح سريع بالخطبة.. لكن نحن في عيد، فالإنسان يعمل جرد لأقربائه يجب أن يزورهم واحداً واحداً، نحن بالمناسبة إخواننا الكرام مع بعضنا بعضاً كل السنة، كل السنة نتقابل في الخطبة، والجمعة، ودرس  الجمعة، وسبت وأحد واثنين، لذلك عملنا حل، حل طيب، نلتقي مع بعضنا في القاعة الشرقية ثاني يوم العيد، من الساعة العاشرة صباحاً إلى الساعة العاشرة مساءً، مع راحة ساعتين أثناء الظهر، هذا اللقاء يحل مشكلة الزيارات، فالذي تجلس معه كل أسبوع ثلاثة أو أربع مرات، هذا تألفه، أما هذه الأخت التي تسكن بمنطقة منين، أخت بالمخيم، أخت بيبرود، هذا العيد مناسبة أساسية كي تزور أرحامك، أن تتفقد شؤونهم، أن ترعى أولادهم، هناك أولاد لا يعرفون أقرباءهم، فحاول أن تعمل علاقات بالعيد، والعلاقة تبدأ بزيارة، وتتابع بتفقد الأحوال وأن تسألهم: كيف أولادك يا أختي، أخ لي أخت فيسألها: أولادك، مدارسهم، وضعهم بالمدرسة، علاماتهم، ماذا يعملون بالصيف ؟ اسأل.
 فأنا أفاجأ أحياناً لوجود إنسان لا يوجد لديه معلومات عن أقربائه إطلاقاً، كأنه في قطيعة معهم، تجده يلبي دعوات للكبراء، ويهمل صلة الرحم، مع أن في السنة النبوية الصحيحة أكثر من ثلاثين حديث صحيح، توعِد قاطع الرحم بالنار، فأنا أقول مثلاً: أختك، فالشخص العادي أنت له وغيرك له، أما أختك من لها غيرك ؟
 أعرف رجل يوم الجمعة يأخذ معه كيلو فول ويطرق باب أخته ويقول لها: نكسر السفرة عندكم، هل تعلم ما معنى هذا العمل ؟ فماذا كلّف هذا الكيلو من الفول ؟ مبلغ بسيط جداً لكن جعل ألفة، جعل ود، نظر إلى أولاد أخته، زوج أخته، معنى هذا أن أخته ليست هيِّنة على أهلها، فلها من يتفقَّدها.
 فأنا الذي أتمناه عليكم ونحن مقبلون على شهر، على عيد الفطر السعيد، يكون عيد مناسبات لصلات اجتماعية، ممكن تكون أنت شيخ أسرتك، كل إنسان له درس علم، هذا نافذة إلى السماء، فأنت هنا واحد من آلاف، أما أنت عند أهلك، أنت شيخهم، أنت النافذة الوحيدة إلى السماء، أنت تلميذ الجامع الفلاني، تعالى يا أخي أسألك هذا السؤال: إحكي لنا عن هذه الآية، عن هذا الحديث، عن الحكم الشرعي، فأنت من دون أن تشعر، يمكن أن تكون مُنقذ لمن حولك، فكل واحد له مجلس علم، له طلب علم، يُعَد شيخ على من دونه، فأنت أمام عمل عظيم عظيم عظيم ممكن تحصل منه على خير كبير وهو أن تتابع أقرباءك.
 قصة ذكرتها كثيراً لكنها مناسبة جداً، مرة أخ كان عند أخته رأى في خصومة بين أخته وزوجها، طالبة منه ثلاثمائة ليرة بالشهر مصروف كسوة لها ولبناتها، فرفض الزوج لأنه موظف دخله محدود، فقال الأخ لأخته: المبلغ خذيه مني، كل شهر أطرق الباب وأعطيهم الثلاثمائة ليرة، بدأت معهم من هنا، قال لي: بعد ستة أشهر طلبت أختي مني درس أسبوعي لبناتها، بعد شهر أحضرت بنات أخوتها كذلك، أي كل أولاد أخوته، عملت درس، عملت عليهم شيخ، أحضر لهم آية، وحديث، وقصة، هذا اللقاء الأسبوعي تحجبوا أكثرهم، وزوجنا ثلاثة منهن من شباب مؤمنين، قلت: سبحان الله، بدأت بثلاثمائة ليرة بالشهر انتهت بدعوة إلى الله.
 فالإسلام فيه نظام عجيب، نظام الضمان الأُسَرِي، كل أسرة بأسرتها، ابحث عن أقرباءك، عن أولاد أخوك، أولاد أختك، بصراحة أقول لكم كلمة دقيقة: إذا أنت لبَّيت دعوة الأغنياء والكبراء هذا من الدنيا، مدعو لعشاء ثقيل جداً، مدعو لحفلة في فندق فخم، أما حينما تلبي دعوة الفقراء، والله هذا من عمل الآخرة، صدقوني مرة لبيِّت دعوة عقد قران بقرية من قرى ريف دمشق، يبدو أن التقليد هناك العقد يتم بالطريق، واضعين كراسي وقاطعين الطريق، والضيافة كأساً من الشاي، وأنا الذي أذكره أن أكثر من ثلاثين أخ التحق بجامعنا من وراء هذا العقد، ألقيت كلمة، ومرة حضرت عقد بأحد أحياء دمشق الغنية، والله لم أستطع أن أتكلم كلمة، كل الطرق مسدودة، ليس في وجه يفتح نور أساساً، العبرة لا بالفخامة، العبرة بالطيب بالقرب من الله عزَّ وجل.
 أنا أتمنى، نحن ممكن أن نكمل تفسير الآيات في هذا الدرس ولكن نحن مقبلون على عيد، هذا العيد مناسبة لعمل صلة مع كل أقرباءك، تتفقدهم واحد واحد، لازم تتفاجأ، فلن تجد في أول الأمر استجابة، ستجد أحياناً سخرية، ستجد صَد، ستجد تعليقات لازعة، هذه المؤمن يتحمل في سبيل الله، واحد يقولون أنه شيخ، أنا والله لا أعرف اسمه، لكن سمعت عنه سماعاً، دخل إلى محل تجاري يجمع لأيتام، يبدو أن صاحب المحل قاسي جداً وغير منضبط وفظ، قال له: نريد شيء لهؤلاء الأيتام فبصق بيده، قال له: هذه لذقني نريد شيء لله، فوقِع على الأرض صعق، أعطاه مفتاح الصندوق قال له: أستحلفك بالله أن تأخذ ما شئت دون أن تعلمني كم أخذت، حجَّمه.
 مِنْ إخواننا مَنْ يجمعون للأيتام، ولجمعيات، أنا أكبرهم كثيراً، لأنه ليس من السهل أن تبذل ماء وجهك، ففي شخص لا يقبل، أنا ليس بحاجة، أنا مكتفي، لكن هم أناس كرماء ومن أسر عريقة، وهم أغنياء يقفون ويذهبون من محل لمحل، من معمل لمعمل، يطلبون لهؤلاء الذين يموتون من الجوع، لولا التكافل الاجتماعي لانتهى المجتمع، فهناك من لا يجد ما يأكل والله، والله في أشخاص لا يذوقون اللحم في ستة أشهر، أنا أعرف ذلك، لي صديق وقف أمام بائع فرّوج، واقفة حُرمة طلبت منه كيلو رجلين دجاج، هذه يأكلها الكلاب فقط، تغليهم وتعمل مرقة منهم وتعملهم لأولادها، أناس يكادون يتخمون من الأكل، وأناس لا يجد ثمن فروج يأكله.
 فكلنا محاسبون نتفقد بعض، ولا سيما المؤمنون، إنسان مستقيم، مؤمن، طاهر، لكن الطرق مسدودة الآن، في طرق كثير مسدودة، لا يوجد عمل، في كساد، فالعيد مناسبة لعمل صالح كبير، مناسبة تتفقد، إذا كل واحد تكفل بأهله، بأقربائه، لذلك في حكم شرعي: " لا تقبل زكاة مالك إذا كان من حولك محتاجون إليه " والعطاء للأقارب عصفورين بحجر؛ صدقة وصلة في وقتٍ وحد، أنا والله أتمنَّى وأعتز ببعض الإخوة يقول لي: لا يوجد واحد من أسرتي محتاج، يتفقد الكل، إذا كل إنسان يتفقَّد أفراد أسرته، شباب، زوَّج البنات، أمَّن أعمال للشباب، اشترى بيوت للشباب، في أُناس في بحبوحة تقريباً، فقد آن الأوان نفكِّر بهؤلاء الشباب، فنحن على مشارف العيد.
 دعيت مرَّة لعقد قِران، وقف الخطيب قائلاً: الهدية التي يمكن أن تقدم لكم ثمنها ألف ليرة، والأخ داعي ألف شخص، فالمبلغ مليون أودعه مع أحد العلماء كي ينفق على تزويج الشباب، أنت سوف تأخذ زبدية تضعها في الخزانة، أصبح لا يوجد عندك مكان، وليس لها طعمة، وهي واحدة لا يوجد لها مثيل، فشيء استهلاكي، استعراضي، لو بمليون زوَّجنا الشباب، لو كل عقد قِران فهذه الهدايا تلغى، مرة حضرت عقد قِران أشياء وزَّعوها بمليون ليرة، فالإنسان يتألم.
 فهذا العيد مناسبة لصلة الرحم، لتفقد الفقراء والمساكين، إعطاء المحتاجين، أن تعلو البسمة أوجوه الصغار، أن تزيد المودَّة، أحياناً يدخل أخ يمتِّن علاقة أخته بزوجها، يمكنها، وفي إنسان شيطان يخرب هذه العلاقة، فكلما كنت أقرب للإيمان متَّنت هذه العلاقات، تمتين العلاقات مهم جداً، وهذا قول " ما عبد الله بأفضل من جبر الخواطر "، وبعد ذلك في نقطة مهمة، لماذا الشرع أَلَحَّ على صلة الرحم ؟ أنت لا تعرف مقدار السعادة التي تَغْمُر الزوجة حينما يأتي أخوها لزيارتها، أمام زوجها، أمام أولادها، الذي ألفناه أن نحن مع بعضنا على طول، طوال السنة، بالعيد للأهل، العيد للأقارب، العيد للأرحام، العيد اعمل فيه وليمة لمن حولك من الفقراء، النبي الكريم يقول:

 

(( أفضل الإسلام بذل الطعام ))

 الطعام يؤلِّف القلوب، يقرِّب الأشخاص، يجمع الناس، فممكن تعمل طعام، إطعام الطعام محل الأعمال الصالحة، التوجيه، ما الذي يمنع يكون لكل واحد منكم درس أسبوعي لأقرباؤه، إخواته، أولاد إخواته، سهرة، هذا الكلام الفارغ، لو أمضيت هذه السهرة في ذكر الله، في تلاوة صفحة من كتاب الله، في التعرف إلى سيرة رسول الله، إلى أحكامه الفقهية، إلى سنته القولية، فكثير من الأسر الآن لهم جلسات علم.

 

 

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾

 

( سورة الرعد )

 فهذا العيد له مهمة كبيرة، الصلة، تبدأ بالزيارة، والتفقد، والمعاونة، والدعوة إلى الله، هذا ملخص اللقاء، زيارة أولاً، ثم تفقُّد الشؤون، ثم مساعدة، ثم دعوة إلى الله، والإنسان يكون كبير له أخت فقيرة زوجها فقير، لما الكبير يزور الفقير لا يصغر بل يكبر أكثر، لكن الشيطان يوحي لأعوانه: أن هذا البيت ليس من مستواك، أنت أكبر بكثير، أنت يجب أن تزور أناس كبراء من مستواك، أما حينما تزور أُناس فقراء، ضعاف، وتملأ قلبهم سعادةً هذه من نعم الله الكبرى، لذلك " لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما لا ترى له "، فهذا لا تصاحبه، الإنسان ليس قابضك، صاحب إنسان يعتزّ بزيارتك، صاحب إنسان يقدِّر مجيئك لعنده، صاحب إنسان في تناغم بينك وبينه، في مبادئ مشتركة، في قيم مشتركة، هذا الكلام أتمنى أن يكون واضحاً لديكم، ممكن يكون العيد مجال لعمل صالح كبير.
 الشيء الملاحظ وجود التدابر بين الناس، مرة دخلت لبناء بحي ركن الدين، لي صديق بالطابق الثالث، طرقت بالخطأ على الطابق الثاني أو الرابع، لا يعرفونه، فلما التقيت فيه قلت له: هل يعقل أن جارك الأدنى والأعلى لا يعرف من أنت ؟ قال لي: هذا الواقع، ناس متقاطعون، فأسمع من بعض الإخوة الكرام المعمِّرين: إذا واحد دخل لحي من أحياء دمشق معه ضيف، فيفوت للبيت خمسين صحن طعام لأن جارنا معه ضيف، الضيف يُدْهَش، من أين هذا الطعام ؟ لمجرد أن تأتي إلى البيت ومعك ضيف انتبهوا الجيران، كل واحد قدَّم صحن من الأكل
 لفترة قريبة في نوع من تقديم الطعام فيما بين الجيران كل واحد من طبخته يقدم صحن لجاره وجاره بالمقابل، في تنويع من الطعام، لقبل فترة إذا الإنسان لم يصل الفجر بالجامع يزورونه، معنى ذلك أنه مريض، تجد بناء اثنا عشر طابقاً وكل طابق ثمانية شقق، تجد بالجامع سبع أشخاص في صلاة الفجر فقط، في أحياء كل بناء اثنا عشر طابقاً لتحت لعند ساحة أمية، كل بناء اثنا عشر طابقاً أين الجماعة ؟ لا يوجد أحد، من ضعف الالتزام.
 فيا أيها الإخوة... معلومات موجودة، كتب في، دراسات في، أشرطة في، مجامع علمية موجود، مؤتمرات في، كل شيء في، ولكن لا يوجد هذا الود، أين المؤمنين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، أين هذا ؟ دائماً أنت ابحث عن نقاط اللقاء وليس نقاط التناقض، الإنسان الذي مع الشيطان قنَّاص، الذي ماشي مع الشيطان قنَّاص يبحث عن العيب، أو زبال، أين يجد زبالة يأخذها، يعملها مجمَّع قمامة، هو صار مجمع قمامة، قنَّاص، أينما وجد خطأ يلقطه، يكبِّره يشيعه بين الناس، المؤمن بالعكس ستِّير، يتجاوز الخطأ ويكبر المعروف، كل إنسان فيه عنصر خيِّر، فيه عنصر إيجابي، فيه عنصر طيِّب، أنت خذ الطيب وكبِّره، لما يظهر الطيب يطغى على الخبث دائماً.
 نحن إذا كان أخذنا بالسنة على حساب البدعة، إذا أخذنا بالبدعة على حساب السنة، في مساحة محدودة، كلما زادت مساحة السنة فيها ضاقت مساحة البدعة، وكلما زادت مساحة البدعة ضاقت مساحة السنة، فالإنسان لا يمشي مع هوى نفسه، هوى نفسه أن يجلس مع الكبراء أمثاله، هوى نفسه يزور أشخاص من مستواه، مستوى رفيع، أما الشرع يأمرك أن تزور الضعفاء والفقراء والمساكين.
 حتى على مستوى ضمن بيته، يكون عنده ابن شاطر وحسن الصورة وذكي، وله ابن ثاني لم يعطهِ الله عزَّ وجل مثل الأول، فإذا اهتم بالأول دائماً تألق ولكن فالثاني ينشأ للثاني عقدة كبيرة جداً بنفسه، أما حينما يهتم بالاثنين معاً عندئذٍ ينشأ نوع من الود، كان عليه الصلاة والسلام يضع سيدنا أسامة بن زيد، أنتم لا تعرفون من هو أسامة بن زيد، عبد أسود أفطس الأنف، يضعه على رجله اليمنى، ويضع الحسن على رجله اليسرى، ويضمهما ويشمهما ويقول

 

(( اللهم إني أُحبهما فأَحبهما))

 فالإنسان يجب أن يكون قلبه واسع للكل، لطيف مع الكل، فأنت ممكن لك أن تكون أكبر داعية وأنت صامت، الدعوة ليس كلها كلام أو حكي، زيارة الأرحام دعوة إلى الله، تنتهي بالهداية، أحياناً المساعدة المادية دعوة إلى الله، أحياناً الاهتمام دعوة إلى الله، أحياناً تكتب رسالة، تتصل بالهاتف، لها معنى كبير، فكثيراً تجد إنسان شكرك على اتصال هاتفي، معنى ذلك أنك متذكِّره، داخل ببرنامجك، العيد مناسبة لعبادة من نوع آخر، عبادة جبر الخواطر، العيد مناسبة أن كل إنسان يكون في بسمة في وجهه.
 في لنا إخوان كرام أحبهم والله لهم ترتيب بالعيد، لا يقدموا صدقة الفطر خمسين ليرة على الواحد، تجدهم يحضرون 2 كغ من اللحم، وعلبة بازلاء، و2 كغ أرز، وتنكة سمنة صغيرة، فهذه الكمية يعمل أكبر طبخة، تكفي أكبر أسرة في خلال أربعة أيام، قدَّمت للفقير شيء يأكله، الآن تجده يدفع الفطرة كيفما كان ويلقيها ويخلص منها، كيف ما كان، الحد الأدنى لا يكفي خمسين أستاذ ؟ يكفي، الفطرة أن تغني الفقير عن السؤال في العيد، طعمةٌ للمسكين وطهرةٌ للصائم من اللغو الرفث، فلو كلمة تكلم بها غير مقبولة، الله عزَّ وجل بهذه الفطرة غَطَّاها لك.
على كلٍ أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بهذا اللقاء لأن أساسه أن نحسن العمل في العيد، والعيد نحن عندنا كمسلمين والفضل لله عزَّ وجل، عيدنا كله طاعات، في أعياد الأمم الأخرى معاصي، العيد معصية، العيد زنا، العيد خمر، العيد تفلُّت، العيد فيه يصيرون كالبهائم الفلتانة، فالأمم الشاردة البعيدة عنا والعياذ بالله أعيادهم تفلت، لكن والحمد لله نحن أعيادنا طاعات، أعيادنا صلاة العيد، أحياناً صلة الرحم، أعيادنا تفقُّد بعضنا البعض.
 أيها الإخوة... في كلمتين قبل أن أنهي الدرس، الدرس لن أطيله عليكم فهذه أيام فيها إحراج كبير، أول نقطة نحن كالعادة نعطِّل أسبوع بعد العيد، نحن الآن درس الجمعة آخر درس، الأسبوع القادم ودرس السبت والأحد والاثنين عُطلة، نأخذ نحن جمعة استجمام بعد رمضان، فأكثركم الصبح جاء على الفجر والظهر بالطاووسية، والعصر بالأحمدية، والعشاء بالنابلسي، ثلاثين يوم أصبح لكم إشباع، فنحن نريد أن نأخذ استجمام حوالي أسبوع من الزمان في عندنا عطلة كاملة تبدأ من يوم الجمعة القادم إلى نهاية الاثنين، نبدأ مجموعة دروس كاملة في الأسبوع الذي بعده ويكون يوم تسعة وعشرين يوم الجمعة.
 النقطة الثانية مثلما تكلمت قبل قليل: نحن عندنا لقاء بالمسجد وفي القاعة، والضيافة موجودة، وعندنا لقاء معايدة بالجامع محصورة، كلنا يعفي بعضنا البعض من زيارة البيوت، لأن نحن مع بعضنا كل السنة بكاملها، كل السنة مع بعضنا، فلكي نؤدي زيارة العيد نحن عندنا لقاء بهذه القاعة الشرقية، إن شاء الله ثاني يوم العيد من الساعة العاشرة صباحاً إلى الساعة العاشرة مساءً، مع ساعتان استراحة وقت الظهر من الساعة الثانية إلى الرابعة إذا أمكن، فهذا الوقت كله يأتي الأخ يشوف إخوانه ويسلم ويمشي، وإذا كان أحضر معه ابنه ننسر أكثر، ونؤمن له هدية له عيدية وله أكلة طيبة، لأنني أريد ابنك أن تأخذ رجله على المسجد، فينظر إلى المسجد على أنه شيء محبب، يهمنا الصغار كثير جداً، فكل واحد عنده ابن يأتي به أيضاً، يعرفه على الجامع،.
 أنا مرة من سنتين من عادتنا أن نعمل عيدية للطفل وعيدية، فقال لي أب من الآباء: رجعت إلى البيت أنا بغرفة النوم وجدت ابني يتكلم مع أمه قال لها: والله يا ماما هذا الشيخ حبيِّته، أريد أن أتي عنده على طول، الطفل عبد الإحسان قطعة حلو وعشر ليرات جديدة، هذا الطفل وهذا هو عالمه، فأنا أحب ابنك أن يكون قبلك، يكون معك دائماً لأن ابنك هو رجل المستقبل، أما أنت الله يوفقك بهداية ابنك معنى ذلك أنَّك حققت عمل كبير لأن:

 

 

(( أفضل كسب الرجل ولده ))

 فنريدك أنت وأولادك بالعيد إنشاء الله، واللقاء ثاني يوم يكون على أقدر التقدير يوم الثلاثاء إنشاء الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018