بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 115 - بعض الحكم العطائية2 - بَسَطَكَ كي لا يبقيك مع القبض وقَبَضَك كي لا يتركك مع البسط.......


1999-02-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الحكمة أن يعرف الإنسان سرّ وجوده :

 أيها الأخوة الكرام، انطلاقاً من قول الله عز وجل:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 الحكمة أن تعرف الحقيقة، والحكمة أن تعرف سرّ وجودك، وأن تعرف لماذا أنت في الدنيا، وأن تتاجر مع الله، وأن تكسب الدار الآخرة، وأن تزكي نفسك، وأن تسعد بربك، كلمة جامعة مانعة، ولأن خالق الأكوان يقول لنا:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 ولأن خالق الأكوان يقول لنا:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة النساء: 77 ]

 فلو ملكت البلاد وجاءك ملك الموت فلابد من مفارقة الدنيا.

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة النساء: 77 ]

الحكم العطائية من أجَلِّ الحِكَم :

 لذلك فإنَّ الأنبياء كُتِب عليهم الموت، وإنّ المؤمنين والكفار كتب عليهم الموت، لأن الموت مغادرة، فالبطولة أن يكون لك عند الله ما بعد الموت حظٌ كبير، فمن يؤتى الحكمة يعمل للدار الآخرة، والكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
 لقد اشتهر في العالم الإسلامي الحكم العطائية، وهي في الحقيقة من أجَلِّ الحِكَم، وقد درّستها قبل سنوات عديدة، وأخ كريم تمنى عليّ أن نقف وقفة عند بعض حكم ابن عطاء الله السكندري، الحقيقة أنّي تصفحت هذه الحكم، واخترت لكم بعضها.

البسط و القبض :

 بعض قوله: "هذه الحكم بَسَطَكَ كي لا يبقيك مع القبض، وقَبَضَك كي لا يتركك مع البسط، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه ".
 فالإنسان تعتريه أحوال، وفي بعض الأحيان يشعر بانشراح وامتداد وسرور وطمأنينة، والحديث عن المؤمنين، وعن طلاب العلم، عمن يطلب ويرجو الله واليوم الآخر، فأنا أخاطب طلاب علم، وأخاطب رواد مسجد، و أخاطب أناسًا إن شاء الله لهم باع طويل في معرفة الله، فالحديث ليس عاماً، بل هو خاص بالمؤمنين، ففي بعض الأحيان تشعر بانشراح وامتداد وتألق وطمأنينة وسعادة، وأنتَ أنت، وأنت مستقيم، وتؤدِّي عباداتك كلها، وأنت وقّاف عند كتاب الله، وأنت مطبق لمنهج الله تشعر بالقبض فما الذي حصل؟ الذي حصل هو أن الله سبحانه وتعالى ربّ العالمين، فلو أن هذا الانبساط استمر، فالانبساط من لوازمه أن تضعف عبادة الإنسان، وأن تضعف همته، وأن يكسل عن بعض الطاعات، ويأتي الانقباض.
 فالله عز وجل يتجلَّى تارة باسم الجليل فتنقبض، ويتجلى تارة باسم الجميل فتنشرح، فقد يأتي القبض، وقد يأتي البسط، والحقيقة أن الله عز وجل يريدك أن تكون معه، لا أن تكون عبدًا للأحوال، فيجب أن تقدم له الأعمال، أمّا الأحوال فمرَغِّبة معينة أحياناً، ولكن ليست مقياساً، والعلم حَكَم على الحال، فبسطك كي لا يبقيك مع القبض، فالله حكيم، ولو استمر القبضُ لضجر الإنسانُ، يأتي القبض فيضيق الإنسانُ به ذرعاً، فيأتي البسط فيرتاح، ولو استمر البسط نحن لسنا كالصادقين والأنبياء المقربين لا، فنحن حينما نرتاح نضعف، وقد كان عليه الصلاة والسلام يصلي الليل حتى تتورم قدماه، ويمضي النهار في الدعوة إلى الله.

((عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ))

[ مسلم عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ]

 فأحدنا إذا عمل عملاً صالحاً، أولاً: يعلن عنه كثيراً، ويملأ الدنيا صخباً، ثم يرتاح بعدها راحة عفوية، وقد كان عليه الصلاة والسلام يجهد النهار ويجهد الليل ويقول:

((..أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ))

[ مسلم عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ]

 فربنا عز وجل يعالجنا بالقبض والبسط، فإذا تبحبحنا يأتي القبض، وإذا كدنا نيئس يأتي البسط.

 

مهمة الإنسان في الحياة الدنيا :

 أنت ما مهمتك؟ مهمتك أن تعبده وأن تدع أمر القبض والبسط إليه، والدليل على ذلك أن الله عز وجل يقول:

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر: 66]

 فهذه مهمتك، ارتَحْ وأَرِحْ، فأنا عليّ أن أطيعه، وهو ليفعل بي ما يشاء، فهو رحيم وحكيم وعليم وقدير، وأنا عليّ أن أطيعه، وتمثلوا قول النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف:

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، لمن تكلني؟ إلى عبد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ))

[الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

 ولا يوجد كلام أروع ولا أدق ولا أجمل ولا أعبق ولا أكثر أدبًا مع الله عز وجل من هذا الكلام! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، ولكن عافيتك أوسع لي"
 فإذا أعطاك فالحمد لله، وإذا منعك فالحمد لله، وإذا بسطك فالحمد لله، وإذا قبضك فالحمد لله، وإذا رفعك فالحمد لله، وإذا خفضك فالحمد لله، وإذا ضيّق عليك فالحمد لله، فهذا المؤمن الصادق، والله عز وجل الذي تحبه وتعبده وتؤثره وتشتاق إليه، فهذا الذي أنت فيه هو قراره، وقل مع الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولو كشف الغطاء لاخترتم الواقع، ولو أن كل إنسان انزعج من شيء ساقه الله إليه، ثم كشف الله له علم الغيب لمَا تمنَّى إلا أن يكون كما هو.

من استقبل مكروه القضاء بالرضا فقد عرف الله :

 مرة قرأت مثلاً دقيقًا، أب عنده بنت جميلة، عمرها اثنتا عشرة سنة، قطعة من الجمال والحيوية، تملأ البيت حبوراً، لو أنها ماتت فموتُها شيء لا يحتمل، وشيء مؤلم، لا سمح الله ولا قدر، ولو أن الله كشف له أن هذه إذا عاشت عمرًا مديداً كانت زانية، والأب صاحب دين ومؤمن ماذا يسأل الله؟ يا رب اقبضها، لو أن الله كشف لك ما سيكون لما أردت إلا ما هو كائن، ولا تمنيت إلا ما هو كائن، ولذلك استسلمْ دائماً، وعندنا حالة اسمها القبول، فالمؤمن يقبل واقعه، وهذا القبول مسعد، عبَّر عنه علماء القلوب بالرضا، فهو راضٍ عن الله، قال له: يا رب هل أنت راض عني؟ وكان وراءه الإمام الشافعي فقال له: هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك؟ قال له: يا سبحان الله من أنت؟ فقال: أنا محمد بن إدريس، قال: كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ قال له: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله.
 إذا كنتَ تستقبل مكروه القضاء بالرضا فأنت تعرف الله، فأنا لا أحب أن ينشغل المؤمن بالأحوال، فأحياناً تجد إنسانًا مشروحًا مسرورًا منبسطًا ممتدًّاً، يتكلم بطلاقة، وفي عينيه تألق، عينان زئبقيتان، وخده متورّد، وكلامه دقيق، ومرتاح، وأحياناً تجده كابتًا، فإذا اعتمر الإنسان، فربنا عز وجل لحكمة بالغة يذيقه أحياناً الانقباض، وهناك أمام رسول الله، وأمام سيد الخلق لا شيء أبداً، مثل الحائط، لقد كان قادمًا من باب عالٍ، ويقول في نفسه: أنا وأنا، وأنا لي أعمال صالحة، وأنا مؤمن، والآن سأبكي أمام رسول الله، ثم لا يبكي أبداً، بل ينكسر، يأتي في اليوم الثاني منكسرًا، يفتح الله عليه، فيقول لك: ذقت لقاء مع رسول الله لا أنساه حتى الموت، فأول يوم لم يتحقق اللقاء، فكان فيه اعتداد وانبساط، ومع الانبساط يوجد اعتداد، وفي اليوم الثاني أصيب بانقباض، ومع الانقباض وُجِدَ تذلل، فالله فتح عليه.

للنفس إقبال و إدبار :

 ولذلك الأحوال مسعدة، والانقباض صعب، ولكن الله يربِّينا عن طريق الانبساط والانقباض، وعن طريق البسط والقبض، والله عز وجل من أسمائه الباسط والقابض، يفهمون هذين الاسمين على أنهما بمعنى مادي، أي يعطي المال أو يأخذه، وهذا معنى مقبول، لكن هناك معنى أرقى فهو قابض، أي يقبض نفسك، فإذا هي تضجر، وباسط، أي يبسطها، فإذا هي تتألق، لقد بَسَطك كي لا يبقيك مع القبض، وقبضك كي لا يتركك مع البسط، وأنت له، أنت عبد الفتاح، لا عبد الفتح، وأنت عبد الله، لا عبد الأحوال، فإذا قام إنسان بخدمة كبيرة للمسلمين، وليس عنده أحوال، فسيدنا خالد كان يحارب ويفتح البلاد، وهو في أثناء الفتح منهمكٌ بوضع الخطط، ورسم الطرائق الناجعة لكسب المعارك، ويهتم لضعف العدد وقلة العُدد، فلا توجد الأحوال، ولكن توجد الهموم، وهذه الهموم مقدسة، أي أنت فوق الأحوال،! والأحوال يستمتع بها الأشخاص الذين ليس عندهم غير الأحوال، وهي مسعدة ممتعة، وبالتقريب إذا جلس إنسان في حمام وملأ الحوض ماًء فاترًا، واستلقى، فارتاح، فهو شيء مريح، ولكنه لا يصبح تاجرًا عقب هذا الاستلقاء، ولو أمضى كل يوم ثماني ساعات لا يكون عالمًا، والاستمتاع ليس له أيّة ثمرة، فلو أنّ إنسانًا كان هدفه الأحوال فقط دون الأعمال فلا يرقى عند الله، والذي يرفعك عند الله هو العمل، قال تعالى:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر: 10]

 ولكن لا مانع من أن الله عز وجل يربِّي هذا الإنسان عن طريق الأحوال، عن طريق القبض تارة وعن طريق البسط تارة أخرى، والإمام علي كرم الله وجهه يقول: "النفس لها إدبار ولها إقبال، فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل، وإذا أدبرت فاحملوها على الفرائض "، وفي حالة القبض يجب أن تحافظ على الفرائض، وفي حالة الانبساط ينبغي أن تسعى إلى النوافل، لكن هناك أشخاص إيمانهم ضعيف، فما دام في بسط فهو مرتاح، فإذا أصيب بالقبض تجده يقصّر، وحينما تقصر مع القبض فهذه بادرة غير طيبة إطلاقاً.

العارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا :

 لدينا حكمة أخرى متعلقة بهذه الحكمة الأولى، " العارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا " فمع الانبساط مزل القدم، وهذا الشيء يستنبط من أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن نفسه: جاءه جبريل قال: يا محمد أتريد أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً؟ فقال: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره "، ويبدو أن تلوين حياة المؤمن أكثر صلاحاً له من ثباتها على حال عالٍ، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره.
 والآن القوي والضعيف ، فالقوي إذا كان إيمانه عاليًا بقوة يصالح المسلمين، ولكن مع القوة توجد المزالق، ومع الغنى توجد المزالق، فإذا كان احتمال الانزلاق كبيرًا فالضعف أفضل من القوة، وإذا كان الانزلاق كبيرًا مع الغنى فالفقر أقرب إلى السلامة من الغنى، قال له: أتريد أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً؟ قال: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره، فالعارفون إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا، وأكثر الناس يتوهمون أن الصبر للفقير! لا، بل الصبر للغني، كيف؟ فالفقير ما الذي هو متاح أمامه؟ الدخل المحدود والبيت والعمل، فلو أنّ غنيًّا سافر إلى بلد غربي، ومعه الملايين فيتُاح له أن يفعل كل شيء، وأن يرتاد أي مكان، وأن يجلس في أي متنزه، وأن يدخل أي ملهى، وأن يلتقي مع أية امرأة في أي فندق متاح له، فإذا اكتفى بغرفته في الفندق، إلى مكتب العمل، وعاد إلى بلده وذكر الله كثيراً، فمن هو الذي يحتاج إلى الصبر أكثر؟ هو الغني، لأنّ المال قوة، والمال يتيح له أن يفعل كل شيء، وأن يأكل ما يشاء، وأن يلتقي مع مَن يشاء، وأن يسكن في أي مكان شاء، وهذه الحرية التي يتيحها المال تحتاج إلى صبر، فالقوي بإمكانه أن يظلم، ولو استفزه رجل لبطش به فوراً، لأنه قوي، فالقوي في أمس الحاجة إلى الصبر أكثر من الضعيف، وقد تجد أخًا مؤمًنا ملتزمًا تماماً متألقًا مرتاحًا، فإذا ازداد الحال معه، تجده إن رأى رجلاً مقصرًا يقول له: ماذا حصل لك؟ فهو يصاب بنوع من الاستعلاء، فهذا الحال فيه اعتداد، وغفلة عن الله عز وجل، فمع الغفلة أحياناً يأتي الانقباض، انقباض بحجمك.

 

الأدب مع الله عز وجل :

 قال لي أخ - وأنا أظنه صالحاً - والله اعتمرتُ عمرة وظننت أنني سأقف أمام النبي فأفنى من البكاء، واللهِ كنتُ كالحائط تماماً، في اليوم الثاني كُسِرت كسرًا شديدًا، فالله فتحها بوجهي، فالإنسان تحت رعاية الله فلا تقل: أنا، وتعتد باستقامتك، ومرة قال لي أخ: أنا لا أنتبه للفتيات، ولا أنظر إليهن و الحمد لله عندي قوة إرادة، قلت له: واللهِ هذا الكلام ليس فيه أدب مع الله، والذي فيه أدب هو الكلام الذي قاله سيدنا يوسف قال:

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾

[سورة يوسف:33]

 هذا كلام نبي كريم، فقد تجد إنسانًا ذكيًّا، ولكنه يرتكب حماقة كبيرة ، يُمَرّغ بالوحل من خلال لحظة ضعف ألمت به، ولذلك: العارفون إذا بُسِطوا أخوفُ منهم إذا قبضوا"، ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا القليل، مثلاً: مدير مؤسسة قرّب منه موظفًا زيادة عن غيره، وسهر معه سهرة، وذهب معه إلى نزهة وأكرمه، تجد الموظف يتمدَّد فيدخل من دون إذن أحياناً، ويجلس ويتكلم معه كلامًا فيه وحدة حال، فهذا الإكرام الزائد لا ينفعه لأنه تجاوز حدوده، ولو كان من المدير العام شدَّة لأخذ حجمه، وليس كل إنسان بالبسط يكون أديبًا، وحتى مع الله، فإذا بسَط اللهُ عز وجل للإنسان متَّعه بأحوال عالية، فربما اعتدَّ بهذه الأحوال، وظنَّ نفسه مقربًا، فاستعلى على الناس قليلاً، ولذلك قال ابن عطاء الله السكندري: "ربّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً، ولو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر، العُجْبُ العُجْب".

 

الحكمة من المنع و العطاء :

 والآن هناك حكمة مهمة، يقول ابن عطاء الله السكندري: "ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك "، كلام طيب ودقيق، فقد تجد مثلاً بلادًا تنعم بغنى كبير، ورفاهية كبيرة، والأمور ميسرة إلى درجة مذهلة، وكل شيء متوافر، فهذه الدنيا العريضة هي في الحقيقة حجاب بين هؤلاء وبين الله، وقد تجد مجتمعًا آخر في ضائقة، وهذه المشكلات تكون لهم دافعًا كبيرًا إلى الله، فالمجتمعات التي فيها قسوة وضعف، وفقر وشدة، تجد مساجدها ممتلئة، ودروس العلم عامرة، والناس ملتفتون إلى الله عز وجل، فما أدراك أن هذه الشدة التي ساقها الله لهؤلاء الناس هي سبب قربهم من الله؟
 وهناك رجلٌ عانى من أمراض كثيرةٍ طوال حياته، فيبدو بساعة مناجاة لله بدأ في نوع من العتاب، يقول: يا رب أنا لم أرتح يومًا في حياتي، فما الحكمة من ذلك؟ هكذا قال لي، توفي رحمه الله، قال: وقع في قلبي لولا هذا الحال لما كنت في هذا الحال، فكل رجل له ظروف نشأ فيها، وهذه الظروف هي أفضل شيء له، ولولاها لما كان في هذه الأحوال التي ينعم بها، وأحياناً ينشأ الولدُ يتيمًا، وليس معه ثمن طعام، فيدرس، ويأخذ أعلى شهادة، ويتألق ويعيش حياة كريمة، وهناك رجل قوي وغني، والابن ليس لديه الدافع ليدرس، وكل شيء موجود، سيارة، وبيت، وطعام، وشراب، ومال، يموت الأب فيصبح ابنَه وراء الناس في المؤخرة، فبربك هل اليُتم والفقر خيرٌ أم الغنى والدلال؟ إنّ الغنى والدلال جعله في المؤخرة، واليتم والفقر جعله في المقدمة، أليس كذلك؟ هذا معنى قول بن عطاء الله السكندري: "ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك ".

العاقل من ترك الأمر لله و استسلم لقضائه :

 واللهِ أيها الأخوة، ما مِن آية في القرآن الكريم تهز مشاعر المؤمن كقوله تعالى:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 216]

 دع الأمر لله عز وجل، واستسلم لقضائه، وارضَ بما أنت فيه، واقبَل واقعك، وقل: يا رب لك الحمد الذي أوجدتني، ولك الحمد الذي أمددتني، ولك الحمد الذي هديتني، "ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك "، ويوجد آباء ليسوا حكماء في تربية أولادهم، فيعطونهم كلَّ شيء، وهذا العطاء غير المعقول وغير المدروس وغير الحكيم سببُ حرمان الأولاد من مستقبل زاهر، ويوجد آباء بالعكس، في معاملتهم قسوة ظاهرة على أولادهم، وهذه القسوة الظاهرة سبب تألق الأولاد في مستقبلهم.

الإيمان معه راحة نفسية و جسمية :

 وهناك حكمة متعلقة بالحكمة السابقة: قال: "متى فتح لك باب الفهم في المنع، عاد المنع عين العطاء"، وينبغي لك أنْ توقن أنّ الأشياء التي حُرِمتَ منها لو كشف الغطاء لشكرت الله على حرمانك منها، وهذا هو الإيمان، الإيمان معه راحة.
 وإخواننا الأطباء يذكرون لي أنه كلما تقدم العلم الطبي يكتشف أن وراء معظم الأمراض شدة نفسية، فالقلق والخوف والندم ومشاعر الأسى كلها وراء أكثر الأمراض، وأما الذي يرضى عن الله عز وجل فقدْ حقق أول شرط في الصحة النفسية، وبالتالي الصحة الجسمية.
 "متى فتح لك باب الفهم في المنع، عاد المنع عين العطاء "، ولذلك فالمشكلة أن المصيبة تقع، والعبرة لا أن تتأكد من وقوعها، فوقوعها سهل، فأحياناً يقع زلزال، وتتناقل وكالات الأنباء أخبار هذا الزلزال، ويذاع في كل إذاعة، وينشر في كل صحيفة، ويُرى في كل الأخبار المصورة، فهل العبرة أن ترى حوادث الزلزال أم أن تفهم حكمة الزلزال؟ العبرة أن تفهم الحكمة، والبطولة لا أن تتأكد من وقوع مصيبة، إنما البطولة أن تعرف الحكمة من هذه المصيبة، والآية الكريمة:

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾

[سورة التغابن: 11]

 فمِن حكمة المصيبة إذا آمن الإنسان بالله يهدي قلبه.

موالاة الله تدفع الإنسان إلى الإحساس بالعزة :

 ويقول ابن عطاء الله السكندري أيضاً:"إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى".
 وقد ذكرت البارحة أن الإنسان عنده دوافع، فالدافع إلى الطعام هذا أساسي لبقاء الفرد، والدافع إلى الطرف الآخر من الجنس لبقاء النوع، ولكن عنده دافع آخر إلى تأكيد الذات حفاظاً على بقاء الذكر، هذا الدافع الثالث لك أن تسميه دافع العزة:

فاجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت  فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***

 ومستحيل ثم مستحيل أن توالي الله ثم لا يعزك، والذين وقفوا مع النبي عليه الصلاة والسلام هم في أعلى عليين، والذين حاربوه وكفروا به هم في أسفل السافلين، فالصحابة الكرام الأبطال الأعلام، وكبار القادة المسلمين، وكبار علماء المسلمين، يذكرهم المسلمون في اليوم ملايين المرات، أما الذين حاربوا الإسلام فيُذكَرون بأشنع الصفات، فمثلاً: أبو جهل هل يترحَّم أحد عليه؟ مستحيل، قاتله الله، وأبو لهب، قاتله الله، وسيدنا الصديق رضي الله عنه! خلال ألف وأربعمئة عام كلما ذكره مسلم ترضَّى عنه، فماذا فعل؟ لقد وقف مع النبي، ومرة ذكرت آية وهي تدعو إلى الحيرة:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾

[ سورة التحريم: 4]

 فهل مِن المعقول إذا انتقدت امرأتان جهة محترمة في بلد، فيُعلَن استنفار في القوى الجوية والقوى البرية والبحرية والشرطة؟ امرأتان "وإن تظاهرا عليه" وبعدها "فإن الله هو مولاه" حسناً "وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير".
 لا يتناسب وامرأة ضعيفة أن يكون الرد على هذا التظاهر: الله وجبريل، وصالح المؤمنين والملائكة، فالعلماء قالوا: هذه الآية معناها: أنه لمجرد أن تفكر في معاداة أهل الحق، ومعاداة الدين، وفي إطفاء نور الله، اعلم من هو الطرف الآخر، أنت بأي بلد تعرف هذا الإنسان له صلة بأعلى جهة هل تسبب له مشكلة في الطريق؟ لا بل تريد السلامة منه، وتعرف من وراءه، اليوم شرطي عادي لا تستطيع أن تسبب له مشكلة لأنه يرتدي بذلة رسمية، والدولة كلها وراءه، وهذا شيء طبيعي في كل بلد، فإنه يمثل النظام، فإذا أنت أهنته أهنت النظام والجميع معه ضدك، وهذا في حياتنا اليومية هكذا، فإذا أراد الإنسانُ أن ينال من الدين، يا لطيف كم هو أحمق، لأن الطرف الآخر هو الله، والطرف الآخر حياته بيده، و قلبه بيده، ودسّامات قلبه بيده، وكليتاه بيده، يوجد عند الله أمراض وبيلة، والله عنده قهر، وعنده خسف.

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾

[سورة القصص الآية:81]

 ربنا عز وجل عنده أشياء كثيرة، فكلما كنت مؤمناً تأدبت مع الله كثيراً، وإن أردتَ أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى:

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت  فإن اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***

العطاء من الخلق حرمان والمنع من الله إحسان :

 آخر حكمة: "العطاء من الخلق حرمان، والمنع من الله إحسان ".
 أحياناً ينالك من إنسان فاسق فاجر عطاء، فتميل له ميلاً شديدًا، وبهذا الميل تجامله، وتنافق له أحياناً، وتسترضيه، وهو ليس أهلاً لذلك، فحجبك عن الله، فعطاء هذا الإنسان سبب حرمانك من رحمة الله، وهناك إنسان له قريب غني جعله يعمل عنده، وعنده فتيات وسكرتيرات، وعنده بضاعة محرمة، إذْ يبيع خمورًا مثلاً، وخصص له معاشًا ثلاثين ألفًا مثلاً، فهذا القريب الغني فاسق، وعندما أعطاه راتبًا كبيرًا، وأعطاه تعويضات، وكل حياته في المعاصي، والمكتب كله فسق وفجور، والبضاعة كلها محرمة، ومَالَ معه، فهذا الميل حرمه من عطاء الله عز وجل، وهذا معنى العطاء من الخلق حرمان، والمنع من الله إحسان.
وأحياناً يمنعك من شيء فتتذلل له، وترجوه، وتقبل عليه، فالعبرة أنه أصبح بينكما اتصال.
 يروى أن إنسانًا خطب فتاة اسمها وصال، ولها والد شيخ، فقال له: المهر أن تلازم دروسي، فوافق لأنه يريدها، لا مشكلة، فقال: سآتي إلى المجلس، ويبدو أنه سُرَّ بدروسه، وتألق فنسي وصال، فمرة قالت له: أين الوعد؟ قال لها: يا وصال كنت سبب الاتصال فلا تكوني سبب الانفصال، وأحياناً يستخدم الله عز وجل حاجاتك للتقريب لأرضك، حاجة طارئة يجعلها بمسجد.
 أخ كريم دعاني مرة إلى تناول طعام الغداء، وأنا لا أعرفه، قلت له: ما قصتك مع هذا المسجد؟ قال لي: أنا لي مع رجل دَيْن، وإنه يحضر عندك يوم الجمعة، فجئت لأطالبه بالدين، فدخلت المسجدَ وجلست، فرأيت أن ثمَّة درسًا، وليس من المعقول أن أطالبه قبل الدرس، أحضر الدرس أولاً، ثم أطالبه، والدرس أعجبني، فلم أتركه منذ ثماني سنوات، فقلت: سبحان الله، جاء فقط ليطالب إنسانًا بدين في هذا المسجد، فلزم الدروس ثماني سنوات، وأخ ثانٍ قال لي: أنا أدرس في الجامع الأموي، وأمر أمام بعض الدروس فأُسر وأسمع، وسبب هدايتي أنني نويت أن أدرس بالأموي، ويوجد فيه بعض دروس العلم، وفي أثناء سماع بعض الدروس تأثّر، فأسلم.
 فالله عز وجل يخلق مناسبات معينة، فالعطاء من الخلق حرمان، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: " رب لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق " تميل له، وإذا ملت إلى كافر أو منافق فقد أصبحتَ أسيرًا عنده، إذا تكلم بالخطأ تجامله، ويقول لك: رافقني إلى المكان الفلاني فتستحي منه، والأغنياء الشاردون عن الله مثل البحر وأنت القارب، فإذا بلعت شيئاً من مائه بلعك كلك، والسفينة إذا بلعت من ماء البحر شيئًا بلعها كلها، فأنا أتمنى أن يبقى الإنسان مع المؤمنين، ولا يقبل عطاءً من إنسان فاسق فاجر، يعطيه شروطًا معينة، فالعطاء من الخلق حرمان، والمنع من الله إحسان.

إعادة لبعض الحكم :

 هذه بعض الحكم، لا بأس من أن أتلوها على مسامعكم قراءة فقط:
 بسطك كي لا يبقيك مع القبض وقبضك كي لا يتركك مع البسط، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه.
 العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا، ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل.
 ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع، عاد المنع عين العطاء.
 وإن أردت أن يكون لك عز لا يفنى، فلا تستعزَّنَّ بعزٍ يفنى.
 والعطاء من الخلق حرمان، والمنع من الله إحسان.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018