بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 116 - بعض الحكم العطائية3 - من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل......


1999-02-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

السالك إلى الله يمر بمراحل و أحوال عديدة :

 أيها الأخوة الكرام، نتابع شرح بعض الحكم العطائية، لابن عطاء الله السكندري، ومن هذه الحكم:
 "من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل "، ولابد من التنويه إلى أن السالك إلى الله يمر بمراحل ويمر بأحوال، فقد ينجو من المعصية فيصير تائباً، وقد يمنحه الله عملاً صالحاً، وهذا شيء طيب، ولكن مع كل مرحلة صعوباتها، ومنزلقاتها، وحينما يستقيم ويعتد باستقامته، ويرى أنه فوق الناس، فهذه الاستقامة أحياناً تحجبه عن الله، لأنه اعتد بها، واستعلى على خلق الله، أما الموقف الكامل فموقف سيدنا يوسف قال:

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة يوسف:33 ]

 فأنت إذا كنت عفيفاً، فهذا من معونة الله لك، ولو أن الله سبحانه وتعالى ضعّف مقاومتك لوقعت في المعصية، وهذا هو التوحيد، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

[ سورة الفاتحة: 5 ]

 والإنسان حينما يستقيم يجد مزالق، فحينما يسلك الإنسان طريق الإيمان يجب أن يكون واعياً، وأن يكون يقظاً، وقد يطيب أن نعمق بعض فهمنا للإيمان، فطالب العلم يريد شيئًا بمستوى تطوره، ومستوى رقيه، فالاستقامة من نعم الله عز وجل الكبرى، ولكن حينما تعتد بها وتراها من إنجازك وقوة إرادتك، فهذه تصبح حجاباً لك عن الله، فيجب أن تفتقر إلى الله، ورب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.

منزلقات الاستقامة :

 ومن المنزلقات التي يمكن أن يقع بها المؤمنون وهم مستقيمون على أمر الله أن يعتدوا باستقامتهم، وأن يزدروا مَنْ دونهم، ولو رأى إنسان عاصيًا، فيجب أن يشكر الله في قلبه على نعمة التوبة ويدعو له بالتوفيق، أما أن يشمت به وأن يستعلي عليه، فهذا نقص في كماله، وقد قال بعض الأدباء: "رقصت الفضيلة تيهاً بنفسها، فانكشفت عورتها "، وأنت حينما تتيه بالفضل تقع في النقص وتقع في عدم الفضل.
 فالإنسان إذا استقام، ومن منزلقات الاستقامة أن يعتد بها، وأن يراها من كسبه الشخصي، ومن جهده، وأن ينسى فضل الله عليه إذ أعانه عليها، فنسيَ قوله تعالى:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

[ سورة الفاتحة: 5 ]

 فأنت في طاعة الله إذا أعانك الله عليها، وهذا هو الافتقار إلى الله عز وجل، والآن انتقلت إلى مرتبة العمل، فلك عمل في الدعوة، وفي مساعدة المساكين، وفي إنشاء المساجد، وفي العلم أحياناً، وهذا العمل قد يكون عملاً عظيمًا، فما الذي يفسده؟ أن تعتمد عليه، وفي الدعاء: "اللهم رحمتك أوسع من عملي "، واعتمادي على رحمتك أقوى من اعتمادي على عملي، فالذي يعتمد على عمله يورِثه ذاك الاعتماد نقصانَ الرجاء عند وجود الزلل، فإذا زلت قدمه وقع في اليأس، لأن اعتماده كان على عمله، لا على رحمة الله عز وجل.

الغرور يحجب الإنسان عن الله :

 بالمناسبة توجد صعوبات كثيرة وأنت في طريق الإيمان، وفي طلب العلم، وفي المسجد، ومع جماعة المؤمنين، تجد صعوبات كثيرة، وقد ذكرت لكم من قبل أن القّمة ليس من السهل أن تصل إليها، إنها صعبة، ومع ذلك لو وصلت إليها فهناك مزلق خطير وأنت في قمة النجاح، أن تصاب بالغرور، والغرور أخطر مرض يصيب الناجحين، فلو نجحت في عمل صالح، أو في دعوة إلى الله، أو في خدمة الخلق، أو في إنجاز كبير، فهذا النجاح حوله خطر، هو خطر الغرور، وذات مرة ضربت مثلاً: إن القمة - قمة الجبل- الطريق إليها صعب، وهو طريق ملتوٍ وعر متعب، ولكن إذا وصلت إلى قمة هذا الجبل، فهناك طريق زلق يجعلك في الحضيض في ثانية واحدة، إنه الغرور.
 وأحياناً الإنسان كثيرًا ما يصاب بالغرور، والغرور يحجبه عن الله عز وجل، حتى إذا كنت كاملاً مع الكمال، وإذا اعتمدت على الكمال، واعتبرته من إنجازك، ومن جهدك، ففيه غرور، لذلك ورد في بعض الأحاديث:

(( الذنب شؤم على غير صاحبه، إن ذكره فقد اغتابه، وإن عيره ابتلي به، وإن أقره شاركه بالإثم ))

[ كنز العمال عن أنس ]

 حتى أنت لو لم تذنب، وغيرك أذنب، فأنت معرَّض إلى ثلاثة أخطار، خطر أن تعيِّره فتبتلى به، وخطر أن تذكره للناس فقد اغتبته، وخطر أن تقره عليه فقد شاركته في الإثم.

عدم تناقض الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله :

 أيها الأخوة، إنَّ النفس تحتاج إلى عناية، وسيدنا عمر رضي الله عنه يقول: "تعهد قلبك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم"، فرعونات القلب حُجُبٌ بينك وبين الله، والكِبْر حجاب، والاعتماد على العمل حجاب، والنبي كان قدوة لنا في الأخذ بالأسباب، فالأخذ بالأسباب هذا موضوع يحتاجه المسلمون في مثل هذه الأوقات الصعبة، وهم في أمَسِّ الحاجة إلى مفهوم الأخذ بالأسباب، فقال له: يا رسول الله أعقلها أم أتوكل؟ إنها ناقة تركها بلا عقل، قال: أعقلها أم أتوكل؟ توهم هذا الأعرابي أن هناك تناقضاً بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل على الله، فماذا أفعل يا رسول الله؟ أعقلها وآخذ بالأسباب أم أتوكل على الله وأدعها سائبة؟

(( قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ))

[الترمذي عَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ]

 فالأخذ بالأسباب لا يتناقض مع التوكل، بل يتكامل معه، وهناك نقطة مهمة وهي أن الله عز وجل جعل لكل شيء سببًا، فهذه سنّته في خلقه، وخَلَقَ الكونَ وفق نظام دقيق، وأنت حينما لا تحترم هذا النظام، فأنت لست عبداً لله، وبعض الأمثلة: قال لك الطبيب: الملح يرفع لك الضغط، وأنت ضغطك مرتفع، أخي لا تسمع، كُلْ إنّه طعام لذيذ، وأكثر من الملح، وتوكل على الله، هذا ليس كلامًا إيمانيًا، ولا كلامًا علميًا أبداً، مثلاً: فاكهة تحتاج إلى غسيل، سمِّ الله ولا يضر مع اسمه شيء، هذا ضعف في العقل:

(( من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه ))

[أخرجه الطبراني عن سلمان ]

التأدبَ مع قوانين الكون من لوازم العبودية لله :

 أرى والله أعلم أن التأدبَ مع قوانين الكون من لوازم العبودية لله عز وجل، فالله عز وجل لا يخرق هذه القوانين إلا لضرورة ماسَّة، أرسل نبيًّا، فقال: أنا رسول الله، فالكلام الأولي أنت كاذب لست رسول الله، فماذا يفعل؟ لابد له من أن يأتي بمعجزة تثبت أنه رسول الله! فما المعجزة؟ هي خرق القوانين، فخرق القوانين يكون لنبي من أجل أن يتحدَّى الناس الذين كذّبوه، فالله عز وجل يخرق الأسباب، وسيدنا عيسى من دون أب، فهذا خرق للنظام العام، نظام الإنجاب من ذكر وأنثى، وسيدنا موسى ضرب البحر فصار طريقاً يبساً، وهذا خرق للقوانين، وسيدنا إبراهيم أُلقي في النار فلم تحرقه، فهذا خرق، لكن هذا الخرق للأنبياء لحكمة بالغة، لإثبات أنهم رسل من عند الله عز وجل، أما كل إنسان آمن بالله فهل يجب أن يخرق الله له القوانين؟ هذا يسبب الفوضى، وهذا ما أراه، فالذي لا يحترم نظام الله عز وجل وقوانينه هو ليس عبداً لله عز وجل.
 فالأخذ بالأسباب واجب، ولذلك أوضح مثلاً على ذلك سيدنا عمر رضي الله عنه هاجر، ولم يأخذ احتياطًا، ولا اختفى، ولا سار مساحلاً، ولم يمحُ الآثار، ولم يأتِ بالأخبار، بل تحدَّى الناس أمامهم جميعاً، من أراد أن تثكله أمه فليلحقني إلى هذا الوادي، إنّه شيء يحيِّر، والنبي لم يفعل ذلك، وسيدنا رسول الله خرج من مكة متخفياً، وسار مساحلاً، واختبأ في غار ثور، وكلَّف من يمحو له الآثار، ومن يأتيه بالأخبار، ومن يأتيه بالطعام، واستأجر دليلاً مشركًا رّجح فيه الخبرة على الولاء، يا ترى أيهما أصوب؟
 أخواننا الكرام، النبي مشرّع، ولو أن النبي الكريم فعل ما فعله عمر لعدّ أخذ الاحتياط حراماً، ولعدّ الأخذ بالأسباب حراماً، ولعدّ ترك الحيطة واجباً، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام مشرّع أخذ بالأسباب كلها، فخرج متخفياً، وسار مساحلاً، واختبأ في غار ثور وقت شدة الطلب، وعيّن له من يأتيه بالأخبار، ومن يمحو له الآثار، واستأجر دليلاً للطريق رجّح فيه الخبرة على الولاء، ثم وصلوا إليه، وصلوا إلى غار ثور، هنا النقطة الدقيقة الحسَّاسة، ولو أنه اعتمد على هذه الأسباب لانهار عند وصول القوم إليه، فلقد أخذ بها تعبداً، ولم يعتمد عليها، إنه يعتمد على الله عز وجل، والحقيقة هذا موقف دقيق وحسَّاس، ونحن في أمس الحاجة إليه كل يوم، ونحن في طريق عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، وهذا الطريق ضيّق، إنه الطريق الذي يجنح بين التوكل والأخذ بالأسباب، فتأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وتتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، وهذا هو الموقف الكامل.

الإعداد و الإيمان شرطان متلازمان للنصر :

 الشرق الآن لم يأخذ بالأسباب، يقول لك: إيمان، فالإيمان يلزمه استعداد، والعدو يعمل ليلاً ونهاراً، نحن نقول: نحن مؤمنون ولم ينصرنا الله عز وجل، فلا يكفي الإيمان، إذْ لابد من الاستعداد.

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 60 ]

 ولابد من الإعداد، ومن الإيمان، وكلٌّ منهما شرط لازم وغير كافٍ، فالغرب أخذ بالأسباب، واعتمد عليها فأشرك، ونحن لم نأخذ بها فعصينا، والموقف الكامل الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بكل الأسباب، واعتمد على الله:

((عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا! فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

[البخاري عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه]

 وفي رواية أخرى: قال: يا رسول الله وقعت عينهم علينا، قال: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 198]

 وهذا الذي يحتاجه المسلم اليوم، فأعداء المسلمين أقوياء ووحوش، أعداء المسلمين أغنياء، وأذكياء، لكنه ذكاء شيطاني، والله لا يقبل منا أن نتوكل عليه هكذا، فلا بد أن نعمل، لا بد نأخذ بالأسباب، ويكمل هذا الموضوع هذا الحديث الشريف:

((عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

[أبي داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 أهكذا تستسلم، ولا تفعل أي شيء أبداً؟ ماذا نفعل؟ قدّم طلبًا، وصّل ، وتحرك، وهناك طرفة رُوِيَتْ ولها معنى عميق أن رجلاً قال: الله هو الرزاق فلماذا أعمل؟ جلس في الشيخ محي الدين، وجاء رجل معه صفيحة ولم يتكلم ولا كلمة، ونسي أن يعطيه، فجاء رجل معه خبز لم يعطِه، وفي المرة الثالثة سَعَلْ فلفت النظر فأعطوه، إذًا تحرَّك واعطُس، فلو توكلتم على الله حق التوكل كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ))

[ الترمذي عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 الطير ماذا فعلتْ؟ تغدو خماصاً و تروح بطاناً، تغدو: إذن توجد حركة، والمسلمون الآن في أمسِّ الحاجة لهذا المعنى، أن نأخذ بالأسباب، المسلم علمي، إذا مرِض ابنه ماذا يفعل؟ يبحث عن أفضل طبيب، ويتلقى التعليمات بدقة، وينفذها بحذافيرها، ويتصدق، ويقول: يا رب توكلت عليك، يا رب اشفِ ابني، فهذا هو المؤمن، ولا نُحتَرم إلا إذا كنا هكذا! وميزان الحضارة الآن يجب أنْ نكون هكذا.

 

الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب :

 يتسوق بضاعة سيئة بسعر غالٍ، إنها لا تباع، فيقول: الله لم يوفقني، فأنت أين عقلك؟ ولماذا لم تقم بدراسة دقيقة للسوق؟ ولماذا لم تلاحظ جدوى البضاعة؟ هل سألت عن أسعارها؟ ومن لك منافس بالسوق؟ فهذه يلزمها دراسة، هذا المسلم الساذج البسيط الذي لا يتحرك حركة إنّه مرفوض الآن، لأن الحياة اليوم فيها تنازع مخيف، وحسبَ القوانين الإلهية، القوي الذي يتحرى الأسباب هو أقوى من المسلم الذي لا يأخذ بالأسباب، فالمسلمون الآن لا ينجيهم من أعدائهم الشرسين إلا أن يأخذوا بالأسباب وأن يتوكلوا على الله، فإن أخذوا بها واعتمدوا عليها كانوا كالغربيين الذين وقعوا في وادي الشرك، وإن لم يأخذوا بها كانوا كالسُّذَّج الذين توكلوا على الله عز وجل توكلاً ساذجاً.
 سيدنا عمر رأى أشخاصًا في موسم الحج فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله، أنا والله أتمنى على إخواننا الكرام أن يكونوا علميِّين، يأخذون بالأسباب، ويتوكلون على الله، وهذا هو الموقف الكامل، ادرس وخذ بكل الأسباب، ثم قل: يا رب وفقني، أمّا: وفقني من غير حركة، ومن دون سعي، ومن دون إتقان عمل، ومن غير ضبط المواعيد، ومن غير دراسة للسوق، فهذه هي سذاجة المغفل، لا يحميه القانون، والمغفل لا يستحق نصر الله عز وجل بهذه السذاجة والبساطة، فمن علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل.
 والآن أخذت بالأسباب الكاملة، وبقي عندك قضية إيمانية، فيجب أن تعتمد على الله الاعتماد الكبير، أخذت بالأسباب فعليك أن تعتمد على الله، وهذا المعنى فيما أرى أنّ المسلمين في أمسِّ الحاجة إليه في دنياهم وحياتهم، ومساكنهم، وتجارتهم، وتأمين طعامهم، وتأمين عمل لأولادهم، وتأمين مستلزمات حياتهم.. فيجب أن يأخذوا بالأسباب، وأنْ يتوكلوا على الله عز وجل.

التوكل من عمل القلوب والأخذ بالأسباب من عمل الجوارح :

 المشكلة أن التوكل من عمل القلوب، والأخذ بالأسباب من عمل الجوارح، فإذا جعلتَ التوكل من عمل الجوارح لم تستفِد شيئاً، وهذه أكبر مشكلة، لأن التوكل الذي هو من عمل القلب أصبح من عمل الجوارح.
 وفي حياتنا مغالطات، فإن كان الطبيب مهملاً مات المريض، فيقول لك: انتهى أجله، سبحان الله، ولا إله إلا الله، فهذا كلام فيه مغالطة، وقد ورد في بعض الأحاديث:

(( مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))

[ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن عمرو بن شعيب]

 يجب أن يدفع الدّية، وما يجري في الغرب أصْوَب مما نفعله نحن، فإذا أخطأ الطبيب يحاسب، أما موضوع انتهى أجله فهذا ليس عملك، وأمامك دليل قويٌّ، هو حديث الإفك، قال لي أخ منذ مدة: هناك مريض أجرى قسطرة، فسمعت أنه لا يجوز أن تُجرَى له مرتين، فلاحق المريض الطبيب وقال له: أجرِ لي عملية قسطرة، ولم يقل له: أنت قمت بها سابقًا؟ أجرِيتْ له فمات، ألا سألته هل أُجرِيتْ له سابقاً أم لا؟ فكان على عجلة فقال له: أجرِ لي عملية قسطرة، فالمرة الثانية كانت نهايته بهذه القسطرة، فهذا بالميزان الإسلامي يحاسب الطبيب حسابًا عسيرًا، لأنه سبب موت إنسان، فما الفرق بين إنسان قتل إنسانًا خطأ وليس قصداً وإنسان قتل إنسانًا تقصيراً؟ من قتل إنسانًا خطأ عليه ديّة وصيام ستين يومًا متتابعة، ومن قتل إنسانًا تقصيراً فقد يسير الإنسانُ بسرعة عشرة فيمر طفل أمامه فيدهسه، فعليه الدية.

﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ﴾

[ سورة النساء : 92]

 إذا كان الخطأ من الطفل فالإنسان يحاسب، وإذا كان الخطأ من الطبيب لأنه أهمل وقصّر فيجب أن يحاسب، الدليل، تخيّل أن السيدة عائشة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام يقال عنها: زانية! وزوجها رسول الله! فهذا الشيء هل يحتمل؟ إنه لا يحتمل، بل شيء فوق طاقة البشر، وكل رجل منا يتحمل ألف مشكلة في بيته، أما أن تتهم زوجته بالزنى، وأن يشيع الخبر في المدينة كلها، فهذا الذي حدث، وهذا الذي سمح الله به، فقال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

[ سورة النور : 11]

 وبما أن الله سمح بهذا، فلدينا قاعدة ذهبية مريحة، إن لكل واقع حكمة، فهذا الكون ملك الله، ولا يليق أن يقع شيء في كونه دون إرادته، ودون أن يسمح له، ولا يقع شيء في الكون إلا إذا أراده الله، فمادام الشيء قد وقع، فلهذا الوقوع حكمة، سواء علمناها أم لم نعلمها، نكشفها أو لا نكشفها، إذْ لكل واقع حكمة، وهذه قاعدة، وطبعاً لها قاعدة أوسع: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، فإنه شيء قطعي، فالإفك وقع، وكان من الممكن ألا يقع.

التوحيد لا يلغي المسؤولية :

 أجمل ما قرأت في التفاسير أنه يوجد اثنتا عشرة حالة، كل واحدة منها كانت تلغي حديث الإفك، فعندما حملَ أصحابُ رسول الله هودَجَ السيدة عائشة ووجدوه خفيفًا، فأين هي؟ بحثوا عنها فوجدوها، وانتهى الأمر، والتغى الحديث، وضاع عقدها، فلو لم يضِع عقدها لما كان الإفك! لقد ذهبت تبحث عنه، وابتعدت عن مكان الهودج، إنه خيط قد انقطع، وهو سبب حديث الإفك، حُمِل الهودج فشعروا أنه خفيف، فبحثوا عنها فوجودها، وهي قصة طويلة، ولو أن مسطحاً لم يكن متأخرًا، لما بلغه الخبر بما تكلموا إلى آخره.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

[ سورة النور : 11]

 توحيدياً سمح الله به، وتوحيدياً عدّه الله خيرًا، والله يحاسب الذي روّج الخبر، قال:

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور : 11]

 انظر فإنّ التوحيد لا يلغي المسؤولية، إذا قصَّر الطبيب فمات المريض وقال: ترتيب أجله، لا إله إلا الله، إنه ترتيب يدك، جاء أجله لا يلغي محاسبة الطبيب، والتوحيد ليس لك علاقة فيه، توحيدياً مات بأجله، أما جزائياً فأنت مسؤول عن موته، وهذا يا إخواننا كلام دقيق، والمسلمون يقعون في مغالطات كثيرة، فيلغون أخطاءهم كلها بالتوحيد، أخي درست ولم أنجح، واللهُ لم يكتب لي أن أنجح، ما هذا الكلام؟ هذا كلام مضحك، كلام تشمئز منه النفوس، فأنت مقصِّر، ولم تدرس ورسبت بالعدل، أو باستحقاق، ثم تقول: اللهُ لم يكتب ليَ النجاح؟ وأكثر المسلمين بهذه التصورات، وأنا باعتقادي هذا سبب تخلفهم، وسبب أنهم الآن في المؤخرة وليسوا في المقدمة، لأنهم لم يأخذوا بالأسباب.

العاقل من تعامل مع الأشياء وفق الأسباب والمسببات :

 انظر إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى التابعين، وإلى القرون الثلاث الأولى، وإلى المؤمنين الصادقين، إنه شيء عجيب، أخذوا بالأسباب من أعلى درجة، وتوكلوا على الله من أعلى درجة، وهكذا القرآن: وأعدوا لهم، والآن لو أخذنا بالأسباب فلدينا صعوبات أخرى، أن نعتمد عليها وننسى الله.
 رجل فهيم، وأموره محكمة، وكل شيء لديه مدروس، تكلم كلمة فيها سوء أدب مع الله، فقال: الدراهم مراهم، وكل شيء يَنحلُّ بالمال، فالله عز وجل أدخله السجن، وبقي فيه ثلاثة وستين يومًا بالمنفردة، قال لي: كل يوم يأتيني ألف خاطر أن الدراهم مراهم؟ فتفضل وحُلّها بالمال، إنها لا تُحلُّ، فأنت برحمة الله، وبتوفيقه، وحفظه لك، وليس بذكائك.
 فلذلك أيها الأخوة، قضية التوكل والأخذ بالأسباب من أخطر الموضوعات في حياة المسلمين، وخطؤهم الأول أنهم لم يأخذوا بالأسباب، وكل شيء له سبب، قال:

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴾

[ سورة الكهف: 83-85]

 فإذا ركبتَ مركبة في طريق سفر، فوقفت فجأة في صحراء، ماذا تفعل؟ يا رب يسِّر لي؟ لا، هذه أخِّرها قليلاً، تفتح غطاء المحرك وتبحث عن الخطأ فتصلحه، يا رب لك الشكر، ولك الحمد، افتح غطاء المحرك، وابحث عن شريط مقطوع، وعن مشكلة، وعن خطأ، فعقلنا عقل طوبائي، وليس عقلاً علميًّاً، ونحن بحاجة إلى عقل علمي، أيْ أن نتعامل مع الأشياء وفق منهج الله، ووفق الأسباب والمسببات.

النبي أسوة و قدوة لنا :

 النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم عندما توفي ابنه إبراهيم، وشاءت حكمة الله أن تكسف الشمس لموته، هذا ما فهمه الصحابة، إذْ ربطوا كسوف الشمس بموت إبراهيم، فالنبي بلغه ذلك:

((عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ،ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ))

[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ]

 هذا هو الموقف العلمي، كنت مرة بالعمرة، فسمعت كلامًا عن المدينة غير معقول أبداً: مفادُه أنّ هناك أنوارًا تصعد من المقام النبوي، أنوار للسماء! ما هذه النورانية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله سمعتها من شخص وشخصين وثلاثة وأربعة... وذهبت إلى المدينة وأنا أحرص على حضورِ درس علم هناك، فحضرت درس علم بين المغرب والعشاء، ورجل أحترمه، قال: يا أخوان اتصلت بأمير المدينة، فأبلغني أن هذه الأنوار الساطعة من مقام النبي هي أشعة الليزر، اليوم يوجد لدينا بناء يشع منه أشعة ليزر أخضر، انظر إلى الموقف العلمي، النبي منهجه السنّة، منهجه صلى الله عليه وسلم من الأحاديث، بهذه التوجيهات الرائعة، وبالموقف الكامل، هذا هو، ولا يوجد داعٍ لأن ترى أنوارًا صاعدة وهابطة، لا حاجة لذلك، اقرأ السنّة وتعلم منها، واجعله أسوة لك وقدوة.

تطبيق منهج الله و رسوله هو الأكمل :

 ذات مرة ضربت مثلاً، والشيء بالشيء يذكر، هناك إنسان عالم كبير له حوالي ثلاثمئة أو أربعمئة مؤلف، ويحمل دكتوراه، وعنده حاجب لا يقرأ ولا يكتب، فهذا العالم له مكتب، ومكتبة ضخمة، وكرسي واسع، ففي غياب هذا العالم جلس هذا الحاجب على كرسيه وراء المكتب، فهل يرقى بهذه العملية برأيكم؟ لا، لا يرقى، يبقى هذا الحاجب أمّيًّا وجاهلاً، ويبقى سيده عالمًا كبيرًا، أما لو أخذ الحاجب كفاءة، أو إتمام مرحلة، وسار في طريق العلم، فأخذ الكفاءة وأكمل، وأخذ البكالوريا، وأكمل لكان أرقى له.
 وثمَّة مثل آخر، هذه كلها من أمراض المسلمين، نتبرّك، والتبرك وحده لا يكفي، وبالمناسبة أنا لا ألغي التبرك، ولا أعتدُّ به لدرجة أني ألغي عملي الصالح، وعندما تصلي بمصلى النبي تبكي ولا يوجد شك، وثمّة صلَّى النبي، وهنا سجد، وكان وراءه سيدنا الصديق والصحابة، فلابد أن تتأثر، ولكن لا تعتمد على التبرك وحده، اعتمد على تطبيق منهج رسول الله، فهذا الأكمل.
مثل آخر: لو أن عالمًا كبيرًا له ابن جاهل، وهذا الابن مهما مدح أباه، ولو أمضى كل حياته يمدح والده، فالأب عالم والابن جاهل.
 قد تجلس في عقود القران فمديح رسول الله شيء رائع، وتبكي أحياناً، ولكن يا تُرى إذا مدحناه طوال حياتنا وبيتنا ليس إسلاميًّاً، ولم نطبق منهجه، فصدِّقوني أن هذا المديح لا قيمة له، لأني أنا أملك دليلاً، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 31]

من طبق سنة النبي فهو في مأمن من عذاب الله :

 قلت لكم سابقاً: مسبح مختلط، والنساء يسبحن شبه عاريات، وصاحب المسبح أقام مولدًا نبويًّا في المسبح نفسه، ودعا الناس، وفِرَقَ الإنشاد، وجاء أناس وألقوا كلمات، شيء جميل، وعملُه من أكبر المعاصي، ومع ذلك دعا فرقة نشيدٍ ومدحوا النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء أناس والقوا كلمات وبارك الله بأبي فلان، وهكذا أصبحت حياتنا، تراها من غير تطبيق للإسلام، ولكن يوجد مظاهر، ومظاهر صارخة للإسلام، والآية الكريمة:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 فما دمت يا محمد، وما دامت سنّتك مطبقة في حياتهم فهم في مأمن من عذاب الله، وماداموا يستغفرون فهم في مأمن آخر، أما لا يطبقون ولا يستغفرون، إذاً ما العمل؟ والِله امرأة اتصلت وقالت لي: أستاذ أنا لدي زجاجة خمر، ولكنها غالية الثمن، وحرام أن أكسرها، فهل أهديها لأحد فيشربَها، هذه صاحبة دين وتخاف من الله!! جاءتها هدية، فهل من المعقول أن تكسرها؟ فهناك رجل يشرب فتهديها له لتكسب بياض الوجه، ورجل آخر قال لي: باقة الورد هل يمكن أن أحسبها من الزكاة يا أستاذ؟ يريد أن يحسب ألف ليرة ثمن الورد من الزكاة، ويقدمه في عرس، عجبت لهذا وقلت في نفسي: أين يسير هؤلاء الناس؟ إنهم يسيرون في متاهات، وهذا الدين منهج إن أخذت شكلياته لن تستفيد شيئًا.
 إذا أحضرت إشارة سيارة المرسيدس ووضعتها على عربة الحصان فإنها تبقى عربة ولا تصبح سيارة، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بالحكمة الوحيدة اليوم: "من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل ".

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018