بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 118 - الورع .


1999-03-21

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام:
 انطلاقاً من أن ركعتين من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، المخلط الذي عمل عملاً صالحاً وعملاً سيئاً، جمع بين العمل الصالح والعمل السيئ، ركعتين من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، وانطلاقاً من أن حال امرئ صادق في ألف خير من ألف قول من كاذب في واحد.
 يعني ألف إنسان يتكلم بفصاحة وبوضوح لكن لا يوجد صدق في كلامه، لا يوجد مصداقية، ألف قائل لا يؤثر في واحد وإنسان صادق واحد يؤثر في ألف، لأن هناك في العالم الإسلامي ظاهرةً عجيبة، عدد كبير مليار ومائتين مليون، ليست كلمتهم هي العليا، ليس أمرهم بيدهم، لأعدائهم عليهم ألف سبيل وسبيل، بينما بضعة آلاف من أصحاب رسول الله كانت كلمتهم هي العليا ورفرفت راياتهم في الآفاق، وكانوا قادةً للأمم بعد أن كانوا رعاةً للغنم، المفارقة العجيبة بين ماضي هذه الأمة وبين حاضرها، لعل هذه المفارقة تضح من هاذين القولين ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، وحال صادق في ألف خير من ألف قول في واحد.
ألف إنسان متكلم غير صادق لا يؤثر في واحد، ورجل واحد صادق له حال مع الله يؤثر في ألف.
 موضوع الدرس اليوم الورع، الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى وهو من أعلام المسلمين يقول: لقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع كله في كلمةٍ واحدة، فقال:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))

(ابن ماجة ـ الترمذي )

 يقترب من هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم:

 

(( إياكم وفضول النظر فإنه يبدر في النفس الهوى ))

 التأمل الشديد في دقائق الأشياء الجميلة، وبأساليبها، وفي متع الكفار، وبيوتهم، ومركباتهم، و وأحوالهم، وكيف يعيشون، التأمل في حال هؤلاء يبعدك عن الآخرة.
المؤمن مشغول بداء رسالة، والمشغول ليس من شأنه أن يشتغل بقضايا تافهة، إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيها.
ابن القيم يقول: الورع كله جمعه النبي صلى الله عليه وسلم في كلمة واحدة:

 

((... مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))

 يعني تركه ما لا يعنيه من الكلام، وتركه ما لا يعنيه من النظر وتركه ما لا يعنيه من الاستماع، وتركه ما لا يعنيه من الحركة وتركه ما لا يعنيه من المشي، وتركه ما لا يعنيه من الفكر، وتركه ما لا يعنيه من سائر الحركات الظاهرة والباطنة.
 أحد العلماء الكبراء إبراهيم ابن الأدهم، هذا كان سلطان، كان ملك وترك الملك زهداً به وصار عارفاً بالله فإذا قال هذا القول يصدق، قال: لو يعلم الملوك ما نحن عليه ـ لو قاله إنسان آخر ما نصدقه ونقول له أنت تعرف ما الملك ـ لقاتلونا عليه بالسيوف.
 قال: الورع ترك كل شبهة، وترك ما لا يعنيك. أما أهم شيء بقوله ترك كل شبهة، في شيء واضح أنه حلال، ما أحد يسأل عنه أبداً، إنسان ماله حلال، وعنده أولاد اشترى طعام وأطعمه لأولاده هل سمعت بحياتك إنسان يسأل شيخ نحن اليوم في البيت طبخنا وأطعمنا الأولاد هل هذا العمل غلط ؟ ما أحد يسأل هذا السؤال لأنه واضح أنه عمل طيب، وعمل طبيعي، وعمل مشروع أولادك أحوج الناس إليك، أولى الناس بإطعامهم وإكسائهم، ولا يوجد إنسان قال القتل حلال، يحتار هل القتل حلال أم حرام، أم شرب الخمر حلال أم حلال، بديهي، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

 

[ البخاري ـ مسلم ـ الترمذي ـ النسائي ـ أبي داود ـ ابن ماجة ـ أحمد ـ الدارمي ]

 اسمحوا لي بمثل يوضح الورع، تصور برميل بلا قعر، كل شيء إذا ألقيته فيه يخرج منه ففي إنسان لا يوجد عنده شيء حرام أبداً كل شيء يفعله، كل طعام يأكله، كل مال يأخذه، كل شهوة يمارسها، كل عدوان يفعله، كل كذب يكذبه، يفعل ما يشاء، أبداً، هذا لا يسمى حر، هذا يسمى دابة فلتانة هذا أصح كلام، يوجد إنسان عنده شيء من الإيمان إيمانه عمل له شبكة ولكن عينها عشرين سنتمتر وهذه العين لا تمرر بطيخة، فورعه بمستوى، أو استقامته بمستوى أن الكبائر لا يفعلها، ولكن تمرر جوز هند، برتقالة، تفاحة، فشبكته لا تمرر بطيخة لكن تمرر جوز هند، هذا نوع من الاستقامة يوجد إنسان شبكته أضيق لا تمرر جوز هند ولكن تمرر برتقالة، رجل آخر شبكته أضيق لا تمرر برتقالة تمرر كرمنتيناية، رجل آخر شبكته أضيق لا تمرر تفاحة تمرر بندقة، ويوجد آخر شبكته أضيق لا تمرر بندقة وتمرر حبة حمص، ويوجد آخر شبكته أضيق تمرر سمسمة، ويوجد إنسان استقامته صينية لا تمرر شيء أبداً.
 كل إنسان له مستوى من الاستقامة فكل ما ارتفع مستوى استقامته صار أقرب إلى الله

 

 فإذا لزم الاستقامة التامة فيما لزم الله وما نهى عنه صار مع الله دائماً، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾

 

[ سورة الكهف ]

 فالورع ترك كل شبهة، غير الورع يبحث عن فتوى ولو ضعيفة، عن رأي ولو شاذ، عن حكم فقهي ولو من فقيه غير متمكن، يسأل أي إنسان ويقول: قالوا حلال يا أستاذ، أقول له: من سألت، يقول: يوجد جامع فوق له إمام يصلي سألته وقال: لا شيء. بهذه البساطة إنسان لا تعرف عن ورعه ولا عن علمه شيء لأنه صلى بخمس أشخاص بجامع صغير جداً سألته وقال لا شيء عليك وانتهى الأمر.
 الإنسان غير الورع يتعلق بفتوى ضعيفة، برأي شاذ، بحكم من عالم غير متمكن، أما صاحب الورع لا يقبل إلا الحكم المدعوم بالدليل القوي، بالمناسبة الجاهل وحده يستفتي غيره، ويقبل فتوى غيره، أما طالب العلم عليه أن يطلب الدليل وأن يوازن بين الأدلة، طالب العلم، رواد المساجد، المثقفون، هؤلاء لا يقبل منهم أن يسألوا إنسان يعمل في الحقل الديني، لا أقول عالم، يسألوه سؤال ويأخذوا جواب وانتهى الأمر، هذا ليس مقبولاً من المثقفين، ولا من طلاب العلم، ولا من رواد المساجد، يطلب الحكم الشرعي والدليل إذا سأل عالم آخر وأعطاه الدليل يوازن بين الأدلة، يوجد أدلة أقوى من أدلة، فلان دليله آية، فلان دليله حديث ضعيف، لا الآية أقوى فلان دليله آية بمعناها الظاهر، فلان دليله آية بمعناها لباطن، بمعنى مركب، بتأويل غير مقبول، يجر النص أيام جر، أنتم لا تلاحظون غنمة ساقوها إلى الذبح كيف تجر وهي لا تقبل، من يشد النصوص إلى أهوائه ومصالحه والنصوص تتأبى، لا تقبل النص ليس لهذه الحالة.
 يقول لك لو أن الرجال أمروا بغض البصر لما كان للحجاب من معنى، المرأة لها أن تكشف عن محاسنها لأن الرجل مأمور بغض البصر، هذا الاستنباط مضحك، الرجل مأمور بغض البصر والمرأة مأمورة بالحجاب.
النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب أبو هريرة:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا وَأَقِلَّ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ ))

 

[ الترمذي ـ ابن ماجة ]

 يعني أعلى درجة في العبادة أن تكون ورعاً، لذلك مرة، ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط.
قال بعض العلماء: الورع أن يتورع الإنسان عن كل ما سوى الله. هذه درجة عالية جداً، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾

 

[ سورة المؤمنون ]

 ما هو اللغو ؟ كل ما سوى الله، أنت راقب حياة مؤمن متفوق لا يوجد عنده موضوع غير ذكر الله أينما جلس، أينما حل، أينما ذهب مع من التقى همه الوحيد توضيح حقيقة دينية، توضيح آية، حديث، توضيح حكم فقهي، رواية قصة عن صحابي، رواية قصة عن عالم جليل، دائماً يقرب الناس من الله، الإنسان الشارد المتفلت يحببهم بالدنيا ويزين لهم المعاصي والآثام، ويبعدهم عن الله، صار الناس رجلان مقرب، مبعد، واصل، قاطع، محبب، منفر.
 يا ربي أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك، قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي.
 المؤمن دائماً يذكر الناس بنعم الله كي يزدادوا حباً له، يذكرهم بآلاء الله كي يزدادوا تعظيماً له، يذكرهم ببلاء الله كي يخافوا منه أو يزدادوا خوفاً منه، إذاً الورع أن يتورع المرء عن كل ما سوى الله، إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي.
 وقال أبو سليمان الداراني وهذا من داريا، قرى الشام قرى مباركة نوى خرجت الإمام النووي، وداريا الإمام الداراني وأكثر مدن بلاد الشام خرجت علماء كبار ملئوا البلاد علماً وورعاً وقرباً، تلاحظ بالغوطة الشرقية يوجد تدين جيد لو عزوت هذا التدين إلى من ؟ إلى علماء كبار كانوا في الغوطة الشرقية، كانوا ورعين وكانوا قدوةً للناس وما تزال آثارهم حتى الآن واضحة، أسمع عن بعض القرى في الغوطة الشرقية فيها أمن، فيها أمان، يعني قلما يسرق مستودع هناك، يوجد عادات إسلامية أخذوها عن علمائهم الورعين.
 قال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد ن كما أن القناعة أول الرضا. أول الزهد أن تكون ورعاً، الإنسان الزاهد يكون ورع يأخذ الحلال ويدع الحرام، يأخذ ما له ويدع ما ليس له كما أن القناعة أول الرضا، هذه منازل، القناعة منزلة، الرضا منزلة، الزهد منزلة التوكل منزلة، الإيمان بالنهاية يجب أن ينتهي بك إلى هذه المنازل هذه منازل السالكين في مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
وقال يحيى بن معاذ: الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل.
كلام دقيق الله عز وجل قال:

 

﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾

 

[ سورة البقرة ]

 حرم الربا، يأتي إنسان يؤول الربا بنسب قليلة مسموح، لقوله تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)﴾

 

[ سورة آل عمران ]

 يريد أن ينفذ من آية، من حديث، من نص ضعيف، إلى أن يحل الربا، فالورع أن تقف على حد العلم من دون تأويل، لذلك المؤمن كما قال تعالى:

 

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم﴾

 

[ سورة الأحزاب ]

يعني علامة المؤمن الشيء الذي قضى الله فيه حكماً هذا الشيء غير خاضع للمناقشة، مرة كنت أستمع إلى برنامج، سألوا دكتورة في جامعة القاهرة عن رأيها في التعدد عبر الهاتف، طبعاً برنامج إذاعي، فقالت: ما يكون لي أن أدلي برأيٍ سمح الله به. أنا ما رأيت إجابة أقوى من هذه الإيجابية، لذلك أخطر شيء أن تسأل إنسان عن شيء الله حكم به.
فالورع أن تقف على حد العلم من دون تأويل، وقال بعضهم: الورع على وجهين ورع في الظاهر وورع في الباطن.
 الورع في الظاهر أن لا يتحرك المرء إلا لله، والباطن أن لا يدخل قلبه سوى الله، قالوا ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء ولا الذي يطير في الهواء، الولي كل الولي من تجده عند الأمر والنهي، أن يجدك حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك، هذا الورع الظاهر، الساعة الثانية عشر وربع يوم الجمعة أين تشاهده ؟ في المسجد وقت خطبة، في وقت الصلوات في المسجد، وقت العمل في عمله، وقت الأسرة مع أسرته، أن يجدك حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك، والروع الباطن أن لا تدخل إلى قلبك سوى الله، يعني ورد ببعض الحكم العطائية، العمل المشترك لا أقبله، والقلب المشترك لا اقبل عليه، الله يريد عمل خالص له وقلب خالص له، فالقلب المشترك هذا القلب لا يقبل الله عليه، والعمل المشترك لا يقبله الله لأن الله عز وجل أغنى الأغنياء عن الشرك.
 وفي قول في الورع: من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء. إذا كل قضية يقول لك لا تدقق الله غفور رحيم، يا أخي أنت متزمت ـ حلها برمة ـ إذا الإنسان هذا وضعه ما له شيء عند الله، كل قضية يقول لا تدقق، لا تكون متزمت، كل قضية الله لا يضع عقله بعقلنا ويحاسبنا، هكذا يقولوا العوام، ومادام رأيك لا تدقق لا يوجد عطاء، من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء.
وقال بعضهم: الورع الخروج من الشهوات وترك السيئات. ولعل الشهوات التي لا ترضي الله، لأن الله عز وجل ما من شهوة أودعها في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها.
يا أخوان:
 كلام دقيق واضح في الإسلام لا يوجد حرمان، في الإسلام في نظافة، في تنظيم، ولا يوجد حرمان، والله عز وجل زين لك حب المرأة ما حرمك منها، لكن قال لك تزوجها ولتكن شريكة حياتك لتنجب لك أولاداً يملئون البيت سعادة، ما أمرك أن تكون محروماً منها، ولكن منعك أن تزني بها، منعك أن تستمتع من دون زواج، منعك أن تتخذها مطيةً لشهواتك، الإسلام واضح، ما حبب المال إليك إلا وقد سمح لك أن تكسبه من طريق مشروع، قال تعالى:

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾

[ سورة الأعراف ]

 يوجد فهم للزهد فهم مقيت غير صحيح، وفي فهم للحرية فهم التفلت، الورع الخروج من الشهوات وترك السيئات، ويوجد قول آخر من دق في لدينا ورعه جل في القيامة خطره. يعني مكانتك عند الله بحسب ورعك، قد يكون شيء غير مقبول لكن واقع، يقال سيدنا أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى امتنع أن يقف في ظل بيت مرهون عنده، أبى أن ينتفع في ظل بيت مرهون عنده، والآن بقدر ورعك تقترب من الله واطمأن كل إنسان ورع، ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه.
 أسأل أحياناً بعض الأخوان الكرام ترك شيء لله الله عوضه أضعاف مضاعفة من طريق مشروع، إلا عوضه الله دققوا خير منه في دينه ودنياه، في دينه بقي الطريق إلى الله سالكاً، بقي الخط الذي بينك وبين الله ساخناً يوجد حرارة، والدنيا تأتيك الدنيا وهي راغمة.
 أخ من أخواننا له عمل غير مشروع في القوانين النافذة وبجانب منه غير مشروع عند الله من زاوية ضيقة، فسألني وقال لي أنا أعيش من هذا العمل ودخلي بالشهر أربعين خمسين ألف وأنا لي تقاعدية ثلاثة آلاف وخمس مائة، قلت له: إذا استطعت أن تلغي هذا الشرط من البضاعة لعله أن يكون مقبول، قال لي: أبداً هذه عملية كاملة، قلت له: ما لك مصلحة، فتركها، وهبط دخله إلى الثلاثة آلاف وعنده خمسة أولاد، قال لي: أستاذ أنا دخلي خمسين ألف يصبح ثلاثة آلاف، قلت له: الذي يريد الجنة يجب أن يضحي ن بالضبط قلت له هذا الكلام، مضى أسبوع أسبوعين ثلاثة شهر شهرين، فأرسل لي خبر مع أخ أن أسأل لي الأستاذ هل الامتحان يطول، والله بعد ذلك جاءه دخل مفتوح، الله امتحنه حتى ثبت حتى أخذ أبعاده.
والله أيها الأخوة:
 هذه القصة تتكرر كل يوم وليس كل شهر، كل يوم الله يريد أن يمتحن صبرك، يوجد نقطة أحب أن أبينها وكثير ما ذكرتها وأوضح مثل مطعم يبيع الخمور صاحب المطعم تاب إلى الله، حج وتاب فلغى الخمر أنا سوف أسألكم أليس الله قادراً أن يجعل دخل صاحب المطعم خمس أمثال قبل أن يتوب ؟ قادر، ما الذي يحصل ؟ ينزل دخل المطعم إلى الثلث، الربع، لماذا يا رب ؟ لأنه لو أعطاه خمس أمثال عندما تاب صار الشغل تجارة، الاستقامة أربح من الفساد تصبح، والدليل وهذه طرفة ولكنها واقعة، يوجد في حلب صاحب مطعم كاتب الخمر ممنوع بأمر الرب والرزق على الله، هذا المطعم تأتيه الساعة و العاشرة لا يوجد محل، الساعة الثانية عشر لا يوجد محل، الساعة الرابعة لا يوجد محل، الخامسة، السادسة لا يوجد محل عليه إقبال منقطع النظير، أكثر من محل صاحبه أرمني كتب نفس اللوحة، هل هذه عن عبادة ؟ لا ليس عن عبادة ولكن وجد إقبال الزبائن على هذا المطعم عجيب، فلو الله رفع دخل المطعم عند التوبة إلى خمس أمثال كل إنسان يبيع الخمر يتوب ولكن ليس لله حباً للمال، يدفعك ثمن قرارك، ثم استقامتك دافعت ثمنها باهظ يهبط الدخل إلى العشر ماذا تفعل ؟ ثابت أم ندمت، يوجد رجل ندم، حج وعاد ولغى الخمر هبط الدخل إلى العشر بعد شهر أرجع الخمر، بعد أثني عشر يوم وافته المنية.
 إذا أنت أردت أن تطيع الله في ثمن، وطن نفسك يجب أن تدفعه، يأتي إنسان من أمريكا جاء يرجع إلى بلده بنية أن يستقيم ويربي أولاده، قد يجد متاعب، لو ما وجد متاعب إطلاقاً ورأى الأمور كلها ميسرة ودخله في الشام أكبر ليس له أجر في العودة، ينصح الفسقة أن يرجعوا هنا أفضل، يجد بعض المتاعب في العمل، وهذه المتاعب ثمن قراره.
قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾

 

[ سورة التوبة ]

 وهذا قرار إلهي، قال تعالى:

 

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

 

[ سورة التوبة ]

 معنى هذا أنه سوف يكون ضعف في الدخول، فإن خفتم عيلةً فسوف يغنيكم الله من فضله، يعني الله عز وجل إذا أخذت قرار حكيم واصطلحت مع الله وأطعته يجب أن يدفعم ثمن هذا القرار من أجل أن ترقى عند الله، ومن أجل أن يغلق الطريق أمام المنافقين، طريق الجنة محفوف بالمكاره، طريق الجنة بالمتاعب ولكن ليس دائماً ولكن مرحلة فقط، كنت أقول دائماً: حياة المؤمن هي مرحلة تأديب إذا فيها معاصي، ومرحلة ابتلاء وامتحان بعد الاستقامة، ومرحلة تكريم والله أعلم أن حياته تستقر على التكريم، بعد التأديب والابتلاء تستقر حياته على التأديب ولكن لابد من الابتلاء.
يا إمام ندعوا الله بالابتلاء أم بالتمكين، قال: لن تمكن قبل أن تبتلى، الفكرة دقيقة جداً إذا اتخذت قرار بطاعة الله وجاءتك الدنيا وهي راغمة عقب هذا القرار مباشرةً يتجه الناس إلى طاعة الله لا حباً به ولا إيمان بالآخرة ولكن حباً لمصالحهم، انتهى التدين وانتهى التعبد لكن دائماً الله عز وجل يدفعك ثمن استقامتك، هذا الثمن ترقى به عند الله، وهذا الثمن يؤيد صدقك، وهذا الثمن يبيض وجهك يوم القيامة، ثم تأتيك الدين وهي راغمة، فمن دق في الدنيا جل في القيامة خطره.
 وقال بعض العلماء: الورع الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة عين؟ كلما وجدت شبهةً اخرج منها وحاسب نفسك حساباً عسيراً، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً.
قال سفيان الثوري: ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك فاتركه، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ، فَقَالَ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ "))

 

[ مسلم ـ الترمذي ـ أحمد ـ الدارمي ]

 يوجد معك ميزان، وميزانك فطرتك، الشيء الحق، الحلال مريح، الشيء الحرام مقيت، والشبهات فيها ضيق، ذهبت إلى أمريكا سؤال واحد سؤلته أكثر من مائة مرة، لماذا هذا السؤال ؟ لأنه في ضيق، يأتي عالم يعطي فتوة لا يرتاحون لها، يسألون، يا أخي ألم تسألوا ؟ يقولون: لا نرتاح، معنى هذا الشيء غلط، مادام أنت جاءتك فتوى وأنت ما رضيتها معنى هذا أن الشيء غلط، وأنت عندك فطرة سليمة وميزان دقيق، ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك فاتركه.
 وقال سهل: الحلال هو الذي لا يعصى الله فيه، والصافي منه هو الذي لا ينسى الله فيه. يوجد حلال ويوجد صفاء مع الحلال، فالحلال لا يعصى الله فيه، والصفاء الذي لا ينسى الله فيه، يعني تجارة مسموح بها لا يوجد بها معصية بيع أقمشة والشراء صحيح والبيع صحيح ولا يوجد كذب ولا تدليس، ولا إلى آخرة، ولكن إذا في موسم شديد هذا الإنسان قد ينسى، أما أيام يوجد أعمال أساسها في طاعة الله أساها في الدعوة إلى الله وأنت في عملك صافي، وأنت في عملك طائع هذا عمل حلال، أما وأنت في عملك صافي هذا عمل أرقى، فذلك أسعد الناس من كانت حرفته متوافقةً مع اتجاهه، يعني إنسان يحب المطالعة وضعوه أمين مكتبة، أروع عمل عنده نهم للمطالعة شديد، عمله أمين مكتبة، إنسان يجب العلم عمله بنشر العلم، إنسان يحب العمل الصالح عمله في مشروع خيري أعظم شيء في الحياة أن يتوافق عملك المهني مع اتجاهك الشخصي.
الإمام الحسن رضي الله عنه سأل غلاماً فقال: ما ملاك الدين ؟ فقال: والورع، قال: فما آفته ؟ فقال: الطمع.
 الإنسان حينما يطمع يسقط، أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى رأى غلاماً أمامه حفرة قال له: إياك يا غلام أن تسقط، قال: إياك يا إمام أن تسقط إني إن سقط سقط وحدي وإنك إن سقطت سقط معك العالم .
وقال الإمام الحسن: مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثال من الصوم والصلاة. أنا سمعت قول لحد العلماء ولعله التستري قال: ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجةً بعد حجة الإسلام.
الورع شيء رائع جداً يعني أجمل ما في حياة المؤمن الورع، والورع هو الناجح، هو الفالح، هو القريب من الله، ورزقه حلال والله زرت شخص في العيد وهو كبير في السن وهذه القصة من عشرين سنة عمره ستة وتسعين سنة، قال لي بالضبط: والله يا عم عملت تحليل البارحة كله كان طبيعي، تحليل دم كامل، كله طبيعي وقال: والله ما أكلت قرش حرام في حياتي ولا أعرف الحرام. والله رأيتها كلمة تكتب بماء الذهب، ألا يوجد عنده أسيد أوريك زيادة، شحوم ثلاثية، ألا يوجد عنده هذه الآفات، حمض البول مرتفع، كله تمام.
 مرة سألت طبيب أسنان وليس معنى هذا أن إذا أحد صلح أسنانه أنا لا أقصد هذا، قلت له: هل مر معك إنسان أسنانه كلها كاملة ؟ قال: والدي، قلت له: كم عمره، قال: خمسة وثمانين سنة، لا يوجد عنده ولا سن غلط ولا أصلح ولا سن، سمعت عنه له ورع ليس معقول، ورع شديد جداً، قال: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
أحد العلماء الذي نذر نفسه لتعليم الشرع والعلم الديني، بدأ في التعليم في الثامنة عشرة وتوفي في السادسة والتسعين أو في الثامنة والتسعين علم ثمانين سنة، كان يرى الشاب في الطريق يقول له يا بني أنت طالبي وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، وكان في الثامنة والتسعين منتصب القامة، حاد بالبصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه وكلما يسأل يقول: يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله إياها، يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر من عاش تقياً عاش قوياً.
التقيت في عالم جليل توفي رحمه الله، قلت له: كيف صحتك وعمره خمسة وثمانين سنة، فقال لي: ممتازة حسب سني.
 يعني قوته وحركته ونشاطه، الله عز وجل أقول لكم هذه الكلمة: كل الشباب نشيطين أما في خريف العمر يتفاوتون الناس، يوجد إنسان في خريف العمر نشيط، ويوجد إنسان تضعف أحواله، فالله عز وجل يرزقنا النشاط، الدعاء الشريف:

 

(( عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ لأَصْحَابِهِ:.... وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا.... ))

 

[ الترمذي ]

 يعني إذا الإنسان فقد حركته أقرب الناس له يتمنى موته، أعرف قريبة أصيبت بخثرة بالدماغ شلت، أول أسبوع خدمة خمس نجوم، ثاني أسبوع أربع نجوم تنام معها بنت من بناتها كل يوم، بعد شهرين ثلاثة ما أحد ينتبه إليها وأقرب الناس إليها تمنوا موتها، حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، قال تعالى:

 

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)﴾

 

[ سورة النحل ]

 شيء رائع جداً أن تعيش حياتك كلها متمتع بصحتك، لكن هذه تحتاج إلى استقامة، غض بصر، تحتاج إلى ضبط الحواس، ضبط الجوارح، ضبط الدخل، ضبط الإنفاق، ستة وتسعين سنة كل التحاليل صحيحة لا يوجد غلطة في جسمه، قال: والله ما أكلت قرش حرام بحياتي ولا أعرف الحرم، وكله عند الله بحساب دقيق، لذلك: وقال الإمام الحسن: مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثال من الصوم والصلاة. وترك دانق من حرام خير من ثمانين حجةً بعد حجة الإسلام.
 أشد الأعمال ثلاثة الجود بالقلة، أحب ثلاثاً وحبي لثلاثٍ أشد، أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، أحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد، أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد، وأبغض ثلاث وبغضي لثلاث أشد، أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد ـ هذه المراهقة المتأخرة ـ وأبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد.
 الجود في القلة والورع في الخلوة، وكلمة الحق عند من يخاف ويرجى. كلام دقيق كلمة الحق عند من يخاف ويرجى، قال يزيد بن معاوية: تكلم يا أحنف عن ابني، قال له: والله أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت، قال: فكان تلميحاً أبلغ من تصريح.
 يقولون أن الحسن البصري أدى أمانة العلم وتكلم كلام ليس في صالحه، فبلغ الحجاج والحجاج كان بطاش، فقال لمن حوله يا جبناء والله لأرويناكم من دمه وأمر بقتله، وقتل إنسان عند الحجاج كقتل ذبابة، فجيء بالحسن البصري سيد التابعين، لما وصل طبعاً جاء بالسياف ومد النطع ودخل الإمام الحسن البصري ورأى السياف جاهز وكل شيء منته، فحرك شفتيه بكلمات ما سمعها أحد، وإذ الحجاج يقف له، ويرحب به، ويقربه منه حتى أجلسه على سريره، وقال: يا أبا سعيد أدعو لنا أنت سيد العلماء، واستشاره، واستفتاه وسأله، وضيفه، وعطره، وشيعه إلى باب القصر، السياف والحاجب استغربوا، رجل جيء به ليقتل ما أدري ما حدث، فلما خرج تبعه الحاجب وقال له: يا إمام لقد جيء بك لغير ما فعل فيك فماذا قلت لربك ؟ قال: قلت يا ربي يا ملاذي عند كربتي ن يا مؤنثي في وحشتي اجعل نقمته علي برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم،اختلف الوضع.
 كلام دقيق الجود بالقلة، أيام أخ مؤمن معه مائة ليرة رأى أخوه أشد، والله يوجد أخ من أخوانا أنا أحبه كثيراً والله، يعني آثر أن يأتي إلى هذه البلدة الطيبة ليطلب العلم، له عمل ببلد آخر، عمل مكانة، وبيت، ومرتبة، جاء إلى هنا الدخل قليل قال لي: عملت ووزعت على سيارة أخي بعض البضاعة على البائعين، كان يدخلهُ من هذا العمل ألفين ثلاثة لا بأس، له أخ من أخوانا المؤمنين فقد عمله فجأة ومتزوج حديثاً والتجئ له، لا يوجد حل، قال له: أجلس إلى جانبي في السيارة وخذ نصف دخلي ـ دخلك كله ألفين وخمس مائة أتقبل أن ينقسم قسمين ؟ ولكن مؤمن وأنا سمعت القصة من فمه ـ قال لي: الله ألهمنا بعمل ما خطر ببال أحد له تفصيله، أول شهر ربحت خمسة عشر ألف بعد أن قلت له تعالى واجلس إلى جانبي في السيارة وخذ نصف دخلي.
 الله عز وجل كبير لما تأثر يعطيك والله إذا أعطى أدهش، أخ متزوج حديثاً فقد عمله ماذا يفعل ؟ قال لي: أنا دخلي ألفين وخمس مائة، اجلس إلى جانبي في السيارة وخذ نصف المبلغ، أنت أعطي البضاعة للبائع وأنا أبقى في السيارة، قال لي: والله أول شهر ربحنا خمسة عشر ألف أعطيته نصفهم، إنسان آثر وضحى، الله يحرمه ! يكون الدين بالطل.
 لذلك الجود بالقلة، أنا تحدثت يوم الجمعة قصة على المنبر الناس تأثروا بها كثيراً، شخص أحب أن يعمر مسجد في منطقة القدم تقريباً فكلم أحد أخوانا المهندسين أن يختار له أرض، فوجد له أرض مناسبة جداً ثمنها ثلاثة ونصف مليون، وصاحبها ورثها وراثةً قبل شهر مستخدم في مدرسة ابتدائية دخله أربعة آلاف وعنده ثمانية أولاد من أفقر الناس، تملكها من شهر ثمنها ثلاثة ونصف مليون، جاء صاحب المشروع الممول حتى يدفع الثمن، الأرض أعجبته والثمن مناسب، كتب شيك بمليونين ليرة وقال له: هذه أول دفعة، قال: له والثانية متى ؟ قال له: عند التنازل، قال: التنازل لمن ما موضوع التنازل، قال له للأوقاف، فقال له: لماذا الأوقاف ؟ قال له: هذه الأرض سوف ننشأ عليها مسجداً، قال له: مسجد ! قال له: نعم، أخذ الشيك بعد أن كتب ومزقه، قال له: أنا أولى منك أن أقدمها لله يقول هذا الرجل الثري والآن طريح الفراش عافاه الله: بحياتي ما صغرت أمام إنسان كما صغرت أما هذا المستخدم. لأنه إذا معه ثلاث مائة مليون ودفع ثلاث ملايين ماذا فعل، أما هذا لا يملك شيء ما معه قرش إلا هذه الأرض وقدمها في سبيل الله، الجود في القلة والورع في الخلوة وكلمة الحق عند من يخاف منه ويرجى
 وقال أبو هريرة: جلساء الله غداً ـ في الجنة، هؤلاء الذين ينظرون إلى وجه الله الكريم ويغيبون من نشوة النظرة خمسين ألف عام ـ أهل الورع إن أردت أن تكون جليس الله في الجنة فكن ورعاً في الدنيا.
وقال بعض السلف: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، وقد روي هذا النص مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال بعض الصحابة ودققوا في قول الصحابة: كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام. هذا الورع فيها شبهة لا نريدها.
أيها الأخوة:
 عود على بدء ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، والورع ملاك الدين، والورع هو التفسير الدقيق لما كان عليه أصحاب رسول الله من القوة والمنعة والعز، ولما آلت إليه حال المسلمين من الضعف والتخاذل وفقد القيام، وكانوا رعاة للغنم فأصبحوا رعاة للأم، أما نحن ليست كلمتنا هي العليا ولأعدائنا علينا ألف سبيل وسبيل، هذا من ضعف إيماننا ومن ضعف استقامتنا ومن فهمنا للدين فهماً تقيماً، فهمناه عبادات ليس غير ولم نفهمه منهجاً قويماً ولا استقامةً ولا عطاءً وبذلاً ولا دعوةً إلى الله، فهمناه فهماً فلكلورياً فكنا على ما نحن عليه.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018