بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 120 - درجة التقرب إلى الله وعلاجها الحجاب عن الله .


1999-05-09

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

من ازداد علماً ازداد قرباً من الله عز وجل :

الدين له بداية لكن ليس له نهاية
أيها الأخوة الكرام ؛ درس اليوم موجه إلى فئة قليلة ، في كل مجتمع ، في كل جامع، في كل معهد ، في كل مؤسسة ، فئة متفوقة متألقة مجتهدة حققت نجاحاً ، هؤلاء الذين تفوقوا وتألقوا وأفلحوا ، هل هناك مطبات تنتظرهم ؟ هذا الدرس يفيد كل الفئات بشكل أو بآخر ، يفيد فئة ينبغي أن تعلم أن الدين له بداية ، لكن ليس له نهاية ، كلما ازددت علماً ازددت قرباً ، وكلما ازددت قرباً اتسع الأفق ، وكلما اتسع الأفق كان الإدراك أعمق ، وكان الكمال أشدّ ، الشيء الذي لا يقبل أن الإنسان صلى وصام وحضر دروس العلم وعاش وأكل وشرب ، هذا الدين ! لا ، هذا هو الحد الأدنى ، هذا هو التعليم الإلزامي ، فوق التعليم الإلزامي تعليم ثانوي ، تعليم جامعي ، ثم الماجستير و الدكتوراه ومن ثم شهادات تخصصية عليا جداً ، ثم إنتاج علمي، ثم بحث ، ثم اختراع ، فحتى في الحقل العلمي في العالم هناك درجات لا تنتهي ! أحياناً يقول لك : فلان معه أربع شهادات عالمية ، فلان له ثلاثون أو أربعون مؤلفاً ، فلان له اختراع باسمه . يا ترى في الدين في الحقل الديني ، وهو دين الله عز وجل ألا يمكن أن يكون هناك مراتب عليا جداً ؟ طبعاً ، دعونا من الأنبياء والمرسلين ، هذه مقامات مغلقة لا نبي بعدي ، وأظن أن مقام الصديق لا يعدله مقام ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح إيمان أبي بكر))

[الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب]

دون مقام الصديق أليس هناك مقامات عليا ؟ هناك أيمان عالية جداً ؟ طبعاً القرآن أقرّ بذلك ، فهناك إسلام ، وهناك إيمان .

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات : 14 ]

هناك مراتب عليا يجب أن نسعى إليها
هناك إحسان ذكره النبي عليه الصلاة والسلام أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، هذا الدرس قد يوجه إلى فئة متألقة في المسجد ، وقد يلفت نظر الباقين إلى أن هناك مراتب عليا ينبغي أن نسعى إليها ، لا أن نكتفي بأن صلينا الصلوات الخمس ، وصمنا رمضان ، وحججنا بيت الله الحرام ، ودفعنا زكاة أموالنا ، وتصدقنا ، وانتهى الأمر !! لا لم ينته الأمر ، كل مرتبة فوقها مرتبة . قال بعضهم : هناك مرتبة الإسلام التي هي فوق الإحسان ، بالمعنى الدقيق جداً :

﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة البقرة : 131]

أنت تُخلي نفسك لله .

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

[سورة المؤمنون : 3]

عما سوى الله ، إذاً هناك مرتبة الإيمان ، ومرتبة الإسلام ، كل من ينصاع لأمر الله فهو مسلم ، وكل من أقبل على الله بقلبه ، وسعد بهذا الإقبال ، فهو مؤمن ، وكل من رأى الله في كل شيء ، وقبل كل شيء ، وبعد كل شيء ، وفوق كل شيء ، وتحت كل شيء ، كل من رأى الله في كل شيء فهو محسن ، وحينما لا يكون لك اختيار مع اختيار الله ، ولا إرادة مع إرادته ، ولا تتمنى إلا أن تكون كما يريد ، فهذه مرتبة الإسلام التي فوق الإحسان :

﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة البقرة : 131]

وقفات متأنية عند بعض النصوص الدينية كما يفهمها كبار العارفين :

نحن إذا وقفنا وقفات متأنية عند بعض النصوص الدينية كما يفهمها كبار العارفين، حتى في التعليم يوضع نص من الشعر في كتاب الصف السابع ، وقد تجد النص نفسه في كتاب الصف العاشر ، وقد تجده في كتاب جامعي ، وقد يدخل أستاذ في الدراسات العليا الأدبية فيأتي بالنص نفسه الذي في كتاب السابع فيشرح بيتاً في ثلاث ساعات ، النص واحد ، لكن الفهم يتغير ، بل إن فهم النصوص شيء اختص الله به بعض الأنبياء .

﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾

[سورة يوسف : 21]

النص شيء ، وفهمه شيء آخر ، قد تفهم النص فهماً عميقاً جداً ، يعطيك دفعاً إلى الله لا حدود له ، وقد تفهم النص فهماً محدوداً ، أو معكوساً يبعدك عن الله عز وجل ، والشواهد كثيرة جداً . فهمك للقرآن عندما يكون عميقا يدفعك إلى الله
إذا فهمت أن النبي إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ، إذا فهمت أن الشيطان يمكن أن يصل إلى النبي ، وأن يلقي في أمنيته شيئاً ، ما هذه النبوة ؟ أين التحصين ؟ أما إذا فهمت الآية بمعنى آخر إذا تمنى النبي هداية قومه ألقى الشيطان في أمنيته هو كي يضلهم وانتهى . الأمر واضح جداً ، إذا فهمت أن الله عز وجل حينما قال في الآية الكريمة :

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

[سورة السجدة : 13]

قد تفهم هذه الآية على نحو تبتعد عن الله بها ، أن الله عز وجل قادر على هداية الخلق ، لكنه لم يشأ أن يهديهم ، لمَ لم يشأ أن يهديهم ؟ من أجل أن يملأ النار ، هذا المعنى لا يليق بحضرة الله عز وجل ، لا يليق بكماله ، لكن المعنى أنني يا عبادي لو كنت مجبركم على شيء ما ، لما أجبرتكم إلا على الهدى ، لكنكم مخيرون ، هويتكم أنكم مخيرون ، فإذا أخذت اختياركم ألغيت وجودكم ، أنتم مخيرون ، فلو أني أردت أن أسلبكم اختياركم ، وأن أجبركم على شيء ما ، لما أجبرتكم إلا على الهدى ، فلا تزعموا أن أعمالكم السيئة بقدر من الله عليكم . ما كان الله ليأمر بالفحشاء ، ولا يحمل عبده على الفحشاء ، ولا ليجبر عبده على الفحشاء ، وحسن الظن بالله ثمن الجنة ، نصوص كثيرة جداً بين أن تفهمها فهماً تتألق بهذا الفهم ، وبين أن تفهمها فهماً ثقيلاً . الله أعطاك جبلة راقية هي ميزانك تعرف به الصح من الخطأ

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس : 7-8]

إن فهمت هذه الآية على أن الله خلق في الإنسان الفجور انتهى الدين كله ! إذا فهمت هذه الآية على أن الله يخلق في النفس الفجور ، ما ذنب هذا الفاجر ؟ معه الحجة على الله يوم القيامة ، لكن قال :

﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس : 7-8]

جبلها جبلة عالية راقية ، بحيث لو فجرت تعرف ذاتياً أنها فجرت ، أعطاك ميزاناً نفسياً داخلياً ، دائماً أنت تعرف واقعك تماماً ، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى :

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[سورة القيامة : 14-15]

منية من اتقى الله وعمل الصالحات ليست كالذي اجترح السيئات :

أيها الأخوة ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((صنائع المعروف تقي مصارع السوء ، وصدقة السر تطفئ غضب الرب . .))

[جلال الدين السيوطي عن أبي أمامة]

تجد إنساناً يموت موتة رائعة ، في بيته بين أحبابه ، قبل أن يموت يلقي الله في روعه أنه اقترب أجله ، فيودع أقرباءه ، يستغفر ربه ، يكتب وصيته ، يموت موتة هنيئة معززة مكرمة .
كنت ذات مرة في تعزية ، جلس إلى جانبي أحد علماء دمشق الأجلاء ، وهو يتمتع بأعلى درجة من الصحة ، وسألته وأجابني ، ودار بيننا حديث ، ثم قام وخرج من التعزية، ما إن خرج من البيت متراً واحداً حتى لقيه أخ مؤمن لا يعرف اسمه ، لكن عرفه من زيه الديني، دعاه إلى أن يوصله إلى بيته ، ركب معه في السيارة ، وانطلق به إلى البيت ، دخل بيته ، وصعد حتى الطابق الرابع ، وفتح الباب ، ودخل إلى بيته ، ودخل إلى غرفته ، ونزع عمامته ، وخلع جبته ، واستلقى على السرير ، وفاضت روحه إلى السماء ! لو أراد أن يأخذ سيارة أجرة يموت في السيارة ، كيف سخر الله له إنساناً لا يعرفه ، ولا يعرف اسمه ، أقله إلى بيته وفاضت روحه على سريره ، بينما وجدت مرة إنساناً أمام قصر العدل ملقى على الطريق ، وقد جُلِل بقماش ، قاوا : هذا مات هنا ، ذهبت إلى عملي ، وعدت بعد ست ساعات ، هو مكانه مغطى، لم يأت الطبيب الشرعي ، إنسان يموت بالمرحاض أحياناً ، إنسان يموت شعر بأنه يرى التلفاز بشكل مشوش ، شعر بأن هناك غصناً من أغصان الشجرة التي أمام البيت تشوش الصورة من على الصحن ، فجاء بسلم وصعد الشجرة ، وقطع هذا الغصن ، اختل توازنه ، تمسك بهذا الغصن ولكنه قد قطعه ، فوقع ميتاً ، موتة رائعة في سبيل نقاء الصورة .
معركة تمت على السطح مع لص للإبر ، فمعه أزمة قلبية ، لكمه لكمة هذا اللص فأرداه قتيلاً ، أيضاً على السطح ، هناك من يموت وهو يعصي الله ، يموت في دار لهو ، يموت في ملهى ، يموت وهو يتابع شيئاً محرماً ، وهناك من يموت في المسجد ، هناك من يموت وهو يصلي ، هناك من يموت في ليلة القدر ، يقول عليه الصلاة والسلام : " صنائع المعروف تقي مصارع السوء" الإنسان المؤمن الذي أمضى حياته في طاعة الله وفي تقواه ، وفي طلب العلم ، قرأ القرآن وعلمه ، وتابع النبي العدنان ، له عند الله موتة راقية ، بل إن الآية الكريمة يقول الله عز وجل :

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾

[ سورة الجاثية : 21 ]

الذي اتقى الله وعمل الصالحات لا يمكن أن يكون موته كالذي اجترح السيئات .

﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 21 ]

صدقة السّر تطفئ غضب الرب :

صدقة السر تطفئ غضب الرب
صنائع المعروف تقي مصارع السوء ، وصدقة السر تطفئ غضب الرب .
والله الذي لا إله إلا هو ما من مؤمن يسترضي الله بصدقة وقد أحاطت به مشكلة شبح مصيبة، أو إنسان هدده ، أو عليه مبلغ ضخم لا يجد سداداً له إلا و استجاب الله له و كشف ما به من ضرّ ، المصائب كثيرة جداً في الحياة ، والإنسان بهذا العصر سبحان الله لحكمة أرادها الله فوقه ألف سيف ، كيفما تحرك قد يحاسب الدعاء والصدقة يقويان العقيدة
لذلك الإنسان إذا شعر بخطر ، شعر بمطب كبير ، شعر بشبح مصيبة ، لاح له خطر ، إنسان توعده ، إنسان لا يقوى على مغالبته ، فدفع صدقة فيما بينه وبين الله ، صدقة السر تطفئ غضب الرب . باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها ، الصدقة تقع في يد الله ، قبل أن تقع في يد الفقير ، والله أكثر من أخ ، والله عشرات وقريب من مئات استرضوا الله بصدقة فأذهب الله عنهم كل مكروب .
نقطة دقيقة : الدعاء والصدقة يقويان العقيدة ، أنت عندما تدعو الله عز وجل ، والأمور كلها ضدك ، بقدرة قادر تنعكس الآية ، الأمور كلها لصالحك ، معنى ذلك أن الأمر كله بيد الله ، وأن الله سمعك واستجاب لك ، وأراد ك أن تتقوى عقيدتك بقدرته وسمعه وبصره ومحبته ورحمته .

أكبر مصيبة تصيب الإنسان أن يكون محجوباً عن الله :

العلماء قالوا : المصيبة التي لا تنجبر مصيبة المصائب ، أكبر مصيبة تلم بالإنسان ، الإنسان قد يسأل هل الفقر ؟ لا ، مرض عضال ؟ لا ، تشرد ؟ لا ، مرض الولادة ؟ إفلاس ؟ فقر مدقع ؟ دخول السجن ؟ لا ، المصيبة التي لا تنجبر أن تكون محجوباً عن الله ! لأن الله عز وجل تجلى عليك وأنت في أصعب حالة فتغدو أسعد الناس ، قد يسعدك وأنت فقير، وقد يشقيك وأنت غني ، قد يسعدك وأنت مريض ، وقد يشقيك وأنت صحيح ، قد يسعدك وأنت ضعيف ، وقد يشقيك وأنت قوي ، فالمصيبة التي لا تنجبر هي أن تكون محجوباً عن الله .

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[سورة المطففين : 15]

الأدب مع الله عز وجل و الاعتراف بفضله :

الآن دخلنا في الموضوع الذي بدأنا به ، إنسان له مكانة ، أخ كريم ، متفوق ، متألق ، موضع نظر المؤمنين ، قدوة لهم ، أخوانه يرمقونه بملء عيونهم ، هذا لو أراد الله أن يؤدبه كيف يؤدبه ؟ لا يسوق له مصيبة مؤلمة ، لا ، الله أجلّ من ذلك ، يحجبه ، يقف ليصلي، يقرأ القرآن ، يذكر الله ، الله عز وجل يؤدبه ، ويحفظ له مكانته ، وكرامته ، ويستره ، فإذا حجب الله عز وجل إنساناً فبسبب تقصير أو ميل للدنيا ، يقول أحد الشباب وقد لزم شيخاً والشيخ علمه أن لكل سيئة عقاباً ، وأن هذا الشاب زلت قدمه مرة فوقع في مخالفة ، وحسب كلام الشيخ ينتظره من الله عقاب أليم ، فصار ينتظر ، ظن أن العقاب لعله يأتي إلى جسمه ، أو إلى أهله، أو إلى أولاده ، أو إلى ماله ، مضى أسبوع أسبوعان ، في أثناء المناجاة قال : يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبني ؟ قال : وقع في قلبه أن يا عبد لقد عاقبتك ولم تدر ! ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟ هذا أكبر عقاب ، لا تنتظر إذا كنت قريباً من الله ، وعلى مستوى راق جداً ، إذا كنت متألقاً لا تنتظر أن يكون العقاب مصيبة في مالك ، أو جسمك ، عقاب المتفوقين الحجاب ، يحجبك عنه ، إذا ابن تربيته عالية جداً جداً ، يكفي ألا ينظر إليه أبوه حتى يحترق ، أعرض عنه فقط ، وأساساً من يخاف من عقابك المادي هذا لا يحبك ، أما الذي يخاف أن تنقطع صلته بك فهذا الذي يحبك ، والمؤمن أحد أسباب إقباله على الله الشديد أنه يخاف أن تنقطع صلته بالله ، الدنيا محببة ، وخضرة نضرة ، لكنه يخشى إذا أخذ من مباحاتها أن يحجبه الله عز وجل، فيدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس أحد أسباب اقبال المؤمن على الله أنه يخشى أن يحجبه
هذا الشاب قال له : إلهي كم أعصيك ولا تعاقبني ؟ فقيل له : ألم أحجبك عن لطائف أنسي ؟ ألم أخرج من قلبك حلاوة مناجاتي ؟
قلت لكم مرة : الحجاج أمر بقتل الحسن البصري ، فاستدعاه فلما دخل وجد السيّاف جاهزاً ، قال : " يا مؤنسي في وحشتي ، يا ملاذي عند كربتي ، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم " اختلف وضع الحجاج ، جاء به ليقتله فاستقبله ، ووقف له ، وقال له : يا أبا سعيد أنت خير العلماء ، واستفتاه ، وأضافه ، وأكرمه ، وعطره ، وشيّعه إلى باب القصر ، لذلك المؤمن مستجاب الدعوة ، أكبر كرامة له عند الله أنه مستجاب الدعوة ، قال : الكفار محجوبون بظلمة الضلالة عن نور الهدى ، أهل المعصية محجوبون بظلمة الغفلة عن أنوار التقوى ، هنا الدرجة العليا ، أهل الطاعة محجوبون أحياناً بظلمة رؤية الطاعة عن أنوار رؤية التوفيق ، أنا مستقيم باعتداد ، وكأن هذا من جهده الشخصي ، هذه بطولته ، الناس ضائعون ، أنا أضبط أموري ، هذا نفسه ذنب ، يجب أن ترى توفيق الله لك ، يجب أن ترى معونة الله لك ، يجب أن ترى أن الله سمح لك أن تكون مؤمناً ، وأسمعك الحق .

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾

[ سورة الأنفال : 23 ]

يجب أن ترى لولا فضل الله عليك ما كنت كما أنت ، دخلت لبيت أحد من يعمل في الحقل العلمي وجدت آية قرآنية ، والله اقشعر جلدي .

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[سورة النساء : 113]

اشكر نعمة الله أنك لست مجرما
هؤلاء الذين يرتكبون الجرائم بشر مثلنا ، ساعة حمق قتل ، وضع في السجن ثلاثين سنة ، الله عز وجل نورك ، هؤلاء الذين يرتادون الملاهي بشر مثلنا ، كل يوم بالملهى ، الذين يأخذون المخدرات بشر مثلنا ، الذين يزنون بشر مثلنا ، الذين يشربون الخمر ، أناس كثيرون غارقون في شرب الخمر وتناول المخدرات ، في الزنا ، في الشذوذ ، في سرقة المال والاحتيال على الناس ، الله عز وجل شرفك وكرمك وجعلك إنساناً مؤمناً ، تعرف الحقيقة ، ومنضبط بالمنهج ، هذه نعمة الله الكبرى ، لا ترى أنك مستقيم ، يجب أن ترى توفيق الله لك حتى جعلك مستقيماً ، فطبعاً الكفار محجوبون بظلمة الضلالة عن نور الهدى ، وأهل المعصية محجوبون بظلمة الغفلة عن أنوار التقوى ، لكن أهل الطاعة محجوبون بظلمة رؤية الطاعة عن أنوار رؤية التوفيق ، هذا الكلام يؤكده أخ من إخواننا زارني في البيت ، ما إن دخل البيت حتى أجهش بالبكاء ، قلت له : خيراً ؟ قال : أنا أطلقت بصري في الحرام ، معاذ الله ، قلت له : تب إلى الله ، قال : تبت عشرين مرة ، وكل مرة أنقض التوبة ، والله أنا وقتها لم أجد حلاً ، قلت له : الحل عندي أن تتوب ، قال : أتوب ثم أعود ، زارني مرة ثانية فهمت ، له أب ليس ملتزماً مثله، يتابع بعض المسلسلات ، تأتي خالته يجلسون سوية ، بالنسبة له هذه حرام وهذه حرام . . فبدأ يحتقر والديه ، ويقسو في الكلام ، وبدأ يستعلي عليهما ، عصاة هو مستقيم ، فأدبه الله بأن ضعّف مقاومته ، اعتد باستقامته ، ما رأى توفيق الله له ، رأى قدرته على طاعة الله ، ورأى إرادته القوية ، هو لا يتابع هذه المسلسلات ، هو لا يجلس جلسة مختلطة ، أبوه منحرف وعاصٍ، فلأنه نسي فضل الله عليه لفت الله نظره ، ضعّف له مقاومته ، يا ترى هذا الكلام صح؟ صح قاله سيدنا يوسف :

﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[سورة يوسف : 33]

الأدب ، هذه أعلى درجة في الأدب .

﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[سورة يوسف : 33]

لذلك قال ابن عطاء الله السكندري : " رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً ، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً ".

 

التّولي و التّخلي :

المكسور أقرب إلى الله
المفتقر أقرب إلى الله ، المكسور أقرب إلى الله ، والمعتد محجوب عن الله ، أنا أخاطب المتفوقين : إذا كنت متفوقاً ، وإذا كنت داعية ، وإذا كنت شخصاً مهماً في الدين ، عندك علم غزير ، وحكمة بالغة ، ينتظرك مطب خطير ، أن تنظر إلى طاعتك لا إلى فضل الله عليك ، أن تنظر إلى قوة إرادتك لا إلى معونة الله لك ، هذا مطب . طبعاً الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه الإحياء عقد باباً أظنه في الفصل الأول عن الغرور وقال : " إن هذا المرض يصيب حتى العلماء " وكنت أقول دائماً : إن أراد الإنسان أن يصل إلى القمة - لا تقولوا قُمة ، القُمة أي القمامة ، القِمة بالكسر ، هناك أخطاء شائعة كثيرة جداً ، يقول لك : أنا مولّع أي ثور أحمر ، قل : أنا مولَع ، لا تتفاصح ، تقول : التجارُب ، التجارب العدوى بالجرب، يجب أن تقول : التجارِب ، لا تقل : أخي طبيب أخصائي في أمراض الدم ، أي يخص ، اختصاصي ، يوجد كلمات كثيرة فيها خطأ شائع ، لكن الخطأ الشائع هو الشائع ، والصواب ضائع ، هذه المشكلة - فالإنسان حينما يعتد بطاعته ، وينسى فضل الله عليه ما قرأ قوله تعالى :

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

[سورة الفاتحة : 5]

إذا وصلت إلى القمة فاحذر أن تنزلق باعتدادك إلى القاع
هذا مطب ، القِمة بلوغها صعب يحتاج إلى جهد كبير ، وكأنها قمة مادية لها طريق ملتو كله أكمات وأحجار وتراب وغبار ، فإن وصلت إلى القِمة هناك طريق زلق يعيدك إلى القاع بثانية واحدة ، وهو طريق الغرور ، فمن عظمة الأنبياء أنهم في أعلى درجات تألقهم كانوا في أعلى مستويات افتقارهم إلى الله ، والدرس الشهير جداً الذي أدب الله به أصحاب النبي الكرام أنهم في بدر قال الله عنهم :

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 123 ]

وهذا الدرس يحتاجه كل مؤمن ، كل يوم أنت في بيتك ، في عملك ، في وظيفتك، في تسيير معاملة في بعض الدوائر ، تقول : أنا لي مكانتي ، الناس يحترمونني ، يخافون مني، لي أسلوب ، الدراهم مراهم مثلاً ، فتفشل ، تقول : يا رب أنا الضعيف وأنت القوي ، أنا الجاهل وأنت العالم ، أنا الفقير وأنت الغني ، إن أقبلت على الله مفتقراً تولاك الله ، إن اعتددت بقدراتك الذاتية تخلى الله عنك ، وكل واحد منا يحتاج إلى هذا الدرس كل يوم .
ربما يحجب المرء برؤية النعمة عن المنعم
قال : من رأى نفسه عند الطاعة لم يتخلص من العجب ، كلمات تحتاج إلى تبصرة ، مكثفة جداً تحتاج إلى تمديد ، ربما يُحجب المرء برؤية العبادة عن وجدان حلاوتها ، وربما يحجب المرء بوجدان الحلاوة عن صحة الإرادة ، وربما يحجب المرء برؤية المِنّى عن المنان ، وربما يحجب المرء برؤية النعمة عن المنعم .
قال : من رأى الخلق لم يتخلص من الرياء ، ومن رأى الطاعة لم يتخلص من الغرور ، ومن رأى الثواب لم يتخلص من الحجاب ، ينبغي أن ترى الله ، هذه مستويات عالية ، أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
التوحيد نهاية العلم
هناك قصة ؛ دخل شيخ مدينة فتبعه خلق كثير ، فلما نظر هذا الشيخ إليهم وإلى ازدحامهم عليه قال : اللهم إني أعوذ بك أن تحجبني عنك بهم ، وأعوذ بك أن تحجبهم عنك بي، كلام عميق ، أحياناً الإنسان لا يرى إلا شيخه ، لكن الله هو الأصل ، وأحياناً شيخ لا يرى إلا مريدينه ، والله هو الأصل . اللهم لا تحجبني عنك بهم ، وأعوذ بك أن تحجبهم عنك بي ، الله هو الأصل ، لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكر خليلي ، ولكن أخوة و صحبة، هذا كلام عميق قليلاً ، لا أعرف مدى قبوله عندكم ، لكن هذا الواقع ، يجب أن تكون مع الله دائماً ، هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، ألا تتكل على غيره ، ألا تأنس إلا به ، ألا تعتمد إلا عليه ، ألا ترى أحداً فعالاً غيره ، ألا ترى معطياً إلا هو ، ألا ترى مانعاً ، ألا ترى خافضاً ، ألا ترى رافعاً ، ألا ترى معزاً ، ألا ترى مذلاً ، إلا الله ، هذا هو التوحيد ، والتوحيد نهاية العلم ، نهاية نهاية العلم أن توحد ، والتقوى نهاية العمل ، فإذا وحدت الله واتقيت أن تعصيه فقد مسكت المجد من طرفيه .

 

الاستعانة بالله و الالتجاء إلى حوله و قوته في كل أمر :

معنى هذا أنك بحاجة إلى خلوة مع الله ، وبحاجة إلى جلسة مع الناس ، مع الناس ترقى بالعمل الصالح ، ومع الله ترقى بالإقبال عليه ، ولابد من التوازن ، طبعاً علمنا الله بالقرآن الكريم قصتين شهيرتين : قصة سيدنا داود الذي آثر أن يكون مع الله على أن يكون مع الخلق، فعاتبه الله ، وسيدنا سليمان الذي آثر أن يكون مع الخلق عن أن يكون مع الله فعاتبه الله ، لا بد من التوازن ، لابد من أن تكون مع الله ومع الخلق ، مع الله مقبلاً ، مع الخلق معيناً ، مع الخلق يوجد عمل صالح ، ومع الله يوجد شحن .
مرة كنت أذكر لكم هذا كثيراً : رجل قدم لي بيلاً صغير جاء به من بلد آخر ، هذا يشحن في الكهرباء ، لا يوجد فيه بطاريات ، فحينما أنسى أن أشحنه و أريد أن أستخدمه فلا يعمل ، وحينما أشحنه يتألق كالشمس ، قلت : هذا كالمؤمن إذا لم يشحن كل أسبوع شحنتين أو ثلاث يضعف ، يقول لك : منزعج ، هذا صحيح ، أشعر بالملل ، صحيح ، هذا حال كل مؤمن لا يشحن ، الحياة مملة يا أخواننا ، والله مملة ، لكن يحبها من لم يصل لها ، لا يزال شاباً صغيراً ، يفكر في بيته ، ومن سيتزوج ، وماذا سيعمل في الكبر ، بعد أن تحدد عمله وزوجته وبيته ، الحياة لم يعد لها معنى إطلاقاً بعد تحقيق أهدافك الدنيوية تصبح الحياة مملة
أنا أقول : الإنسان شاب مادام الله همه ، فإذا كان همه الدنيا انتهى ، تجد شخصاً بعد أن يكون قد وصل لأهدافه لا يحتمل من استعلائه ، و لا يحتمل من تفاهته .
فيا أيها الأخوة ؛ أنت شاب مادمت مع الله ، شاب مادمت تحمل هموم المسلمين ، شاب مادام الله هو هدفك الكبير ، فإذا قنعت بالدنيا ، وركنت إليها ، انتهيت ، الحجاب أشدّ أنواع العقاب قال : من اشتغل بطرائف الحكمة ودقائقها صار محجوباً عن حقائقها ، يحب هذه الطرف يحفظها ويحكيها ويضحك الناس ، طرف جميلة جداً ، من اشتغل بطرائف الحكمة ودقائقها صار محجوباً عن حقائقها ، وما أعرف معصية أضرت بصاحبها من نسيان الرب ، وعلاقة القلب بغيره ، وكل همّ وذكر لغير الله تعالى حجاب بينك وبين الله ، ورب حسنة يعملها الرجل لا يكون له سيئة أضر عليه منها ، حسنة تجعله يتكبر . لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر ، أعوذ بالله ، أكبر من الذنب العجب العجب ، سردت من يومين فكرة أن الإنسان أحياناً عنده كيلو لبن وجاءه عشرون شخصاً ، ليس لديه شيء ، شاي لا يملك ، فأتى بخمسة كيلو ماء ، خلط هذا اللبن بالماء ووضع ثلجاً وقدمه لمن جاءه ، الكيلو لبن تحمل خمسة كيلو ماء ، لكن لا يتحمل نقطة كاز واحدة ، تهدره فوراً ، الدين لا يتحمل كبراً أبداً ، لا يتحمل عجباً أبداً ، بالعجب تحجب فوراً بالعجب والكبرياء تحجب فورا عن الله
الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني شيء منهما أذقته عذابي ولا أبالي ، رب معصية أورثت ذلا وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً ، والدليل الأقوى : النبي صلى الله عليه و سيم ناصبته قريش العداء عشرين سنة ، أخرجته وائتمرت على قتله ، قتلت أصحابه ، نكّلت به ، حاربته ثلاثة حروب ، أرادت أن تستأصله ، ثم فتح مكة ، وكان منتصراً ومعه عشرة آلاف مقاتل ، يأتمرون بكلمة منه ، لو قال : أبيدوهم أبادوهم ، قال : ماتظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء . ودخل مكة مطأطئ الرأس حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله تعالى ، هذه نصيحة لوجه الله ، مهما ارتفعت تواضع لله ، لا تنظر إلى ما أنت فيه ، انظر إلى فضل الله عليك ، ينبغي ألا تحجب بالنعمة عن المنعم ، ولا بالفضل عن صاحب الفضل .
قال : رب حسنة يعملها الرجل لا يكون له سيئة أضرّ عليه منها ، ورب سيئة يعملها الرجل لا يكون له حسنة أنفع له منها ، ينكسر ويكون قريباً من الله ويتذلل ويتوب ويستغفر ، أصبح قريباً ، هذه السيئة كسرته فصار قريباً ، والحسنة مع ضعف الإيمان يتكبر بها، أصبح محجوباً ، درس مستواه للمتفوقين ، أما العاديين فأطع ربك تسمى أعظم إنسان ، بعد أن تعمّق بالطاعة تجد أنه مع الطاعة اعتد بالنفس .
حين ترى نفسك شيئا مهما فهذا من الشرك الخفي
سيدنا الصديق كان يقول : " اللهم إني أعوذ بك من الشرك الخفي " أن ترى نفسك شيئاً مهماً ، قال : نور الدين الشهيد الذي ردّ المغول وحقق انتصارات مذهلة ، مرة سجد لله عز وجل قال : يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره ؟ انصر دينك ، هو حقق شيئاً كبيراً جداً وصف نفسه بهذا الوصف ، ليظهر تواضعه لله عز جل ، وليظهر عظمة الله عز وجل ، إذا الإنسان أقبل على عمل قال : يا رب إني مفتقر إليك ، اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك ، يا ذا القوة المتين ، عود نفسك قبل كل عمل أن تستعين بالله ، أن تتقوى بالله ، أن تتعلم من الله عز وجل ، دائماً الإنسان إذا أعجب بنفسه حجب عن الله عز وجل ، قال : رقصت الفضيلة تيهاً بنفسها ، فانكشفت عورتها ، أحياناً يجلس شخص بجلسة أنا البارحة صليت قيام الليل ، يا إلهي لهذا التجلي الذي حدث ، ابق صامتاً ، عندما يمدح نفسه بقيام الليل ، ويمدح نفسه بأذكاره ، أصبح لديه شهوة ، شهوة أن يستجدي المديح .
قالت رابعة رضي الله عنها : " حجبت الدنيا قلوب أهلها عن الله ، فلو تركوها لجالت في ملكوته ثم رجعت لطرائف الحكمة "
سألوا أحد العارفين بالله : " بأي شيء يعرف العبد بأنه غير محجوب عن ربه ؟ قال : إذا طلبته ولم تطلب منه ، وأردته ولم ترد منه ، واخترته ولم تختر منه شيئاً ، من أحبنا أحببناه ، ومن طلب منا أعطيناه ، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا ".

الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :

أحياناً تصبح لديك رغبة أن يكون الله راضياً عنك ، هكذا قال النبي وهو في أشدّ حالات الضعف ، النبي امتحن بالقهر ، قُهر بالطائف ، كُذب ، سُخر منه ، وضُرب وسال الدم من قدميه ، والسفهاء رموه بالحجارة ، ومع ذلك جاءه جبريل ليعطيه القدرة على الانتقام منهم :

(( إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ متفق عليه عن عائشة]

" . . .إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى " هذا حال المؤمن إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي :

همُ الأحبة ُ إنْ جاروا وإنْ عدلوا فليسَ لي معدلٌ عنهمْ وإنْ عدلوا
إني وإنْ فتتوا في حبهمْ كبـــدي باقٍ على ودهمْ راضٍ بما فعلـــــوا
***

(( ...يا محمد إن اللّه قد سمع قول قومك لك ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت ، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئاً - فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فسأل لهم التأخير لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئاً- ))

[الإصدار لاختصار الصابوني]

الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين
اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، لمن تكلني إلى عبد يتجهمني ؟ أو إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك ، أو يحل عليّ سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك .
الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، قال : كل من ليس في قلبه سلطان الهيبة ونار المحبة وأنس الصحبة فهو محجوب ، قال : كفاك من المعرفة أن تعلم أن الله مطلع عليك ، وكفاك من العبادة أن تعلم أن الله مستغن عنك ، وكفاك من المحبة أن تعلم أن حبه سابق لحبك ، وكفاك من الذكر أن تعلم أن ذكره متقدم على ذكرك ، اذكروني أذكركم ، والقلوب إذا قعدت على بساط الهيبة زالت عنها الشهوات ، وإذا قعدت على بساط المعرفة زالت عنها الغفلات .

 

نهاية العلم التوحيد ونهاية العمل التقوى :

أيها الأخوة ؛ الدين واسع جداً ، وله مراتب عالية جداً ، وكلما ازددت توحيداً ازددت قرباً ، وكلما ازددت إخلاصاً ازددت قرباً ، وكلما ازددت تواضعاً ازددت من الله قربة ، ونهاية العلم التوحيد ، ونهاية العمل التقوى ، وأنت كعبد .

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

[سورة الزمر : 66]

أنت عليك أن تعبده وانتهى كل شيء ، أدِّ الذي عليك وانتظر من الله الذي لك .

﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾

[سورة الأعراف : 144]

هذا حال العبودية لله عز وجل .
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذا الدرس ، أن نكون في المستوى الذي يرضي الله عز وجل ، ويجب أن تعلم هذه الحقيقة من لم يكن في زيادة فهو في نقصان ، والمغبون من تساوى يوماه ، والدين فيه مراتب عالية جداً ، وكلما وصلت إلى مرتبة ينبغي أن تطمح إلى التي أعلى منها ، إلى أن تصل إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر .

 

بطولة الإنسان العمل للآخرة :

آخر شيء سأقوله لكم : في عالم الحيوان أنت أمام غنمتين ، أهزل غنمة ثمنها يقدر بألفي ليرة ، وأسمن واحدة ثمنها ستة آلاف ، السمينة ثلاثة أضعاف الهزيلة ، أما بعالم البشر :

((فعَنْ سَهْلٍ قَالَ : مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟ قَالُوا : حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟ قَالُوا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ ،وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْتَمَعَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا ))

[البخاري عَنْ سَهْلٍ]

إذا أردنا أن نفهم النص فهماً رياضياً ، هذه الأرض محيطها أربعون ألف كيلو متر، نحن من محيطها نعرف قطرها وحجمها ، لو عرفنا حجم الأرض ، لو أنها كرة مجوفة وأخذنا حجم الإنسان ، وقسمنا حجم الأرض على حجم الإنسان ، تظن كم مئة ألف مليار تتسع ؟ رقم فلكي ، ممكن أن يكون هناك إنسان أفضل من مئة ألف مليار إنسان ، إذا عرف الله ، واستقام على أمره ، وقد يكون في الحياة إنسان عادي ، عامة الناس شخص عادي جداً إذا حضر لا يعرف ، وإذا غاب لم يفتقد .

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ ، لا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ))

[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

الموت ينهي كل شيء
قد تكون عند الله في أعلى العليين ، وقد تكون في الدنيا إنسان في المرتبة الدنيا في المجتمع ، قد يكون حاجباً ، أو ضارب آلة كاتبة ، أو موظفاً ، أو مدرساً ، لا يوجد من يعطيه ألقاب ، وليس له وسائل ركوب خاصة ، وقد يكون عند الله في أعلى عليين ، لذلك ابتغوا الرفعة عند الله ، هذه الرفعة عند الله مستمرة حتى بعد الموت ، أما رفعة الدنيا فتنقطع عند الموت ، طبعاً يقال له : يا عبد الله و لو كان ملكاً في السابق أليس كذلك ؟ هل قال له : يا صاحب الجلالة ؟ يا عبد الله ؟ الإنسان يعجب أن الدنيا يفقدها في ثانية واحدة ، الموت يلغي قوة القوي ، وضعف الضعيف ، وغنى الغني ، وفقر الفقير ، وصحة الصحيح ، ومرض المريض ، ووسامة الوسيم ، ودمامة الدميم ، الموت قطع .

﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾

[سورة العنكبوت : 64]

فبطولتنا جميعاً في العمل للآخرة ، الدنيا والله محدودة ومملة ، الإنسان ماذا يأكل في الصباح ؟ أفقر إنسان يمكن أن يستمتع بصحن فول مثل الملك ، وأفقر إنسان ممكن أن يستمتع بأكلة مثل الملك ، وأفقر إنسان يأنس بزوجته مثل الملك ، وأفقر إنسان يأوي إلى بيته ، مدفأ في الشتاء ، أمامه أولاده مثل الملك ، الفرق فرق بسيط جداً ، أساسيات الحياة بيد كل إنسان ، أحياناً منظر القمر ، منظر البحر ، النسمات اللطيفة ، في الربيع ممكن أن تذهب إلى أي مكان ترى الأرض خضراء ، الأشجار جميلة ، الأساسيات واحدة ، لكن الناس من تعلقهم بالمظاهر أشقوا أنفسهم ، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذا الدرس .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018