بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 121 - التوبة -علم وحال وعمل والخروج من المظالم المادية.


1999-07-18

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون:
 موضوع دقيق، المؤمن حينما يتوب إلى الله توبةً نصوحة وقد علم أن التوبة علم، وحال، وعمل، إن لم تعلم أين موقعك من الدين لا تتوب، إن طلبت العلم عرفت موقعك، يعني مصيب أو مخطئ مقيم للشرع أو مخالف له، مطبق للأمر أو تارك له، لا تعلم أين موضعك من الدين إلا إذا طلبت العلم، فإن طلبت العلم عرفت أين أنت، عرفت ما نوع دخلك، عرفت ما تقييم عملك، عرفت ما تفسير حركتك في الدنيا.
 لو أن إنساناً تاب إلى الله توبةً نصوحة بعد أن علم، وبعد أن تأثر ـ التوبة علم وحال ـ الآن عمل، ما هو العمل ؟ العمل إقلاع فوري في الحاضر، وعزم على ألا يعود في المستقبل، وإصلاح في الماضي، ما من مؤمن يتوب توبةً نصوحة إلى الله عز وجل إلا ويراجع حساباته الماضية منذ أن أدرك البلوغ، هل لفلان حق علي؟ هل لفلان مال مغتصب؟ هل هناك حاجة مأخوذة لم يأخذها صاحبها؟ هل هناك دين علي ؟ ما من مؤمن صادق يتوب إلى الله إلا ويبحث إصلاح أخطائه الماضية، التوبة علم، وحال، وعمل، والعلم إن طلبته عرفت موقعك من الدين، الحال ندم شديد على ما فرط الإنسان عمل، إقلاع فوري عزم في المستقبل إصلاح في الماضي.
لو أخذنا الإصلاح في الماضي، جانب محدود هو الخروج من المظالم المالية، يعني ماذا يوجد حقوق مالية ؟ عليك كيف يخرج منها ؟ هذا موضوع يحتاجه كل تائب، ويحتاجه كل إنسان اصطلح مع الله ويحتاجه كل من كانت له جاهلية، ويحتاجه كل من أراد أن يفتح مع الله صفحةً جديدة، كيف يخرج التائب من المظالم المادية أي المالية؟ أول نقطة قال تعالى:

﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)﴾

[ سورة الأحقاف ]

 النقطة كلها في من، من للتبعيض، يعني يغفر لكم بعض ذنوبكم التي بينكم وبينه، أما ذنوبكم التي بينكم وبين العباد هذه لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة، هذه أول نقطة، يعني إذا في مظالم مادية دين، هل هناك أعظم من أن تكون صحابياً، واستشهدت في أرض المعركة، ومعك رسول الله ؟ إن كان عليك دين كان عليه الصلاة والسلام لا يصلي على هذا الإنسان يقول صلوا على صاحبكم:

 

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلا الدَّيْنَ ))

 

[ أحمد ـ مسلم ]

 

 

فإن قال أحد أصحابه علي دينه صلى عليه، هذا الذي قدم حياته هل هناك شيء أثمن من حياتك ؟ قدم حياته والدين لا يغفر، ليغفر لكم من ذنوبكم، لماذا اليوم انتهى الدين ؟ لضعف ذمة المسلمين عندما لا يؤدى الدين يكف الناس عن إقراض بعضهم بعضاً، هذا من منع الماعون، إذا أردت أن تمنع الخير كن مسيئاً لمن أسدى لك معروفاً.
أول نقطة في الدرس قوله تعالى:

﴿ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾

[ سورة إبراهيم ]

 أي يغفر لكم بعض ذنوبكم التي بينكم وبين الله عز وجل، أما الذنوب التي بينكم وبين العباد هذه لا تغفر إلا بالأداء أو بالمسامحة مهما مرغت جبهتك في باب الله، مهما أطلت السجود، مهما تذللت لله يقول لك يا عبدي ما كان بيني وبينك أغفرها لك لكن ما كان بينك وبين العباد لا أغفره لك إلا أن يسامحك زيد أو أن تؤدي له ما عليك هذا كلام دقيق، حتى لو حججت بيت الله الحرام وقرأت الحديث الصحيح:

 

(( عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

 

[ مسلم ـ البخاري ـ الترمذي ـ النسائي ـ أحمد ـ ابن ماجة ـ الدارمي ]

 من ذنوبه التي بينه وبين الله، أما من ذنوبه التي بينه وبين العباد والله لا يسقط عنها مثقال ذرة.
أخوانا الكرام:
 أول نقطة مهمة يجب أن تعلم شيئين، أن تعرف الحرام في المال الذي تملكه، الشيء الثاني أن ترد هذا الحرام إلى أصحابه، لأنه لا تقبل توبة مسلم ما لم يفعل هاتين المسألتين، وإن شئتم أن ترجعوا إلى القرآن الكريم فهناك عدة آيات تزيد عن خمس آيات:

﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)﴾

[ سورة الأعراف ]

 المغفرة من بعد أن تؤدي ما عليك، أهون شيء أن يكون معك مال ليس لك ولكنه معلوم العين، يعني قلم حبر غالي جداً، ساعة وديعة، أمانة، حاجة معلومة العين ليست لك، قضيتها سهلة جداً جداً، تذهب إلى صاحبها وتؤدها له، نسيت عندي هذه الساعة وأنا غاب عني أن أؤدها لك وهذه لك.
 هناك مال مغصوب أو منسي، أو مودع عندك، أو هو أمانة معلوم العين، حاجة محددة واضحة، لها صاحب وصاحبها حي يرزق، القضية سهلة جداً خذها وأعطه إياها، تلطف واذكر كلاماً لا يجرح مشاعرك.
الآن هناك مال من الأمثال، الدراهم، أنت سابقاً في فلان له معك مبلغ أقرضك إياه ولم ترده له وأنت أنفقته، ولكن إذا أقرضك مائة ألف، والمائة ألف موجودة الآن لها ما يشبهها، أقرضك ليرة ذهبية يوجد ليرة ذهبية الآن، أقرضك كيس قمح يوجد كيس قمح هذه مثليات اسمها، يوجد أموال أعيان وأمثال، أعيان ساعة بالذات بيت، مركبة، دابة أعيان، أما أمثال قمح، بيض، شعير، زبيب نقد، هذه كلها أمثال، إن كان أعيان ترد إلى صاحبها وانتهى الأمر إذا كان صاحبها قد مات ترد إلى ورثته وانتهى الأمر، إذا كان لا تعرف عنه شيئاً ولا عن ورثته تتصدق بها وانتهى الأمر، إما إليه وإما إلى ورثته، وإما أن تدفعها صدقةً تسجل له وأنت لك أجر الوسيطة.
الآن إذا كان المال الحرام الذي بحوزة الإنسان مالاً مثلياً لكنه اختلط بمالك كيف تأخذه ؟ نحضر بعض الأمثلة: أنت تاجر أقمشة ويوجد عندك صفقة كاسدة فعرضتها على إنسان على طريق المرابحة بالمرابحة تكشف رأس مالك بالتفصيل ويعطيك على كل متر فرضاً خمس ليرات هذه طريقة في البيع اسمها المرابحة، قبل أن تعرف الله رفعت الأسعار، زورت الفاتورة مثلاً، عملت رحلة أنت وزوجتك وأضفتها على المصروف، فأنت أخذت على المتر خمس ليرات عملت أن رأس مالك ثلاثين، وأخذت منه خمسة وثلاثين وأنت رأس مالك خمسة وعشرين فهذه الخمس ليرات التي أضفتها على رأس مالك الحقيقي هذا مال حرام دخل في مالك، هنا المشكلة إذا المال الحرام دخل في المال الأساسي يجب أن تحسبه، أن هذه الصفقة ألف متر على المتر خمس ليرات، يعني في خمس آلاف ليرة دخلوا يجب أن تخرجها وأن تعيدها إلى صاحبها، بطريقة أو بأخرى، لكن من رحمة الله بنا أن الله جل جلاله لم يكلفنا أن نقول للطرف الآخر أخي هذا المبلغ أنا اغتصبته منك أو أخذته منك حراماً خذه، ما كلفك الله فوق ما تطيق، يجب أن يصل إليك بطريقة أو بأخرى أو في أية صورة وتحت أي بيان، دون أن يعلم أو يعلم حوالة من مجهول.
 إنسان لك بذمته هذا المبلغ ـ س أو x ـ هذا المبلغ يجب أن يؤدى إلى صاحبه، إذا المال متميز القضية سهلة جداً، أما إذا غير متميز لابد من أن تفرزه، لابد من أن تحسبه، لابد من أن تعده، وإذا كان أضفت قليلاً احتياط من باب أولى، أورع.
 العلماء قالوا: يحسب الحرام الذي في الحلال بطريقتين، بطريقة اليقين، وبطريقة الظن، يعني أنت مثلاً معك ألف ليرة أربع مائة ليرة حلال مائة في المائة، ويوجد أربع مائة ليرة ثانية حرام مائة بالمائة ويوجد مائتين مشكوك بأمرهم، طريق اليقين استبقي الأربع مائة الحلال مائة بالمائة وأن أتخلص من الست مائة، هذا الطريق اسمه طريق اليقين، أما يوجد طريق آخر اسمه طريق غلبة الظن، هذه المائتان هي أقرب إلى أن تكون حراماً أو أقرب إلى أن تكون حلالاً هذا الطريق اسمه غلبة الظن، يعني يوجد عندك مائتين يغلب على ظنك أنها حلال ولكن لست مرتاحاً راحة تامة، الأولى أن تكون ورعاً وأن تدفعها، أما إذا ما كنت ورعاً تقول يوجد وجهة نظر تضم المائتين إلى الأربع مائة، فحينما تحسب المال الحرام الذي ضمن المال يجب أن تتبع أحد الطريقتين، طريق اليقين وطريق غلبة الظن.
 يوجد قضايا العلماء عالجوها أنا لا أرى جدوى من البحث فيها أن إنسان أعطاك درهمين، درهم وفي درهم مغتصب واختلطوا ماذا تفعل ؟ أقول لك هذا المال نسبي مادام درهم محدد، أي الدرهمين رده إلى صاحبه، أما أن تتأكد أي الدرهمين كان لفلان، يعني هذا تعنت ما كلفنا الشرع به ولاسيما الآن خمسة مائة خمس مائة، لعل قديماً كان الدرهم يسبك سبكاً، وكل دينار له وزن فلو معك دينار ملكك ودينار مغتصب لإنسان طبعاً الفقهاء قالوا يجب أن ترد الدينار الذي لفلان بالذات لا أن تعطيه ديناراً آخر والسبب أن لكل دينار وزن خاص أما الآن العملات كلها متشابهة الخمس مائة، والألف هي هي، هذا الموضوع لا ينبغي أن نقف عنده طويلاً إلا إذا قال لك صاحب الدرهم المغتصب لا آخذ إلا عين درهمي، فإن لم تعرف أيهما المغتصب لا آخذه منك إطلاقاً، هذه حالات تزمت ما أنزل الله بها من سلطان.
 يوجد حلول لطيفة، إنسان قبل أن يموت أوصى بمبلغ للفقراء ـ مبلغ قريب من خمسة وثلاثين ألفاً ـ المبلغ بحوزة ابنه، وأنا أعلم علم اليقين ابنه من الفقر بحيث لا يوصف، فقير جداً ولكن لأنه ابنه لا تجوز الوصية لوارث، وإن أردنا أن نبحث عن إنسان نعطيه هذا المبلغ لا نجد أفقر من ابنه ماذا نفعل ؟ و وصية لوارث، والوصية للفقراء غير ابنه، يوجد أخ جزاه الله خيراً أخذ هذا المبلغ منه ووزعه على الفقراء وأعطاه من زكاة ماله خمسة وثلاثين ألف، أخذ عين الخمسة والثلاثين ألف ووزعها على الفقراء وأعطاه من زكاة ماله خمسة وثلاثين ألف العملية حلت.
 الآن يوجد عندنا نقطة لو أن إنسان اغتصب أرض، وأرض مغتصبة وصاحبها توفي وترك ورثة، المغتصب أعاد نصف هذه الأرض، لو فرضنا الورثة ابن له النصف وله أختان لهما النصف الآخر هل يستطيع الابن أن يأخذ نصف الأرض الذي أعادها المغتصب على أنها حصته ؟ لا يجوز أبداً، يجب أن يأخذ نصف الأرض، لأنه كلما صار اغتصاب ورد المغتصب بعض المال أو نصفه، هذا النصف لا لواحد بل لكل الورثة.
يوجد عندنا حالة أخرى وهي لو أن إنسان اغتصب دار، اغتصبها عشر سنوات ثم ردها إلى صاحبها بعد أن تاب يجب أن يضيف إلى ردها أجرتها خلال هذه الفترة لأن هذه مال ذو نفع، هذا البيت له انتفاع يجب أن ترد هذا النفع إلى صاحبه فكل إنسان اغتصب دار أو سيارة عليه أن يرد عين المال إلى صاحبه وأن يرد أجرة البيت أو السيارة إلى صاحبها.
 يوجد عندنا موضوع ثاني، انتقال المال إلى الورثة هل يغير من صفة المال ؟ لو أن أب عنده أطفال صغار لا يعلمون شيئاً، والأب ماله بعضه حلال وبعضه حرام، ومات فجأة الأب فهذا المال الذي بعضه حرام ورثه الصغار هل يرثونه حلالاً ؟ الجواب نعم إذا كانوا لا يعلمون عن هذا المال شيئاً يرثونه حلالاً.
 لذلك أندم الناس من دخل ورثته بماله الجنة ودخل هو بماله النار ترك لأولاده مائة مليون أخذوها حلالاً زلالاً وأنفقوها في طاعة الله تزوجوا وأسسوا أعمال وعاشوا في بحبوحة وماتوا على طاعة الله أولاده تنعموا بالمال وأنفقوه في حله ودخلوا الجنة والذي كسبه بعرق جبينه وكد يمينه لكن من طريق مشبوه دخل النار به، أندم الناس من دخل ورثته بماله الجنة، ودخل هو بماله النار.
لكن لو فرضنا إنسان وجد ملعقة ذهب عليها اسم فندق في خزانة والده، هذه مشكلة، معنى هذا أنها مأخوذة اغتصاباً، ولكن مرة صار معي حادثة أحد أخوانا الكرام زرته في بيته أعطاني منشفة عليها اسم فندق، والله أنا تألمت كثيراً يعني معنى هذه أنها مغتصبة من فندق، ما أدري ما تكلمت ولا كلمة ولكن هذا الأخ صار عليه إشكال، بعد حين سألت فكان الجواب لي مريحاً جداً، قال هذا الفندق يوزع كل المناشف والبشاكير على موظفيه آخر العام وهو يعمل في فندق إذاً حلال، إن بعض الظن إثم، الإنسان لا يتسرع كما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة.
لو فرضنا وريث واعي ويعلم علم اليقين أن هذا المال مغتصب وصاحبه حي يرزق، إذا المال مغتصب وغير داخل في الحلال مفروز يجب أن يرد هذا المال إلى صاحبه ولو كان ورثه عن أبيه.
 القضية كما قلت خلافية هناك من يعتقد أن الوريث يرث المال حلالاً صرفاً لأن موت المورث قلب صفة المال، بالمناسبة يوجد عندنا شاهد لطيف جداً، النبي عليه الصلاة والسلام دفع لأحد أصحابه الفقراء صدقة لعلها تمر فهذا الصحابي الجليل قدم للنبي هدية من هذا التمر، فالنبي أكلها، مع أن من صفات النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يأكل الصدقة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، أصحابه سألوه قال: هي له صدقة ولنا هدية. يعني اختلفت صفة هذا التمر أنت عندما قدمته لفقير هو صدقة، الفقير ملكه وقدم لك حبة تمر لتأكلها هذه قدمت لك هدية، يمكن إنسان أن يضيفك ويكرمك وأنت أعطيته جزءاً من مالك، دخلت إلى عنده وضيفك من فاكهة والفاكهة اشتراها من المساعدة التي أعطيته إياها، أنت ممنوع أن تأكل من الصدقة إلا أنه انقلبت من صدقة إلى هدية أو إلى ضيافة.
يوجد حالات أندر من هذه، لو فرضنا إنسان والده صاحب ملهى يعني المال حرام صرف كله، أعرف فتاة والدها صاحب ملهى كبير قيل لي لو أنها طلبت من أبيها خمس ملايين لأعطاها إياها دون تردد تعمل في قرية خارج دمشق معلمة وتأكل من راتبها ولا تأكل من دخل أبيها ولا لقمة أبداً، قال تعالى:

 

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾

 

[ سورة الروم ]

 أعرف امرأة سمعت عنها زوجة إنسان عنده أماكن قمار، ما حضرت عرس ولد من أولادها، طبعاً أقيمت الأعراس وعقود القران في فنادق فخمة، وفي نوادي فخمة جداً، الأم لم تحضر ولا عقد قران ولا عرس أحد أولادها أو بناتها أبداً، النقطة الدقيقة لماذا جعل الله صديقة النساء آسيا امرأة فرعون تحت فرعون، وفرعون ادعى الألوهية ؟ قال: هذا مثل صارخ ليعلمنا أن المرأة مستقلة في دينها عن زوجها وأنها لا يقبل منها أن تقول هكذا يريد زوجي، فرعون الجبار الطاغية قالت، قال تعالى:

 

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11﴾

 

[ سورة التحريم ]

 الآن أكثر النساء لها حجة واهية هكذا يريد زوجي الله يهديه ماذا أفعل أنا ؟ أما المرأة المؤمنة لا تعصي الله ولو كلفها أن تطلق، مرة اتصلت بي امرأة قالت لي: زوجي ـ وهو طبيب لامع جداً ـ يجبرني على أن أذهب إلى البحر لأسبح مع أصدقائه وإن لم أفعل يطلقني قلت لها: دعيه يطلقك، ولكن ما طلقها، وهو أضعف من ذلك المرأة إذا كانت بالحق قوية، يخضع زوجها، وإذا كان متجبر ماذا يحدث ؟ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إذا إنسان كل دخل والده حرام من ملهى ماذا يفعل ؟ العلماء قالوا يأخذ حاجته الأساسية كوريث ثمن طعامه وشرابه، أو ترك فتاة، أو زوجة والمال كله حرام، الحد الأدنى ما تقوم به حياتهما، إذا المال كله حرام صرف.
 لكن في نقطة مهمة لو دعاك أخوك ـ وأخوك موظف في دائرة له معاش ويوجد دخل حرام يأخذه، له تعقيدات لبعض المواطنين وإذا ما أعطوه لا يمشي المعاملة، هذا المال حرام وله معاش يأخذه حلال لأن عمله مشروع بالأساس ـ فصار في اختلاط ومن أجل أن لا تقع فتن بين الناس، مادام في اختلاط بين الحلال والحرام سمح لك أن تأكل عنده والله عز وجل يجعل الطعام الذي أكلته من القسم الحلال من أجل أن لا تقع فتن بين الناس.
 أنا مرة قلت لكم أنه يوجد أخ أعلمني بورقة لا تزال عندي أنه رد لورثة عشرين مليون ليرة لا يعلمون عليها شيئاً، وكان الأب حريص جداً وضعها معه في مشروع وتوفي بحادث لا يوجد ورقة، ولا وثيقة، ولا وصل، ولا يعلمون أهله عنها شيئاً ورد هذا المبلغ هذه هي الأمانة.
 لو إنسان كان في معركة واغتصب درع هذا غلول اسمه قبل أن توزع الغنائم، هذا الدرع لمن ؟ لمائة ألف جندي أو لخمسين ألف جندي، إذا في استحالة أن يوزع ثمن هذا الدرع على كل هؤلاء الجنود قال: يمكن أن يدفع صدقة، إذا في استحالة أن يرد هذا المبلغ لصاحبه إما لوفاته أو لضياع عنوانه، أو لافتقاد ورثته، أو استحالة دفع مبلغ لخمسين ألف إنسان في مثل هذه الحالة يدفع المبلغ صدقة ويسجل في صحيفة من استحقه.
يوجد حالة لطيفة، إذا إنسان دخل إلى مطعم لا سمح الله في الجاهلية وأكلت وما دفعت وصاحب المطعم لا يوجد به جنس الدين وغير مؤمن بالله إطلاقاً، قال: إن دفعت هذا المبلغ صدقةً ولم يكن كذلك ليس له أجر والأجر لمن دفعها، أيام الأب لا يريد أن يكون ابنه صاحب دين، الأب ضد الدين وصار ابنه داعية لا يقال أن هذا العمل في صحيفة الأب لا أبداً، لو كان ابنه أكبر عالم، ما دام أنه ما ربى ليكون عالماً وما أراده أن يكون عالماً، ليس هذا في صحيفته إطلاقاً.

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))

 

[ مسلم ـ الترمذي ـ أحمد ـ الدارمي ]

 يوجد سؤال هذا المال حرام كيف تتصدق به ؟ كيف نحل هذه المشكلة ؟ الجواب أنت حينما تنفق مالك إما أنك تبتغي الثواب وإما أنك تبتغي الخلاص، إذا كنت تبتغي الثواب لا يقبل إلا المال الطيب الحلال، وإذا كان بحوزتك مال حرام وأردت أن تنجو من عذاب الله يمكن أن تنفق هذا المال الحرام لفقير، هذا المال حرام ولكن الفقير بحاجة إليه وأخذه حلالاً، فهناك فرق بين طلب الثواب وطلب الخلاص، طلب الثواب يحتاج إلى مال حلال صرف، أما طلب الخلاص يمكن أن تنفق المال الحرام.
 إذا إنسان كان له معاملات ربوية ومعه من أموال الفوائد ماذا يفعل بها ؟ إن قلنا له إياك أن تدخلها إلى جيبك، ماذا يفعل بها ؟ يتصدق بها، قد يقول قائل إن الله طيباً لا يقبل إلا طيباً، نقول له هو الآن يبغي الخلاص ولا يبغي الثواب، لو أنه يبغي الثواب ألزمناه أن يكون المال المتصدق به حلالاً، أما إذا كان يبغي الخلاص نقول له اخرج من هذا المال بأية طريقة.
يوجد فتوى للنبي عليه الصلاة والسلام سئل النبي عن مال سحت لا يدرى صاحبه، فقال: هذا سحت تصدق به.
 يوجد أحد أخوانا توفي رحمه الله بحادث فكان له ابن صغير دون السن القانونية دية والده أودعها القاضي الشرعي في مصرف فائدة ـ حلو هذا الكلام القاضي الشرعي أودع هذا المبلغ بمصرف بفائدة ـ فلما كبر هذا الغلام جاءني إلى البيت قال لي ماذا أفعل بهذه الفائدة؟ قلت له تصدق بها وإياك أن تدخلها إلى جيبك، هذا الذي وقع.
 يوجد نقطة مهمة، إنسان يوجد عنده مزرعة ويوجد عنده عنب كل طائر أكل من هذا العنب صدقة لصاحب هذا العنب دون أن يدري ودون أن يريد، فلذلك وهذا قياس، يوجد إنسان مأخوذ من ماله عشرة آلاف إنسان اغتصبها ومات هو وانتهى، ما نوى أن يتصدق بها ولا عنده علم عنها إلا أن الذي اغتصبها تاب فلما تاب إلى الله دفعها صدقةً فعلى الرغم من أنه ما فكر أن يدفعها صدقة ولا نوى ذلك تحسب له صدقة كما لو كان عندك مزرعة وأكلت منها الطيور تحسب لك صدقة دون أن تدري، والحديث الصحيح:

 

((إن للزارع والغارس أجراً في كل ما يصيبه الناس والطيور من ثماره وزرعه ))

 هناك قضية أخرى إنسان كان له مال في البنك وتاب توبة نصوحة وسحب ماله مع الفوائد وهذه الفوائد دفعها للفقير، قد يقول قائل لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا هذا مال حرام فكيف نرضاه للفقير؟ الجواب حرام علينا لاستغنائنا عنه، وحلال للفقير لحاجته إليه أنت يجب أن تخرج منه ولكن هذا مال وهو قوام الحياة فإن أعطيته للفقير هو له حلال أما أنت لأنك مستغن عنه لا يجوز أن تأخذه.
إذا إنسان اغتصب من مغتصب وتاب إلى الله هل يعيد هذا المال للمغتصب ؟ الجواب لا، لأن المغتصب لا يعيده لصاحبه والأولى إذا كان اغتصاب الإنسان من مغتصب ينبغي أن تدفعه صدقة لا أن ترده إلى المغتصب.
الذي يريد أن يشتري بيت في أرض مغتصبة يجب أن يفكر جيداً مدفوع واحد بالألف من ثمنها يفكر في بيت آخر من أرض غير مغتصبة احتياط.
هذه بعض النقاط التي يمكن أن ترد في موضوع الخروج من المظالم المادية، مظالم الأموال.
أخوانا الكرام:
 نحن أحياء الآن، والقلب ينبض، وكل شيء يحل، كنت مرةً في العمرة ففي عالم جليل يلقي درس بين المغرب والعشاء في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنا من عادتي حضرت هذا الدرس فذكر حديث أنا أعرفه ولكن أضاف له إضافة لا أعرفها، لكن أضاف إليه إضافة أنا لا أعرفها.
 رجل من أصحاب رسول الله توفي فالنبي سأل أعليه دين ؟ فقالوا نعم، قال: صلوا على صاحبكم، فقام أحد أصحابه وقال: يا رسول الله علي دينه، تكفل بالدين، سأله ثاني يوم هل أديت الدين ؟ وهذه هي الزيادة، قال: لا، سأله ثالث يوم أديت الدين ؟ قال: لا، سأله رابع يوم أديت الدين ؟ قال: نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده.
فابتراد الجلد لا بضمانة الصحابي بل بالأداء.

 

 

(( عَنْ جَابِرٍ قَالَ تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَيْهِ فَقُلْنَا تُصَلِّي عَلَيْهِ فَخَطَا خُطًى ثُمَّ قَالَ أَعَلَيْهِ دَيْنٌ قُلْنَا دِينَارَانِ فَانْصَرَفَ فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ الدِّينَارَانِ عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُحِقَّ الْغَرِيمُ وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ قَالَ نَعَمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ فَقَالَ إِنَّمَا مَاتَ أَمْسِ قَالَ فَعَادَ إِلَيْهِ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ لَقَدْ قَضَيْتُهُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَغَسَّلْنَاهُ وَقَالَ فَقُلْنَا نُصَلِّي عَلَيْهِ ))

 

[ البخاري ـ أحمد ـ مسلم ـ النسائي ـ أبي داود ـ ابن ماجة ـ الدارمي ]

 قد يكون صحابي، قد يكون شهيد استشهد في معركة من أجل أن تعرفوا أن حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله مبنية على المسامحة، عد إلى المليون قبل أن تأخذ مالاً ليس لك، لو ضحيت بأثمن ما تملك، لو خضت معركة مع أعداء الله وسقطت في أرض المعركة شهيداً وعليك دين لا تنجو من عذاب الله.
دققوا أنا أرى أحد أكبر أسباب توفيق المؤمن أنه بعد أن تاب إلى الله توبةً نصوحة خرج من المظالم المادية القديمة، لي ابن عم كان عنده محل كاتو توفي رحمه الله قال لي: مرة دخل إلى عندي شاب يوجد معه ظرف القاه أمامي وهرب، فتحته يوجد به ثمن قطعة كاتو أكلها من عشرين سنة، يراجع حساباته.
 أخ صاحب معمل قال لي: يوجد عندي كان سرقة في المعمل دائماً تنقص البضاعة، أضع في جيبي ألف ليرة تذهب، هذا العامل يده خفيفة بشكل عجيب، قال لي: فرزت رجل للمراقبة رغم المراقبة يسرق، ما تركت طريقة لأعرف من السارق بضاعة ومال، ثم توقفت السرقة، قال لي: بعد عشرين سنة جاءني كهل قال له: هل عرفتني ؟ قال له: لا والله ـ تغير شكله ـ قال له: أنا كنت أعمل عندك عامل منذ القديم، قال له: أنا الذي كنت آخذ من مالك ومن بضاعتك وجئت تائباً وأي شيء تريده أنا جاهز، قال له: نظير هذه التوبة أنا سامحتك.
 يوجد فلاح أعطوه أرض عشرين دونم عقله طار بها، طول عمره مرابع يعمل أجير صار عنده أرض، أصبح مالك وفرح فرحاً لا حدود له، له شيخ في الميدان توفي رحمه الله قال له: يا سيدي أعطوني أرض، فقال له: هذه حرام، هذه أخذت من صاحبها دون رضا، فقال هذا الفلاح: كأن جمرة صببت فوقها ماء، كل هذه الفرحة ذهبت، ما الحل ؟ قال له: حاول أن تشتريها منه بالتقسيط بيع حلي زوجتك واذهب وفاوضه، فذهب إلى عنده وقال له: قصتي كذا كذا... هل تبيعني إياها يا سيدي، صفن به وقال له: يا بني أنا ذهب لي أربع مائة دونم وما عاد إلى عندي أحد هذه هدية مني لك ازرعها وتملكها وهي هدية مني لك.
 حينما تتحرى الحلال يأتيك الحلال، يا أخوانا الكرام نحتاج إلى مراجعة، والله أنا أذكر أن أول حجة حججتها ما تركت مجلة ليست لي عندي أبداً إلا أرجعتها، مجلة أخ نسيها عندي ليس لها قيمة إطلاقاً، حاول أن تخرج من كل شيء وكلما كنت دقيق تشعر أنك خفيف، أحد سمات المؤمن أن يخرج من المظالم المادية.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018