بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 122 - فضائل سورة العصر - العمل الصالح علة وجودنا .


1999-07-26

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة:
 بادئة ذي بدء الإمام، الإمام الشافعي يقول: لو تدبر الناس سورة العصر لكفتهم، ما في هذه السورة ؟ ربنا جل جلاله يقسم بالزمن، لهذا الإنسان الذي هو في حقيقته زمن يقسم ويقول:

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3﴾

( سورة العصر )

قال العلماء أركان النجاة أربعة:
 أن تؤمن بالله، أو أن تزداد علماً كل يوم، وأن تستقيم على أمر الله، أي أن تطبق منهج الله عز وجل، وتعمل العمل الصالح الذي يرضي الله عز وجل، وأن تتواص بالحق والتواصي بالحق فرض عين على كل مسلم، في حدود ما يعلم مع من يعرف، وأن يصبر على الطاعة، وعن المعصية، وعلى قضاء الله وقدره.
 الإنسان خاسر لا محالة إن لم يفعل هذه الأشياء الأربعة، أن يزداد إيماناً، وأن يكتسب الأعمال الصالحة، وأن يتواص بالحق، وأن يتواص بالصبر، لذلك الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، وما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة، الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
 لو أردنا أن نركز على العمل الصالح، الذي هو أحد أركان النجاة للعمل الصالح مفهوم سلبي، وهو أن يستقيم على أمر الله وأن يطبق المنهج افعل أو لا تفعل، وللعمل الصالح مفهوم إيجابي، أن تعطي مما أعطاك الله عز وجل، كل إنسان عليه أن يعبد الله وفق هويته، فإن كان امرأة عبادتها الأولى أن تحسن رعاية زوجها وأولادها وإن كان عالماً عبادته الأولى أن يعلم العلم، وإن كان غنياً عبادته الأولى أن ينفق من ماله، وإن كان قوياً عبادته الأولى أن ينصف المظلوم، فالإنسان عليه أن يعبد الله فيما أقام، في هويته، في حقيقته وفي الظرف الذي وضعه فيه، فلو أن هناك مرضى، أو أن هناك ضيوف، تأدية حقهم وواجبهم هو العبادة الطارئة، وينبغي أن تعبد الله في الزمن الذي أظلك هذا مفهوم جديد للعبادة، المفهوم الذي عاشه النبي وأصحابه، المفهوم الذي يجعل المسلم قوة محركة، الذي يجعل الإسلام ديناً حيوياً ينطبق مع الواقع ومع الفطرة.
أيها الأخوة الكرام:
العمل الصالح لا يقبل إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وكان صواباً ما وافق السنة.
فمن عمل عملاً لا يبتغي به وجه الله، عمله مردود، والدليل أن الله عز وجل يقول:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

( سورة النور: 55 )

 هنا الدقة البالغة، الدين الذي يمكنه الله عز وجل في الأرض هو الذي يرتضيه، فلو لم يرتضيه لا يمكنه في الأرض، يمكن أن نستنبط استنباطاً رائعاً وهو أننا إن لم نمكن في الأرض فمعنى ذلك أن الله لا يرتضي ديننا، ديننا ليس كما يريد الله عز وجل، ديننا ليس فيه المنهج القويم الذي جاء فيه سيد المرسلين، فإن كنت ممكناً فدينك قد ارتضاه الله، وإن لم تمكن معنى ذلك أن هذا الدين الذي تتوهمه أنه دين يرضي الله هو لا يرضي الله عز وجل، الدين منهج متكامل، منهج كامل في كل نشاطات الإنسان، وحركاته، وسكناته، وحله، وترحاله وسفره وإقامته، وبيعه وشرائه، وفي بيته، وفي باطنه، وفي ظاهره وفي خلوته، وجلوته، هذا الدين منهج كامل، يكاد يكون الدين، يكاد رقم ليس دقيقاً 500 ألف بند فإذا اكتفينا منه بخمس بنود صوم وصلاة وحج وزكاة وإعلان الشهادة فقد نسخ الدين ولم يكن كما يرضي الله عز وجل
أيها الأخوة الكرام:
العمل الصالح ينبغي أن يكون صواباً، وخالصاً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله عز وجل، وصواباً ما وافق السنة.

 

﴿ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾

 

( سورة الأحقاف: 15 )

 ترضاه جملة تعرب صفة لعمل صالح، والصفة قيد، يعني العمل الصالح الذي لا يرضاه الله عز وجل لا يقبله.
أيها الأخوة الكرام:
ربنا سبحانه وتعالى يعني تودد إلينا بالنعم، وخلق الود بيننا ورسم لنا الطرائق إليه لكسب مودته بعدد أنفاس الخلائق، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.
هناك قوي وهناك ضعيف، الضعيف إذا أعانه القوي فالضعيف شكر، شكر الله عز وجل، فكانت إعانته طريقاً إلى الله، والقوي حينما يعين الضعيف، إعانته طريق إلى الله.
 وهناك غني وفقير، فالغني إذا أعطى سلك طريقاً إلى الله سالكاً والفقير إذا شكر الله على هذه النعمة سلك إلى الله طريقاً سالكاً، وفي صحيح وفي مريض، هذا التفاوت في الحظوظ هو نعمة كبرى لا يعلمها إلا الله، التفاوت في الحظوظ، لولا التفاوت لبطل العمل الصالح لو أن الناس جميعاً أغنياء، الله عز وجل قادر على ذلك.‏ ‏

((عن أبي ذر رَضِي اللَّه عَنْه، عن النبّي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال:‏ يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.‏))

[ أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما ]

 ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام كن فيكون زل فيزول، إذاً لو أن الله عز وجل أعطى الكل الغنى لتوقف العمل الصالح، لو أن الله عز وجل أعطى الكل الصحة لتوقف العمل الصالح، الله عز وجل خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض، هذه الجنة ثمنها العمل الصالح والعمل الصالح بسبب هذا التفاوت في الحظوظ بين الناس، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام.

 

((عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة))

 

‏( أخرجه عبد الرزاق ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة )

أيها الأخوة الكرام:
 مفهوم الزكاة له مفهوم ضيق، وله مفهوم واسع، فالمفهوم الضيق أن تدفع من نصاب مالك الذي هو دخلك جزء منه للفقراء والمساكين المفهوم الواسع للزكاة أن تزكي عن وقتك، بطلب العلم وحضور مجالس العلم، وزكاة المال أن تدفع منه شيئاً، وزكاة الوقت أن تبذل من وقتك شيئاً، وزكاة الصحة أن تعطي مالاً لتعين المرضى هذا زكاة الصحة، لذلك العمل الصالح بمفهومه العميق أن تنفق مما أعطاك الله عز وجل فالذي يعطي ربنا عز وجل يعطيه أضعاف مضاعفة، أقول لكم أيها الأخوة إن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح هذا كلام دقيق والدليل:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

( سورة الأحقاف: 19 )

 حجمك عند الله بحجم عملك الصالح الذي ترتقى به عند الله، إن أردت أن تسلم فاستقم على أمر الله، وإن أردت أن تسعد فاعمل عملاً صالحاً يرضي الله، بل إن علة وجودك في سطح الأرض، أو على سطح الأرض أن تعمل صالحاً، يرضي الله عز وجل، والذي يغيب عن العمل الصالح يغيب عن وجوده الإيماني، بل يغيب عن وجوده الإنساني والذي يغيب عن العمل الصالح يغيب عن المهمة التي خلق من أجلها.
أيها الأخوة الكرام:
 الإنسان حينما يأتيه ملك الموت، لا يندم إلا على عمل صالح فاته مشى عليه الصلاة والسلام مع أصحابه فمروا بقبر، فقال عليه الصلاة والسلام صاحب هذا القبر، إلى ركعتين مم تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم، فالإنسان حينما يصحو، وحينما يستيقظ وحينما يعرف سر وجوده، وغاية وجوده، يعرف قيمة العمل الصالح بل إن الإنسان لو أطعم زوجته لقمة لرآها يوم القيامة كجبل أحد، فكيف لو أغاث مسكين، أطعم فقيراً، أعال فقيراً، شفى مريضاً، هذا كله له عند الله مراتب كثيرة.
أيها الأخوة الكرام:
 بل إن العمل الصالح الذي يرقى بك عند الله إلى أعلى عليين هو العمل الذي يستمر بعد وفاة الإنسان، هناك أعمال تستمر بعد الوفاة، إن كانت خيرة فهي الصدقة الجارية، إنسان بنى مسجد، بني مستشفى بنى دار أيتام، بنى معهد شرعي، هذا مستمر بعد موته، وهذا من أرقى أنواع الأعمال الصالحة، الصدقة الجارية التي، يعني في صحيفة من أنفقها إلى ما بعد وفاته، وكل خير يأتي من هذه الصدقة في صحيفة الذي فعل ذلك.
أيها الأخوة الكرام:
 العمل الصالح قد يكون ذا أثرٍ محدود وذا أثرٍ واسعٍ جداً، هذا الذي عد النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أول أبطال العالم جعله على رأس مائة الأوائل، ما المقياس الذي اعتمده في هذا التقيم، اعتمد عدة مقاييس، أحدها قوة تأثير هذا الإنسان، واعتمد أيضاً اتساع رقعة التأثير واعتمد أيضاً امتداد قوة التأثير، وليته أضاف إلى هذه المقاييس نوع التأثير، طبعاً لو اعتمدنا، قوة التأثير، ونوع التأثير، واتساع رقعة التأثير، وامتداد أمل التأثير، وعمق التأثير لكان عليه الصلاة والسلام كما هو الواقع هو الإنسان الأول سيد الخلق وحبيب الحق.
أيها الأخوة الكرام:
 حينما يقول الله عز وجل " ولكل درجات مما عملوا " معنى ذلك أن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، وأن التقسيمات البشرية لا معنى لها، التقسيم الحقيقي الناس رجلان إنسان عرف الله، فاتصل به وانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه فسعد في الدنيا والآخرة، وإنسان غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه فشقي في الدنيا والآخرة.
أيها الأخوة الكرام:

 

(( ولكل درجات مما عملوا ))

 وفي آية ثانية.

 

 

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾

 

( سورة البقرة: 148 )

 أنت مخير، هذه الوجهة التي أنت موليها هي من اختيارك، قال تعالى:

 

﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

 

( سورة البقرة: 148 )

 يعني أنت مخير الآن، ولأنك مخير بإمكانك أن تختار الخير بإمكانك أن تصل إلى أعلى عليين، بإمكانك أن تكسب الدارة الآخرة أن تكسب الأبد، لكن هذا الاختيار لا يستمر، هذا الاختيار مؤقت

(( ولكل وجهة هو موليها " والدليل أنه مؤقت " فاستبقوا الخيرات ))

﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾

( سورة البقرة: 148 )

 يعني في أية مكانة كنت، وفي أي مكان كنت، لا بد من أن تلقى الله عز وجل، وورد في بعض الآثار أن الإنسان حينما يوضع في قبره ينادى أن عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبقى لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
يا أيها الأخوة الكرام:
لو أن الإنسان عرف الحقيقة لكان في المقام الأول، هي الأزمة أزمة معرفة، أهل النار في النار يقولون:

 

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10﴾

 

( سورة الملك: 10 )

 معنى ذلك الإنسان بدافع من حبه لوجوده، وحبه لسلامة وجوده وحبه لاستمرار وجوده، وحبه لكمال وجوده، يبحث عن الخير، الذي يتصوره، فإذا تطابقت رؤيته مع الحق سعد في الدنيا والآخرة، من هنا كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:
‏اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
أيها الأخوة الكرام:
 لا تحابي نفسك، نفسك مطيتك إلى الله، فرفق بها، لا تحابيها لا تتوهم أنك خير وأنت لست كذلك، يعني الإنسان العاقل هو الذي يعرف حقيقته تماماً، هو الذي يقبل الحقيقة المرة ولا يقبل الوهم المريح في الحياة وهم مريح وفيه حقيقة مرة، البطل دائماً الجريء يبحث عن الحقيقة المرة التي تؤلمه، ويبتعد عن الوهم المريح الذي يخدره، لو أن أحد منا لا سمح الله دنى أجله يقع في إشكال كبير مع الله، ما العمل الصالح الذي قدمه لله، هناك آلاف الأعمال لا قيمة لها، نبتغي بها مصالحنا، وإرواء ميولنا، ودغدغت عواطفنا، لكن العمل الذي تفعله لوجه الله تعالى خالصا له، هذا العمل ينبغي أن تسعى إليه.
 يعني أحد الصحابة الإكرام اسمه عبد الله بن رواحه رَضِي اللَّه عَنْه عينه النبي عليه الصلاة والسلام قائداً ثالثاً في معركة مؤتة، الأول سيدنا زيد رَضِي اللَّه عَنْه أخذ الراية فقاتل به حتى قتل، وجاء دور سيدنا جعفر رَضِي اللَّه عَنْه أخذ الراية فقاتل به حتى قتل، ثم جاء دور سيدنا عبد الله بن رواحه رَضِي اللَّه عَنْه، هو كان شاعراً رأى الموت بين يديه فتردد وقال بيتين من الشعر. ‏*

 

يا نفس إلا تقتلي تموتي  هذا حُمام الموت قد صليت‏
إن تفعلي فعلهما رضيت  وإن توليت فقد شـــقيت

 وأخذ الراية فقاتل بها حتى قتل، قال عليه الصلاة والسلام في المدينة: أخذ الراية أخوك زيد فقاتل بها حتى قتل وإني لرأى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوك جعفر فقاتل بها حتى قتل وإني لرأى مقامه في الجنة، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم فقلق أصحابه على أخيهم عبد الله، قالوا يا رسول الله ما فعل عبد الله قال: ثم أخذ الراية أخوك عبد الله وقاتل بها حتى قتل وإني لرأى في مقامه ازورارا عن صاحبيه هبط مقامه عن صاحبيه لأنه تردد ثلاثين ثانية، الذي يتردد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثين ثانية عن بذل نفسه هبط مقامه، ماذا نطالب اليوم نحن، نطالب أن نعطي شيئاً من أموالنا، شيئاً من جهدنا شيئاً من خبرتنا، شيئاً من العلم، شيئاً من الجاه، شيئاً من القوة قال تعالى:

 

 

﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾

 

( سورة البقرة: 3 )

 أول صفة من صفات المتقين:

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3﴾

( سورة البقرة: 2 ـ 3 )

يا أيها الأخوة الكرام:
 ما أمرك الله أن تستعين به إلا ليعينك، فلو أن نواياك ارتقت بخدمة الخلق مكنك الله من هذا العمل، فما أنت فيه من عمل عظيم ليس من جهدك ولكن من تمكين الله لك، من توفيق الله لك، ما لست فيه من عمل طيب هذه تمنياتك، وما أنت فيه من عمل طيب هذا صدقك فلذلك ما أمرك الله أن تستعين به إلا ليعينك، وما أمرك أن تدعوه إلا ليجيبك وما أمرك أن تسأله إلا ليعطيك، ولا يليق بالله عز وجل أن يقول كلام لا معنى له، يقول الله عز وجل:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)﴾

( سورة الفاتحة: 5 )

 إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فأعطيه، هل من طالب حاجة فاقضيها له، هل من مستغفر فاغفر له، حتى ينفجر الفجر.
يا أيها الأخوة الكرام:
 بعد أن تطمئن إلى الإيمان الذي حصلت منه شيئاً، حملك على طاعة الله، وبعد أن تطمئن إلى المنهج الذي كفيل أن يوصلك إلى الله لا ينبغي أن تفكر بشيء يعلو على العمل الصالح الذي هو علة وجودك في الدنيا، وأكبر دليل على ذلك الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يقول:

 

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾

 

( سورة المؤمنون: 99 ـ 100 )

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)﴾

( سورة الحاقة: 19 ـ 33 )

أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وفقت إلى توضيح قضية العمل الصالح الذي هو علة وجودنا.
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا وأرضنا وارضى عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علماً، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018