بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 123 - مرض الغرور عند بعض من يرتادون المساجد .


1999-09-19

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... موضوعٌ دقيقٌ جداً يقع في براثنه معظم الناس، إنه وبشكلٍ مختصر:
الغرور
وقد يغترُّ أفقر الناس، وقد يغترُّ أضعف الناس، وقد يغتر أٌقوى الناس وأغنى الناس، فالغرور أحد الأسباب المُهلكة. هذا الموضوع في ذهني من مدةٍ طويلة، ولكنني كلَّما رأيت إنساناً ضحيةً لهذا المرض، أقول: لابدَّ من معالجة هذا الموضوع بالتفصيل في الدرس.
أيها الإخوة... قبل أن نبدأ الحديث عن تفاصيل هذا الموضوع لابدَّ من نظرةٍ كليَّة.
الغرور أن ترى شيئاً على خلاف ما هو عليه، أو أن تضخِّم شيئاً تضخيماً غير معقول، لو رأيت إنسان أتقن علماً من علوم الدين، وظن أن هذا العلم هو الدين كله هو مغتر، لو أن إنساناً ظنَّ أن إنفاق المال وحده يدخله الجنة، هذا غرور، لو أن إنسان ظنَّ أن أذكاره وحدها، والعناية بقلبه فقط يدخل به الجنة، هذا غرور، لو أن إنساناً ظنَّ أن الفقه وحده هو الدين وقع في الغرور، لو أن إنسان ظن أن العمل الصالح فقط بلا ورع وبلا عبادات.. ألخ، ينجي الإنسان فهو مغتر، وكم ممن يقول لك: أنا لا أأذي أحد فلي الجنَّة، وهو لا يصلي ولا يعبأ بأي عبادة، هو مغتر.
لكثرة شيوع هذا المرض بين الناس لابدَّ من وضع اليد على تفاصيل أعراضه..
المغتر يرى خلاف الواقع، الواقع هو المقياس، إذا توهَّمت شيئاً على خلاف ما هو عليه فأنت مغتر، والغرور يساوي الجهل، بل إن تعريف العلم الدقيق: الوصف المطابق للواقع مع الدليل.
كل شيء له حجم، فإذا عرفت هذا الشيء بحجمه الحقيقي فأنت موضوعي، أما إذا أعطيته حجماً فوق حجمه فأنت مغتر، وإذا قلَّلت من حجمه فأنت مغتر، وإذا فهمته على خلاف ما هو عليه فأنت مغتر. مثل بسيط:
إنسان اقتنى سيارة، فتوهَّم أن الضوء الأحمر إذا تألَّق، هذا ضوء زينة، كي يتسلَّى في الطريق، مع أن هذا الضوء ضوء خطر، أي أن المحرِّك ليس فيه زيت، لو تابعت السير لاحترق المحرِّك وكلَّفك خمسين ألف ليرة، فتألُّق هذا المصباح لا يعني أنه للتسلية، فمن توهَّم أن هذا المصباح إذا تألَّق فهو كي يسليه في الطريق فهو مغتر، والمغتر جاهل، فالجهل أو الغرور أعدى أعداء الإنسان..
وأنا لا أريد أن أوسع الموضوع لدرجة أن يشمل الحياة كلَّها، أنا أقصر هذا الدرس على طلاب العلم فقط، على روَّاد المساجد. قد تجد إنسان أتقن شيء ؛ أتقن فرعاً من فروع الدين، وقد يكون فرع جُزئي جداً، إذا به يغتر، ويظن أن هذا الفرع هو الدين كله، ويستعلي على بقية الناس، ويقيِّمهم في ضوء هذا العلم الذي أتقنه، هذا غرور.
طبعاً لو أردنا أن نعطي أمثلة لاغترار أهل المعاصي فهناك أمثلة كثيرة جداً، فمثلاً:
هناك من يقول: الدنيا نقدٌ والآخرة نسيئة، والنقد خيرٌ من النسيئة، الدنيا شيء حاضر بين يديك، محسوسة ملموسة، انتهز هذه الفرصة، انغمس فيها إلى قمة رأسك، ولا شيء عليك، هذا أكبر أنواع الغرور، لكن هذا غرور أهل المعاصي. أنا لا أريد أن أخوض في غرور أهل الدنيا لأن هذا موضوع لا ينتهي.
هناك من يعصي الله ويقول: الله كريم، نتَّكل على عفوه، وربما اغتروا أيضاً بصلاح آبائهم، هذا غرور. طبعاً هذا الموضوع طويل جداً، قدَّمت لكم نماذج من اغترار أهل المعاصي أما نريد أن ندخل إلى صُلب الدرس.
هؤلاء الذين يحضروا مجالس العلم، هؤلاء الذين يرتادون المساجد، هؤلاء الذين يعتقدون أنهم على حق، وأنهم تفوَّقوا، وأنهم نجوا، هؤلاء قد تزل أقدامهم إلى غرورٍ خطير.
من أنواع هذا الغرور... الحديث عن طلاب العلم الذين بشكلٍ أو بآخر وقعوا في منزلق الغرور، قال: هناك فئةٌ من طلاَّب العلم أحكموا العلوم الشرعيَّة والعقليَّة، وأهملوا تفقُّد الجوارح وحفظها عن المعاصي، أي معه شهادة، شيخه فلان، من المعهد الفلاني، بتفوُّق، بشهادة كبيرة جداً، أما غض بصره، ضبط لسانه، تحرير دخله ما في دقَّة، يسهر، يلعب نرد، يشرب أرجيلة، فهذه الأمور بسيطة، أما هو معه الشهادة الفلانيَّة، من المعهد الفلاني ـ وانتهى الأمر ـ هؤلاء الذين أتقنوا العلوم الشرعية والعقلية، وأهملوا تفقُّد الجوارح وحفظها عن المعاصي، لم يلزموا أنفسهم بالطاعات، اغتروا بعلمهم، ظنوا أنهم من الله بمكان، ولو نظر هؤلاء بعين البصيرة، علموا أن علم المعاملة لا يراد به إلا العمل.
لو أنك علمت كيف تعمل لا تنجو، ينبغي أن تعمل، علمت كيف تعمل، كيف تزكي نفسك، هذا لا يجدي، فالقصد أن تزكي نفسك، وهذه منزلق خطير جداً، تعلم كيف تكون التزكية، يجب أن تزكي نفسك، لا أن تعلم كيف تزكي نفسك، يجب أن تعمل لا أن تعلم كيف ينبغي أن تعمل، بل يجب أن تعمل، كلام دقيق، فعندما يتقن الإنسان العلم صار في عنده إمكان عن ماذا ينبغي أن تفعل.
حدَّثني أخ فقال لي: والله في مدرسة شرعيَّة رجل من أهل العلم، ألقى درس للصف الحادي عشر عن الكبر، مذمة الكبر. قال لي: والله أبدع إبداع، تفوق تفوُّق، لمَّ الموضوع من كل أطرافه، وأتى بشواهد من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وقصص التابعين، شيء رائع جداً، فلما انتهى الدرس، دخل إلى غرفة المدرسين، ولفَّ رجلاً على رجل، وانزوى ولم يشعر أن أحداً من الحاضرين له أن يكلِّمه، هو فوق ذلك، هو قبل دقائق كان يتحدَّث عن الكِبْر، وهو في أعلى درجة من الكبر وهو لا يدري.
يا إخوان الكلام دقيق جداً، لا يجديك أن تتعلَّم كيف ينبغي أن تعمل ؛ بل يجديك أن تعمل، ولا ينبغي أن تتعلَّم كيف تكون التزكية ؛ بل لابدَّ من أن تزكي نفسك. في منزلق خطير في حلقات العلم، أنه يكتفي بالعلم ولا يعمل، والله أشياء ملموسة وواضحة جداً، صارخة كالشمس، أنت تعلِّم أن الغيبة حرام، وأن المغتاب يقع في أشد أنواع الإثم، وأن الله عزَّ وجل قال:

﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾

سورة الحجرات: من آية " 12 " )

وأن، وأن، وأن، وأن ثم أنت لا تتورَّع أن تغتاب كل المسلمين، بل كل العلماء. كنت مرَّة في جلسة فلفت نظري أن كل واحد نصَّب نفسه وصي على كل العلماء، وبدأ يشرِّحهم واحداً واحداً، وهو لم يقدِّم شيئاً للمسلمين، فقلت لهم: أنا لا أسمع منكم أي كلام ما لم تعملوا عملاً لخدمة المسلمين، وتأتوا به في الأسبوع القادم، وإلا النقد سهل جداً، فالآن لو فرضنا بناء. كنت في الخليج فهناك أبنية تُهدم بدقائق، بناء من عشر طوابق، من الأسمنت المسلَّح، الآن في قنابل لو وضعت يتداعى البناء إلى الداخل بدقائق، صار كوم من الأسمنت المفتَّت، الهدم سهل، أما لو أردنا أن ننشئ بناء فنحتاج إلى عشر سنوات أو خمس سنوات، الهدم سهل جداً، النقد سهل جداً، تجريح الناس سهل جداً، أنت ماذا قدَّمت ؟
فهذا الإنسان قدَّم شيء وأخطأ، أنت ماذا قدَّمت ؟ أنت لم تقدِّم شيئاً، لم تقدِّم شيئاً للمسلمين، هذا نمط والعياذ بالله شائع، انتماء شخصي، انتماء فردي، انتماء ذاتي ؛ بيته، أكله، نومه، راحته، مصروفه، أولاده، نزهته، استجمامه فقط، ومن بعده الطوفان، ما قدَّمت شيئاً، كيف تنصِّب نفسك وصياً على المسلمين تجرِّحهم واحداً واحداً ؟.
سأعيد الفكرة مرة ثانية: لا ينجيك أن تتعلَّم كيف ينبغي أن تعمل، ينجيك أن تعمل، لا ينجيك أن تتعلَّم كيف تزكي نفسك، ينجيك أن تزكي نفسك، العلم في الدين ليس هدفاً بذاته، إنما هو وسيلة، فالعلم ما عُمِل به فإن لم يُعمل به كان الجهل أولى.
الله عزَّ وجل ماذا قال ؟ قال:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾

( سورة الشمس )

ولم يقل: قد أفلح من تعلَّم كيف يزكيها، ما قال هذا، بل قال:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾

فعلاً، أما من تعلَّم كيف يزكيها ليس له أجر إطلاقاً. هذه فرقة أي أنهم أتقنوا العلوم الشرعيَّة والعقليَّة وأهملوا العمل بها، هؤلاء مغترون، مغرورون وقد وقعوا في فخٍ خطير، فخ من الشيطان، وقد وقعوا في حبائل الشيطان.
الفرقة الثانية: أحكمت العلم والعمل الظاهر ؛ جوارحه ضبطها، دخله ضبطه، تعلَّم علماً شرعياً وطبَّقه في حياته العملية، نقول: هذا الإنسان في عنده ورطة، هذه قد لا يعتني بقلبه، هو صار كامل علم وعمل، لكن ما طهَّر قلبه من العجب، من الكبر، من الحسد، هذه أمراض القلب مهلكة، فلا يكفي أن تتعلَّم وأن تعمل بما عملت، بل ينبغي أن تتعلَّم، وأن تعمل بما علمت، وأن تزكي نفسك، وتطهِّر قلبك لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

(سورة الشعراء )

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ))

( من صحيح مسلم: عن " أبي هريرة " )

في الدرجة الثانية لا يكفي أن تعمل بما علمت ؛ بل ينبغي أن تطهِّر قلبك الذي هو منظر الرب، ما دام الله ينظر إلى قلوبنا فهو منظر الرب.
الآن الفرقة الثالثة، قال: فرقةٌ ثالثة من طلاب العلم علموا أن هذه الأخلاق الباطنة مذمومة، إلا أنهم بعجبهم بأنفسهم يظنون أنهم منفكّون عنها. الثالثة علمت أن هناك أمراض في القلب مهلكة، لكنهم توهَّموا أنهم معافون منها، فإذا تكبَّر يقول لك: هذه عزَّ الطاعة. وإذا تطاول يقول لك: هذه تأديب للآخرين. فيكون عنده أمراض لم ينجو منها لكنه يفسرها تفسيراً لصالحه، هذه مشكلة كبيرة جداً، وهذا الشيء واقع.
والله أيها الإخوة إن شاء الله في هذا الدرس لا أتكلَّم كلمة إلا وعندي أمثلة كثيرة جداً ممن ألتقي بهم. الآن يفسِّر نقائصه بالكمالات، معنى ذلك هو لم يتجاوز مرحلة تطهير القلب، هذه ما وصل إليها، ففي كبر، وفي تطيم للآخرين إذا ظهروا أمامه، أو إذا لفتوا نظر الآخرين يحطَّمون. فأنت عند طبيب ـ بربك ـ إذا قال لك هذا الطبيب: من حكَّمك سابقاً ؟ قلت له: فلان. فوصفه بأبشع وصف، أتحترمه هذا الطبيب ؟ غير معقول، إنه لكي يلفت نظر مرضاه أنه هو الوحيد الفهيم كلَّما سمع عن طبيب آخر يعطيه أقذع تهمة، هذا إنسان منحرف، فكل إنسان عندما يريد أن يتفرَّد لا يحتمل مدح الآخرين، فإذا واحد مدح آخر يطعن فيه على الفور.
سيدنا عمر رضي الله عنه عندما قَدِمَ الشام، عرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع خفيه وأمسكهما وخاض الماء، ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة ـ معقول أمير المؤمنين يخوض بمخاضة ويخلع نعليه ؟ ـ
ـ قال له: لقد صنعت اليوم صنعاً عظيماً عند أهل الأرض.
غير معقول أنت خليفة. بجوز الآن ـ اليوم ـ مقبول الكلام، أما وقت سيدنا عمر ما كان مقبول، فصكَّ في صدره وقال:
ـ لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيدة لفعلت معه وفعلت، إنكم كنتم أذل الناس وأحقرهم، فأعزَّكم الله بهذا الدين، فمهما تطلب العزَّ بغيره يذلكم الله عزَّ وجل.
هذا التاريخ المعاصر وما قبل المعاصر، مهما طلبت هذه الأمة العز بغير هذا الدين لا تناله، لا تناله إلا بالدين.
هناك منزلق آخر، المنزلق الأول يعلم ولا يعمل، هذا كثير جداً، في منزلق يعلم ويعمل ولا يطهِّر قلبه من أمراضه، في حالة ثالثة يعلم ويعمل ويعلم أن هناك أمراض في القلب، لكنه يؤوِّل أمراضه تأويلاً لصالحه، فإذا قسا على إنسان يقول: أأدبه ـ فهل أنت وصي ؟ ـ فإذا أخذه الزهو يقول: هذا عز الطاعة. فإذا تقرَّب إلى قوي قال: لصالح المسلمين أفعل هذا. هو يعلم أن في أمراض في القلب لكنه يؤوِّلها تأويل لصالحه.
الآن يوجد منزلق آخر، يبالغ في زينة الحياة الدنيا، يقول لك: حتى أرفع من شأن الإسلام. والله مرَّة دخلت إلى بيت غير معقول، كله رخام مستورد، أثاث مستورد، والرجل من أهل العلم قال لي: هكذا ينبغي أن نكون أمام الناس. لا ليس شرط، النبي ما فعل ذلك، النبي نام في بيت لو أراد أن يصلي قيام الليل، لا تتسع غرفته لصلاته ونوم زوجته، وكان سيد الخلق.
أيها الإخوة... لازلنا في مرض الغرور، ولازلنا في علاقة هذا المرض بطلاَّب العلم.
الآن في حالة أخرى وهي فرقةٌ أحكموا العلم، وطهَّروا جوارحهم، وزيَّنوها بالطاعات، وتفقَّدوا قلوبهم بتصفيتها من الرياء والحسد والكبر، ولكن بقيت في زوايا القلب خفايا من مكائد الشيطان، وخِدَعِ النفس لم يفطنوا لها، وأهملوها، فترى أحدهم يسهر ليله، ويعمل في النهار كل الأعمال الصالحة، ويرى أن باعثه على ذلك الحرص على إظهار دين الله، هكذا يرى، وربما كان الباعث طلب الذكر وانتشار السيط، فلو إنسان طعن فيه، أو قلَّل من قدره تجده يقيم النكير.
فأنت تقول: الهدف نشر دين الله عزَّ وجل، فلماذا غضبت هذا الغضب حينما مسَّت شخصيَّتك ؟ هذه حالة دقيقة جداً، هم تعلَّموا، وعملوا، وطهَّروا قلوبهم، لكن بقيت في زوايا قلوبهم بعض الأمراض، هم توهَّموا أنهم ينشرون دين الله عزَّ وجل، لكن غاب عنهم أنهم يطلبون الذكر والسيط بين الناس، إما صريحاً بالدعاوى الطويلة العريضة، وإما ضمناً بالطعن بالآخرين، لكن لا شعوري، كلَّما سمع من إنسان كلمة يعطي طعن، أن هذه غلط وأنا الصح، غلط أنا الصح.
لكن أيها الإخوة... كما قال عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ))

( من سنن الترمذي: عن " ابن عمر " )

فهو مرجوٍ أمره عند الله عز وجل بخلاف من يزكي نفسه. بالمناسبة الله عزَّ وجل ذمَّ هؤلاء الذين يزكون أنفسهم فقال:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾

( سورة النساء: من آية " 49 " )

أنا أتمنَّى الإنسان يقلِّل من الحديث عن نفسه، ويكثر الحديث عن الله ورسوله، وأصحاب رسول الله..

(( أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ))

( من صحيح البخاري: عن " أبي هريرة " )

تجد أحياناً الدرس كله محوره شخص، اجعل محور الدرس الله عزَّ وجل، ورسوله، وأصحابه الكرام.
الآن في أنواع أخرى من الغرور أشرت إليها في أول الدرس. إنسان متبحِّر في علم الفتوى، ويظن أن الفتوى هي الدين كلُّه، قد يقصِّر في العمل الصالح، وقد تزل قدمه بمخالفاتٍ شرعيَّة، إلا أنه يتقن علم الفتوى، إنسان يقرأ قوله تعالى:

﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾

( سورة التوبة: من آية " 122 " )

أتقن الفقه فظن أن الفقه هو كل شيء، فهناك غير هذا كعلم العقيدة، وفي علم السلوك، وفي السلوك إلى الله عزَّ وجل، تطهير القلب، ظن أن الفقه هو الدين، إنسان ظن أن التجويد هو الدين، التجويد جزء من الدين وليس هو الدين كلَّه، إنسان ظن أن علم المواريث هي الدين، إنسان ظن أن علم القراءات هي الدين، علم القراءات جزء من الدين، هذه كلها أجزاء من الدين، فالإنسان إذا توهَّم هذا الجزء كلاَّ وقع في الغرور.
وفي ناس أولعوا بالخلافيَّات، همَّه الأول أن يأتي بالرأي، والرأي المخالف، وحجج الفرقة الأولى، والرد على هذه الحُجَج، وحجج الفرقة الثانية، ورده على هذه الحجج، فقد ضيَّع كل حياته في القيل والقال، وإن الله كما قال عليه الصلاة والسلام:

((كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ))

( من صحيح البخاري: عن " المغيرة بن شعبة " )

وفي ناس اشتغلوا بعلم الكلام، والمنطق، والفلسفة الإغريقيَّة، هؤلاء أيضاً زلَّت أقدامهم، ولم يعلموا أن الدين ليس بحاجةٍ إلى علمٍ هجين، الدين دين الله، الكتاب والسنة يكفي، هل يجب أن تتعلَّم منطق اليونان لكي تفهم العقيدة ؟ يجب أن تتعلَّم علوم الإغريق كي تكون مؤمناً ؟ مستحيل. ورد في الحديث الصحيح أنه:

(( مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلا أُوتُوا الْجَدَلَ))

( من سنن الترمذي: عن " أبي أمامة " )

العَيّ، والله مرة واحد سألني سؤال فقال لي: نحن في القرية مختلفين، ومتناقشين، ومتنازعين على تعريف التهجُّد بدقَّة، وتعريف قيام الليل، اختلفوا إذا الإنسان نام واستيقظ هل هذا تهجُّد أم هو قيام ليل ؟ قلت له: أنا أنصحك أن تستيقظ في هذا الليل، وتصلي ركعتان بإخلاص وخشوع، وقل له: يا رب أنا لا أدري ما اسم هذه الصلاة ولكن اقبلها مني فقط. ما صلَّى بحياته قيام الليل ولا تهجَّد، وغارقاً بالفرق بين قيام الليل والتهجُّد، أي واحد يكون قيام الليل هل هو القيام بعد النوم، أم الصلاة قبل النوم، واقع في هذا الجدل ولم يفكر أن يصلي قيام الليل، هذه مشكلة يعاني منها المسلمون، فأكثر المسلمين في قضايا صغيرة كثير يكبِّرها.
هناك أيضاً فرقة أخرى اشتغلت بالوعظ، الوعظ عن طريق القصص، والقصص غير الصحيحة، والأحاديث الضعيفة، يجب أن يأتي بشيء غريب، الإغراب مرض في الدعوة، حديث ضعيف، أنت اذكر حديث صحيح يعرفه كل الناس، وعمِّق فهمك له، واشرحه شرح طويل، لا تنزعج من حديث معروف، ابقَّ في الصحاح، واشرح حديث مألوف معروف لكن تعمَّق في شرحه، أحسن ما تضيِّع الناس بشيء في عليه إشكال.
وفي أناس اشتغلوا بالأشعار والأدب، تجد دعوة إلى الله مضمونها كله شعر، وأحياناً شعر غزلي، الحقيقة هو ممتع، في أشياء ممتعة بالأدب، لكن هل من المعقول تكون دعوة إلى الله في جامع أكثرها شعر وصف، بل وصف مثير ؟ هذا الشيء كذلك فيه انحراف بالدعوة.
سأضرب مثل يوضِّح الفكرة: لو أنه في بلد لا توجد فيها إذاعة، وأراد المسؤولون أن يمنعوا التجوُّل، فوضعوا إعلانات في الطرقات، إعلانات بمنع التجول تحت طائلة إطلاق الرصاص. فجاء واحد قال: والله هذا الورق لا يوجد مهنه، ورق مبرغل، هذا الورق غير وطني، هذا حتماً مستورد، فدقق فهنا جاءت حروف أجنبيَّة من ضمن تصنيع الورق، انتبه، والثاني انتبه للخط هذا ليس خط، هذا تنضيد حروف، هذا خط خطاط، وانتبه واحد لنوع الحبر فيه لمعة، ولا أحد انتبه لمضمون البلاغ، وهو يفكر بالخط جاءته رصاصة فقتلته، تقرأ البلاغ وتذهب إلى بيتك فقط، يجب تهتم بالمضمون.
الآن في كثير دعوة قضية أن القرآن فيه إعجاز عددي، سبعة وتسعة عشر، وحساب الأرقام، لكن وفي النهاية ؟!! هذا كتاب منهج هل قرأته ؟ هل فهمت المضمون ؟ هل عملت به ؟ هل جعلته دستوراً لك في حياتك ؟ فأخطر شيء في انحراف الدعوة أن تخرج الدعوة عن مسارها الصحيح إلى فروع جانبيَّة، تستهلك في هذه الفروع، ولا تؤتي ثمارها كما أرادها الله عزَّ وجل
فالحديث يطول، يقول لك: إذا ما أتقنت الأربعة عشر شدة في الفاتحة، إن لم تأتِ بها فالصلاة باطلة، هذا غرور كذلك، مبالغة، فالله عزَّ وجل يقبل من إنسان أن يقرأ الفاتحة وسورة، ويركع ويسجد، الشيء المقبول لا بالتقعُّر، لهذه الدرجة ينسى الإنسان الصلاة كلها، هو يهتم بالشدات فيضيع عليه المعنى والخشوع في الصلاة كلها، في مبالغات كثيرة جداً.
وفي أناس اهتموا بالنوافل وتركوا الفرائض. يجب عليه أن يقبل الحجر الأسود، فيضرب واحد، ويرفس واحد، ويزيح واحد، فيرتكب عشر مخالفات ليقبِّل الحجر، أنا والله مرَّة شهدت في بعض الحجج، اخترت يوم في الساعة الثالثة قبل العصر بربع ساعة، والحرارة ثمانية وخمسين، وبعدما انتهى الحج بعشرين يوم، واقفين خمسين واحد، لو وقفوا بالدور لقبَّلوا الحجر في دقائق، لكن يطلع الواحد من التقبيل كأنه معصور بغسَّالة.
فلو تصورت أب قاعد مع أولاده، فجاء ابن مشاغب ( أزعر )، مسك أول أخ رفسه، والثاني ضربه، وقبِّل يد أبوه في آخر الأمر، فالأب يقول له: تضرب أنت وهذا التقبيل. ينزعج الأب أهكذا تفعل ؟ أنه من أجل سنة ترتكب مخالفات كبيرة جداً ؟! فهو جهل كبير جداً في الحج، وفي الصيام، حتى في الصلوات، درس قائم، يريد أن يصلي جماعة بأعلى صوت، مرتاح، ويسمِّع ليس الصف الذي خلفه فقط بل الجامع كلَّه، فأي أدب هذا ؟.
إن شاء الله في درس أريد أن ألقيه عن أن الجماعة الأولى هي الجماعة فقط، والباقي ليسوا بجماعة، تشويش غير معقول في أكثر المساجد ؛ أول جماعة، والثانية، والثالثة، والرابعة.
في ناس اختصوا بالحيَل الشرعيَّة، يظن نفسه شاطر، قبل نهاية الحول يهب ماله لزوجته، فلما وُهِبَت هذا المال ما مضى عليها الحول، فإذا اقترب حوَلان الحول تهبه لزوجها، يطلع أنه كل حياته ما دفع زكاة، قبل نهاية الحول يهبه لزوجته، وقبل نهاية حولها تهبه لزوجها، وانتهى الأمر، ومختصين بالحيَل الشرعية، مع أن الحيل الشرعية لها جواب، ولها درس طويل، الحيل الشرعية مسموح بها الإيجابيَّة فقط، الإيجابية أي أنك تحتال على عمل صالح، إنسان لا يأخذ منك صدقة، تحتال بطريقة أنها بشكل هدية، الإيجابيات فقط، أما من أجل التهرُّب من التكاليف فترتكب حيلة شرعيَّة !!
فأنا أردت من هذا الدرس أنه الإنسان يكون مع الواقع، مع المنهج الصحيح، لا تزل قدمه إلى علم بلا عمل، إلى علم وعمل بلا تزكية، إلى علم وعمل وتزكية مع غرور، إلى علم وعمل وتزكية مع تعظيم فرع من فروع الدين وإهمال بقية الفروع.
وهناك غرور ثاني: أنه أنا من جماعة فلان وحدها على حق، وتزدري أي إنسان من جماعة أخرى، نحن فقط، الله لنا فقط، الجنة لنا فقط، تفكير محدود جداً، تفكير ممقوت جداً، هذا أيضاً من الغرور.
يا أيها الإخوة الكرام... باب الغرور طويل، وأنا اقتصرت على غرور يظهر عند طلاَّب العلم الشرعي، أما غرور أهل الدنيا، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)﴾

( سورة فاطر )

(( الدنيا تغر وتضر وتمر ))

( من شرح الجامع الصغير: عن " عمرو بن مُرَّة " )

والشيطان يعدهم ويمنيهم..

﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً (120)﴾

( سورة النساء )

فالشيطان يغرِّر بالإنسان، يقول له: الله غفورٌ رحيم. بالضبط كما لو أن طالب كسول قال لطالب في أول العام الدراسي: الأستاذ لا يدقق كثير، إذا أنت قدَّمت له هديَّة قبل الفحص يعطيك الأسئلة، ارتاح واذهب نام. يرتاح الطفل، ويؤدي كل السنة الدراسيَّة بالنوم، والسهر مع أصدقائه، وارتياد دور السينما، يأتي يوم الفحص فيطرق باب الأستاذ لكي يعطيه الهدية ويأخذ الأسئلة، فيضربه ويطرده، صحي، كان في غفلة فصحي، في أوهام كثيرة جداً تعشعش في أذهان المؤمنين وهي ليست صحيحة.
الدعاء الذي أدعو به أحياناً:

(( اللهمَّ أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم...))

الوهم يلتقي مع الجهل، والوهم يلتقي مع الغرور، الجهل، والوهم، والغرور مسميات بشيء واحد.. " اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، وأدخلنا في أنوار العلم، وأنقذنا من وحول الشهوات إلى جنات القربات ".
أيها الإخوة... الإنسان بحاجة إلى محاسبة النفس، والتدقيق مع الذات، لكي ينجو من هذه المطبات الخطيرة التي تهلك معظم المسلمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018