بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 125 - الموعظة بالتي هي أحسن - ثلاث رسائل الإمام النووي إلى الظاهر ببيرس .


2000-04-30

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... موضوعٌ دقيقٌ وقلَّما يُعالج في المساجد، ذلك أن الله جل جلاله يقول:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

( سورة النحل: من آية 125)

 فالدعوة الابتدائية تحتاج إلى موعظةٍ حسنة، ولكن الحوار يحتاج إلى أسلوبٍ أحسن، لأن في الحوار خصومةً، ولأن في الحوار مناظرةً بين شخصين، فقد يُجْرَحُ أحد الطرفين، فالتوجيه الإلهي أنك إذا دعوت إلى الله عزَّ وجل ينبغي أن تدعو إلى الله..

 

﴿ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾

وإنك إن حاورت، أو ناظرت، أو جادلت ينبغي أن تجادل..

 

 

﴿ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

هذا توجيه الله عزَّ وجل، ولا ريب أن كل إنسانٍ كرَّمه الله بالعلم عليه أن يبيّن، وأن ينصح، وأن يذكر، وأن القوي هو القوي في كل عصر.
 عثرت على رسالةٍ من الإمام النووي رحمه الله تعالى. والإمام النووي عَلَمٌ من أعلام المسلمين ؛ صاحب رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين عليه أتم الصلاة والتسليم، والإمام النووي صاحب شرح صحيح مسلم، والإمام النووي صاحب كتاب بُغْية المُحتاج، وهو من أوسع كتب الفقه الشافعي، وورع الإمام النووي يفوق حدَّ الخيال، واستقامته والتزامه مضربان للمثل.
 كيف نصح هذا الإمام النووي الظاهرة بيبرس ؟ دققوا في الحكمة التي استعملها، وفي الأسلوب الذي استخدمه، وهذا منهجٌ لنا، هناك من يتوهَّم أن النُصح يحتاج إلى غلظة، وإلى قسوة، وإلى كلامٍ يجرح، لا أبداً، بل يجب أن تؤدي أمانة العلم وأنت في أعلى درجةٍ من اللطف والتهذيب.
 يبدو أنه في عهد الإمام النووي هناك مشكلةٌ وقعت في الشام، إنها مشكلة الحَوْطَة على الغوطة، الحوطة أي الاستملاك، أو مصادرة الأراضي، والغوطة هي المنطقة الخضراء المحيطة بالشام، في موضوع الحوطة على الغوطة مشكلة عانَ منها أهل الشام. والإمام النووي رحمه الله تعالى أراد أن يرفع هذه الظلامة عن أهل هذا البلد الطيب، فكتب رسالةً إلى الظاهر بيبرس. كتب هذه الرسالة ووقَّع عليها بعض العلماء ممن أخلصوا لله عزَّ وجل ولا تأخذهم في الله لومة لائم. قالوا: ومما كتبه الإمام النووي في هذه الرسالة:
كتب: لما احتيط ـ أي صودرت هذه الأراضي واستملكت ـ على أملاك دمشق حرسها الله جل جلاله، قال:
"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى:

 

﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)﴾

( سورة الذاريات )

 بدأ رسالته بهذه الآية:

 

﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)﴾

 وقال تعالى:

 

 

﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية 187)

 وقال تعالى:

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

 

(سورة المائدة: من آية " 2 " )

 أرأيتم إلى آيات القرآن الكريم كيف أنها بلسمٌ شافٍ..

 

﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)﴾

 

( سورة الذاريات )

 المؤمن يحتاج إلى أن تُذَكِّرَهُ أحياناً، أن تذكره بآيةٍ، أو بحديثٍ، أو بحكمٍ فقهي، قد يغفل عنه، والآية الثانية مهمة العلماء التبيين، والآية الثالثة:

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

 

( سورة المائدة: من آية " 2 " )

 وقد أوجب الله على المكلَّفين نصيحة السلطان أعزه الله وأعز أنصاره، ونصيحة عامة المسلمين، ففي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 

(( الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله ؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ))

 هذا هو الدين، أن تنصح، والله عزَّ وجل أهلك بني إسرائيل لأنهم كانوا لا يتناهَوْن عن منكرٍ فعلوه.
أنا ما قرأت رسالة في منهجية، وفيها دقة كهذه الرسالة من عالمٍ جليل إلى سلطان الشام الظاهر بيبرس.
ثم قال: ومن نصيحة السلطان وفَّقه الله لطاعته، وتولاَّه بكرامته ـ هذا كلام الإمام النووي ـ ومن نصيحة السلطان وفقه الله لطاعته، وتولاه بكرامته أن تنهى إليه الأحكام إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام.
 أي إذا صار في إجراء يتنافى مع الإسلام، مهمَّة العلماء أن يبينوا هذا للسلطان.
وأوجب الله تعالى الشفقة على الرعِيَّة، والاهتمام بالضعفة، وإزالة الضرر عنهم.
لو جاء إجراء من السلطان بما يخالف أحكام الإسلام، فالعلماء الصادقون، الورعون، المخلصون ينبغي أن يذكروا السلطان بأدبٍ، ولطفٍ إلى أن هذا مخالفٌ للإسلام، وأن الله أوجب عليه الشفقة على الرعية، والاهتمام بالضعفة، وإزالة الضرر عنهم، قال تعالى:

 

 

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 

( سورة الحجر )

 وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ))

 

(من الجامع الصغير: عن " سعد " )

 وقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( مَن نفَّس عن مسلمٍ كربةٍ من كرب الدنيا نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة ))

 

( من الأذكار النووية )

 و.,.

 

(( الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ))

 

( من الأذكار النووية )

 طبعاً هذه مشكلة قديمة وليست جديدة، إنسان له أرض تستملك، قد يكون ثمن الدونم مليون فيعطى مائة ألف، أو يعطى ألف، وقد يعطى خمسمائة، فهذا إجحافٌ شديد، وظلمٍ شديد.

 

(( مَن نفس عن مسلمٍ كربةٍ من كرب الدنيا نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة ))

 

( من الأذكار النووية )

 و.,.

 

(( الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ))

 

( من الأذكار النووية )

 وقال صلى الله عليه وسلم ـ لازلنا في رسالة الإمام النووي إلى السلطان الظاهر بيبرس ـ وقال صلى الله عليه وسلم:

 

(( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به يا رب، ومن شقَّ عليهم فاشقق عليه ))

 

( من الجامع الصغعير: عن " السيدة عائشة " )

 وقال صلى الله عليه وسلم:

 

(( كلكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته "))

 

( من الجامع الصغير: عن " ابن عمر " )

 وقال صلى الله عليه وسلم:

 

(( إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم ما ولّوا ))

 يأتيه بالآيات وبالأحاديث.
 وقد أنعم الله علينا وعلى سائر المسلمين بالسلطان أعز الله أنصاره، فقد أقامه الله لنصرة الدين، والذب عن حياض المسلمين، وأذل له الأعداء من جميع الطوائف، وفتح عليه الفتوحات المشهورة في المدة اليسيرة، وأوقع الرُعب منه في قلوب أعداء الدين، وسائر المارقين، ومهَّد له البلاد والعباد وقمع بسببه أهل الزيغ والفساد، وأمده بالإعانة واللطف والسعادة، فلله الحمد على هذه النعم الظاهرة والخيرات المتكاثرة، نسأل الله الكريم دوامها له وللمسلمين، وزيادتها في خيرٍ وعافيةٍ، آمين.
 أرأيتم إلى هذه الرقة، وإلى هذا اللطف ؟ وهو الإمام النووي يخاطب السلطان الظاهر بيبرس.
وقد أوجب الله شكر نعمه، ووعد الزيادة على الشاكرين، فقال تعالى:

 

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾

 

( سورة إبراهيم: من آية " 7 " )

 وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة ـ أي هذه المصادرة ـ على أملاكهم أنواعٌ من الضر، لا يمكن التعبير عنها، وطُلِب منهم إثبات ما يلزمهم ـ طلب منهم إثبات ملكيتها ـ وإلا فهي مصادرة، فهذه الحوطة لا تحل عند أحدٍ من علماء المسلمين، بل من في يده شيٌ فهو ملكه، لا يحل الاعتراض عليه، ولا يكلف بإثباته ـ مادامت هذه الأرض بيده فهي ملكه في عرف ذلك الزمان، ولكل زمانٍ عرف، الآن يحتاج إلى سند تمليك، أما وقتها من كانت الأرض بيده فهي ملكه ـ وقد اشتهر من سيرة السلطان أنه يحب العمل بالشرع، ويوصي نوابه به، فهو أولى من عمل به، والمسؤول إطلاق الناس من هذه الحوطة ـ أي المطلوب أن تعفي الناس من هذا الاستملاك ـ والإفراج عن جميعهم، فأطلقهم أطلقك الله من كل مكروه فهم ضعفةٌ ضعاف، وفيهم الأيتام، والأرامل، والمساكين، والضعفة، والصالحون، وبهم ننتصر، ونغاث، ونرزق ـ أي بدعائهم وصلاحهم وإخلاصهم ـ وهم سكان الشام المبارك، جيران الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وسكان ديارهم فلهم حرماتٌ من جهات
 ولو رأى السلطان ما يلحق الناس من الشدائد لاشتدَّ حزنه عليهم، وأطلقهم في الحال، ولم يؤخرهم، ولكن لا تُنْهَى الأمور إليك على وجهها ـ أي أن الأمور لا تصل إليه على وجهها أي على ما هي عليه، ولكن قد تصل إليه بخلاف ما هي عليه ـ فبالله ـ أي اقسم عليك بالله ـ أغث المسلمين يغثك الله، وارفق بهم يرفق الله بك، وعجِّل لهم الإفراج قبل وقوع الأمطار وتلف غلاَّتهم، فإن أكثرهم ورثوا هذه الأملاك من أسلافهم، ولا يمكنهم تحصيل كتب الشراء، وقد نهبت كتبهم، وإذا رفق السكان بهم حصل له دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن رفق بأمته، ونصره على أعدائه، فقد قال الله تعالى:

 

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

 

( سورة محمد: من آية " 7 " )

 ويتوَّفر له من رعيته الدعوات، وتظهر في مملكته البركات، ويبارك له في جميع ما يقصده من الخيرات، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( من سنَّ سنةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ))

 

( من تخريج أحاديث الإحياء: عن " جرير بن عبد الله " )

 لازلنا في رسالة الإمام النووي رحمه الله تعالى، إلى الظاهر بيبرس، بسبب مصادرة بعض أملاك أهل هذه البلدة الطيبة.
 فنسأل الله الكريم أن يوفِّق السلطان للسنن الحسنة التي يُذْكَر بها إلى يوم القيامة، ويحميه من السنن السيئة، فهذه نصيحتنا الواجبة علينا للسلطان، ونرجو من فضل الله تعالى أن يلهمه الله فيها القبول، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* * * * *
رسالة عثرت عليها من كتب التاريخ من الإمام النووي إلى السلطان الظاهر بيبرس.
 معنى ذلك أن للعلم رسالة، وأن في عنق العلماء أمانة، وأن واجب الذين تعلموا العلم أن يبينوا إذا وقعت هناك مشكلةٌ بسبب مخالفة منهج الله عزَّ وجل فهذا هو الود، وهذا هو اللطف، وهذه هي الحكمة، وهذه هي الموعظة الحسنة، ومن توهَّم أن النصيحة تحتاج إلى قسوة، وإلى كلامٍ يجرح، وإلى موقفٍ أرعن، فهذا إنسانٌ جاهل، ذلك لأن الله عزَّ وجل حينما أرسل موسى إلى فرعون، وموسى نبيٌ عظيم، وفرعون طاغيةٌ كبير، قال:

 

﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾

 

( سورة طه: من آية " 44 " )

 فلفرعون الذي قال:

 

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾

 

( سورة النازعات )

 و..

 

﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

 

( سورة القسس: من آية " 38 " )

 قال:

 

﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾

 

( سورة طه: من آية " 44 " )

 فكيف بإنسان يقول: لا إله إلا الله، وإنسان يتمسَّك بالدين، فإذا أنت لك أخ كريم متمسك بالدين غابت عنه قضيةٌ، يجب أن تنصحه، ولكن نصيحةٌ فيها لطفٌ وفيها لباقة.
* * * * *
أيها الإخوة الكرام... بالبر يستعبد الحر، من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف.

 

(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها في جهنَّم سبعين خريفاً ))

 

( من الجامع الصغير: عن " ابي هريرة " )

مرة ذكرت لكم أن واعظاً وعظ أميراً فقال:
ـ سأعظك وسأغلظ عليك.
 ـ فقال هذا الأمير ـ وهو فقيه يبدو ـ قال له: ولمَ الغلظة يا أخي، لقد أرسل الله مَن هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌ مني ؟ أرسل موسى إلى فرعون ومع ذلك قال:

﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾

( سورة طه )

 سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، له صديقٌ شذَّ عن منهج الله، وسافر إلى بلاد الشام، وعاقر الخمر، وواجبٌ أن ينصحه، كتب له رسالةٌ رقيقة قال:

 

((أما بعد، أحمد الله إليك، غافر الذنب، قابل التوب، شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو... ووجه له كلماتٍ رقيقة، صار يقرأها ويبكي إلى أن تاب إلى الله عزَّ وجل، فقال سيدنا عمر: افعلوا هكذا إن رأيتم أخاكم قد ضل، لا تكونوا عوناً للشيطان عليه، ولكن كونوا عوناً له على الشيطان ))


 الكلمة الطيبة أيها الإخوة تُلَيِّن القلب، الكلمة الطيبة تثير العواطف، الكلمة الطيبة تجعل الإنسان ينقاد لك، أما الغِلْظة، والدليل يقول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 159 " )

 معنى ذلك أن الإنسان إذا اتصل بالله عزَّ وجل يمتلئ قلبه رحمةً، وإذا امتلأ قلبه رحمةً انعكست الرحمة ليناً، ورقَّةً، ولطفاً، فإذا فعل هذا التف الناس حوله وأحبوه، أما إذا كان منقطعاً عن الله عزَّ وجل يمتلئ قلبه قسوةً، وتنعكس القسوة غلظةً وفظاظةً، وهذه الغلظة والفظاظة تجعل الناس ينفضُّون من حوله..

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 أيها الإخوة... أكاد أشعر أن الإنسان حينما يخلص لله عزَّ وجل يلهمه الصواب، يلهمه الأسلوب المؤثِّر، يلهمه فَصْلَ الخطاب، يلهمه الحكمة.
* * * * *
يبدو أن هناك رسالة ثانية للإمام النووي للسلطان الظاهر بيبرس وسوف أتلوها عليكم بما فيها من لطفٍ، ومن حكمةٍ، ومن بلاغة.
 في مقدمة هذه الرسالة قال: اجتاح بلاد الشام القحط في سنةٍ من السنين التي عاشها الإمام النووي في عهد الملك الظاهر بيبرس، طبعاً هذا الملك الظاهر بيبرس كان رجلاً صالحاً، صاحب الفتوحات، والأخبار، والآثار، تولى سلطنة مصر والشام عام ستمائة وثمانيةٍ وخمسين، وكان شجاعاً، يباشر الحروب بنفسه، وله الوقائع الهائلة مع التتر، توفي في دمشق عام ستمائة وستةٍ وسبعين، وحول مرقده أقيمت ـ من يقول ؟ ـ المكتبة الظاهرية، حول قبره.
 فلما صار هناك قحط وجفاف غلت الأسعار، وقلَّت الغلاَّت، وهلكت المواشي، فاجتمع الإمام النووي مع بعضٍ من العلماء الذين يؤثرون ما يؤثر طاعة الله عزَّ وجل ومصلحة المسلمين، على أن يوقعوا كتاباً كتبه النووي ليرفعه إلى الظاهر بيبرس عن طريق الأمير بدر الدين الخِزْندار الظاهري، وهاكم نص الكتاب:
 بسم الله الرحمن الرحيم. بالمناسبة ورد في التاريخ أنه أحد خلفاء بني أمية أراد أن يغير سنة النبي في صلاة العيد، فمن أجل أن يبقى الناس في المسجد وأن يستمعوا إلى خطبته عكس الآية، أخَّر الصلاة إلى ما بعد الخطبة، تعلمون أن صلاة العيد نبدأ بالصلاة ونثني بالخطبة، فلما أراد أن يصعد المنبر ليخطب قبل الصلاة، أحد التابعين لفت نظره، وقال: إن هذا ما فعله رسول الله. طبعاً هذا الخليفة ما سمع إليه وصعد المنبر، فقال بعضهم: أما هذا فقد أدى الذي عليه.
 مرة زرت أخ بمكتبه التجاري، وهو محسوبٌ على المسلمين، مسلم وله أعمال طيبة، رأيت عنده موظفةً لا تليق به، موظفة غير محجَّبة، متبذلة في ثيابها، فنصحته، وعلى أثر هذه النصيحة استبدل بها موظفاً، وهو قال تعليقاً على نصحي له: أنه والله زارني أناس كثيرون ما أحد ذكر لي هذا الموضوع.
 أنت عوِّد نفسك أن تؤدي أمانة العلم ؛ إن رأيت منكراً، إن رأيت مخالفةً، إن رأيت تجاوزاً، هذا لا يكلفك إلا أن تقول بأدبٍ جم، ولطفٍ شديد: هذا الشيء مخالف للشرع، أنا أنصحك أن تتجاوزه.
 ففي الرسالة الثانية يقول الإمام النووي في رسالةٍ بعث بها إلى الظاهر بيبرس عقب جائحةٍ اجتاحت أهل الشام، وأرسل هذا الكتاب وقد وقع عليه بعض العلماء المخلصين.
من عبد الله يحيا النووي سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المُحْسِن، ملك الأمراء بدر الدين أدام الله الكريم له الخيرات، وتولاه بالحسنات، وبلَّغه من خيرات الآخرة والأولى كل آماله، وبارك له في جميع أحواله آمين.
والله كلام لطيف جداً.
وننهي إلى العلوم الشريفة أن أهل الشام في هذه السنة، في ضيق عيشٍ، وضعف حالٍ بسبب قلة الأمطار، وغلاء الأسعار، وقلة الغلات والنبات، وهلاك المواشي وغير ذلك.
والله في أخبار مؤلمة جداً عن بعض البلاد في أفريقيا، صور كثيرة جداً الأبقار كلها ميّتة، المواشي ميتة، يموت الناس جوعاً، فالإنسان إذا كان يسكن في بيت، وعنده طعامه وشرابه، وفي ماء بالصنبور، هذه نعمةٌ كبرى، أنت ساكن في بيت.

 مرة أخ تضجَّر أمامي فقلت له: ما الذي يزعجك ؟ قال لي: عندي ثلاثمائة دونم تفاح، وقد سعرت لي بأسعار بخسة، وقتها كان في تأمين تفاح في بعض السنوات قديماً، الأسعار قليلة، قلت: اشكر الله عزَّ وجل ذلك أن عندك شيئاً تبيعه، قلت: عندك شيئاً ـ بالنصب ـ أما إذا قلت: عندك شيءٌ تبيعه، هناك من لا يبيع شيئاً، تجد إنسان أجهزته كاملة، بيته موجود، عنده طعام يومه، زوجته أمامه، أولاده أمامه، يشكو، ممَ تشكو ؟ " إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه، معافىً في جسمه، عنده قوت يومه فكأنما ملك الدنيا بحذافيرها ".
والله الذي لا إله إلا هو لو إنسان يملك ألف مليون دولار، وأصابه مرض عضال، يقول لك: أتمنى ألا أملك قوت يومي وأن يعافيني الله من هذا المرض.
لي صديقٌ له صديق يحمل دكتوراه من فرنسا في الأمور الفيزيائية، وتولى أعلى منصب في وزارة الصناعة، كفَّ بصره وهو في ريعان الشباب، فزاره صديقي، قال له: والله أتمنى أن أجلس على الرصيف، وأن أتكفف الناس، وأن يردَّ لي بصري.
 الذي أكرمه الله عزَّ وجل بحواس خمس، أحياناً الإنسان عندما يضجر، وتضيق نفسه أقول له: أنت لست مضطر أن تغيّر صمام قلبك، ولا مضطر أن تزرع شريان قلب، ولا تزرع كلية بالهند، ولا مضطر تسافر لأمريكا من أجل خثرة في الدماغ فيها مشكلة، في كل مرض عضال يلغي الدنيا كلها، ويجعل الحياة جحيماً لا يطاق، فإذا أحدكم الله معافيه في جسمه، وعنده قوت يومه، وآمناً في سربه، وعنده أولاده وأهله فكأنما ملك الدنيا بحذافيرها
 حدثني أخ عاقل قال لي: أشكو إلى أبي غلاء الأسعار، وقلة الدخول، فيقول له: يا ابني ما عندنا زلزال وهذه نعمة. أنتم ترون كيف أن الناس يشرَّدون في الصحارى، أو في الثلوج ؛ لا طعام، ولا شراب، ولا مأوى، هم وأطفالهم، وأولادهم، وشيوخهم، أنت آمن في سربك، هذه النِعَم التي لا تحصى والتي أكرمنا الله بها في هذه البلدة، هذه نعم كبيرة ينبغي ألا ننساها. لك أن تأتي إلى المسجد وأن تستمع إلى درس علم، ولك أن تصلي، ولك أن تحضر خطبة الجمعة، ولك أن تحجِّب بناتك، هذا كله شيء ميسور لك، وهذا من نعم الله، وهذا مما تفضَّل الله به علينا في هذه البلدة الطيبة.
 قال له: ننهي إلى العلوم الشريفة أن أهل الشام في هذه السنة في ضيق عيشِ، وضعف حالٍ بسبب قلة الأمطار، وغلاء الأسعار، وقلة الغلاَّت والنبات، وهلاك المواشي وغير ذلك، وأنتم تعلمون أنه يجب الشفقة على الرعيَّة، والسلطان، ونصيحته في مصلحته ومصلحتهم، فإن الدين النصيحة، وقد كتب خدمة الشرع الناصحون للسلطان، المحبون له كتاباً بتذكيره النظر في أحوال رعيته، والرفق بهم، وليس فيه ضرر بل هو نصيحةٌ محضة، وشفقةٌ تامة، وذكرى لأولي الألباب، والمسؤول من الأمير أيده الله تعالى تقديمه إلى السلطان أدام له الخيرات، وتتكلموا عليه من الإشارة بالرفق بالرعية إلى السلطان أدام الله له الخيرات، بما يجده مدخراً له عند الله، قال تعالى:

 

 

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 30 " )

 وهذا الكتاب الذي أرسله العلماء إلى الأمير أمانةً ونصيحةً للسلطان أعزه الله، وأنتم مسؤولون عن هذه الأمانة، ولا عذر لكم في التأخُّر عنها، ولا حجة لكم في التقصير فيها عند الله تعالى، وتسألون عنها..

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

( سورة الشعراء )

 أنتم بحمد الله تحبون الخير، وتحرصون عليه، وتسارعون إليه، وهذا من أهم الخيرات، وأفضل الطاعات، وقد أُهّلتم له، وساقه الله إليكم وهو فضلٌ من الله، ونحن خائفون أن يزداد الأمر شدةً إن لم يحصل النظر في الرفق بهم، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)﴾

 

( سورة الأعراف )

 كأن التاريخ يعيد نفسه، قد تأتي سنواتٌ عجاف تضيق فيها الأحوال، تقل فيها الأمطار، يقل فيها النبات، تغلو فيها الأسعار.
سيدنا عمر إذا التقى بأحد ولاته، أول سؤال له: كيف الأسعار عندكم ؟.

 

﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)﴾

 

( سورة الأنبياء: من آية " 35 " )

 أحياناً المسلمون يمتحنون بالغنى، والرواج، والتجارة، والدخول الكبيرة، يمتحنون فيسقطون في الامتحان، ينْسون طاعة الله، يغرقون في الملذَّات، يتبعون الشهوات، ثم يمتحنون امتحاناً آخر بالضيق، بالشدة، لو أن الأمطار انقطعت، والله لولا أن الله تداركنا برحمته، والله لكان الوضع مخيفاً في هذه البلاد، نحن أربعة أشهر ولم ينزل سوى أقل من عشرين ميليمتر، لولا أن الله أمدنا بهذه الأمطار، أي تقريباً الأمطار لا تزال مائة وعشرين ميليمتر من مائتين وعشرين، أو مائتين و أثنى عشر، فلا يزال هناك مسافة كبيرة إلى معدل الأمطار السنوي، في جفاف عام، هذا الجفاف معقول عندنا، أما إذا اشتدَّ أكثر فيكون جفاف مخيف.
قال: والجماعة الكاتبون منتظرون ثمرة هذا، مما إذا فعلتموه وجدتموه عند الله عزَّ وجل..

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)﴾

 

( سورة النحل )

فلما وصلت الورقتان إليه ـ أي إلى الأمير الخزندار ـ أوقف عليهما السلطان، فلما وقف عليهما ردَّ جواباً عنيفاً مؤْلماً، فتنكَّدت خواطر الجماعة الكاتبين، فكتب رحمه الله تعالى جواباً ثالثاً، قال:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين اللهم صلٍ على محمدٍ، وعلى آل محمد وسلم، من عبد الله يحيا النووي ينهي أن خَدَمَةَ الشَرع كانوا قد كتبوا ما بلغ السلطان، أعز الله أنصاره، فجاء الجواب بالإنكار والتهديد، وفهمنا منه أن الجهاد ذُكر في الجواب فلا خلاف على حكمه، وقد أوجب الله إيضاح الأحكام عند الحاجة فقال:

﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 187 " )

 يبدو أن السلطان كان يواجه عدو التتر، وهو بحاجة ماسَّة إلى المال، فحينما جاء هذا الكتاب، رآه بعيداً عن الواقع، فكان رده عنيفاً، فقال الإمام النووي:
فوجب علينا حينئذٍ بيانه، وحرم علينا السكوت، قال تعالى:

 

﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91﴾

 

( سورة التوبة )

 إخواننا... هذه الآية مهمة جداً:

 

﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾

 إنسان معاشه أربع أو خمس آلاف لا يكفيه أسبوعين، هذا لا ينفِق، ضعيف، لا معه قوة، ولا معه مال، ولا معه علم، كيف يتقرب إلى الله عزَّ وجل ؟ قال: هذا الإنسان ينصح لله ولرسوله. ما قربة الضعيف إلى الله ؟ أن ينصح لله ورسوله، ما قربة الفقير إلى الله ؟ أن ينصح لله ولرسوله، فأنت بالكلمة الطيبة ترقى عند الله عزَّ وجل، إما أن ترقى بإنفاق مالك، وإما أن ترقى بإنصاف الضعيف، وإما أن ترقى بالكلمة الطيبة، فهؤلاء الضعفاء، والمرضى، والذين لا يجدون ما ينفقون مهمتهم أن ينصحوا لله ولرسوله.
 فقال الإمام النووي: إن الجهاد ليس مختصاً بالأجناد ولكن الجهاد فرض الكفاية، فإذا قرر السلطان له أجناداً مخصوصين، ولهم أخبارٌ معلومة من بيت المال كما هو الواقع، تفرَّغ باقي الرعية لمصالحهم ومصالح السلطان والأجناد، وغيرها من الزراعة والصنائع، وغيرها مما يحتاج الناس إليه، فجهاد الأجناد مقابل الأخبار الرواتب المقررة لهم، ولا محل أن يؤخذ من الرعية شيء، ما دام في بيت المال شيءٌ من نقدٍ، أو متاعٍ، أو أرضٍ، أو ضياعٍ وغير ذلك.
 وهؤلاء علماء المسلمين في بلاد السلطان، أعز الله أنصاره، متفقون على هذا، وبيت المال بحمد الله معمور، زاده الله عمارةً وسعىً وخيراً وبركةً في حياة السلطان المقرونة بكمال السعادة والتوفيق والتثبيت، والظهور على أعداء الدين. وإنما يستعان في الجهاد وغيره بالافتقار إلى الله تعالى، واتباع آثار النبي، وملازمة أحكام الشرع، وجميع ما كتبناه أولاً وثانياً هو النصيحة التي نعتقدها، وندين الله بها، ونسأله الدوام عليها حتى نلقاه، والسلطان يعلم أنها نصيحةٌ له وللرعية، وليس فيها ما نُلام عليه، ولم نكتب هذا للسلطان إلا لعلمنا أنه يحب الشرع، ومتابعة أخلاق النبي في الرفق بالرعية، والشفقة عليهم، وإكرامه لآثار النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ناصحٍ موافقٍ على هذا الذي كتبناه.
أنا عثرت على هذه الكتب الثلاثة للإمام النووي رحمه الله تعالى، أول شيءٌ يستنبط من هذه الكُتُب اهتمامه بمصالح المسلمين، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
أيها الإخوة... كتلخيصٍ لهذا الموضوع الدقيق، أولاً: مَن تصدى للدعوة إلى الله عليه أن يحمل هموم المسلمين، عليه أن يعنيه ما يعنيهم.
 جاء رسول عامل سيدنا عمر على أذربيجان يحمل له هديةً ثمينة، وصل المدينة في منتصف الليل، فكره أن يطرق باب الأمير ليلاً، فذهب إلى المسجد، فإذا برجل يصلي ويقول:
ـ رب هل قبلت توبتي فأهنِّئ نفسي، أم رددتها فأعزيها ؟ قال له:
ـ من أنت يرحمك الله ؟.
ـ قال له: أنا عمر.
ـ قال له: يا سبحان الله ! ألا تنام الليل ؟.
ـ قال: إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي.
 أخذه إلى البيت، وخيَّره بين أن يأكل عنده أو أن يأكل مع فقراء المسلمين، طبعاً على البديهة يأكل في بيت الأمير لأن الطعام أنفس ـ فقال لها:
ـ يا أم المؤمنين ماذا عندك من طعام ؟
ـ قالت: والله ما عندنا إلا خبزٌ وملح. وكان الفقراء يأكلون اللحم.
ـ قال لها: هاتيه لنا. وأكل هو وضيفه خبزاً وملحاُ فقط وهو خليفة المسلمين، فلما انتهى من طعامه قال:
ـ الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا ؟ ثم قال له:
ـ ماذا عندك ؟
ـ قال له: جئتك من عند عاملك على أذربيجان.
ـ قال له: وماذا معك ؟
ـ قال: هديةٌ لك منه.
ـ قال له: افتحها. فتحها فإذا هو طعامٌ طيِّب، أي حلويات غالية جداً، توصاية.
ـ فقال له: هل يأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام ؟
ـ قال: لا، هذا طعام الخاصة. الطبقة الغنية.
فوبَّخ الوالي توبيخاً شديداً وقال له:
ـ كل مما يأكل منه عامة المسلمين، كيف يعنيك أمرهم إن لم تأكل مما يأكلون ؟ إن لم تعانِ ما يعانون ؟.
فأول شيء يجب أن تحمل هم المسلمين.
 الشيء الثاني: ينبغي أن تتحرك لرفع الضَيْم عنهم بالحكمة والموعظة الحسنة، أنا تجشمت أن أقرأ لكم الكتب الثلاثة لأجل أن تعرفوا كيف أن هذا العالم الجليل، الفقيه الكبير، المحدِّث، الورع، كيف خاطب أولي الأمر بمنتهى الرقة، واللطف، والذوق دون أن يقسو، دون أن يخلق فتنةً، فهذا معنى قول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿لاادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾

 

( سورة النحل: من آية " 125 " )

 وقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ))

 

( من الجامع الصفير: عن " ابن عمر " )

 والرقَّة مطلوبة، والحكمة مطلوبة، والكلام اللطيف مطلوب وعلى الله الباقي، فينبغي أن تحمل هم المسلمين، وأن تفعل شيئاً ما في التخفيف عنهم، بكلمةٍ، برسالةٍ، بنصيحةٍ، بموعظةٍ من دون قسوةٍ، ولا مبالغةٍ، ولا عملٍ عنيف.
والمجتمعات الإسلامية هي هي، مشكلاتها هي هي، والحاكم هو الحاكم، والعالم هو العالم، وكل شيء مسجلٌ عليك بحركتك وفق منهج الله، بنصحك، بتلطفك، بأسلوبٍ فرضه الله عليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018