بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة الأعراف - تفسير الآية 88 ، الفرق بين العبادة والحب والإتباع


1994-07-10

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
 أيها الأخوة الكرام:
 الآية الكريمة الثامنة والثمانون بعد المائة من سورة الأعراف وهي قوله تعالى:

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾

 الحقيقة هذه الآية، ولها أخوات في القرآن الكريم، من أخوات هذه الآية قل:

 

﴿َلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾

 

( سورة الأنعام: 50 )

 من أخوات هذه الآية:

 

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)﴾

 

( سورة الأنعام: 15 )

 من أخوات هذه الآية:

 

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾

 

( سورة يونس: 49.)

 إذاً إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الخلق وحبيب الحق، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا، فلا أن لا يملك لغيره نفعاً ولا ضرا، من باب أولى.
 معنى هذه الآية، أن الإنسان مهما أحب النبي، ومهما قدر النبي، ومهما فنيَ في حب النبي، لا ينبغي أن يعبد النبي بدون الله لأن الصديق رضي الله عنه، ما من إنسانٍ على وجه الأرض، كان أشد حباً، وأعظم تقديراً لرسول الله منه، ومع ذلك حينما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، قال هذا الصحابي الجليل الصديق قولةً لو لم تكن له إلا هذه القولة لكفته، قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
 إذاً يجب أن نفرق، بين الحب، والولاء، والتقدير، والتعظيم وبين العبادة، العبادة لله عز وجل، والحب، والتقدير، والفناء في حب النبي، هذا للنبي، لكن العبادة لله وحده.
 لذلك، يقول الله عز وجل يا محمد قل لهم:

 

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾

 الله هو الخالق، وهو الرب، وهو الإله، والذي بيده الخير والشر، هو الذي يرفع ويخفض، هو الذي يعز ويذل، هو الذي يعطي ويمنع، هو الذي يقبض ويبسط، هو الذي يحيي ويميت، هو الذي يرزق، العبادة للخالق، المربي، المسير، الرزاق، الوهاب المعطي، المانع، القابض، الباسط، العبادة لله عز وجل، والحب والولاء، والتقدير، والتعظيم، والإتباع، للنبي عليه الصلاة والسلام النبي لا يملك أن ينفع أو يضر، لكنك إذا اتبعت سنته تنتفع بها، هو لا ينفعك بالأمر التكويني، لكن ينفعك بالأمر التكليفي.
 يعني مدرس لا يملك أن يضع على ورقة الامتحان، مائة من مائة وأنت مالك فهمان شي، لكن يملك أن يعلمك الرياضيات، أما الامتحان مع جهة أخرى، هو يعلمك ويرشدك ويفهمك، لكنك ممتحن مع جهة أخرى.
 إذاً أردت من هذه الآية، أن نفرق بين العبادة، وبين الحب والإتباع العبادة للخالق، للرب، للمسير، للإله، للمعطي، للمانع للرازق، للوهاب، للرافع، للخافض، للقابض، للباسط، للمعز للمذل، العبادة لله هذه الآية، قل يا محمد لأصحابك، قل للأهل مكة:

 

 

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾

 ما شاء الله كان وما لم بشيء لم يكن.

 

 

﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾

 في عنا نقطة ثانية، لا يملك أن يعلم الغيب.
 طيب ماذا نفسر الأحاديث الشريفة الكثيرة، التي وردت عن قيام الساعة، وعن أحوال آخر الزمان، كيف عرف الغيب ؟
 قال العلماء، علماء العقيدة، لا يعرف النبي الغيب بذاته، أما إذا أخبره الله عز وجل، عندئذٍ يعلم الغيب.

 

 

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾

 

( سورة الجن: 26 ـ 27 )

 النبي إذا أخبرنا عن أحوال قيام الساعة، وعن آخر الزمان، وعن الفتن هذا ليس علماً بذاته إنما هو علم عن طريق الله عز وجل.
 إذاً مقام النبي، هو سيد الخلق، وحبيب الحق، سيد ولد آدم ولا فخر، ما طلعت شمس على إنسان أعظم من رسول الله، ومع ذلك لا يعلم الغيب، لماذا ذكرت هذه الآية، ممكن بهذه الآية تنفي مليون قصة، يفتريها ويختلقها أناس يدعون أنهم على صلة بالله.
 صار التنجيم، والعرافة، والكهانة.
 من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر، من أتى ساحراً ولم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً ولا قيام أربعين ليلةً.
 هذه آية خطيرة جداً، لما ربنا عز وجل بقلك يا محمد صلى الله عليه وسلم، لا تعلم الغيب أنت، هل يستطيع إنسان كائناً من كان، أن يدعي ماذا سيكون بالمستقبل، لذلك أي سلوك يسلكه من يدعي بأنه مؤمن لمعرفة الغيب عن طريق إنسان، عراف، كاهن، ساحر منجمة، بالقهوة، حظك هذا الأسبوع، هذا كله من وسائل الكفر.

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾

 هذا حجم العبد لله عز وجل، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان مرة عند أحد أصحابه الذين ماتوا، ذهب لبيته ليعزي أهله، كان مسجيا على سرير، سمع النبي من وراء الستار، امرأةً تقول له هنيئاً لك أبا السائب فقد أكرمك الله، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام سكت لكان سكوته إقراراً لهذا الكلام، فقال عليه الصلاة والسلام:

((ومن أدراك أن الله أكرمه ؟ قولي أرجو الله أن يكرمه، كلمة لقد أكرمك الله، هذا تأله على الله، قال وأنا نبيٌ مرسل، لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، إذاً لا يعلم الغيب إلا الله. ))

 نحن أردنا بهذه الآية أن نقطع الدجل، أن نقطع الخرافات، أن نقطع الادعاءات، أن نقطع الزعبرة التي يدعيها بعض من يمتهنون الدين، هذه الآية سلاح معنا، النبي عليه الصلاة والسلام بنص القرآن الكريم سيد الخلق، أقسم الله بعمره الثمين قال:

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

( سورة الحجر: 72 )

 قال:

 

﴿فَأَنَا أَوَّلُ﴾

 

(سورة الزخرف: 81 )

 ومع ذلك قال قل لهم:

 

﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾

 في حادثة في السيرة، لها دلالة كبيرة جداً، وفد جاء من قبيلة لا أذكرها الآن، طلبوا من النبي أن يعطيهم علماء وقراء، ليعلمونهم أمر دينهم، سبعين قارئ وعالم، أخذوهم وذبحوهم، هل كان يعلم النبي الغيب ؟ لو علم لما أعطاهم هؤلاء، هذه حادثة تؤكد أن النبي لا يعلم الغيب، إلا أن يعلمه الله، والله أعلمه مئات المرات، أعلمه عشرات مئات المرات عن طريق الوحي، أما أن يعلم هو بذاته مستحيل.
 فنحن ما نسمع لإنسان يدعي أنه يعلم الغيب، ولا أن إنسان بإمكانه بأن ينفع، أو أن يضر، فإذا كان نفينا عن الإنسان، النفع والضر وعلم الغيب، أعطيناه حجمه الطبيعي، أما مقامه عند الله قد يكن صديق، قد يكون ولي من أولياء الله، قد يكون مؤمن كبير، وقد يكون نبي، وقد يكون رسول، وقد يكون سيد الخلق، ومع ذلك لا يعلم الغيب، ولا يملك الخير والشر لنفسه، فلئن لا يملكه لغيره من باب أولى.
 حتى ما نسمح لقصة فيها دجل، فيها افتراء، فيها إفك، فيها ارتزاق بالدين، فيها ابتزاز للأموال، هذا حجم النبي العظيم، وهو سيد الخلق وحبيب الحق، نعيد الآية مرة ثانية:

 

 

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾

 هذه بليغة جداً، يعني إذا كنت لا أملك لنفسي، نفعاً ولا ضراً، فلئن لا أملك لكم نفعا ولا ضراً من باب أولى.

 

 

﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾

 طبعا إلا ما شاء الله، يعني إذا شاء الله لي الخير كان، وإن شاء لي غير ذلك كان، أنا عبد أتلقى من الله عطاءه أو منعه.

 

 

﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾

 وهو أصبح النبي نذير وبشير، ينذر بعذاب الله في جهنم، ويبشر بالجنة لمن أطاعه، وهو لمن ؟ لمن آمن بالله أصلاً، لمن آمن بالله أصبح له نذيراً وبشيراً، أما الذي لن يؤمن بالله ليس له النبي نذيراً ولا بشيراً، هذه الآية، آية مفصلية بالتعبير الحديث آية مفصلية، يعني لا تقبل قصة خلافا.
 أخي قال لي الشيخ أنه بدو يجيني دفعة كبيرة، كذب هذا. قال لي أنه ابنك بدك تزوجه من وحدة غنية كذب، لا تصدق كلام في غيب حتى الجن لا يعلمون الغيب.
 سيدنا سليمان بقي ميتاً، فترة طويلة جداً، إلا أن جاءت دابة الأرض ونخرت عصاته.

 

 

﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾

 

( سورة سبا: 14 )

 أعطاهم أمر شاق، ومتعب ومهين، وقد مات لو علموا أنه مات ما بقوا في هذا العذاب.

 

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾

 أي عصاه.

 

 

﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾

 

 إذاً يا أخوانا الكرام، الأنبياء جميعاً والنبي عليه الصلاة والسلام في رأس القائمة لا يعلمون الغيب، فإذا أدع أحد غير النبي، أنه يعلم الغيب، يجب أن لا نلتفت إليه،وأن نظنه كاذباً، مدجلاً مزوراً للحقائق هذا هو مقام النبي، لا يعلم الغيب، ولا يملك الخير والشر إلا أن يشاء الله.

 والحمد لله رب العالمين.

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018