بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة التكاثر - تفسير السورة بكاملها


1995-12-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، ربُّنا سبحانه و تعالى في سورة قصيرة يقول:

 

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ(1)حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ(2)كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(3)ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(4)كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6)ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(7)ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ(8)﴾

 

[سورة التكاثر]

 سأشرح كلمةَ " النعيم "، قال تعالى:

 

﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ(8)﴾

 

[سورة التكاثر]

 النعيمُ هو الصحة و الفراغ و الأمن و الكفايةُ، فمن متَّعه اللهُ بصحته و أمَّنه و كفاه و جعله متفرِّغا لعمل ما، و لم يستخدم هذه النعمَ الأربع في معرفة الله و في طاعته و التقرُّب إليه كان مغبونا أشدُّ الغبن و خاسرا أشدَّ الخسارة، لقول النبيِّ عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح

 

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ ))

 

[ رواه البخاري ]

 لو أن أبا غنيًّا أعطى ابنَه مبلغا ضخما ليتاجر به و يؤسِّس مشروعا و ليشتري بيتا و ليتزوج، لو أن الابنَ جمع هذا المبلغ ووضعه في صندوق و أغلق عليه هل هو رابح أم خاسر ؟ خاسر، و لو أنه أحرقه، لكان مجنونا، و لوأنه أنفق على مصروفه منه فهو خاسر، فالصحة و الفراغ و الأمنُ و الكفاية، أحيانا الإنسانُ يشكو لي بعضَ المشكلات فأقول له: هل أنت مضطر أن تغسل كليتيك كلَّ أسبوعٍ مرةً، يقول: لا و الحمد لله، هل أنت مضطر أن تغيَّر دسام قلبك ؟ يقول: لا و الحمد لله، هل أنت مضطر أن تغيِّر شريانَ القلب ؟ لا و الحمد لله، هل أنت مضطر أن تجري عملية جراحيةً في الدماغ ؟ لا، فإذا كان الإنسانُ معافى في جسده هذا رأس مال، و رأس المال الثاني عندك دوام إلى الساعة الثانية ثم تتغدى و تنام بعد الظهر، و الباقي وقت فراغ، كيف تمضيه ؟ في مجلس العلم أم على النرد ؟ أو في غيبة ونميمة ؟ أو متابعة مسلسلٍ ساقطٍ ؟ نتائج معروفة و قصص مكرَّرةٌ، حثالةُ المجتمع كيف تمضي هذا الوقت ؟ فالفراغ رأس مالٍ ثانٍ، وأنت لستَ مُلاحقا ؟ تتحرك كيف تشاء و تسافر و تنتقل كيف شئت، فهذا رأس مال ثالث، الأمن،رأس مال رابع عندك قوت يومك، و حاجاتك الأساسية مغطاة، فهذه الرأسامالينُ الأربعةُ إما أن تنفقها استهلاكا في المباحات و إما أن تستثمرها عند الله عز وجل، بمعرفته و معرفة منهجه و تطبيقه و الأعمال الصالحة التي تقرِّبك إليه، فكلُّ إنسان أنفق من رأس ماله خاسر أشدَّ الخسارة، و كلُّ إنسان أتلف رأس ماله أحمق أشدَّ الحمق، أما الإنسان الذي يتاجر برأس ماله ليكسب ربحًا ينفق منه فهو الإنسانُ الإنسانُ العاقل،لذلك قال تعالى:

 

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)﴾

 

[سورة الصف]

 التجارة لها رأس مال و لها ربحٌ، فرأسُ مالك صحتُك و فراغك و أمنُك و كفايتُك،أوَّلُ شيء النجاةُ من العذاب الأليم، و ثاني شيء قال تعالى:

 

﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(12)﴾

 

[سورة الصف]

 ومع هديَّة تشجيعية سلفا،قال تعالى:

 

﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾

 

[سورة الصف]

 لذلك التجارةُ مع الله رابحةٌ أشدَّ الربح، و نحن في الأرض أرباحُ التجارة من العشرة إلى العشرين، و الصناعة من العشرين إلى الثلاثين و الأرباحُ الوهمية للنصَّابين سبعون بالمائة، و في النهاية يذهب رأسُ المال كلِّه، أما من الممكن أن تتعامل مع خالق الكون و يعطيك عن الليرة مليون، و عن الليرة مليار، إلى أن ينتهي نفَسُك.
 فلذلك أيها الإخوةُ أردتُ من هذا الدرس الاستثنائي أن أذكِّر أنَّ نعيمَ الصحة و الفراغ و الكفاية و نعيم الأمن هذه رأسُ مال الإنسان، الصحة هي الشبابُ و القوَّة و الحركةُ، فماذا تعمل بها ؟ في طاعةٍ أم في معصية ؟ أم في هموم ؟ و الوقتُ الفراغ ماذا تعمل به ؟ في لقاءات فارغة و حديث فارغ و غيبة و نميمة ؟ أم في طلب العلم ؟ أم في مذاكرة العلم ؟ أم في الجلوس مع الذي تثق انه ينقلك من حال إلى حالٍ ؟
 أيها الإخوة الأكارم، العمرُ قصيرٌ، و هذا الذي يموت لو أن الدنيا كلَّها في يده، وجاءه ملك الموت ؛ يقول له: أُعطيك كلَّ مال يدي على أن تتْركني أبقى ساعة ‌‍! كي أسْتغفر الله !! وأُصلي ركْعتين ! لذلك مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام بقَبر، فقال صاحب هذا القبر إلى ركعتين مِمَّا تحْقرون

 

(( فالنبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح يقول: ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ ))

 

[ رواه البخاري ]

 فإذا كانت معك قِطعة ألماس ثمنها خمسة ملايين ورثتها من والدك، ولم تدْر أنها من ألماس، فَبِعْتها خمسة ليرات ! ثمَّ عرفت الحقيقة، ماذا تفعل ؟! ألا يشعر هذا الإنسان بالألم ؟! ألا يندم أشدَّ النَّدم ؟! باع الصِّحة والفراغ والأمن والكِفاية بِالكلام الفارغ، والمباحات والاسْترخاء، وما عمِلَ عملاً صالحًا، لذا ورد أنَّ المؤمن لا يندم يوم القيامة إلا على شيءٍ واحِدٍ ؛ على ساعة مرَّت لم يذْكر الله فيها، وكلَّما كبُرَ عقلُ الإنسان يحْرسُ على العقل، وهو أثْمَنُ شيءٍ، أحدُ علمائنا وهو الشيخ بدر الدِّين الحسني مرِّ على مقْهى يلعبون النَّرْد، فقال: يا ليت الوقت يُشْترى من هؤلاء فنَشْتريه منهم ! تجِدُ المؤمن ليس لديه الفراغ، مشاريع وأعمال صالحة، وأعمال جليلة وخيِّرة، وكلَّها تحتاج إلى الوقت الكثير، لذا تَجِدُه يقْتصد في الوقت، والإنسان الشارد التائه يُنفق الوقت جُزافًا، وفي أشياء تافهة ولِقاءات تافهة، وبِمَوضوعات تافهة، وساعات طويلة في الكلام الفارغ والبيوت والنِّساء، وقد قال عليه الصلاة والسلام

 

(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ * ))

 

[ رواه أبو داود ]

 فأنا أنصحُ إخوتنا الكرام ؛ هذا الوقت هو أثمن شيءٍ تمْلكُهُ، وأنت كلَّكَ وقتٌ، وأثْمن شيءٍ تملكه، والله ذهبنا في الأسبوع القادم لِتَعْزِيَة شابٍّ يحْضر عندنا في المسْجد مات بعد عرْسِهِ بخَمسة وعشرين يومًا !! فالموت لا يعرف لا صغير ولا كبير، لذا إن جلسْتَ مع أهلك ذَكِّرهم بالله واقرءوا قِصَصًا عن الصَّحابة، وإن كان لك وقْتًا فارغًا فاقْرأ فيه القرآن، وابْحَث في المفيد، لأنَّ كل شيء ينتهي عند الموت هو خسارة، وكلّ شيء يسْتمرّ بعد الموت رِبْح، لذا رأسُ مالنا أربعة أشياء ؛ الصِّحة والفراغ والأمْن والكِفاية، وأربحانا النَّجاة مِن عذابٍ أليم، والمغفرة ودُخول الجنَّة، فإذا وصلْتَ لهذا فقد ربِحت لأشدّ الرِّبح، فالرِّبح ليس كثرة المال، والموت يُنهي كلّ شيء، فالأصل هو ما يدخل معك القبر، فذَكاؤُكَ، وفلاحُك وتفوقُّك، وعقْلك في أن تذهب لدار الآخرة ومعك أعمال صالحة تُغنيك عن الدنيا، وهنا قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(32)﴾

 

[سورة فصلت]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018