٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 11 - العفو - الصلح بين ذات البين.


1989-01-27

الخطبة الأولى:

 الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، يا رب لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول في الحديث القدسي:

(( يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ أَنَّكَ أَتَيْتَنِي بِتُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ))

[ الترمذي ]

 وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، ذات يوم أقبل عليه رجلٌ فظٌ غليظ، لم يكن رآه من قبل، غير أنه سمع، أن محمداً صلى الله عليه وسلم، يسبُّ آلهةَ قريش، فحمل سيفه، وأقسم ليسوينّ حسابه مع محمد، ودخل عليه، وبدأ الحديث عصفاً مزمجراً، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، وتنطلق مع بسماته، أطياف نورٍ آسر، وما هي إلا لحظات حتى انقلب المغيظ المتجهم محباً، يكاد من فرط الوجد يذوب، وانكفأ على يدي محمد صلى الله عليه وسلم ودموعه تنهمر من عينيه، ولما أفاق قال:

(( يا محمد والله لقد سعيت إليك ، وما على وجه الأرض أبغض إلي منك ، وإني لذاهب عنك ، وما على وجه الأرض أحب إلي منك ))

 ماذا حصل؟ لقد أشرقت على هذا الرجل أنوار الحق، ومحبة الخلق ففعلت في قلبه فعل السحر، إنها النبوة، أيها الإخوة المؤمنون.
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الغرِّ الميامين، أمناء دعوته، وقادةِ ألويته، الذين بهرتهم أخلاقه، وفضائله، إذ رأوا طهره وعفته، وأمانته واستقامته، وسموه ورحمته، وثباته وشجاعته، رأوا عقله وبيانه، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.
 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

العفو:

1 ـ الله عفوٌّ:

 أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، الله جل في علاه عفوٌّ غفور، يعفو عن السيئات، ويعفو عن كثير فإذا تاب العبد توبة نصوحاً، أنسى الله حافظيه، وجوارحه، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه، فالعفو أبلغ من المغفرة، لأن الغفران يُشعر بالستر، بينما العفو يشعر بالمحو، والمحو أبلغ من الستر.

2 ـ الله يأمر نبيَّه بالعفو:

 وقد أمر الحق جلَّ وعلا نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بالعفو والصفح، فقال تعالى:

﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

 وقال أيضاً:

﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾

[ سورة الحجر ]

 وقد فهم النبي صلى الله عليه وسلم العفو بأن تعطي من حرمك، وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك.

3 ـ الله يأمر المؤمنين بالعفو:

 وقد أمر الله المؤمنين، بما أمر به المرسلين، فقال جل من قائل:

﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة : 109 ]

﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة النور : 22 ]

4ـ لماذا يعفو أناس وينتقم آخرون؟

 ولكن لماذا يعفو أناس وينتقم آخرون؟..
 إذا اتصل الإنسان بالله العفو الكريم، يشتق منه بعضاً من هذا الخلق العظيم.
 وإذا استقرت الرحمة في قلب الإنسان فإنها تفيض حتى على خصومه بالعفو والغفران، فيصبح العفو أحب إليه من الانتقام.
 وإذا علم الإنسان، أن خصمه بشكل أو بآخر أخ له في الإنسانية فإذا انتقم منه خسره، وإذا عفا عنه ربحه، ولأن يربح الإنسان أخاه خير له من الدنيا، وما فيها، وعندئذ يرى في العفو غنماً، وفي الانتقام غرماً.
 وإذا أيقن الإنسان أن العفو سلمٌ يرقى به إلى عزِّ الدنيا والآخرة، وأن الانتقام دركات يهوي بها إلى ذلٍّ ومقت يلاحقانه حتى الممات، آثر العفو على الانتقام.
 وإذا علم أبناء المجتمع الواحد، أنه بالعفو تتسع دائرة الصداقات والمودات، فيصبح المجتمع كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً وبالانتقام تفشو العداوات، والأحقاد، حتى تصل بالمجتمع إلى أحط الدركات، صار العفو ديدنهم.

عفو النبي صلى الله عليه وسلم الجماعي عن الناس:

 وتعالوا بنا إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم أسوتنا الحسنة، وقدوتنا الصالحة، ومثلنا الأعلى، الذي بعثه الله معلماً للبشرية، ورحمة للإنسانية.

1ـ عفوه عن المشركين لمّا دخل مكة عام الفتح :

 تعالوا بنا لنرى نبينا الأكرم، ومعلمنا الأعظم، وهو يدخل مكة فاتحاً، وهي التي ائتمرت على قتله، و أخرجته، و عذبت أصحابه، ونكَّلت بهم، وقاطعته، و كذبته، وقاتلته في بدر، وأحد، والخندق، وألَّبت عليه العرب جميعاً.
 لقد ألقى أهلها كل سلاح، ومدوا إليه أعناقهم، ليحكم فيها بما يرى إنهم الآن في قبضته، فأمره نافذ في رقابهم، وحياتهم جميعاً معلقة بين شفتيه، وهذه عشرة آلاف سيف تتوهج يوم الفتح، فوق ربى مكة، تأتمر بأمره وتنتظر إشارة منه، إنها تستطيع أن تبيد مكة وأهلها في لمح البصر.
 لقد دخلها يوم الفتح الأعظ، دخول المتأدبين الشاكرين، معترفاً بعظم الفضل، ولم يدخلها دخول المتكبرين المتجبرين، ثملاً بنشوة النصر.
 لقد سار النبي صلى الله عليه وسلم في موكب النصر يوم فتح مكة حانياً رأسه، حتى تعذر على الناس رؤية وجهه، وحتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، مردداً، بينه وبين نفسه، ابتهالات الشكر المبللة بالدموع.
 سأل أعداءه بعد أن استقر به المقام: يا معشر قريش، ويا أهل مكة فاشرأبت إليه الأعناق، وزاغت عند سؤاله الأبصار، سألهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟
 وصاحت الجموع الوجلة بكلمة واحدة، كأنما كانوا على اتفاق بترديدها، قالوا: خيراً.. أخ كريم وابن أخ كريم.. فقال:

(( اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[ السيرة النبوية ]

 لقد غُمر المذنبون الذين كانوا ينتظرون القصاص، ويستحقونه بأنبل عفو، وأجمل صفح، حتى قال أبو سفيان الذي ناصب رسول الله صلى الله عليه وسلم العداء أعواماً طويلة:

(( بأبي أنت وأمي يا رسول الله.. ما أرحمك، وما أحلمك، وما أحكمك، وما أوصلك، وما أكرمك ))

 ويا سيدي، يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أجمل عفوك عند المقدرة، ما أعظم نفسك التي سمت كل هذا السموِّ، فارتفعت فوق الحقد، وفوق الانتقام، لقد ترفعت عن كل عاطفة دنيا، وبلغت من النبل فوق ما يبلغ الإنسان، لم تكن تعرف العداوة.. بل لم تكن تريد أن تقوم بين الناس، لقد مكنك الله من عدوك، فقدرت، وعفوت فضربت بذلك للعالم كله ولأجياله مثلاً أعلى في العفو والصفح، فلم تجعل من يوم فتح مكة يوم تشفٍّ، ولا انتقام، بل جعلته يوم برٍّ، ورحمة وإحسان.

2 ـ عفوه عن أهل الطائف:

 وعفوه صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة، يذكرنا بعفوه عن أهل الطائف الذين كذبوه أشد التكذيب، واستخفوا بدعوته، واستهزؤوا بها، بل أغروا به سفهاءهم، وصبيانهم.

(( لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِ، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فِإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ الله قَدْ سَمِعَ كَلاَمَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِم، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أُطبِّقُ عَلَيْهِمْ الأَخْشَبَيْنِ، قُلْتُ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً ))

[ الحاكم عن عائشة ]

(( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ))

[ الجامع الصغير، وفي سنده ضعف ]

 لم يتخل عن قومه، وقد عفا عنهم، والتمس لهم العذر، وتوسم بأبنائهم الخير، هذا عن عفوه الجماعي، فماذا عن عفوه الفردي؟..

عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن أفراد الناس:

1 ـ عفوُه عن صفوان بن أمية:

 يتجلى عفوه الفردي بالصفح عن نفر من المشركين بالغوا في عداوتهم، وأذيتهم، ويوم فتح مكة، ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وهاموا على وجوههم، ومن هؤلاء: صفوان بن أمية، الذي شدَّ رحاله صوب جدة، ليبحر منها إلى اليمن، واشتد إشفاق عمير بن وهب على صديقه صفوان، وصمم أن يسترده من يد الشيطان، بكل وسيلة، وذهب مُسرعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا نبي الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هارباً منك، ليقذف نفسه في البحر، فأمَّنه صلى الله عليك، وقال: هو آمن.. قال: يا رسول الله، أعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم عمامته، التي دخل بها مكة ، فخرج بها عمير حتى أدركه، وهو يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي.. الله اللهَ في نفسك أن تهلكها، هذا أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جئتك به، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الناس، وأبرُّ الناس، وأحلم الناس، عزُّه عزُّك، وشرفه شرفك، قال صفوان: إني أخاف على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، فرجع معه، حتى دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صفوان لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا يزعم أنك أمَّنتني، فقال صلى الله عليه وسلم:

(( صدق ))

 قال صفوان: فاجعلني في الخيار شهرين، فقال صلى الله عليه وسلم:

(( أنت في الخيار أربعة أشهر ))

  وفيما بعد أسلم صفوان.

2ـ عفوُه عن أعرابي غليظ الطباع:

 لقد عفا رسول الله عن الكبراء، وعن الدهماء، فقد روي أن أعرابياً جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه شيئاً، فأعطاه ثم قال له:

(( هل أحسنت إليك؟ ))

 قال الأعرابي: لا ولا أجملت، فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا، ثم قام، ودخل منزله، فأرسل إليه وزاده شيئاً، ثم قال له:

(( أحسنت إليك؟ ))

 قال: نعم، فجزاك الله من أهلٍ وعشيرة خيراً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إنك قلت ما قلت آنفاً، وفي نفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك ))

 قال: نعم، فلما كان الغد، جاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إن هذا الأعرابي، قال ما قال، فزدناه، فزعم أنه رضي أكذلك؟ ))

 قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( مثلي ومثل هذا كمثل رجل له ناقة شردت عليه، فاتَّبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفوراً، فناداهم صاحبها، فقال لهم: خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم وأعلم، فتوجه لها بين يديها فأخذ من قمام الأرض فردها حتى جاءت واستناخت، وشد عليها رحلها، واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار ))

[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]

 إن الرسول الحليم صلى الله عليه وسلم لم تأخذه الدهشة لجحود الأعرابي أول الأمر، وعرف فيه طبيعة صنف من الناس مردوا على الجفوة في التعبير، والإسراع بالشر، وأمثال هؤلاء لو عوجلوا بالعقوبة لقضت عليهم، ولَمَا كانت ظلماً، ولكن العظماء أصحاب القلوب الكبيرة لا ينتهون بمصائر العامة إلى هذا الختام الأليم، إنهم يفيضون من رحمتهم وحلمهم على ذوي النزق، حتى يلجئوهم إلى الخير إلجاء، إن هذا الأعرابي الذي اشترى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم رضاه بهذا المال، لا يبعد أن تراه بعد أيام، وقد كُلِّف بعمل خطير، أن يقدّم فيه الغالي والرخيص عن طيب خاطر، وما المال إلا قمام الأرض تُستناخ به الرواحل الجامحة، لتقطع عليها المفازات الشاسعة .
روى الإمام مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :

(( مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[ مسلم ]

 وقد أثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه لم ينتقم من أحد لنفسه قط .

العفو عن الصحابة:

 وقد تخلق الصحب الكرام، بأخلاق نبيهم العدنان في العفو والصفح، فقد روى البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:

(( قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي، هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، قَالَ: سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هِيْ، يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

﴿ خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ ﴾

  وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ، وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ ))

 

[ البخاري ]

من ثمار العفو:

1ـ الأمن:

 أورد السيوطي في الجامع الصغير حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ))

[ ابن أبى الدنيا عن أبى هريرة ]

 انظروا إلى ثمار العفو التي نوّه بها النبي صلى الله عليه وسلم، إنها الأمن والإيمان، الأمن مع الخَلْق، والإيمان مع الحق.
 فهذا الذي يؤثر الانتقام على العفو يجعل الجو المحيط به ضاغطاً، وعلاقاته مع الآخرين متوترة، ويكون انتقامه تربة خصبة لانتقام مضاد فيتوقع المنتقم الشر، وتوقُّع الشر شرٌّ من وقوعه، وهكذا يفقد المنتقم الأمن، وبفقد الأمن يفقد أثمن ما في الحياة النفسية، قال تعالى:

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً ﴾

[ سورة الأنعام ]

 أما إذا آثر الرجل العفو على الانتقام، فقد جعل الجو المحيط به ودياً، وجعل علاقاته بالآخرين مريحة، وجعل من أعدائه الألداء أصدقاء حميمين، قال تعالى:

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[سورة فصلت 34 ]

2ـ الإيمان:

 هذا عن الأمن أول ثمرة من ثمار العفو.. فماذا عن ثمرة الإيمان؟
 إن الإنسان إذا عفا عن أخيه كان أقرب إلى ربه مما لو انتقم منه، لأن الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، وفي الحديث القدسي:

(( وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ))

[ رواه البخاري عن أسامة بن زيد ]

 إذا كانت إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان، فما بالك بالعفو عن إنسان، حيث بالعفو عنه يبدل خوفه أمناً، وضيقه فرجاً ويأسه أملاً..
 إن العفو يدل على الإيمان ويؤكده، ويزيد فيه ويجدده، فالإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله.

3ـ العفو عن المخطئ طريق لتوبته:

 حينما تصح التوبة، ويتحقق الندم، وتصدق العزيمة على ترك الذنب، عندئذ يصبح العفو حياة للمذنب، كما كان القصاص حياة للمجتمع، ويغدو العفو فرصة ثمينة ينالها المذنب، ليؤكد صحة توبته، وعظيم ندمه، وصدق عزيمته على ترك ما اقترفت يداه من الذنوب، وليؤكد أيضاً الجانب الخير في الإنسان، وربما أصبح المذنب الذي عُفي عنه علماً من أعلام الأمة، ومصلحاً من كبار مصلحيها، وقائداً فذاً من قادتها، والتاريخ الإسلامي حافل بمثل أولئك المذنبين، عفي عنهم، فصاروا من قادتها الأبطال، وعلمائها الأعلام، وأوليائها المقربين، كعكرمة بن أبي جهل، وصفوان.
 هذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام مع عكرمة بن أبي جهل:
 عكرمة بن أبي جهل، الذي عادى النبي صلى الله عليه وسلم أشدَّ العداء، وآذى أصحابه أفدح الإيذاء، وهو أحد صناديد قريش المعدودين، وأبرز فرسانها المرموقين، وهو ابن أبي جهل، جبَّار مكة الأول، وزعيم الشرك الأكبر، لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو عنه، بل وجه أصحابه قائلاً:

(( سيأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً، فلا تسبُّوا أباه، فإن سبَّ الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت ))

[ كنز العمال عن عبد الله بن الزبير ]

 وقد عاهد عكرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً:

(( لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصدِّ عن سبيل الله، إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالاً قاتلته صداً عن سبيل الله، إلا قاتلتُ ضعفه في سبيل الله ))

.
 وفي اليرموك لما اشتدَّ الكرب على المسلمين نزل عن جواده، وكسر عمد سيفه، وأوغل في صفوف الروم، فبادر إليه خالد بن الوليد، وقال:
 لا تفعل يا عكرمة، فإن قتلك سيكون شديداً على المسلمين.
 فقال: إليك عني يا خالد، لقد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة، أما أنا وأبي فقد كنَّا من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعني أكفِّر عما سلف مني.. لقد قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة ، وأفرُّ من الروم اليوم ، إن هذا لن يكون أبداً ..

العفو ليس حصنا يحمي المجرمين:

 إن الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة الصحيحة التي تحضُّ على العفو لا تعني، ولا تريد أن يكون العفو مرتعاً للمجرمين يسرحون، ويمرحون في رحابه، ولا تعني، ولا تريد أن يكون العفو حصناً لهم يحميهم من حكم العدالة فيهم، ولا تعني، ولا تريد أن يكون العفو منطلقاً جديداً للعدوان على دماء المسلمين، وأموالهم وأعراضهم قال تعالى:

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[سورة البقرة : 179 ]

 كان أبو عزَّة الجمحي الشاعر من أسرى بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حدد مبلغ أربعة آلاف درهم فداءً لكل أسير، فكلم أبو عزَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، لقد عرفتَ ما لي من مال، وإني لذو حاجة، وذو عيال، فأمنن عليَّ، فمنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، وأخذ عليه العهد ألا يظاهر عليه أحداً، لكنه نقض العهد، وعاد إلى ما كان عليه من سب النبي صلى الله عليه وسلم، وهجاء أصحابه، وحضِّ الناس على قتاله، وفي يوم أحد ظفر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لا تقتلني، وامنن عليَّ، ودعني لبناتي، وأعاهدك ألا أعود، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

(( أين مَا أَعْطَيْتنِي مِنْ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ؟ وَاَللَّهِ لَا تَمْسَحُ عارضيك بمكة تَقُولُ: سَخِرْت بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ من حجر مَرَّتَيْنِ ))

[ البيهقي عن سعيد بن المسيب ]

 ولم يعف عنه.
 لهذا ليس من العفو أن نستسلم لعدو غاصب، سلب الأرض، وانتهك الحرمات، وأفسد العقائد، وأفرغ القيم، وزوَّر التاريخ، فالمؤمنون الصادقون إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، فبوركت سواعدكم يا أخوتنا في الأراضي المحتلة، لقد لقنتم العدو المغتصب درساً لا يُنسى في التضحية والفداء.
 اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً.

* * *

الخطبة الثانية:

 

الله يأمرنا بإصلاح ذات البين:

 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالس، إذ رأيناه ضحك، حتى بدت ثناياه، فقيل له: مم تضحك يا رسول الله؟ قال:

(( رجلان من أمتي جثيا بين يدي ربي عز وجل، فقال أحدهما: خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته.. فقال : يا رب إنه لم يبقَ من حسناتي شيء، فقال صاحبه: يا رب فليحمل من أوزاري، ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدموع، ثم قال: إن ذلك اليوم ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس فيه إلى أن يُحمل عنهم من أوزارهم، ثم قال: قال الله تعالى للطالب حقِّه: ارفع بصرك فانظر إلى الجنان، فيرقع رأسه فيرى ما أعجبه من الخير والنعمة، فقال: لمن هذا يا رب؟.. فقال الله تعالى: لمن أعطاني ثمنه، قال: ومن يملك ذلك يا رب؟ قال: أنت قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال: أُشهدُكَ يا رب أني قد عفوت عنه، فقال الله تعالى: خذ بيد أخيك، ثم أدخِله الجنة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاتقَّوا الله وأصْلِحُوا ذاتَ بينكم، فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة ))

[ كنز العمال عن أنس ]

مستويات بإصلاح:

 الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نصلح ذات بيننا، وقد فهم بعض العلماء هذه الآية على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول:

 أن نصلح أنفسنا التي بين جوانحنا، بتعريفها ربها، وحملها على طاعته والتقرب إليه لتسعد بقربه.

المستوى الثاني:

 أن نصلح كل علاقة بيننا وبين الآخرين، الأقارب منهم والأباعد، عن طريق معرفة الحقوق والواجبات، والوقوف عند حدود الشرع، واعتماد العدل والإحسان.

المستوى الثالث:

 أن نصلح فيما بين الناس، بحملهم على العفو والترغيب فيه، وبيان ثماره اليانعة، ونتائجه الطيبة، ولو كلَّفنا وقتاً وجهداً ومالاً، لأننا إن فعلنا ذلك، فإنما نطبِّق قوله تعالى:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 1 ]

 فطوبى لمن كان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وطوبى لمن أصلح بين الناس ووفق بينهم، وطوبى لمن استعمله الله في الخير..

(( فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ))

قيل في الحلم:

 من عادة الكريم أنه إذا قدر غفر، وإن رأى زلَّةً ستر، فلا سؤدد مع الانتقام، وأولى الناس بالعفو أقدرهم عليه، وأقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب، وكفى بالمرء إثماً أن يغضب إذا قيل له اتق الله، ولا يُعرف الحليم إلا عند الغضب، وقيل لخليفة عُرف بالحلم:

(( إني آنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي ))

 وقيل لابن المبارك رحمه الله تعالى: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة واحدة، فقال:

(( ترك الغضب ))

 وقال الأحنف: إياكم ورأي الأوغاد فقيل له: وما رأي الأوغاد؟ فقال:

(( الذين يرون الصفح والعفو عاراً وحمقاً ))

 وقال بعضهم:
 يستوجب العفو الفتى إذا اعترف وتاب عما قد جناه واقترف
 لقوله: قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018