٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 14 - المسجد الأقصى - مدينة القدس.


1989-11-10

الخطبة الأولى:

مقدمة:

 الحمد لله معزِّ الإسلام بنصره، ومذلِّ الشرك بقهره، ومصرِّف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدر الأيام دولاً بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأظهر دينه على الدين كله.
 القاهر فوق عباده فلا يمانَع، والظاهر على خليقته فلا يُنازَع، والآمر بما يشاء فلا يُراجَع، والحاكم بما يريد فلا يُدافَع.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
 وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أول الخلق، وحبيب الحق، سيد المربين، وإمام المجاهدين، والمبعوث رحمةً للعالمين.
 اللهم صلي، وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا، وعنهم يا رب العالمين.
 عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

الإسلام هو النظام الأمثل للإنسان:

 الإسلام هو النظام الأمثل للإنسان، منفرداً أو مجتمعاً، مهتماً بجسده، أو متطلعاً إلى روحه، ناظراً إلى دنياه، أو مستشرفاً لآخرته، مسالماً أو محارباً، مطالباً بحق نفسه، أو معطياً حقَّ غيره، فلا يكون المسلم مسلماً إذا ترك دنياه لآخرته، ولا إذا ترك آخرته لدنياه، إلا أن يأخذ منهما معاً، فإن الأولى مطية للثانية.
 والإسلام رسالة الإنسان، ومنهجه في كل مجالات الحياة، وفي جميع ميادين النشاط البشري، فلا يدع الإسلام جانباً من جوانب الحياة إلا كان له فيه موقف، قد يتمثل هذا الموقف في الإقرار والتأييد، أو في التصحيح والتعديل، أو في الإتمام والتكميل، أو في التغيير والتبديل، وقد يتدخل بالإرشاد والتوجيه، أو بالتشريع والتقنين، وقد يسلك سبيل الموعظة الحسنة، وقد يتخذ أسلوب العقوبة الرادعة، كلٌ في موضعه.

1- الغاية من الحياة إرضاء الله تعالى:

 والغاية الأخيرة والهدف البعيد، هو الحصول على مرضاة الله، لأن مرضاة الله عز وجل ثمنٌ لحسن الصلة به، وحسن الصلة به سبب للسعادة الأبدية في قربه، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾

[ سورة الانشقاق من الآية 6 ]

 وفي الإسلام غايات، وأهداف أخرى، إنسانية واجتماعية، ولكنها بعد التأمل فيها لا تخرج عن خدمة الهدف الأكبر، وهو مرضاة الله تعالى، وحسن مثوبته، فهو هدف الأهداف وغاية الغايات.
 ففي الإسلام تشريع ومعاملات، ولكن المقصود منها تنظيم حياة الناس، حتى يستريحوا، ويبرؤوا من الصراع على المتاع الأدنى، ويفرغوا لمعرفة الله تعالى وعبادته، والسعي لمرضاته، وفي الإسلام حث على المشي في مناكب الأرض، والأكل من طيباتها ليكون العمل أساساً للابتلاء، والنعمة وسيلةً لمعرفة المنعم وأداء حقه وشكره، قال تعالى:

﴿ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾

[ سورة سبأ من الآية 15]

2- جهاد الإسلام ضد الأعداء جهادا شريفا نبيلا:

 وفي الإسلام جهاد وقتال للأعداء، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، فكل ما في الإسلام من تشريع، وتوجيه، وإرشاد إنما يقصد إلى إعداد الإنسان ليكون عبداً خالصاً لله، يعرفه ويطيعه، ويوحده ويعبده، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء ]

 كل هذا من أجل أن يستحق الإنسان رحمة الله في الدنيا والآخرة، قال تعالى:

﴿ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

[ سورة هود ]

 لقد ضمَّن القرآن الكريم الجهاد معنىً إنسانياً نبيلاً وفريداً، وحدد له مقاصده العليا منزهةً عن الهوى، والأغراض المادية العاجلة، والمطامح الشخصية، أو العنصرية، من شهوة العلو في الأرض، أو التوسع فيها، لتكون أمة هي أربى من أمة، وجرد الإسلام الجهاد وسيلةً رئيسة لترسيخ القيم، والمثل العليا في الوجود البشري، والحفاظ عليها، وإن الإسلام لم يجعل الجهاد مفروضاً في أعلى مراتب الفرضية، وأعظمها مثوبةً من أجل الدفاع عن الوجود، أو الحفاظ على مقوماته فحسب، بل أولاه عناية فائقة، إذ جعله سنداً مكيناً لدعوته التي تسعى إلى نشر رسالة السماء إلى الأرض، لتتحقق خلافة الإنسان فيها عن طريق التمسك بمبادئ الحق والخير، وقيم العدل والإحسان.
 فجعل الإسلام الجهاد خالصاً ومخلصاً لوجه الله تعالى، وابتغاء مرضاته، ومرضاته لا تتم إلا إذا سادت تعاليمه، وعلت في الأرض مُثله، وحتى لا تكون فتنةٌ، ويكون الدين لله، ولا أدل على صحة هذه المبادئ، وتلك المفاهيم من هذه السعادة التي تملأ جوانح الإنسان حينما يكتشف سر وجوده، وجوهر رسالته، وينطلق في طريق الهدف الكبير الذي خُلق من أجله..

3- مشاهد عظيمة عَزَّت أن تتكرر:

 واليكم هذا المشهد:.. لما فرغ الناس لقتلاهم في أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( من رجلٌ ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع: أفي الأحياء هو أم في الأموات؟... فذهب رجل من الأنصار فوجده جريحاً في القتلى، وبه رمق، فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: أنا في الأموات، أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ قومك السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله، إذا خُلص إلى نبيكم، وفيكم عين تطرف.. قال: فلم أبرح حتى مات فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبري فبكى حتى أخضل لحيته ))

 ما هذه السعادة التي كانت تملأ جوانح سعد بن الربيع؟..
 لقد ظهرت في ضوء هذه المبادئ، وتلك القيم بطولات فذة يندر أن نرى مثلها في المجتمعات التي أدارت ظهرها لمنهج الله، وانغمست في وحول الشهوات، قال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم ]

 من هذه البطولات الفذة بطولة سيدنا جعفر في مؤتة، لما وصل المسلمون إلى مؤتة، وهي قرية واقعة على مشارف الشام في الأردن، وجدوا أن الروم قد أعدوا لهم مائة ألف تظاهرهم مائة ألف أخرى، أما جيش المسلمين فكان ثلاثة آلاف، وما أن التقى الجمعان، ودارت رحى المعركة حتى خر زيد بن حارثة صريعاً مقبلاً غير مدبر، فما أسرع أن وفد القائد الثاني سيدنا جعفر بن أبي طالب وثب عن ظهر فرسه الشقراء، وحمل الراية، وأوغل في صفوف الروم، وهو ينشد:

 

يا حبذا الجنة واقترابـها   طيّبةٌ و باردٌ شرابها
الروم رومٌ قد دنا عذابها  كافرة بعيدة أنسابهـا
عليَّ إذ لاقيتها ضِرابهـا
* * *

 وظل سيدنا جعفر رضي الله عنه يجول في صفوف الأعداء بسيفه، ويصول حتى أصابته ضربةٌ قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، فما لبث أن أصابته ضربة أخرى قطعت شماله، فأخذ الرايةً بصدره وعضديه، فما لبث أن أصابته ثالثة شطرته شطرين.
 بلغ النبي صلى الله عليه وسلم مصرع سيدنا جعفر، فانطلق إلى بيت جعفر بنفسه، فوجد زوجته أسماء تتأهب لاستقبال زوجها الغائب، وقد عجنت عجينها، وغسلت بنيها، ودهنتهم، وألبستهم، قالت أسماء:

 

(( فلما أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت غلالة من الحزن توشح وجهه الكريم، فسرت المخاوف في نفسي، غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر مخافة أن أسمع منه ما أكره، فحيى النبي عليه الصلاة والسلام وقال ايتوني بأبناء جعفر، فدعوتهم له، فهبوا نحوه فرحين مزغردين، وأخذوا يتزاحمون عليه، كل يريد أن يستأثر به، فأكب عليهم صلى الله عليه وسلم، وجعل يتشممهم، وعيناه تذرفان من الدمع فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك، أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء؟ قال: نعم لقد استشهدوا هذا اليوم، عند ذلك غاضت البسمة من وجوه الصغار لما سمعوا أمهم تبكي، وتنشج، وجمدوا في أماكنهم كأن على رؤوسهم الطير، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد مضى، وهو يكفكف عبراته، ويقول: اللهم اخلف جعفراً في ولده، اللهم اخلف جعفراً في أهله ))

 ثم قال:

(( رأيت جعفراً في الجنة له جناحان مضرجان بالدماء، وهو مصبوغ القوادم ))

المسجد الأقصى:

 أخوة الإيمان في كل مكان، إن هذه المبادئ، وتلك المثل، وهذه البطولات نضعها بين أيدي إخوتنا في الأراضي المحتلة، وقد مضى على انتفاضتهم أربعةٌ وعشرون شهراً، تصدوا خلالها للعدو الصهيوني بحجارتهم، وتلقوا ضرباته بصدورهم.

1- المسجد الأقصى تحت أنياب الصهاينة:

 واليوم، يتعرض المسجد الأقصى، موطن أبيكم إبراهيم، ومتعبد الأنبياء السابقين، ومسرى خاتم النبيين، المسجد الذي نوه الله به في الآيات المفصلة، وتُليت فيه الكتب المنزلة، أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين، لا تُشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، كما ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، ببركات الدين والدنيا، والذي أضحى بالإسراء إليه والمعراج منه رمزاً للشخصية المعنوية للمسلمين، وهذا المسجد يتعرض اليوم لاعتداءات متكررة على بنائه، حيث تجري أعمال الحفريات في حرمه، وما حوله، بزعم التنقيب عن هيكل سيدنا سليمان.. إنها حجة واهية تخفي وراءها نياتٍ عدوانية، تستهدف تخريبه، وإزالته من الوجود، وطمس هذا المعلم الإسلامي البارز من المعالم والمقدسات الإسلامية، وتدنيس فاضح لحرمة هذا المكان الطاهر.

2- احذروا المؤامرة: (مسجد الصخرة ليس هو المسجد الأقصى):

 فإنها مؤامرة تُحاك ضد هذا المسجد، حيث يحلم الصهاينة ببناء معبد يهودي على أنقاضه، لذلك هم ينشطون لإبراز مسجد الصخرة على أنه المسجد الأقصى، تمهيداً لإزالته، وبناء المعبد المزعوم مكانه.
 إن مسجد الصخرة الذي يبرزه الإعلام الصهيوني على أنه المسجد الأقصى بصورته المعهودة عند عامة الناس ليس هو المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، بل مسجد الصخرة هو الذي تم منها عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، حيث دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفي وصف القرآن الكريم المسجد الأقصى بالبركة إيماءٌ قوي للعرب حملة رسالة الإسلام، وإلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أنه مفروض عليهم - وقد بارك الله حوله - أن يحفظوا له هذه البركة، ومتى أعتدي عليها فعليهم أن يصطلحوا مع ربهم أولاً، ويعدوا لعدوهم ما يستطيعون من قوة ثانياً كي يحرروه، ويحرروا ما حوله من أيدي الغزاة، ويحيوا بتحريره سيرة فاتحيه الأبطال، عمر بن الخطاب، وصلاح الدين الأيوبي، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة ]

 فإن الخزي والعار في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة جزاء من يمنع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه، ويسعى في خرابها، أما الذي يعمر مساجد الله، يعمرها بالبنيان، وينوِّرها بالإيمان فعمله هذا علامة مميزة على صحة الإسلام، وصدق الإيمان، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾

[ سورة التوبة ]

3- على المسلمين الحفاظ على بركة الأقصى:

 في المسجد يتعرف الناس إلى ربهم، ويتعلمون أحكام دينهم، وفيه يقفون على المنهج الأمثل لتطبيق هذه الأحكام، وفيه تقام الصلوات وأنواع العبادات، ومن دون المسجد تؤول وحدة المسلمين إلى شتات، وتفرقهم الأهواء والشهوات، لذلك سارع النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن وطئت قدماه أرض المدينة، وهي أول دار للإسلام، سارع إلى بناء المسجد ليكون الركيزة الأولى في بناء المجتمع الإسلامي.
 روي أن تميماً الداري، أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حمل من الشام إلى المدينة، قناديل، وزيتاً وحبالاً، فلما انتهى إلى المدينة، وافق ذلك ليلة الجمعة، فأمر غلاماً له فربط الحبال، وعلق القناديل، وصب فيها الزيت، وجعل فيها الفتيل، فلما غربت الشمس أمر غلامه فأسرجها، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فإذا هي تزهر فقال:

(( من فعل هذا؟ ))

 قالوا: تميم الداري يا رسول الله .. فقال:

(( نوّرت الإسلام، نور الله عليك في الدنيا والآخرة، أما لو كانت لي ابنة لزوجتكها ))

 فقال نوفل بن الحارث: لي ابنة يا رسول الله، تسمى المغيرة، فافعل بها ما أردت، فزوجه إياها.
الخطبة الثانية:

 

مدينة القدس:

 ننتقل بكم الآن إلى مدينة القدس حيث المسجد الأقصى، متعبد الأنبياء السابقين ومسرى خاتم النبيين، ونعود بكم القهقرى عبر بعد الزمان إلى يوم الجمعة الواقع في السابع والعشرين من شهر رجب عام خمسمائة وثلاثة وثمانين للهجرة، الموافق الثاني من تشرين الأول عام ألف ومائة وسبع ثمانين للميلاد.. ففي هذا اليوم تم فتح مدينة القدس من قبل المسلمين بقيادة البطل صلاح الدين، وتم تحريرها من أيدي الغزاة الطامعين، وها نحن أولاء نرى القلوب قد امتلأت بالفرح، والوجوه قد عمها البشر، ونسمع الألسنة، وقد لهجت بالشكر، لقد علت الرايات، وعلقت القناديل، ورُفع الأذان، وتُلي القرآن، وصفت العبادات، وأُقيمت الصلوات، وأديمت الدعوات، وتجلت البركات، وانجلت الكربات، وزال العبوس، وطابت النفوس، وفرح المؤمنون بنصر الله.

1- قصة المسجد الأقصى مع صلاح الدين:

 وها نحن أولاء ندخل المسجد الأقصى، فإذا المسلمون وفيهم صلاح الدين وجنده يجلسون على الأرض، لا تتفاوت مقاعدهم، ولا يمتاز أميرهم عن أحد منهم، قد خشعت جوارحهم، وسكنت حركاتهم هؤلاء الذين كانوا فرساناً في أرض المعركة، استحالوا رهباناً خُشعاً، كأن على رؤوسهم الطير، في حرم المسجد، وها هو ذا خطيب المسجد محي الدين القرشي قاضي دمشق يصعد المنبر، ويلقي خطبته، ولو ألقيت على رمال البيد لتحركت، وانقلبت فرساناً، ولو سمعتها الصخور الصم لانبثقت فيها الحياة.. لقد افتتحها بقوله تعالى:

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام من الآية 45 ]

2- خطبة صلاح في فتح الأقصى:

 وها نحن أولاء نستمع إلى فقرات من خطبته:

(( أيها الناس، ابشروا برضوان من الله، الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسّره الله على أيديكم، من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وردّها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي المعتدين الغاصبين قريباً من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يُرفع، ويُذكر فيه اسمه، من رجس الشرك والعدوان.
ثم قال محذراً: إياكم عباد الله أن يستزلكم الشيطان، فيُخيل إليكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد، وخيولكم الجياد.. لا والله، وما النصر إلا من عند الله.. فاحذروا عباد الله بعد أن شرَّفكم الله بهذا الفتح الجليل أن تقترفوا كبيرة من مناهيه، انصروا الله ينصركم.. خذوا في حسم الداء وقطع شأفة الأعداء ))

3- شهادة الفرنجة بحضارة المسلمين وعدلهم:

 وها نحن أولاء نخرج من المسجد الأقصى، ونلتقي بأحد الفرنجة الذين شهدوا فتح القدس، وها هو ذا يحدثنا فيقول:

(( إن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ولم ينهبوا مالاً، ولم يقتلوا مُسالماً، ولا مُعاهداً، وإن من شاء منا خرج، وحمل معه ما شاء، وإنا بعنا المسلمين ما فضُل من أمتعتنا، فاشتروها منا بأثمانها، وإننا نغدو، ونروح آمنين مطمئنين، لم نرَ منهم إلا الخير والمروءة، فهم أهل حضارة وتمدُّن ))

 وصدق من قال:

(( ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم ))

 والآن أيها الإخوة الأكارم نعود بحضراتكم إلى دمشق لنتابع خطبة الجمعة...

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018