بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة يونس - تفسير الآية 26 ،القانون الإلهي مفتاح السعادة


1994-09-17

تمهيد :

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين :
 أيها الأخوة الكرام؛ من أدق الآيات القرآنية، تلك التي تأخذ طابع القانون، هذه الآيات التي تأخذ طابع القانون، سميت في بعض آيات القرآن الكريم كلمات الله.

﴿ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾

[ سورة الكهف الآية: 32]

 يعني هناك سنن، هناك قوانين، هذه السنن، وتلك القوانين، من اكتشفها وعرفها، وعمل بها، سعد في الدنيا والآخرة...
 هي مفتاح السعادة، مفتاح النجاح، مفتاح التوفيق، مفتاح الفلاح، مفتاح الفوز، مفتاح التفوق.
 في عنا آية في القرآن الكريم، من هذا القبيل، في سورة يونس، يعني مثلاً قبل أن نصل إليها، هل هناك في القرآن الكريم قانون التيسير والتعسير، ما من شيء أمتع للإنسان، وأسعد لقلبه، من أن تيسر أموره، وما من شيء أدعى لغضبه، وخروجه من جلده، من أن تعسر أموره، يا ترى هذا التعسير وهذا التيسير ألهما قانون ؟ لهما قانون .
 قال تعالى :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

[ سورة الليل الآيات: 5-7]

 من سار على منهج الله نال السعادة في الدنيا والآخرة
أموره كلها ميسرة، في زواجه، في تجارته، في بيعه، في شرائه، في سفره، في إقامته، في حله، في ترحاله، في إنجابه لأولاده، في تربية أولاده.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 صدق بهذا القرآن، واستقام على منهج الله، وأعطى ممن أعطاه الله، ثلاث أسباب تؤدي للتيسير.

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾

[ سورة الليل الآيات: 8-10]

 أموره معسره، مخنوقة، مسطومة، مسكرة، ما في ضوء، كل الطرق مغلقة بالتعبير العامي نضربها يمين تجي شمال، ما في توفيق، في تعسير.

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾

 هي قانون ، هي آية مهمة جداً هذا قانون التيسير والتعسير.
 الإنسان أيها الأخوة : كلما ارتقى الإنسان تصلح كرامته وعزته أغلى شيء عليه، العرب كانوا يقولون: المنية ولا الدنيا، وإنسان يذلك، يهينك، يحطملك، مبادئك، يسخر منك، يلطخك بالوحل وأنت ساكت.

 

القانون الإلهي مفتاح السعادة :

 العزة والكرامة ، ما قانونهما ؟ الآن في عنا آية قانون .
 يقول الله عز وجل : في الآية السادسة والعشرين ، من سورة يونس .

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾

 الحسنى ؟ الجنة ، والزيادة ؟ النظر إلى وجه الله الكريم.

﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

[ سورة يونس الآيات: 26-27]

 معناها إذا أحسنت ، تشعر بالعزة ، وإذا أسأت لا سمح الله تشعر بالذلة .
 أنت انظر إلى هؤلاء الذين يخرجون عن مبادئ الحق والخير حينما يلقى القبض عليهم ، انظر إلى وجوههم

﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾

 إذا كشف أنك غششت بضاعة يرهق الوجه ذلة، إذا اكتشف أنك كذبت ، يرهق الوجه ذلة ، فالذلة أساسها الإساءة ، والعزة أساسها الإحسان المحسن ، أما الإحسان

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾

 طيب وين المفعول به ، أحسن بماذا ، في عنا قاعدة باللغة ، إذا حذف المفعول أطلق الفعل ، يعني أحسنوا في كل شيء ، أتقن صنعته ، أحسن، أتقن كلامه ، أحسن بكلامه ، ما تكلم كلام منحرف ، أحسن اختيار زوجته أحسن ، أحسن تربية أولاده ، أحسن علاقته مع جيرانه ، أحسن علاقته مع إخوانه أحسن علاقته مع أولاده ، أحسن

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾

 علاقاته كلها أساسها الإحسان ، الانضباط والإحسان ، الاستقامة ، إعطاء كل ذي حق حقه فإذا أردت أن ترفع رأسك ، إذا أردت أن تتمتع بمكانة لا يستطيع إنسان كائن من كان أن ينالك بالأذى ، أو أن يغض من مكانتك فأحسن ، أتقن عملك ، اصدق بالبيع والشراء ، لا تكذب أبداً لا تغيير صفات البضاعة ، تكلم كلام مختصر مفيد بالبيع والشراء ، هذه البضائع منشئها كذا ، صفاتها كذا ، عيبوها كذا ، سعرها كذا ، هذا الحاضر تحب أهلا وسهلاً ما تحب مع السلامة ، هذا بيع راقي بيع إسلامي، ما بسترجي زبون يحكي عليك ، لكن إذا في تدليس ، في كذب ، في إيهام ، في إخفاء عيب ، ثم كشف هذا ، يحكي عليك شهر شهرين ثلاثة، ليملوا الناس من هذه القصة، فإذا أردت العزة ، إذا أردت التيسير

﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 إن أردت التعسير

﴿ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

 إن أردت العزة أحسن ، إن أردت الذل أسئ ، فالإساءة تؤدي إلى الذل، الإحسان يؤدي إلى العز.
 لو فرضنا واحد ، يعني سحب من الدعامات قضبان الحديد حتى يبيعها ، وضع بدل سبع أكياس خمس أكياس ، البناء مال ، أول شيء ، يلقى القبض على المتعهد ، يساق ذليل ، لأنه أساء ، أما لو أعطى كل شيء حقه ، والبناء قائم ، ومتماسك ، ومتين ، ما أحد يستطيع أن يناله بأذى ، شوف السجون أكثرها ، قصر العدل كلها إساءات ، إساءة من الزوجة أو من الزوج ، من الشريك أو من شريكه ، أي مخالفة تعمل الإنسان ذليل ، فأنت لا تستطيع أن تكون عزيزاً إلا باستقامتك وإحسانك ، أما إذا خرجت عن منهج الله ، وخرجت عن مبدأ الإحسان ، بتلاقي ، تسمع كلام بمنتهى القسوة ، وينبغي أن تسكت ، لأن الكلام محق .

 

الإحسان والإساءة...

 الآيات مرة ثانية:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

 من أساء وخرج عن منهج الله كتبت عليه الذلة
لا ، الحسنى الجنة ، أحسنوا مطلق الفعل ، أحسنوا ، طيب بماذا ؟ أن أحسنت الكلام أحسنت التجارة ، أحسنت الاختيار ، أحسنت التصدق ، للذين أحسنوا مطلق ، والمطلق في القرآن على إطلاقه ، والمطلق يفيد العموم، علاقتك مع أبنك أساسها الإحسان ، مع زوجتك الإحسان ، في بيتك الإحسان ، مع الجيران الإحسان

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

 لو واحد أساء لجاره، وجاره سفيه طلع سبه ، طيب ليش سبه، لأنه أساء لو ما أساء ما كان بسبه، هذا قانون، الحسنى الجنة، هي الحسنى المطلقة، وزيادة النظر إلى وجه الله الكريم.

﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾

 لا قتر، لا قلق، ولا خوف ، ولا ذلة.

﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

 بالمقابل ، والذين كسبوا السيئات ، شيء يسيئ ، أساء المعاملة، أساء البيع، أساء الوصف، قال لك هذه البضاعة أصليه وهي غير أصليه ، قال لك هذه مصدرها بريطانية ، وهي تايون ، أساء الوصف أساء ، دلس ، كذب ، غش ، قلل الكمية ، لعب بالسعر ، لعب بالوزن لعب بالمساحة بالكيل ، بالعدد.

﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

 الإحسان المطلق مفتاح الجنة
في عنا قانونين، قانون التيسير والتعسير، وقانون الذل والعز، العزة والذلة ، أساسه الإحسان والإساءة ، كل ما بحثت عن قانون بالقرآن تمسك به ، وسجل عندك و حفظه ، لأن هذه قوانين ربنا قوانين خالق الكون ، فإذا أخذت بها ، قطفت الثمار يانعة جيدة ، قبل منها .

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ﴾

[ سورة يونس الآية: 24]

 شوف هذا الوصف كل شيء تزين، كل شيء ديكور، أناقة ما بعدها أناقة، يعني إذا البيت ما كان مرتب، جبصين ثريات، سجاد ، تدفئه مركزية ، المحلات التجارية ، شيء يأخذ بالعقول ، فنادق ، حتى الحدائق ، الطرقات ، يعني التزين أساس الحياة ، من شدة حب الناس بالدنيا ، جعلوا التزين أساس حياتهم.

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾

 شوف شرك ، وصف دقيق لربنا إلى آخر الزمان ، حبٌ للدنيا ما بعده حب ، وشركٌ ما بعده شرك، شرك وحب للدنيا.

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾

 قيام الساعة.

﴿ لَيْلاً أَوْ نَهَاراً ﴾

 ساعة شاملة ، على قوم ليلاً وعلى قوم نهاراً.

﴿ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً ﴾

 هون كان بلده أسمه باريس ، هون كانت ، هي آثار باريس ، هون كان في بلده أسمها نيويورك مثلاً.

﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

 يعني الله يدعوك إلى الجنة، دار السلام، لا في قلق ولا في حزن، ولا في خوف، ولا موت، ولا في مرض، ولا في مشاحنة، ولا في خصومة.

﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

 لهذه الدار.

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

 والحمد لله رب العالمين
 بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم ..

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018