٠9سبل الوصول وعلامات القبول
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

سبل الوصول - الدرس : 37 - الافتقار إلى الله


2009-02-08

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الافتقار إلى الله عز وجل :

أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ألا وهو موضوع "الافتقار إلى الله عز وجل"، فالعبد عبدٌ، والرب رب، شأن الرب الغنى، وشأن العبد الفقر، شأن الرب أنه قوي، وشأن العبد أنه ضعيف، شأن الرب أنه عليم، وشأن العبد أنه جاهل، هذا هو الأصل، الرب ربٌ، والعبد عبدٌ.
الإنسان مهما كان قويا معرض في أي لحظة لأن يصبح في خبر كان
ولكن لابدّ من ملاحظة، كل المعاني التي قد تخطر على بالكم من كلمة افتقار المتعلقة بالفقر لا علاقة لها بهذا الدرس إطلاقاً، الافتقار مرتبةٌ عاليةٌ جداً، هذه المرتبة تقابل مرتبة العبودية لله، العبد عبدٌ، والرب رب، حقيقتك، جوهرك، هويتك، أنك عبدٌ مفتقرٌ إلى الله، القضية التي سوف أتابعها في هذا اللقاء الطيب ليست من باب الأدب، هي من باب الحقيقة، أنت ضعيف، أي الإنسان بكل هيمنته، بكل شخصيته، بكل سيطرته، بكل عظم شأنه، حياته متوقفةٌ على سيولة دمه، فإذا تجمد الدم في أدق أوعية الدماغ، في مكان أصيب بالشلل، في مكان أصيب بفقد البصر، أنت كل هيمنتك، وكل قوتك، وكل سيطرتك، وكل شأنك، متوقفٌ على ضربات القلب، فإذا توقف القلب فجأةً فأنت خبر، بعد أن كنت شيئاً مذكوراً، كل هيمنتك، وقوتك، وحجمك المالي، وسيطرتك، وقوة شخصيتك، متوقفة على نمو خلاياك، فإذا نمت نمواً عشوائياً أصبحت في خبر كان.

تناقض الكِبر مع العبودية :

الكبر يتناقض مع العبودية وهو من أكبر الذنوب
لذلك أيها الأخوة، قد تكون من أغنى الأغنياء، وقد تكون من أقوى الأقوياء، وقد تكون من أعلم العلماء، وأنت في منزلة الافتقار إلى الله، هذا شأن المؤمن، وقد تكون من أفقر الفقراء، ومن أضعف الضعفاء، ومن أجهل الجهلاء، وأنت في منزلة الكِبر، للتقريب: أحياناً إنسان يأتيه ضيوف كُثر، لا يوجد عنده شيء يقدمه لهم ضيافة، عنده كمية من اللبن قليلة جداً، أضاف إليها خمسة أضعافها ماء، وشيء من الثلج، وقدمها شراباً سائغاً للضيوف، أي هذا اللبن المحدود الكمية قَبِل خمسة أضعافه ماء، وصار شراباً سائغاً للإنسان، أما إذا أُضيف لهذا اللبن قطرة نفطٍ واحدة لا يُشرب.
فالكبر يتناقض مع العبودية، ومن أكبر الذنوب الكبر، قد تكون من أفقر الفقراء، ومن أضعف الضعفاء، ومن أجهل الجهلاء، وأنت في منزلة الكبر، وقد تكون من أقوى الأقوياء، ومن أغنى الأغنياء، ومن أعلم العلماء، وأنت في منزلة الافتقار إلى الله عز وجل، شأن المؤمن أنه مفتقر، أما الشيء المدهش كلما تواضعت لله، كلما افتقرت إلى الله، كلما أعلنت عبوديتك لله، رفع الله شأنك، ورفع ذكرك، وأسبغ عليك هيبةً لا يعرفها إلا من ذاقها.

افتقار الناس إلى الله في كل شيء :

أيها الأخوة، نحن جميعاً من دون استثناء مفتقرون إلى الله في وجودنا، وفي استمرار وجودنا، وفي إمداداتنا، وفي حاجاتنا، وفي قيامنا، وفي قعودنا، وفي سمعنا، وفي بصرنا، وفي عقولنا، إنسان له شأن كبير يصاب بلوثة في عقله، أقرب الناس إليه، أحب الناس إليه، أولاده، يبحثون عن طريقةٍ لإدخاله مستشفى المجانين، بوساطة، وبجهد كبير، فالإنسان مفتقر إلى الله بعقله، بسمعه، ببصره، بقوته، أنت حينما تمشي على قدمين، حينما تقضي حاجاتك من دون الاستعانة بأحد، حينما تنام، حينما تستيقظ، حينما ترى، حينما تسمع، حينما تنطق، حينما تفكر، أنت مفتقرٌ إلى الله، وكلما عرفت عبوديتك لله كنت أقرب إلى الله، وكلما اعتددت بنفسك، وقلت: أنا.

﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 12 ]

إذا اعتددت بنفسك، وقلت أنا فسيهلكك الله
قالها إبليس فأهلكه الله.

 

﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

[ سورة الزخرف الآية: 51 ]

قالها فرعون فأهلكه الله.

﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾

[ سورة النمل الآية: 33 ]

قالها قوم بلقيس فأهلكهم الله.

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

[ سورة القصص الآية: 78 ]

قالها قارون فأهلكه الله، فمعنى الافتقار إلى الله هذا المعنى يقابل العبودية لله.

 

التولي و التخلي :

أخواننا الكرام، هذا الدرس نحتاجه كل يوم، بل في كل ساعة، في كل دقيقة، أنت تفتقر إلى الله يتولاك الله، تقول: أنا، يتخلى عنك، من نحن؟ النبي الكريم، ومعه أصحابه وهم صفوة البشر، في بدر افتقروا إلى الله فنصرهم، وفي حنين قال بعضهم: لن نغلب من قلة اعتدوا بعددهم، اعتدوا بقوتهم، فلم ينتصروا، أنت بحاجة إلى هذا الدرس كل دقيقة.
إذا افتقرت إلى الله جاءك النجاح
أنا سمعت عن طبيب أعصاب، جراح أعصاب، المريض على الطاولة، قبل إجراء العملية يصلي ركعتين أمام المريض، يا رب ألهمني الصواب.
أنت بكل عمل، عمل في الطب، في المحاماة، في الهندسة، في التدريس، إذا افتقرت إلى الله، جاءك المدد، إذا افتقرت إلى الله جاءك التوفيق، إذا افتقرت إلى الله جاءك النصر، إذا افتقرت إلى الله جاءك التأييد، إذا افتقرت إلى الله جاءك النجاح، جاءك الفوز، قل أنا.
في بلدة عربية كنت أزورها، حدثني أخٌ طبيب عن زوجته، عندها ولادة معقدة عسرة، فاستشار أحد أطباء البلد النسائيين، النتيجة ـ القصة طويلة لكن ملخصها ـ عندما طلب زوج المريضة من الطبيب أن يستشير طبيباً آخر، قال له: أنا أعلم الأطباء في هذا المرض بكبر ما بعده كبر، فيما سمعت أول حادثة في هذا البلد بعد الاستقلال تسحب شهادة الطب من هذا الطبيب، ارتكب خطأ لا يرتكبه ممرض وماتت الزوجة، أقام عليه دعوى، طلب منه استشارة من طبيب آخر.
إذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، درس نحتاجه كل ساعة، كل دقيقة، بتجارتنا، بوظائفنا، بأعمالنا، بسفرنا، بإقامتنا، بتربية أولادنا، بمعاملتنا لزوجاتنا، تقول: أنا، يتخلى عنك، تقول: الله، يتولاك، فأنت بين التولي والتخلي، ببدر تولى الله أصحاب النبي الكرام، في حنين تخلى عنهم، والآن إذا تخلى الله عنا، لأننا وقعنا في الشرك الخفي، نظن النصر يأتي من علاقةٍ مع جهةٍ قوية، من أن ترضى عني هذه الدولة، أو هذه الدولة، أما حينما تعقد الأمل على الله عز وجل، فأنت أقوى الأقوياء.

 

من افتقر إلى الله رفع الله قدره وأعلى مقامه وألقى في قلوب الناس محبته :

أخواننا الكرام، مراد القول من الافتقار العبودية لله عز وجل، أن تكون عبداً لله حقاً، أن تتحقق من عبوديتك لله، أن تعرف عبوديتك، أن تعرف نفسك، الافتقار إلى الله يجعلك في أعلى درجات القرب، والافتقار إلى الله يجعلك في أعلى درجات القوة، وفي أعلى درجات الغنى، وفي أعلى درجات العلم، أن تعرف حقيقة ذاتك، أن تعرف من أنت، أنت عبدٌ ضعيف، أنت قويٌ بالله، ضعيفٌ بنفسك، غنيٌ في الله، فقيرٌ في نفسك، عالمٌ بالله، جاهلٌ بنفسك كلما تواضعت لله رفع الله شأنك
إذا تحققت من هذه المعاني اقتربت من مرتبة العبودية، أي من مرتبة الافتقار إلى الله، الآن النبي عليه الصلاة والسلام كان عبداً لله، في أعلى درجات القرب، بلغ:

﴿ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾

[ سورة النجم ]

هذه المرتبة ما بلغها إنسان، ورد في بعض الأحاديث:

(( سلوا لي الوسيلة، فإنها مقامٌ لا ينبغي إلا لواحدٍ من خلقه، وأرجو أن أكون أنا ))

[ أخرجه مسلم عن ابن عمر ]

قال تعالى:

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾

[ سورة النجم ]

﴿ إِلَى عَبْدِهِ ﴾

في

﴿ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾

في أعلى درجات القرب:

 

﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى* أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى* وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾

[ سورة النجم ]

أيها الأخوة، كلما افتقرت إلى الله، رفع الله قدرك، ورفع ذكرك، وأعلى مقامك، وألبسك هيبةً، ووقاراً، وألقى في قلوب الناس محبتك، وألقى في قلوب الناس هيبتك، شيء لا يصدق.

 

من خضع لله رفعه و من قال أنا تخلى عنه :

وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
العلاقة عكسية، كلما خضعت له رفعك، ألم يقل الله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح ]

هل هناك على وجه الأرض إنسان كلما ذُكر الله ذُكر النبي الكريم العدنان؟ لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، هل يعقل أن يقسم خالق السماوات والأرض بعمر إنسان؟

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[ سورة الحجر ]

الحقيقة لبعض العلماء رأيٌ دقيق، أن هذا المعنى ـ معنى العبودية والافتقار ـ أجل من أن يسمى فقراً، لأن كلمة فقر تنصرف إلى أن إنساناً لا يجد كل حاجاته، و ربما تكفف الناس.

 

المؤمن الصادق يشهد فضل الله عليه لأن من شهد عمله فقد أشرك :

مرة ثانية: قد تكون أقوى الأقوياء، وأغنى الأغنياء، وأعلم العلماء، وأنت مفتقر إلى الله، هذا شأن الأنبياء، بعض الأمثلة، سيدنا يوسف قال ربي:

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة يوسف ]

المؤمن الصادق يشهد فضل الله عليه
حتى في عفته، وفي استقامته، مفتقرٌ إلى الله، سيدنا إبراهيم، ربي:

 

﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾

[ سورة إبراهيم ]

أي الله عز وجل أقامك قياماً حسناً، وأنت من أسرة راقية، لكن هناك أشخاص من أسر راقية حرفتهم ملهى، فأنت أقامك الله مثلاً في التعليم، أو الطب، أو في أي عمل شريف، بالتجارة، بالصناعة، عملك ليس عليه مأخذ، فإذا إنسان شهد عمله فقد أشرك، المؤمن الصادق يشهد فضل الله عليه.
أيها الأخوة، الإنسان أحياناً لجهله،أو لحمقه، يتقمص صفات الربوبية، يقول لك: لحم أكتافك من خيري، أنا هديتك، من أنت؟

(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ؟ ))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

انظروا العبودية لله.

 

المفتقر إلى الله لا يرى له علماً ولا عملاً بل يرى فضل الله عليه :

أخواننا الكرام، دون أن تشعر الموحد يقول لك: الله فضل عليّ، الله أكرمني بهذه الزوجة، أكرمني بهذه الشهادة العليا، أكرمني بهذا البيت، أكرمني، وفقني، أكرمني بالصحة، أكرمني بالأولاد، المؤمن الصادق يشهد فضل الله عليه، وغير المؤمن:

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

يقول لك: كد يميني، وعرق جبيني، قد يكون إنساناً من أذكى الأذكياء، يلجئه الله إلى التسول، من أذكى الأذكياء، مع الله لا يوجد ذكي أبداً، هناك مستقيم، المستقيم موفق، حينما تقول: أنا أُعطي، أنا أمنع، أنا أُعاقب، كأنك تقمصت صفات الربوبية، هذا يتناقض مع العبودية لله، صدقوا ولا أبالغ المؤمن الصادق دون أن يشعر يقول لك: الله أكرمني، الله هيأ لي البيت، الله دلني على زوجة صالحة، أكرمني بأولاد أبرار، فأي نعمة هو فيها يرى من خلالها فضل الله عليه.
الرياضة ليس لها علاقة بالعمر، لها علاقة بالنشاط، والصحة
أيها الأخوة، سُئل بعضهم: متى يستحق الفقير اسم الفقير؟ فقال: إذا لم يبقَ عليه بقيةٌ منه، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو له، أي هو وحده فقير، لكن بالله غنياً، وحده جاهل، بالله عالم، وحده أحمق، بالله حكيم، هذا كله من إمداد الله عز وجل، و الناجحون من المؤمنين افتقروا إلى الله.
أنا قرأت عن طبيب في أمريكا رفع لواء الجري، كان يجري في اليوم عشرين كيلو متراً، وألف كتب، وألقى محاضرات، وعمل ندوات تلفزيونية، هو يرى أن الجري هو الصيانة الوحيدة للقلب، و كلامه هذا صحيح، لا شائبة فيه، لكنه ألّه الجري، فمات وهو يجري في مقتبل حياته، لا لأن الجري خطأ، لا أبداً، الجري صواب، لكن إياك أن تؤله شيئاً، إياك، قل: الله عز وجل وفقني، إذا إنسان له تدريبات رياضية، فهذا شيء جيد جداً، لكن لا يجوز أن يقول: بالرياضة تعيش عمراً مديداً، أنا أقول دائماً: لك عند الله هذا العمر، بالرياضة تبقى واقفاً، من دون رياضة قد تمضي بعض أيام حياتك طريح الفراش، فالرياضة ليس لها علاقة بالعمر، لها علاقة بالنشاط، والصحة.
مرة قال لي إنسان: أنا لا أتأثر بالبنات أبداً، هذا شيء دون اهتمامي، مهما تكن جميلة، هو طبيب بالمستشفى، قلت له: والله سيدنا يوسف كان أكثر أدباً منك مع الله، قال:

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

افتقار جميل، يرفع قدرك، يرفع شأنك، يقربك من الله عز وجل، المفتقر إلى الله لا يرى له علماً، ولا عملاً، يرى فضل الله عليه، وأثر فضل الله عليه توحيده، والعبودية له، فوجوده.

 

نعم الله عز وجل على الإنسان :

الله عز وجل منحك نعمة الإيجاد، أحياناً إذا تصفحت كتاباً، طُبع قبل ولادتي، يأتيني خاطر، أنه أثناء طبع هذا الكتاب أنت من؟ لا شيء.

الله عز وجل كرمنا بنعمة الهدى

 

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

 

[ سورة الإنسان ]

ليس لك وجود إطلاقاً، فصار لك وجود، أنت تتمتع بنعمة الإيجاد، وبنعمة الإمداد، وبنعمة الهدى والرشاد، مثلاً في الهند بشر، يعبدون الجرذان، عندي تحقيق بصحيفة ألمانية، بناء فخم، ومعابد ضخمة جداً، وهناك ألف أو مليون جرذ، يأكلون الحليب، والقمح، وعلى أكتاف العبيد، عبيد الجرذان، وهناك شعوب تعبد ذكر الرجل، في اليابان، و شعوب تعبد موج البحر، و شعوب تعبد الشمس والقمر، و شعوب تعبد الحجر، والله عز وجل كرمنا، وشرفنا بعبادة خالق السماوات والأرض، هذه نعمةٌ كبرى، هذا من فضل الله عليك، أعطاك شكلاً حسناً، كان عليه الصلاة والسلام إذا نظر في المرآة يقول:

(( اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي ))

[أحمد والبيهقي عن عائشة]

لا يوجد شيء منفر، خلق تام، تتحرك، تمشي، تتكلم، تأكل، تشرب، تسمع، ترى، الأجهزة صحيحة.

 

من ازداد افتقاراً إلى الله زاده الله غنىً ومن ازداد تذللاً إلى الله زاده الله عزاً :

منزلة الافتقار إلى الله تعالى لا تتناقض مع كونك غنيا
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: هذه المنزلة لا تتناقض مع أن تكون غنياً، والله هناك كل غني محسن، تشتهي الغنى منه، من تواضعه، متواضع، سخي، وهناك إنسان قوي، لكنه متواضع، يرى فضل الله عليه.

(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))

[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]

سيدنا عمر بن عبد العزيز، اختار إنساناً عالماً، قال له: كن معي دائماً، فإذا رأيتني ضللت، فأمسكني من تلابيبي، وهزني هزاً شديداً، وقل لي: اتقِ الله يا عمر، فإنك ستموت.
قد تكون في أعلى درجات الغنى، وأنت في أعلى درجات الفقر إلى الله، وكلما ازددت افتقاراً إلى الله زادك الله غنىً، كلما ازددت تذللاً إلى الله زادك الله عزاً، كلما ازددت خوفاً من الله زادك الله أمناً، كلما ازددت حرصاً على طاعته زادك الله رفعةً، كلما خضعت رفعك، وكلما تكبرت وضعك، أبداً علاقة عكسية، كلما خضعت لله رفعك، فإذا تكبرت وضعك.

 

على الإنسان أن يرى النعم وهي موجودة لا حينما يفتقدها :

أيها الأخوة، قضية الغنى والفقر رؤية، أي هذا المقام لا يقبل تصنعاً، أحياناً إنسان يتلفظ بكلمات العبودية، لكن في الحقيقة متكبر، يتلفظ بكلمات التواضع، لكن في الحقيقة بطاش، أنا لا أريد كلمات تقولها، أريد أن تعيش معنى العبودية لله عز وجل، دخلت إلى بيتك: " الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له".
عليك أن ترى النعم وهي موجودة لا حينما تفقدها
معك مفتاح بيت، أرضي، عال، كبير، صغير، ملك، أجرة، معك مفتاح بيت، تدخل، تنام، تستحم، تأكل، تستلقي، تستريح، معك مفتاح بيت.
مرة كنت بمدينة بأيام الصيف، بعمل تجاري، فما وجدنا فندقاً، من العصر إلى الساعة الثانية عشرة ليلاً، وعندما استطعنا أن ندخل إلى مكان مسقوف وننام فيه، تذوقت معنى الحديث الشريف: " الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له".
هذه النعم يجب أن تراها وهي موجودة لا حينما تفتقدها، مثلاً عندما كان هناك توازن قوى، تتذكروا؟ كان هناك معسكر شرقي، ومعسكر غربي، فنعمة توازن القوى من نعم الله الكبرى، ونحن لم ننتبه لها.

الافتقار الحقيقي هو دوام الافتقار إلى الله على كل حال :

أيها الأخوة الكرام، كلمة رائعة جداً قيلت في حق الأنبياء، قال: كانوا أغنياء في فقرهم، وفقراء في غناهم، أغنياء في افتقارهم إلى الله، وفقراء وهم أغنياء، هذه الصفات المتناقضة تحتاج إلى دقة في الفهم، الافتقار الحقيقي هو دوام الافتقار إلى الله على كل حال الافتقار الحقيقي هو دوام الافتقار إلى الله
أي إذا كنت قوياً تتكبر وجاءت مصيبة تتواضع؟ لا، هذا شأن الناس، كل الناس، إذا كان قوياً، وغنياً، يستعلي، جاءه مرض، مرة قال لي إنسان غيّر معالم وجهه: لا يعاش في هذا البلد، قلت له: لماذا؟ قال: لا يوجد بيع، ولا شراء، صدقوا أعرف أشياء عنه، كل صفقة بالملايين، عندما كان الدولار بثلاث ليرات، كل صفقة بالملايين، أي دخله مئة ضعف عن حاجاته، فمرضَ مرضاً شديداً، زرته فقال لي: أستاذ الإنسان يكفيه بالشهر ألف ليرة ـ هذه القصة بالسبعينات، صار يكفيه ألف؟ ـ إذا الله عافاه، كان معه ملايين مملينة لا يعاش، فالله عز وجل يصف المؤمن أنه شاكر، وأن هؤلاء الذين شردوا عن الله عز وجل:

 

﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

يقول لك: السنة خسرنا ثمانية ملايين، أي نقص ربحه ثمانية ملايين، كان مئة، أصبح مئة وتسعين، يقول لك: خسرنا، لا يقول لك: الله أكرمنا.

 

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

[ سورة العلق ]

الافتقار إلى الله محصلة إيمان الإنسان و استقامته :

الافتقار محصلة إيمان الإنسان و استقامته وعلاقته بالله تعالى
أيها الأخوة الكرام، موضوع الافتقار موضوع مهم جداً، صدق ولا أبالغ هو محصلة الدين، محصلة إيمانك، محصلة استقامتك، محصلة علاقتك بالله عز وجل، ليس معنى هذا أن تكون متطامناً، لا، مشى أحد الصحابة مشيةً فيها خيلاء، فقال النبي الكريم: " إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن".
أنت أمام الطرف الآخر قوي، تعتد بإسلامك، بقوتك، لا تساوم، أنت رقم صعب، إياكم أن تفهموا مني في هذا اللقاء الطيب أن المفتقر إلى الله درويش، أجدب، لا، في أعلى درجات الذكاء، في أعلى درجات القوة، أما بينه وبين الله عز وجل في أعلى درجات الافتقار إليه، افتقارك بينك وبين الله عز وجل، لكن أنت تبدو قوياً، تبدو متماسكاً.

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ* وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى الآية: 39 -40 ]

أيها الأخوة الكرام، لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018