٠9سبل الوصول وعلامات القبول
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

سبل الوصول - الدرس : 40 - استئناف التوبة


2009-02-11

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

استئناف التوبة :

أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع التوبة، كموضوعٍ كبير من: "سبل الوصول علامات القبول"، ولكن هذه المرة الموضوع معكوس، بمعنى أنه كما أن الإسلام أول، ثم الإيمان، ثم الإحسان، وحينما قال الله عز وجل:

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 131 ]

إن التوبة تأتي في بداية الطريق و نهايته
سيدنا إبراهيم:

 

﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة البقرة ]

هناك إسلام يعد بداية الطريق، وإسلام يعد نهاية الطريق، كذلك الإنسان في أول مدارج السالكين يتوب إلى الله، التوبة أولاً، وفي نهاية منازل السائرين يتوب إلى الله، فالتوبة تأتي أولاً، وتأتي آخراً، والإسلام يأتي أولاً، ويأتي آخراً، ونحن مع موضوعٍ متعلقٍ بالموضوع الأول، وهو التوبة، ولكن بتفصيلٍ آخر، استئناف التوبة، الآية الكريمة:

 

﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة ]

أي التوبة هنا قبول عملهم، نجاتهم في الدنيا والآخرة، فكما أن التوبة تأتي في بداية الطريق، التوبة هي نهاية المطاف.

 

التوبة تتوج العمل الصالح الذي يعمله الإنسان :

أيها الأخوة، الإنسان يتوب ليصلي، لكن في النهاية يصلي ليتوب، يتوب بمعنى قَبِل الله صلاته:

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

[ سورة التوبة الآية: 118 ]

التوبة تتوج العمل الصالح الذي يعمله الإنسان
إذا جاءت توبة الله قبل توبة الإنسان، أي ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة، فإذا جاءت توبة الله بعد توبة الإنسان، أي قَبِل توبتهم،

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

ساق لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة، الآن تابوا فتاب عليهم، أي قَبِل توبتهم.
إذاً المؤمن يتوب إلى الله دائماً، يستغفره دائماً، التوبة ليست حدثاً واحداً، التوبة مستمرة، بل إن التوبة تتوج العمل الصالح الذي يعمله الإنسان، مثلاً: الله عز وجل وصف سيدنا إبراهيم فقال:

 

﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾

[ سورة النجم ]

هل وفيت ما عليك؟ قال تعالى:

 

﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

أما إبراهيم،

﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾

وفى ما عليه، لا يوجد وصف أروع من هذا الوصف، أي وجدك الله وفياً، وجدك تائباً، وجدك مخلصاً:

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية: 27 ]

أن يقبل عملكم، اجعلوه مخلصاً.

 

من شروط قبول العمل الإخلاص و الصواب :

العمل لا يقبل إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً، وصواباً، خالصاً: ما ابتغي به وجه الله، وصواباً: ما وافق السنة، العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً، وصواباً، خالصاً: ما ابتغي به وجه الله، وصواباً: ما وافق السنة.

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء ]

فرقٌ كبير.

 

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

أيها الأخوة، إذا قال الله عز وجل يخاطب سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، يقول له:

 

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾

[ سورة طه ]

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط
أنت لي، أنت لمن أيها المؤمن؟ التراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمن؟ لله للواحد الديان، حينما تكون لغير الله تحتقر نفسك:

 

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 130 ]

أنت بحياتك أحياناً ترفض آلاف الأشياء احتقاراً لها، ترفض هذا البيت الصغير، هذا البيت التي تحت الأرض، هذا البيت البعيد، ترفض هذه الفتاة الغير المثقفة، الغير دينة، ترفضها كزوجة، أنت ترفض ملايين الأشياء احتقاراً لها، إلا أنك إذا رفضت الدين تحتقر نفسك،

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

وأنت مع ملايين الموضوعات معك خيار قبول، أو رفض، لكنك مع الإيمان معك خيار وقت فقط، كيف؟ أكفر كفار الأرض الذي قال:

 

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات ]

والذي قال:

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص الآية: 38 ]

عند الموت قال:

 

﴿ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس الآية: 90 ]

معنى ذلك خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط، فإما أن تؤمن قبل فوات الأوان، وأن تنتفع بإيمانك، أو لابدّ من أن تؤمن بعد فوات الأوان، أنت عبد، إما أن تكون عبداً لله، فعبد الله حر، وعبد الله عزيز النفس، وإما أن تكون عبداً لعبدٍ لئيم.

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *

إما أن تكون عبداً لله، وإما أن تكون عبداً لعبدٍ لئيم، هؤلاء الذين استنكفوا أن يعبدوا الله أمام الأقوياء صغار ينبطحون.

(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]

التوبة بداية مدارج السالكين ونهاية منازل السائرين :

سورة النصر تؤكد حقيقة أن التوبة بداية مدارج السالكين ونهاية منازل السائرين
أيها الأخوة، إذاً التوبة بداية مدارج السالكين، والتوبة نهاية منازل السائرين، الآية الكريمة:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾

[ سورة النصر ]

هذه السورة من أدق ما تؤكد هذه الحقيقة، في نهاية المطاف،

﴿ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾

ودخل الناس

﴿ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾

التولي و التخلي :

أيها الأخوة، الحقيقة أن هناك مرضاً كالإخطبوط، ينتظر الناجحين في الحياة، قلت لكم مرةً: طريق القمة صعبةً جداً، أكمات، وصخرات، وحفر، و وهاد، وتلال، وغبار، وحر، وقر، تبذل جهداً يكاد يكون فلكياً كي تصل إلى القمة، أما النزول من هذه القمة فيتم بثاني، إذا أصابك الغرور، فالبطولة لا أن تصل إلى القمة، أن تبقى فيها، فلذلك الناجح بحياته، الناجح بدعوته، الناجح بتجارته، الناجح بصناعته، ينتظره مرضٌ خطير، هو الغرور، حينما تقول: أنا، يتخلى الله عنك، تقول: الله، يتولاك، الصحابة الكرام قمم البشر، بل نخبة البشر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله اختارني واختار لي أصحاباً ))

[ أخرجه الطبراني عن عويم بن ساعدة ]

هؤلاء في بدر قالوا: الله:

 

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 123 ]

البطولة لا أن تصل إلى القمة بل أن تبقى فيها
أي مفتقرون إلى الله، فانتصروا نصراً استحقاقياً، هم هم، وفيهم سيد الخلق وحبيب الحق، في حنين قالوا:

(( لن نغلب اليوم من قلة ))

[ أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]

فتخلى الله عنهم:

 

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية: 25 ]

هذا الدرس أيها الأخوة، نحتاجه جميعاً كل ساعة، تقول: الله، يتولاك، تقول: أنا بمعلوماتي القيمة، بخبراتي المتراكمة، باختصاصي النادر، بأسرتي العريقة، بمنصبي الرفيع، بمالي الوفير، إذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، هذا هو درس التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

 

بطولة الإنسان أن يقرأ ما بين السطور :

في نهاية المطاف:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾


<سيدنا عمر بن الخطاب، كان يكرم ابن عباس كثيراً، يبدو أن بعض الصحابة أخذوا عليه مأخذاً، طفل صغير، فأراد أن يعطيهم درساً، سأله أمامهم عن هذه السورة،

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾

فقال: هي نعوة النبي، والنبي حينما نزلت عليه هذه السورة، عرف أنه قد دنا أجله،

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾

بطولة الإنسان أن يقرأ ما بين السطور
بالمناسبة في الأدب ما يسمى بالتراجيديا والكوميديا، أي مأساة وملهاة، العظماء حينما يؤدون رسالتهم، تنتهي حياتهم، لذلك التراجيديا تنتهي بالموت، موت البطل، أما الكوميديا فتنتهي بالزواج، والصغار متعتهم هي هدفهم، فإذا تزوج هذه التي أحبها حلت كل مشكلاته، فالملهاة تنتهي بالزواج، أما المأساة فتنتهي بالموت.
فحينما أدى النبي رسالته، انتهت حياته،

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾

مثلاً: يمكن أن تسأل إنساناً يحمل دكتوراه في الآداب، هل تقرأ؟ مستحيل، يمكن أن تسأله هل تقرأ ما بين السطور؟ هناك فرق، القراءة الأولى قراءة محو أمية، أما قراءة إنسان يحمل دكتوراه فقراءة ما بين السطور، والآن الناس يتفاوتون لا بقراءة النص، يقول لك: ما بين السطور، لا بسماع الخبر، ماذا يعني هذا الخبر؟ من هنا كان التحليل السياسي، هناك تحليل للأحداث، يقول لك: هذا العرض العسكري رسالة إلى الدولة الفلانية، هذه المناورات على الحدود رسالة إلى الدولة الفلانية، هناك من يقرأ الخبر بعمق.

 

الإنسان كل عمله يعد سبب دخول الجنة ولا يعد ثمن دخولها :

أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُم عَمَلُهُ الجَنَّةَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عائشة أم المؤمنين ]

فاعل مؤخر:

(( قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يَتَغَمَّدَني اللهُ بِمَغْفِرَةٍ ورَحْمَةٍ))

[ أخرجه البخاري عن عائشة أم المؤمنين ]

الإنسان مجمل عمله بمثابة مفتاح لهذه الجنة
الحقيقة تتمة الحديث:

(( فسددوا، وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت، إما محسناً، فلعله أن يزداد خيراً وإما مسيئاً، فلعله أن يستعتب ))

[ أخرجه البخاري عن عائشة أم المؤمنين ]

أريد أن أوضح مثلاً دقيقاً هذه قضية تحتاج إلى شرح، أنه كيف النبي الكريم وهو سيد الخلق لا يدخل الجنة بعمله مع أن الله عز وجل يقول:

 

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل ]

فيأتي الحديث ليقول: لا، القضية ليست بالعمل، أريد أن أوضح لكم: بيت ثمنه مئة وثمانون مليوناً، ثمن مفتاحه عشرون ليرة، فأحياناً إنسان يصنع مفتاحاً لهذا البيت ويدخل به، هذا المفتاح لا يساوي ثمن البيت، هذا لا يساوي شيئاً أمام البيت، فأنت حينما تستقيم، وحينما تصلي، وحينما تصوم، وحينما تحج البيت، وحينما تغض بصرك، وتؤدي زكاة مالك، وتحرر دخلك، وتربي أولادك، مجمل عملك بمثابة مفتاح لهذه الجنة، لذلك في بعض النصوص:

(( ادخلوا الجنة برحمتي وتقاسموها بأعمالكم ))

[ ورد في الأثر]

مثل آخر: أب قال لابنه: يا بني إذا نلت الدرجة الأولى في الصف الثامن، لك مني أغلى دراجة، فهذا الابن نال الدرجة الأول، فتوجه مباشرةً إلى بائع الدراجات، قال له: أعطيني هذه الدراجة، لن يعطيه، لابد من دفع ثمنها من قبل الأب، أنت أتيت بسبب شراء هذه الدراجة، السبب عند والدك، وليس عند بائع الدراجات.
فالإنسان كل عمله يعد سبب دخول الجنة، سبب، ولا يعد ثمن دخول الجنة، فأي إنسان يتوهم أن عمله كاف لدخول الجنة يحتاج إلى توبة، هذا ذنب كبير، أن تتوهم أن عملك كاف، أنا محسن كبير، أنا إنسان فعلت عملاً عظيماً، هذا هو الشرك الخفي، لذلك التوبة تأتي في نهاية المطاف.
لذلك قالوا: رب معصيةٍ أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً.

 

تناقض الكِبر مع العبودية :

أحياناً الإنسان ضعيف التوحيد، يرى له عملاً كبيراً، هذا العمل ربما كان حجاباً بينه وبين الله.

(( لو لم تُذْنِبوا لَخَشيِتُ عليكم ما هُوَ أَشدّ منه ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

كلما زادك الله علماً ، ينبغي أن تزداد تواضعاً لله عز وجل
ما الذي هو أكبر من الذنب؟ العُجب، مثلاً إنسان جاءه ضيوف كثر، لا يوجد عنده شيء، عنده كمية لبن قليلة، يضيف لها خمسة أمثالها ماء، يعملها شراباً مع الثلج، شيء نفيس جداً، هذه الكمية من اللبن لو وضع فوقها قطرة نفط، قطرة واحدة، فسد، فالكبر يتناقض مع العبودية، لذلك المستكبر لا يدخل الجنة.

((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))

[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]

أنت عبد لله عز وجل، فكلما زادك الله علماً، أو فضلاَ، أو عملاَ، ينبغي أن تزداد تواضعاً له عز وجل، فلذلك من علامات المتفوقين عند الله التواضع، يقول الإمام الشافعي: "كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي":

 

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 255 ]

من أقامه الله بعمل صالح عليه أن يذوب محبة له :

أيها الأخوة، مرة إنسان محسن، قدم بيتاً لجمعية خيرية، الجمعية تستقبل الفتيات الفقيرات، يتعلمن في هذه الجمعية فن الخياطة الرفيع، تُقدم لها آلة خياطة، وتعمل من أجل ألا تبقى متسولة، أي تحول الفقيرات إلى عاملات، جمعية طيبة جداً، الذي قدم هذا البيت أُقيم له حفل تكريمي، أحد الخطباء ماذا قال؟ قال له: أيها المحسن الكبير، كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين بجمعيتنا، فتقف في صفٍ طويل، ومعك هويتك، لتأخذ قبل أيام عيد الفطر مبلغ ثلاثمئة ليرة مع التوقيع والبصم، أي إذا إنسان من الأخوة الكرام سمح الله له أن يعطي لا أن يأخذ هذا من فضل الله عليه، من الممكن أن تأخذ ولو كنت ذكياً. إذا سمح الله لأي انسان أن يعطي لا أن يأخذ فهذا من فضل الله عليه

(( ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ ))

[ أخرجه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عباس ]

مع الله لا يوجد ذكي يوجد مستقيم، فإذا إنسان أقامه الله عز وجل بعمل صالح، أو أقامه بعمل ناجح، أو أقامه بتجارة، أو أقامه بدخل معقول، يجب أن يذوب محبةً لله، كان من الممكن أن يمد يده للناس.
إنسان جالس مع زوجته، يأكل الدجاج، طرق الباب، كان متسولاً، فالزوجة همت أن تعطيه قطعةً من الدجاج ليأكلها، فنهرها، وقال: اطرديه، والقصة طويلة ساءت العلاقة بينهما حتى طلقها، وأكرمها الله بزوجٍ آخر، جالسة مع الثاني، تأكل الدجاج، طُرق الباب قال: انظري من الطارق، رجعت مضطربة، قال لها: ما الذي حصل؟ قالت له: سائل، قال لها: من هو، قالت له: إنه زوجي الأول، قال لها: أتدرين من أنا؟ أنا السائل الأول؟ الإنسان إذا استكبر، الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

[ سورة البروج ]

إياك أن تتكبر.

 

من شهد عمله فقد أشرك :

أيها الأخوة، بعض علماء القلوب قالوا: من شهد عمله فقد أشرك، قال لك: أنا، مثلما قال قارون، حصّلت هذا المال بجهدي، بتعبي، وعرق جبيني، أي:

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

[ سورة القصص الآية: 78 ]

من يحتاج إلى التوبة هم الناجحون
المؤمن الصادق الذي استنار قلبه يقول لك: الله أكرمني بهذه الشهادة، أكرمني بهذه التجارة، أكرمني بهذه الزوجة، أكرمني بالأولاد، أكرمني بهذا البيت، لا يقولها تأدباً يقولها واقعاً، حقيقةً، فالمؤمن يرى فضل الله عليه، وغير المؤمن يرى جهده، وعمله، فيكون حجاباً بينه وبين الله، لذلك من يحتاج إلى التوبة؟ الناجحون:

 

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء ]

النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة فاتحاً، دخلها مطأطئاًً رأسه حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، تواضعاً لله.
سيدنا عمر، عبقري هذه الأمة، وهو على المنبر يخطب، قطع الخطبة فجأةً وقال: يا عمر، كنت راعياً ترعى إبلاً لبني مخزوم، على قراريط بمكة، لا علاقة لهذا الكلام بالخطبة، يخطب في المسلمين، أمير المؤمنين، يا عمر: كنت راعياً ترعى الإبل، بقراريط لبني مخزوم، وتابع الخطبة، فلما نزل، سأله سيدنا أبو ذر الغفاري، يا أمير المؤمنين، هذا الذي قلته ماذا يعني؟ قال له: جاءتني نفسي، فقالت لي: ليس بينك وبين الله أحد، أنت قمة المجتمع الإسلامي، فأردت أن أعرفها قدرها.
إنسان منا أكرمه الله بشيء، عليه أن يتذكر قبل ثلاثين سنة ماذا كان يعمل؟ عمل في محل تجاري، الله أكرمك، جعل معك شهادة عليا، معك تجارة ناجحة، فكلما تذكر الإنسان أصله يتواضع، وكلما نسي أصله يتكبر.
سيدنا عمر بن عبد العزيز طلب من أحد الكبار اسمه عمر بن مزاحم، قال له: يا عمر كن معي دائماً، فإذا رأيتني ضللت فأمسكني من تلابيبي، وهزني هزاً شديداً وقل لي: اتقِ الله يا عمر، فإنك ستموت.

 

بطولة الإنسان أن يدخل مدخل صدق و يخرج مخرج صدق :

أنا أركز على التوبة بعد النجاح، هناك خطورة كبيرة جداً بعد النجاح، خطورة الغرور، الكِبر، لذلك كلما دخل سيدنا عمر بن عبد العزيز مجلس الخلافة يتلو هذه الآية، آية دقيقة جداً:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ* مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

[ سورة الشعراء]

بطولة الإنسان أن يدخل مدخل صدق و يخرج مخرج صدق
لذلك قال تعالى:

 

﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾

[ سورة الإسراء الآية: 80 ]

القرآن موجز، هناك إيجاز بلاغي، لو أن الله قال: رب اجعلني صادقاً، أحياناً تبدأ بمشروع وأنت صادق، في منتصفه تأتيك أموال طائلة، أحياناً إنسان ينشئ مستشفى خيرياً بعد حين تأتيه الجلطة من الفاتورة، أي صار الرقم غير معقول، شعر أنه يمكن أن يربح أرباحاً فلكية، نسي أن هذا مشروع خيري بالأساس، فأحياناً إنسان يدخل

﴿ مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾

ولكن أحياناً لا يخرج

﴿ مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾

فالآية دقيقة جداً، بأي مشروع، بأي عمل، قد تبدأ المشروع وأنت مخلص، وتنوي فعل لخير، البطولة أن ينتهي كذلك:

 

﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾

[ سورة الإسراء ]

أيها الأخوة الكرام، كما أن بداية مدارج السالكين أن تتوب إلى الله، نهاية منازل السائرين أن تتوب إلى الله، فالتوبة في البداية، وفي النهاية، بل التوبة مستمرة، والإنسان حينما يألف أن يتوب دائماً، هو مع الله دائماً.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018