٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 15 - التقوى - متى لا يستجاب الدعاء؟ .


1990-01-26

 استفتاح الخطبة:

 الحمد لله رب العالمين، يا رب إن لم نكن أهلاً لبلوغ رحمتك، فإن رحمتك يا رب أهل لأن تسعنا، فإنك قلت: وقولك الحق:

﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأعراف: 156 )

 ونحن يا رب شيء.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال في الحديث القدسي:

 

(( ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه، وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ))

 

[ ورد في الأثر ]

 وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، جاءه رجل: فقال يا رسول الله أوصني، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( عليك بتقوى الله ؛ فإنها جَماع كل خير ))

 

[ ورد في الأثر ]

 اللهم صل، وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، وأنقذنا من وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

التقوى:

1 ـ أهمية التقوى:

 إخوة الإيمان في كل مكان، التقوى موضوع هذه الخطبة، لها شأن كبير في القرآن الكريم، فقد وردت في أكثرَ من ثلاثمائة موضع فيها، والتقوى لغةً من وقى، وهل تكون الوقاية إلا من الخطر ؟
 فالإنسان في حياته الدنيا إن لم يتبع هدى ربه فهو مُعرَّض لكثير من المخاطر، فالدنيا خضرةٌ نضرة، سُمها في دسمها، فيها منزلقات ومتاهات، مالها يُغري، ويردي، ويشقي، ونساؤها حبائل الشيطان، الأهل والولد مشغلة مجبنة مبخلة، الشهوات فيها مستعرة في أبهى حُللها، والفتن فيها يقظة في أجمل أثوابها.

2 ـ أسئلة لابد لها من جواب:

 فكيف يتقي الإنسان الضياع في تلك المتاهات والضلالات ؟
 وكيف يتقي الإنسان الانجذاب إلى هذه الفتن المُهلكات ؟..
 وكيف يتقي الإنسان خطر الانغماس في تلك الشهوات ؟..
 وكيف يتقي الإنسان حمأة المزاحمة في جمع الدراهم والثروات ؟
 وكيف يتقي الإنسان شقاء الدنيا وعذاب الآخرة ؟..
 للإجابة عن هذه الأسئلة نقول:
حينما يبني الإنسان تصوراته عن الكون والحياة والإنسان وَفق ما جاء في البيان الإلهي، وحينما ينطلق في حركته اليومية، وفق التشريع الرباني، يكون قد أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، أما إذا ضل عقله وساء عمله فقد أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم.
 وعبادة الله الحقيقية الخالصة تقي الإنسان شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 لعلكم تتقون شقاء الدنيا وعذاب الآخرة.
 فهل غير الله واجب الوجود الذات الكاملة، الحي القيوم ذوي الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، الواحد الأحد الفرد الصمد، الأول والآخر، والظاهر، والباطن، من بيده ملكوت كل شيء، ومن إليه يُرجع الأمر كله مالك الملك، إيجاداً وتصرفاً ومصيراً ؟
 وهل غير الله تعالى يُتقى سخطه، ويُرجى رضوانه ؟ وهل غير الله تعالى يُتقى عذابه، وتُرجى رحمته ؟ وهل غير الله تعالى تتقى ناره، وترجى جنته ؟

 

3 ـ الله يأمرنا بالتقوى:

 إن الله يأمرنا بالتقوى، لأنه بكل شيء عليم، ولأنه سريع الحساب، ولأنه إليه الحشر والمصير، ولقد صدق الله العظيم إذ يقول:

﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة النحل )

4 ـ الله أهل التقوى:

 نحن أيها الإخوة لا نتقي الله لأننا في قبضته، أو لأن أمرنا كله راجع إليه فحسب، بل لأنه ذو الجلال والإكرام، وذو الطول والإنعام، رحمن رحيم، منعم كريم، إنه كما قال عن نفسه:

﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾

( سورة المدثر )

5 ـ التقوى تحصل لمن آمن بها وبثوابها:

 ولكن الإنسان لن يتقي سخط جهة، ولن يسعى لمرضاتها، إلا إذا أيقن بوجودها أولاً، وأيقن بما يناله منها من مغنم كبير إذا هو أطاعها، وما يصيبه منها من خسارة فادحة إذا هو عصاها، هذا شأن الإنسان، فلن يتقي ربه، أي لن يجتنب ما نهاه عنه، ولن يفعل ما أمره به إلا إذا عرفه، فأصل الدين معرفته، قال تعالى:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة المائدة )

 فالإيمان أساس التقوى.. حيث قال تعالى:

 

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

 

( سورة الأعراف )

 

التفكر في الكون باب إلى معرفة الله:

 وأبواب معرفة الله كثيرة من أهمها خلق السماوات والأرض، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾

( سورة الطارق )

﴿ فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

( سورة عبس )

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾

( سورة الغاشية )

﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَانُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾

( سورة الملك )

 إن النظر والتأمل والتفكر في الآيات التي بثها الله في السماوات والأرض يصل بصاحبه إلى اليقين القطعي، بأن لهذا الكون خالقاً عظيماً، ورباً رحيماً، ومسيّراً حكيماً، هو أهل لأن يطيعه ليتقي بطاعته عذابه، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾

 

( سورة يونس )

القرآن الكريم باب لمعرفة الله:

 ومن أبواب معرفة الله: القرآن الكريم.. ذلك المنهج القويم، والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، فإذا تدبر الإنسان آياته، ونظر فيها رأى تطابق مضامين هذا الكتاب المعجز، مع مبادئ العقل وملامح الفطرة، ومع مصالح الإنسان الحقيقية، منفرداً ومجتمعاً، وإن تدبر القرآن يصل بصاحبه إلى اليقين القطعي بأنه كلام الله تعالى، المُنزل على نبيه، وأنه المنهج الوحيد، والأمثل، لإسعاد الإنسان، في الدنيا والآخرة، قال تعالى:

﴿ قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾

( سورة الزمر )

6 ـ لماذا لا يتقي ربه ؟

 وإن تعجب فعجب من هؤلاء الذين لا يتقون، بل إذا قلت لأحدهم ؛ اتق الله أخذته العزة بالإثم، لم لا يتقي الإنسان ربه ؟ لم لا يتقي أن يعصيه ؟ لم لا يهتدي بهديه في أعماله كلها، وأقواله كلها، وأحواله كلها ؟ مع أن الله يُعلِّم الإنسان من خلال العقل الذي أودعه فيه، ومن خلال الفطرة التي فطره عليها، ومن خلال الكتاب الذي أنزله على رسوله، ومن خلال السنة التي بينت كتابه، ومن خلال الحوادث التي تؤكد حكمته وعدالته، ومن خلال دعوة الدعاة، وإلهام الملائكة، لمَ لا يتقي الإنسان ربه، مع أن الله يُعلِّمه ؟، قال تعالى:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )

الوسائل الفعّالة التي تسرِّع الخطى إلى التقوى:

 ومن الوسائل الفعالة التي تُسرِّع الخطى إلى التقوى:

1 ـ الصدق:

 أن تكون صادقاً مع نفسك، وصادقاً مع ربك، و صادقاً مع الآخرين، فلا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا(70)يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

( سورة الأحزاب )

2 ـ صلاح البيئة الاجتماعية:

 ومن الوسائل الفعَّالة، التي تسرّع الخطى إلى التقوى، أن تكون البيئة الاجتماعية التي تحتضن المرء بيئةً طيبةً صالحة مؤمنة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

3 ـ ابتغاء الوسيلة إلى الله:

 ومن هذه الوسائل، أن تبتغي إلى الله الوسيلة، وهي تَعلُّم العلم الموصل إلى الله عز وجل، على أيدي علماء عاملين مخلصين، ومن الوسيلة العمل الصالح الخالص، ومن الوسيلة العبادات المخلَصَة الدؤوبة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾

( سورة المائدة )

4 ـ الصبر:

 وطريق التقوى ليست مفروشة بالرياحين، بل هي طريق محفوفة بالمكاره لماذا ؟ لأن سلعة الله غالية، ولأن عمل الجنة حَزْنٌ بربوة، وعمل النار سهلٌ بسهوة، فلا بد من الانضباط الذاتي، ولا بد من البذل والتضحية، قال تعالى:

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة يوسف )

5 ـ استنفاذ الجهد كله:

 والتقوى لا تقبل أن يعطيها الإنسان بعضه، بل لا بد من أن يعطيها كله، فلا يُقبل من المتقي بذل بعض الجهد، بل لا بد له من بذل كل الجهد، ولذلك فحجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح، وإخلاصه وصوابه، فلكلٍّ درجات مما عملوا، والعمل الصالح يرفعه، قال تعالى:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

( سورة التغابن: 16 )

 أي استنفذوا كل الجهد.

إكرام الله للمتقين:

1 ـ تكفير السيئات:

 ومن عظيم إكرام الله عز وجل أن الإنسان حينما يخطو الخطوة الأولى في طريق التقوى يكفّر الله عنه سيئاته، وينسي حافظيه، وبقاع الأرض كلها، خطاياه وذنوبه، ويعظم له أجراً..

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾

( سورة الطلاق )

2 ـ تيسير الأمور:

 ومن عظيم إكرام الله عز وجل أن الإنسان حينما يخطو الخطوة الأولى في طريق التقوى يجعل الله له من أمره يسراً، فتنحل العقد، وتفرّج الكرب، ويصبح الحزن سهلاً، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾

( سورة الطلاق )

3 ـ التقوى مخرَج الإنسان من كل ضيق:

 ومن عظيم إكرام الله عز وجل أنه جعل التقوى مخرجاً للإنسان من كل ضيق، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾

( سورة الطلاق )

استنباطات هامة من الآية:

 وإعجاز هذه الآية في إيجازها، وبلاغتها في إطلاقها، قال الني صلى الله عليه وسلم:

(( إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم، ثم تلا هذه الآية ))

[ مسند الفردوس عن أبي ذر ]

 فحينما تضيق الأمور، وتستحكم الحلقات، وتُسد المنافذ، وتنتصب العقبات، ويقنط الإنسان تأتي التقوى، فيتسعُ بها الضيق، وتُحل بها العقد، وتُفتح بها المسالك، وتذلل بها العقبات.
 فمن يتق الله عند نزول المصيبة، فيوحّده، ويصبر لحكمه ويرضى بقضائه، ويثبت على مبدئه واستقامته، يجعل الله له مخرجاً منها، ويبدل ضيقه فرجاً، وخوفه أمناً، وعسره يسراً.
 ومن يتق الله فلا يسمح للأفكار الزائفة، أن تأخذ طريقها إلى عقله، ويجعل الله له مخرجاً من الضياع والحيرة والضلال وخيبة الأمل.
 ومن يتق الله فيبرأ من حوله وقوته وعلمه، يجعل الله له مخرجاً مما كلفه به بالمعونة عليه.
 ومن يتق الله فيقف عند حدود الله فلا يقربها، ولا يتعداها يجعل الله له مخرجاً من الحرام إلى الحلال، ومن الضيق إلى السعة، ومن النار إلى الجنة.
 ومن يتق الله في كسب الرزق، فيتحرى الحلال الذي يُرضي الله عز وجل يجعل الله له مخرجاً من تقتير الرزق بالكفاية، ومن إتلاف المال بحفظه ونمائه.
 ومن يتق الله في اتّباع السنة، يجعل الله له مخرجاً من ضلال أهل البدع ونتائج ابتداعهم.
 ومن يتق الله في اختيار زوجته، وفي التعامل معها، يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي.
 ومن يتق الله في تربية أولاده، يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم، ومن شقائه بشقائهم.
 ومن يتق الله في اختيار عمله، وحسن أدائه، يجعل الله له مخرجاً من إخفاقه فيه.

 

التقوى مستويات:

 

 وللتقوى مستويات عديدة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾

( سورة آل عمران: 102 )

 فمن التقوى، أن تستقيم على أمر الله، الذي وصلك بالنقل الصحيح، فإذا صحت استقامة العبد، انعقدت صلته بالله ومن خلال هذه الصلة يقذف الله في قلب المؤمن التقي النور، فيرى به الحق من الباطل والخير من الشر، والصحيح من الزائف، فيرى المؤمن بنور ربه حقائق الأمور، وبواطنها ومؤدّاها ونتائجها، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ﴾

 

( سورة الحديد: 28)

 قد تضع يدك وأنت مُغمض العينين على شيء ناعم الملمس، لين المجس، انسيابي الخطوط، ثم تفتح عينيك فإذا هي حيَّة رقطاء، في أنيابها السم الناقع، عندئذ تنتفض مُبتعداً عنها، وتصرخ مذعوراً منها، لقد ركنت إلى ملمسها الناعم، ومجسِّها اللين قبل أن تفتح عينيك، وابتعدت عنها حينما رأيت حقيقتها، وكذلك الدنيا تغرُّ وتضرُّ وتمرُّ.
 فالتقوى كما يقول الإمام الغزالي رحمه الله: "نور يقذفه الله في القلب"، وهذا النور هو أساس الرؤية الصحيحة، تلك الرؤية الصحيحة، أساس صحة العمل وصحة العمل أساس سعادة الدارين.

إذا كنت تريد تحقيق هذه الأمنيات فاتق الله:

 ألا يتمنى أحدنا أن يكون أكرم الناس على الله ؟.. إذاً فليتق الله، قال تعالى:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾

( سورة الحجرات )

 وقد ورد في الحديث الشريف:

 

(( إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله، وإذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك ))

 

[ كنز العمال بلفظ قريب من هذا عن أبي الدرداء ]

 ألا يتمنى أحدنا أن يحبه الله خالق السماوات والأرض ؟ وإذا أحبك الحق ألقى محبتك في قلوب الخلق، أنزل السكينة على قلبك، وجعل لك مقعد صدق عنده.

 

فليتك تحلو والحيـاة ُ مريـرةٌ  وليتك ترضى والأنامُ غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر  وبيني وبين العالمين خـرابُ
إذا صح منك الوصلُ فالكل هين  وكلُّ الذي فوق التراب تُراب
***

 إذا أردت أن تكون كذلك فاتق الله، لأن الله تعالى يقول:

 

 

﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

 

( سورة آل عمران )

 ألا يتمنى أحدنا أن يكون الله ربُّ العالمين ذو الجلال والإكرام وليّه، يُخرجه من الظلمات إلى النور، ويُدافع عنه، ويكون في موضع عنايته وحفظه ؟ إذاً فليتق الله، يقول الله تعالى:

 

﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

 

( سورة الجاثية )

 ألا يتمنى أحدنا أن يكون الله معه ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ومعيّة الله، هذه معيّة خاصة، تعني الحفظ، والتأييد، والرعاية، والتكريم، والتشريف.. إذاً فلنتق الله، يقول الله تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾

 

( سورة النحل )

الفوز الكبير في تقوى الله تعالى:

 الفلاح كلُّ الفلاح، والنجاح كل النجاح، والفوز كل الفوز، والرشاد كل الرشاد، والتفوق كل التفوق، والغنى كل الغنى، والتوفيق كل التوفيق، والسعادة كل السعادة في تقوى الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 وقال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

 

( سورة الأحزاب )

المتقي يضع قَدَمه على طريق الشكر:

 وإذا شعر الإنسان أنه مغمور بفضل الله، وتاقت نفسه إلى شكره نظر حواليه كيف يشكر الله عز وجل ؟ وهو قائم به غارق في فضله ؟.

﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ ﴾

( سورة النحل: 53 )

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

( سورة إبراهيم: 34 )

 فنحن عاجزون عن إحصاء خيرات نعمة واحدة، فلأن نكون عاجزين عن إحصاء كل النعم فمن باب أولى، وإذا كنا عاجزين عن إحصائها فنحن عن شكرها أشد عجزاً، لكن الله عز وجل لعظيم كرمه يُبين لنا أن الإنسان الذي يتقي ربه يضع قدمه في طريق الشكر، قال تعالى:

 

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

 

[سورة آل عمران]

 ومجمل القول: التقوى أن تتقي الكفر بالإيمان، والشرك بالتوحيد، والرياء بالإخلاص، والكذب بالصدق، والغش بالنصيحة، والمعصية بالطاعة، والابتداع بالاتباع، والشبهة بالورع، والدنيا بالزهد والغفلة بالذكر والشيطان بالعداوة.

 

تزود من التقوى فإنـك لا تــدري  إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجر
فكم من فتى أمسى و أصبح ضاحـكاً  وقد نُسجت أكفانه وهو لا يدري
و كم من صغارٍ يُرتجى طول عمرهم  وقد أُدخلت أجسادهم ظلمة القبـر
وكم من عروس زيَّنوها لزوجهــا  وقد قبضت أرواحُهم ليلة القـدر
***

 

جانب من التقوى في حياة السلف الصالح:

 وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان له مستشار خاص اسمه عمر بن مهاجر قال له: يا عمر بن مهاجر، إذا رأيتني ضللت الطريق فخذ بمجامع ثيابي، وهزني هزاً عنيفاً، وقل لي: اتق الله يا عمر، فإنك ستموت..
 وسيدنا أبو حنيفة النعمان، رحمه الله تعالى امتنع عن الجلوس في ظل شجرة لرجل له عليه دين.. لما ورد في الخبر: أن كل قرض جر نفعاً فهو ربا.
 جاء رجل إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى: فقال يا إمام: السماء لا تمطر، فقال: استغفر الله، و جاءه آخر فقال يا إمام زوجتي لا تنجب، فقال: استغفر الله، وجاءه ثالث، فقال: أشكو الفقر، فقال: استغفر الله، فقال أحد الجالسين، يا إمام، أو كلما جاءك رجل يشكو تقول له:  استغفر الله، فقال الإمام الحسن البصري: ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾

( سورة نوح )

 

الخطبة الثانية:

متى لا يستجاب الدعاء ؟

 النبي عليه الصلاة والسلام، استعاد بالله من قلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ونفس لا تشبع، ودعوة لا يُستجاب لها، ولكن، لمَ، ومتى لا يُستجاب الدعاء، مع أن الله تعالى يقول:

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

( سورة غافر )

 ونبيه صلى الله عليه وسلم يقول:

 

(( إن الله حييٌ كريم، يستحي من عبده، أن يبسط إليه يديه، ثم يردهما خائبين ))

 

[ أبو داود وابن ماجه ]

 وليس شيء أكرم على الله من الدعاء.

1 ـ لا يستجيب الرب لدعاء العبد حتى يستجيب العبد لأمر الله:

 يبدو أن الله عز وجل لا يستجيب دعاء العبد حتى يستجيب العبد لأمر الرب، قال تعالى:

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

 

( سورة البقرة )

 أي إذا آمنوا بي استجابوا لي، وإذا استجابوا لي يُرشدون إلى الدعاء المُجاب.

2 ـ بالمثال يتّضح المقال:

 لنضرب على ذلك مثلاً: كلنا يعلم أن المركبة مبنية على علم متطور، وفيها أجهزة وتوصيلات بالغة الدقة والتعقيد، فإن توقفت هذه المركبة عن السير فلا بد أن نعكف على دراسة مبادئ الحركة، ونظام التوصيلات، وأن نراقب سلامة الأجهزة حتى نكتشف موطن الخلل تمهيداً لإصلاحه، أما إذا وقفنا إلى جانب المركبة، وملأنا الفضاء صياحاً، وضجيجاً، وبكاءً، وعويلاً، ودعاءً، فما الذي يحصل ؟ لا يحصل شيء، وتبقى المركبة معطلة، وكذلك حالنا مع الله.
 لا بد من أن نعكف على دراسة السنن الثابتة التي سنها الله لتحديد وتنظيم علاقتنا بربنا، وبأنفسنا، وبمن حولنا، وبما حولنا، فإذا تعرفنا إلى هذه السنن، وأيقنا بمصداقيتها، فكشفنا في ضوء هذه المعرفة موطن الخلل في حياتنا وعلاقاتنا، وكشفنا زاوية انحرافنا عن منهج الله، وأصلحنا هذا الخلل، وعدنا إلى ذلك المنهج، عندئذ ندعوه فيستجيب لها.

 

3 ـ عشرة أسباب تمنع من استجابة الدعاء:

 أيها الإخوة، العارف بالله إبراهيم بن أدهم مرَّ بسوق البصرة، فقيل له: يا أبا إسحاق، إن الله تعالى يقول:

﴿ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

 ، ونحن ندعوه فلا يستجيب لنا، فقال لهم: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء:
 1 ـ عرفتم الله فلم تؤدوا حقه.
 2 ـ وقرأتم القرآن فلم تعملوا به.
 3 ـ وادعيتم حب رسوله فلم تعملوا بسنته.
 4 ـ وقلتم: إن الشيطان لكم عدو فاتخذتموه ولياً.
 5 ـ وقلتم: إنكم مشتاقون إلى الجنة فلم تعملوا لها.
 6 ـ وقلتم: إنكم تخافون من النار فلم تتقوها.
 7 ـ وقلتم: إن الموت حق فلم تستعدوا له.
 8 ـ واشتغلتم بعيوب الناس، وتركتم عيوبكم.
 9 ـ وتقلبتم في نعمة الله فلم تشكروه عليها.
 10 ـ ودفنتم موتاكم فلم تعتبروا، فكيف يُستجاب لكم ؟
 العدوان والكسب الحرام يحول بين الدعاء وبين الإجابة، قال تعالى:

 

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

 

( سورة الأعراف )

 أي لن يستجيب له، لأنه لا يحبه، ويقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( يا سعد، أطب مطعمك تُكن مستجاب الدعوة ))

 

[ الطبراني في المعجم الأوسط عن ابن عباس، وسنده ضعيف ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018