٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 19 - الصحة - الإخلاص.


1990-11-30

 استفتاح الخطبة:

 الحمد لله رب العالمين، يا رب أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، اللهم أغننا بالعلم، وزينَّا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
 قيل للإمام علي كرم الله وجهه: يا إمام حدثنا عن ربك، فقال الإمام علي كرم الله وجهه: << سبحان ربي، لا يُدرَك بالحواس، ولا يقاس بالناس، فوق كل شيء، وليس تحته شيء، وهو في كل شيء، لا كشيء في شيء ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير >>.
 ليس بجسم، ولا صورة، ولا محدود، ولا متبعض، ولا متجزئ، ولا متناهٍ ولا متلوّن.
 ولا يُسأل عنه بمتى كان، لأنه خالق الزمان، ولا يُسأل عنه بأين هو، لأنه خالق المكان، فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
 علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

انظر لتلك الشجـــــرة  ذات الغصون النضـره
كيف نمت من حـــــبة  و كيف صارت شـجره
فابحث وقل منذ الــــذي  يخرج منها الثمـــره
و انظر إلى الشمس التــي  جذوتهــــا مستتـره
فيهــا ضيـــاء وبهــا  حرارة منتشـــــره
من ذا الذي أوجـــــدها  في الجو مثل الـشـرره
و انظر إلى الليل فمــــن  أوجد فيه قمـــــره
وزانـه بأنجـــــــم  كالدرر المنتشــــره
وانظر إلى الغيم فمــــن  أنــــزل مـنه مطره
فصيــر الأرض بـــه  بعــد اصفرار خضره
ذاك هو الله الــــــذي  أنعمه منهمــــــرة
ذو حكمــــة بالغـــة  وقدرةٍ مقتــــــدرة
***

 وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، ذات يوم أقبل عليه رجل فظ، لم يكن قد رآه من قبل، غير أنه سمع محمداً يسبُّ آلهة قريش، فحمل سيفه، وأقسم ليسوينَّ حسابه مع محمد، ودخل عليه، وبدأ حديثه عاصفاً مزمجراً، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، وتنطلق مع بسماته أطياف نور آسر، وما هي إلا لحظات حتى انقلب المَغيظُ المتجهم محباً، يكاد من فرط الوجد والحياء يذوب، وانكفأ على يدي محمد، ودموعه تنهمر من عينيه، ولما أفاق قال: يا محمد، والله لقد سعيت إليك وما على وجه الأرض أبغض إليَّ منك، وإنني لذاهب عنك وما على وجه الأرض أحب إليَّ منك.
 يا أيها الإخوة المؤمنون، لقد أشرقت على هذا الرجل أنوار الحق ومحبة الخلق الكامنة في قلبه الشريف، ففعلت في هذا الرجل فعل السحر، إنها النبوة، إنها النبوة، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد طب القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وعلى آله وأصحابه، أمناء دعوته وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.
 عباد الله، أوصيكم بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

مقدمة:

1 ـ الإسلام دين الفطرة يحرص على صحة الجسد وطهارة النفس:

 أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، الإسلام دين الفطرة، يحرص في تعاليمه على صحة الجسد وطهر النفس، ويوازن بين المادة والروح، والحاجات والقيم، ويهدف إلى إصلاح الدنيا، وإصلاح الآخرة.
 والإسلام أيها الإخوة يجعل من المسلم إنساناً متميزاً، يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون، ويتمتع بوعي عميق، وإدراك دقيق، له قلب كبير، وعزم متين، وإرادة صلبة، هدفه أكبر من حاجاته، ورسالته أسمى من رغباته، يملك نفسه، ولا تملكه، ويقود هواه، ولا ينقاد له، تحكمه القيم، ويحتكم إليها، من دون أن يسخِّرها، أو يَسخَر منها، سما حتى اشرأبت إليه الأعناق، وصفا حتى مالت إليه القلوب.

 

2 ـ الإسلام جعل قوة الجسد ورجاحة العقل ميزان الاصطفاء:

 أيها الإخوة الكرام، هل يعقل أن تكون شخصية المسلم الفذة التي تجمع بين رجاحة العقل، وسمو النفس، هل تُعقل أن تكون هذه الشخصية الفذة مركبةً في جسد عليلٍ سقيم، كلا، إن صحة الجسد مرتكز لسلامة النفس وسموها، ومنطلق لصحة العقل وتفوقه، فالله تعالى، جعل صحة الجسد وقوته ورجاحة العقل واستنارته علَّةَ الاصطفاء، فقال تعالى متحدثاً عن طالوت:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾

( سورة البقرة: 247)

 

3 ـ قوة الجسد والأمانة ميزانُ تقليد الأعمال:

 وقد أشار البيان الإلهي إلى أن القوة ـ ومن القوة قوة الجسم والأمانة، وبمصطلح العصر الكفاءة والإخلاص، هما المقياسان الصحيحـان اللذان نقيس بهما الأشخاص، حينما نقلدهم بعض الأعمال، قال تعالى في معرض الحديث عن قصة سيدنا شعيب مع سيدنا موسى عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

( سورة القصص: 26 )

4 ـ لابد من تقييد القوة الجسدية بالإيمان:

 يا أيها الإخوة المؤمنون في كل مكان، النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، ولم يقل: الإنسان القوي، لأن القوة من دون الإيمان مدمرة لصاحبها وللمجتمع معاً، كما أن الإيمان من دون قوة مُستضعَفٌ مقهور، أما إذا أضيفت القوة إلى الإيمان فإنها تصنع المعجزات الخيِّرات الخالدات، لهذا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ))

[ أخره مسلم ]

5 ـ القوة عامة بجميع أنواعها:

 أخذاً من قوله تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

( سورة الأنفال )

 والمطلق في القرآن على إطلاقه، فمن القوة قوة الجسد، كثرة العدد تفوق العُدَد، السبق العلمي، وأما كلمة ( ما استطعتم ) فإنها تعني استنفاد الجهد، لا بذل بعض الجهد.
 والنبي عليه الصلاة والسلام جعل صحة الجسد ثلث الدنيا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

 

[أخرجه ابن ماجه، والترمذي ]

 والإمام علي كرم الله وجهه رأى في المرض مصيبة أشد من الفقر، وأهونَ من الكفر، ورأى في الصحة نعمة أفضل من الغنى، وأقل من الإيمان فقال رضي الله عنه: << ألا وإن من البلاء الفاقة، وأشد من الفاقة مرض البدن، وأشد من صحة البدن مرض القلب، ألا وإن من النعم سَعَة المال وأفضل من سعة المال صحة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب >>.

 

[راجع الأمالي للطوسي ]

 

الصحة:

1 ـ الطب الوقائي:

1 ـ إزالة أسباب المرض أجدى من إزالة أعراضه:

 أيها الإخوة المؤمنون في كل مكان، ما أروع الإسلام حينما ينطلق من حقيقة خالدة، وهي أن إزالة أسباب المرض أجدى وأهـون من إزالة أعراضه، ويقول الأطباء: " إن الأمراض وإن زالت أعراضها في الدواء فإن لها آثاراً جانبيةً تظهر في وقت لاحقٍ من دون سببٍ مباشر، لذلك يُعد الطب الوقائي سيد الطب البشري كله، لأن قوة الأمة تتجلى في قوة أفرادها، وإن دخلها يقاس بدخلهم، وإن الأمة التي تنزل بساحتها الأمراض، أو تستوطنها الأوبئة، تتعرض لخسران كبير، سواء في هذه القوى البشرية المريضة المعطلة التي كان من الممكن أن تسهم جهودها في زيادة الدخل القومي، أو في هذه الأموال الطائلة التي تنفق في معالجة هذه الأمراض، والتي كان من الممكن أن تنفق في بناء صرح الأمة الاقتصادي.
مثال ذلك:
 ثبت في بعض الإحصائيات الدقيقة أن مجموع الضرائب الباهظة التي تحصل عليها بعض الدول من شركات التبغ، أقل بكثير مما تنفقه تلك الدول في معالجة الأمراض الناتجة عن التدخين، وأن بعض الدول الصناعية تفقد في كل عام خمسين مليون يومِ عملٍ، نتيجة الأمراض التي تصيب العمال والموظفين بسبب التدخين، وأن ما لا يقلّ عن خمسين ألف شخص يلاقون حتفهم قبل الأوان من كل عام بسبب التدخين.

2 ـ النظافة من الإيمان:

 يا أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، بنى الإسلام تشريعه على الوقاية، فالنظافة من الطب الوقائي، والإسلام يأمر بالنظافة، لأنها تقي من انتقال كثير من الأمراض المعدية، وتنشط الدورة الدموية، بتنبيه الأعصاب، وتدليك الأعضاء، وتحفظ وظائف الجلد من أن تتعطل، فضلاً عن أثر النظافة في بناء الشخصية وفي العلاقات الاجتماعية، والله جل وعلا حثنا على النظافة، وجعلها سبباً لمحبته، فقال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾

( سورة التوبة )

 وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الطهور شطر الإيمان، وقد فهم الإمام الغزالي فهماً دقيقاً، فهمه على أربعة مستويات:
 الأول: تطهير الظاهر عن الأحداث والأخباث.
 والثاني: تطهير الجوارح عن المعاصي والآثام.
 والثالث: تطهير النفس عن الأخلاق الذميمة والرذائل الممقوتة.
 والرابع: تطهير القلب عما سوى الله.
 وقد جعل الإسلام غسل الجمعة واجباً دينياً، ولو كان مد الماء بدينار، وجعل النظافة شرطاً لأول عبادةٍ في الإسلام، ألا وهي الصلاة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

( سورة المائدة: 6)

 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
 عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:

 

(( حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيّامٍ يَوْمًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ ))

 

[ رواه البخاري ومسلم ]

 وقد أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام بغسل اليدين قبل الطعام وبعده، فقد ورد في حديثٍ عَنْ سَلْمَان عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( بَرَكَة الطَّعَام الْوُضُوء قَبْله وَبَعْده ))

 

[ أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، وفي إسناد ضعف]

 وضوء الطعام غسل اليدين والفم، وقد ورد في الأثر:

 

(( مَن أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه ))

 

[ الطبراني عن سلمان، وفي إسناد ضعف، كما في الجامع الصغير ]

 إشارةً إلى ضرورة غسل الفاكهة قبل أكلها، وقد تفضل علينا ربنا بالماء الطهور، أي الطاهر في ذاته المطهر لغيره، قال الله تعالى:

 

﴿ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾

 

( سورة الفرقان )

 وقال تعالى:

﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾

( سورة الأنفال: 11 )

 اللهم اسقنا الغيث، وطهرنا به.

 

3 ـ الصلاة من الطب الوقائي:

 أيها الإخوة المؤمنون، أيها الأخوات المؤمنات، والصلاة فضلاً عن أنها عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القربات، وغرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات، إنها فضلاً عن كل ذلك هي من الطب الوقائي، فحركاتها من قيام، وركوع، وسجود، واعتدال نوع من الطب الوقائي، فقد أكد علماء التربية الرياضية أن أحسن أنواع الرياضة ما كان يومياً، ومتكرراً، وموزعاً على أوقات اليوم، وغير مجهد، ويستطيع أن يؤديها كل إنسان من كل جنس، وعمر، وفي كل ظرف وبيئة، وهذا كله متوافر في الصلاة، فهي تحرك جميع عضلات الجسم القابضة والباسطة، وتحرك جميع المفاصل حتى الفقرية منها، وتنشط القلب والدورة الدموية، وتقوي جدر الشرايين في المخ فتقاوم التصلب والتمزق.

4 ـ الاعتدال في الطعام والشراب وسائر المباحات من الطب الوقائي:

 أيها الإخوة المؤمنون، والاعتدال في الطعام والشراب وسائر المباحات من الطب الوقائي، قال الله تعالى:

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾

( سورة الأعراف: 31 )

 ففي نص الآية أمر بالطعام والشراب، ولكنه أمر إباحة، لكنه بنص الآية لا ينهى ربنا عن الإسراف في الطعام والشراب فحسب، بل ينهى عن الإسراف في كل شيء من المباحات، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم، حدود هذا الاعتدال فعَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ))

 

[حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه ]

 وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن لذة الطعام لا تحصل باختيار أَنفَس الأطعمة وأطيبها، ولكنها تحصل بحالةٍ تُلابِس الآكل، ألا وهي الجوع، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال:

 

(( نعم الإدام الجوع ))

 

[ ورد في الأثر ]

 وقد كتب على مدخل إحدى المستشفيات في بلد أوربي:

 

(( نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع ))

  محمد بن عبد الله.
 كُتب هذا الحديث الشريف لنبينا عليه الصلاة والسلام لأنه أصل كبير في الطب الوقائي، وقد وضح النبي الكريم أن في الطعام لذةً نتذوقها، وطاقة نستهلكها، وفضلات نطرحها، فقال داعياً:

 

((الْحَمد لله الَّذِي أَذَاقَنِي لَذّتَهُ - أي لذة الطعام - وَأَبْقَى مِنْهُ قوته، وأذهب عني أَذَاهُ ))

[ ابن السني عن ابن عمر ]

2 ـ الطب العلاجي:

1 ـ كلّ ما وقع فبإرادة الله ولحكمته:

 أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، أما الطب العلاجي، فينبغي للمؤمن حين يصاب بمرض خطير أو غير خطير، أن يعتقد اعتقاداً جازماً، استناداً إلى إيمانه بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، وانطلاقاً من أن أسماءه تعالى كلها حسنى، وصفاته كلها فضلى، وتصديقاً بأن كل شيء وقع أراده الله، وأن كل ما أراده الله وقع، وأن إرادته متعلقة بحكمة مطلقة، وأن حكمته متعلقة بالخير المطلق، قال الله تعالى:

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

( سورة آل عمران آية: 26 )

 عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ:

 

(( لِكُلِّ شَىْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

 

[ الترمذي ]

2 ـ المرض نتيجة الخروج عن المنهج الإلهي في التعامل مع النفس والجسم:

 وثانياً: ينبغي أن يعتقد المؤمن أنه حينما يصاب جسمه بمرض، أن الله تعالى الذي خلقه في أحسن تقويم، وصنعه فأتقن صنعه، وأرشده من خلال القرآن والسنة، إلى الأسباب والوسائل التي تحفظ له صحته وسلامته وسعادته في الدنيا قبل الآخرة، وأن الأمراض في الأعم الأغلب، هي نتيجة طبيعية، وحتمية لخروج الإنسان عن المنهج الإلهي في التعامل مع النفس ومع الجسم معاً، وهذا بسبب ضعف الإيمان بمصداقية هذا المنهج الذي يُعد بحق تعليمات الصانع.
 يؤكد هذا قول الله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ(78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ(79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ(80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ(81)وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(82)رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

 لم يقـل الله عز وجل: الذي خلقني، ويطعمني، ويمرضني، بل قال:

 

﴿ والَّذِي هُوَ يُطْعِمُنَي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ ﴾

 

( سورة الشعراء )

 إشارة إلى أن المرض في أصله خروج عن تعليمات الصانع في صنعته، هذا في العم الأغلب.

 

3 ـ الله قادر على الشفاء من كلِّ مرضٍ:

 وثالثاً: ينبغي للمؤمن أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله قادر على شفائه من مرضه، ولو كان عضالاً، فقدرته تعالى متعلقة بكل ممكن، ولا نهاية لتعلقاتها كما جاء في جوهرة التوحيد، وهو تعالى لا يُعجزه شيء في الأرض والسماء، وهناك حالات شفاء كثيرة من أمراض مستعصية كثيرة، تمت من دون سبب كافٍ، الأمر الذي حدا بالأطباء أن يصنفوا هذه الأمراض تحت عنوان الشفاء الذاتي، وهو في حقيقة الأمر تدخل إلهي مباشر من دون أسباب دوائية، وهذا الاعتقاد وحده، يزيح عن كاهل المريض كابوس اليأس والقنوط، ومريض هذه حالته النفسية حالة الثقة، لأن الله جل في علاه قادر على أن يشفيه من مرضه، هذه الحالة النفسية المرتفعة تعين العضوية على الحد من انتشار المرض، ثم تعين العضوية على الشفاء منه، وهذه حقيقة مسلم بها في علم الطب، وهي أن الأثر الإيجابي للحالة النفسية المرتفعة له أثر كبير في حدوث الشفاء.

4 ـ لابد من الأخذ بالأسباب:

 ورابعاً، ينبغي للمؤمن أن يبادر إلى الأخذ بالأسباب التي وضعها الله عز وجل للشفاء، فيختار الطبيبَ الكفء في اختصاصه، المخلص في عمله، ثم ينفذ تعليماته بدقة بالغة تأدباً مع السنن التي سنَّها الله لهذا الجسم، وانطلاقاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

(( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ))

[حديث حسن صحيح رواه الترمذي، والنسائي وابن حبان والحاكم والإمام أحمد وغيرهم ]

5 ـ الشفاء لابد له صحة تشخيص الداء وحسن اختيار الدواء:

 وقد بين النبيل صلى الله عليه وسلم أن الشفاء من المرض يحتاج إلى شرطين اثنين، الأول: صحة تشخيص الداء، وصحة اختيار الدواء لهذا الداء، وهذا شرط لازم غير كاف، والثاني: إذنٌ من الله لهذا الدواء، أن يفعل فعله، فيزيل أسباب المرض وأعراضه، لهذا عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

(( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[حديث صحيح رواه مسلم، وأحمد ]

6 ـ التداوي بالمحرّم محرَّم:

 أيها الإخوة المؤمنون في كل مكان، قال الفقهاء: " إن استعمال الدواء المقطوع بفائدته بإخبار الأطباء لعلاج مرض يودي بحياة إنسان، أو بعضو من أعضائه، واجب ديني يرقى إلى مستوى الفرض ".
 وقد نهى الإسلام عن التداوي بالمحرمات من غر ضرورة شرعية، وعن التداوي بالوسائل الوهمية غير العلمية، كتعليق الودع، واستعمال الرقى، لأن هذا يتنافى مع التوحيـد، ومع التوكل الصحيح، وهنا محل الإشارة، إلى أن الطب في الإسلام اختصاص، وفي الحديث عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ - أي معرفة بالطب - قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))

 أي مسؤول.

 

[رواه ابن ماجه، والنسائي ]

 

الطبُّ ونهاية الأجل:

 أخيراً أيها الإخوة: الطب شيء، وانتهاء الأجل شيء آخر.

إن الطبيب له علم يدل بــه  إن كان للناس في الآجال تأخيرُ
حتى إذا ما انقضت أيام رحلته  حـار الطبيب وخانته العقاقيـرُ
***
كل ابن أنثى وإن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمولُ
فإذا حملت إلى القبور جنـازة  فاعلم بأنك بعدها محمــولُ
***

 الليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر، والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا

أيها الإخوة المؤمنون، قال تعالى في كتابه العزيز:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

( سورة الروم: 30)

1 ـ الإخلاص لله طريق الصحة النفسية:

آية دقيقة جداً، أن يقيم الإنسان وجهته الخالصة في استقامة إلى الله، وأن يقوّمها كلما انحرفت، وذلك بالتعرف إليه، والإكثار من ذكره، وأن يكون عند أمره ونهيه، وأن يتقرب إليه بالأعمال الصالحة، مائلاً إليه بالحب، تاركاً كل ما سواه.
هذا كله بعض ما تعنيه كلمة:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾

إن الإنسان إن فعل هذا فقد لزم فطرته.

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

( سورة الروم: 30)

 إن الإنسان إذا فعل هذا لزم فطرته التي فطره الله عليها فقد حقق الغاية من وجوده، وحقق سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، ذلك أن في القلب شعثاً لا يلمُّه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، و حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله، و قلق لا يُسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، و نيرانُ حسراتٍ لا يطفئها إلا الرضى بأمره، ونهيه، وقضائه وقدره، والصبر على ذلك إلى يوم لقائه، وفيه فاقة لا يسدّها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له.

 

2 ـ الإعراض عن الله تدميرٌ للصحة النفسية:

 فإذا أعرض الإنسان عن ذكر ربه وتعدى حدوده، وأساء إلى عباده اختل توازنه الداخلي، وأحس بالضياع والكآبة، وأحس بالسآمة والضجر، وقذف في قلبه الرعب بشركه، وعاش معيشة ضنكًا، وكان من المعذبين، عندئذ تدمر صحته النفسية، ويصاب بالتوتر العصبي الذي هو مرض العصر، و سبب رئيس لكثير من الأمراض التي تصيب العضوية، كتسرع ضربات القلب واضطرابها، وتضيق الشريان الاختلاجي، وارتفاع ضغط الدم ذي المنشأ العصبي الذي هو في حقيقته ارتفاع لضغط الهم، وتقرحات الجهاز الهضمي، وأمراض الحساسية، وأمراض الأعصاب، والشلل العضوي ذي المنشأ النفسي، وحينما يصطلح الإنسان مع ربه، فيتوب من ذنوبه، ويستقيم على أمره ويعمل الصالحات تقرباً إليه، يشعر أنه قد أزيح عن صدره كابوس ضاغط، كأنه جبل جاثم، وأن ظلمات بعضها فوق بعض، قد تبددت من أمامه، وأن مشاعر الكآبة والضيق قد اختفت إلى غير رجعه، عندئذ يشعر أن في قلبه من الطمأنينة والسعادة، ما لو وُزعت على أهل بلد لأسعدتهم جميعاً، وعندها تتأثر العضوية بهذه الصحة النفسية تأثراً إيجابياً، فتزول أكثر الأمراض العضوية ذات المنشأ النفسي.

3 ـ الاستقامة تجلب النِّعم والأمن والراحة:

 أيها الإخوة، الإيمان، والتوبة، والطاعة، والعمل الصالح صحة للنفس وصحة النفس، أساس صحة الجسد، وقد روى الإمام أحمد في مسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[حديث صحيح أخرجه ابن ماجه ]

 وقد وضح الإمام المناوي في شرحه لهذا الحديث: أنكم إذا استقمتم فلن تحصوا الخيرات التي تجنونها من استقامتكم والصحة أحد هذه الخيرات.

 

4 ـ الخروج عن منهج الله يجلب الأسقام والأمراض المستعصية:

 وتأكيداً على أن كل خروج عن منهج الله له آثار خطيرة في الفرد والجماعة، ولاسيما على المستوى الصحي، ونظراً لأن الإنسان حينما يبتعد عن ربه، يؤثر الأخذ على العطاء، و استهلاك جهد الآخرين على بذل الجهد لهم، و الراحة على العمل، وحينما يبتعد الإنسان عن ربه، يبتعد عن فطرته، فيشعر بالضياع وبالصراع ويحس بالخوف والقلق، والراحة التي وفرها له استهلاك جهد الآخرين والتوتر النفسي الذي سببه له البعد عن الله عز وجل، هذان السببان الرئيسان وراء تفاقم الأمراض العضالة في العالم اليوم، ففي بعض المؤتمرات الطبية التي عقدت للبحث في أمراض القلب، اتفق المؤتمرون على أن سلامة القلب في بذل الجهد وراحة النفس، وأن طبيعة العصر تقتضي الكسل العضلي والتوتر النفسي، وهما وراء تفاقم أمراض القلب في معظم البلدان المتقدمة تقدماً مادياً.
 وتشير التقارير المرفوعة إلى منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد المصابين بمرض الإيدز في العالم يزيد عن سبعة عشر مليوناً وأن عدد حاملي هذا المرض يقترب من عشرين مليوناً، وأنه لم يسبق للبشرية من قبل أن واجهت تهديداً للصحة العالمية مثل الذي تواجهه الآن.. وأنه لا يمكن لهذا المرض أن يظهر إلا في حالات الانحراف، والشذوذ عن تعليمات الصانع، لذلك تجده نادراً أو معدوماً في المجتمعات المنضبطة بمنهج الله، والوقاية منه بالانضباط السلوكي أهون ألف مرة من البحث عن مضاد لفيروسه، ومن دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه الحاكم وابن ماجه والبزار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهُمْ ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بن عمر ]

 والطاعون يطلق مجازاً على كل وباء.. فلنتأمل مصداقية منهج الله، والثمن الباهظ الذي يدفعه من يريد أن يتفلت منه، فكفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يعصي الله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018