بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة الرعد - تفسير الآيات 8 - 11


1994-12-19

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآية الثامنة من سورة الرعد وما بعدها وهي قوله تعالى:

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ(9)﴾

(سورة الرعد )

 ما الفرق بين أن يقول الله: يعلم الله ما تحمل كل أنثى وبين أن يقول: الله يعلم ؟ الفرق كبير جِدًّا ! كالفرق بين أن تقول: نعبد الله، وبين أن تقول: اللهَ نَعْبُدُ التَّقديم والتأخير يُعطي معنًى جديدًا، إذا قلْتَ: يعلم الله ما تحمل كل أنثى فهذا يعني أنَّ غير الله كذلك يعلم، أما إذا قلتَ: الله يعلم فهذا يعني أنّه وحْده الذي يعْلم، لكن قد يقول لك: لكنَّ الآن قد عرفوا ! تذْهب إلى الطبيب فيقول لها: ذَكَر أم أُنثى ! أين الآية ؟ فالله تعالى لم يقل: يعلم مَن تحمل ! وإنَّما قال: ما تحْمل، فَمَا قال العلماء: البُوَيْضَة والحُوَيْن المنوي يَحْمِلان مِن المُوَرِّثات ما يزيد عن خمسة آلاف مليون معلومة، وهذا الرَّقَم أذْكُرُهُ بِدِقَّة، عُرِفَ منها حتَّى الآن ثمان مائة ! أسْمع بالمَجَلات والصُّحف ؛ الهَنْدَسة الوِراثِيَّة، فهذه البُوَيْضَة في نواتِها كروموزونات ومُوَرِّثات، هذه المُوَرِّثات تَحْمِل في طيَّاتِها خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمجَة تُسْهِم في تَخليق الجنين، هذا الجنين له شامة على خدِّه الأيْسَر، وذاك شعْرُهُ جعد، والآخر سبك وهذا أنفه أفْطَس، وذاك مُنْحَني، خمسة آلاف مليون صِفة كلُّها مُتَوَضِّعَة سَلَفًا على الكروموزونات ومُبَرْمَجَة زَمَنِيًّا، هذه هي التي يعلمُها الله، أما أن تعلم هذا ذَكَر أم أنثى، لذلك الله عز وجل يقول:

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾

[ سورة الرعد ]

 هذا الجنين ما مصيرُهُ ؟ مُصْلِحٌ كبير ؟ أم مُجْرِمُ كبير ؟ لا نعرف ! غنيّ أم فقير ؟ الله يعلم ما تحْمِل كلّ أنثى، أَهُوَ مسلم أم كافر ؟ فاسق أم تقيّ ؟ كلّ هذا لا نعرفهُ ! هل سيكون عنصر إيجابي في الأمَّة ؟ ممْكِن، هل سيَقود أُمَّة ؟ مُمْكِن.
 قال تعالى:

 

﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾

 

[ سورة الرعد ]

 المرأة إن لم تُنْجِب، وقوله تعالى:

 

﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾

 

[ سورة الرعد ]

 إذا أنْجَبَت أولادًا كثيرين، قال تعالى

 

﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 كلّ هذا وِفْق قرارٍ ووِفْق حِكْمَةٍ مطلقة، فالكَون لا يَحْمِل العَبَثِيَّة والصُّدْفَة، قال تعالى:

 

﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(49)أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)﴾

 

[ سورة الشورى ]

 كل هذا بِحِكْمَة، وبعضهم عبَّرَ عن الحِكْمَة فقال: إنَّ الشيء إذا وَقَع لو لم يقَع لكان نَقْصًا في حِكْمة الله، ولَكَان الله تعالى مُلامًا على عدم وُقوعِهِ ولِهذا عبَّر الإمام الغزالي عن هذا الموضوع فقال: ليس في الإمكان أبْدَعُ مِمَّا كان، فالذي هو كائِنٌ أبْدَعُ ما يكون، وليس في إمْكاني أبْدَعُ مِمَّا أعْطاني، فأنسَب شيء لِوَضْعِك أن يكون لك أولاد ذُكور أو إناث أو لك أولاد وإناث، أو دون أولاد.
 قال تعالى:

 

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 فعالِمُ الغيب أيْ عَلِمَ ما كان، وعَلِمَ ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ‍‍! لذلك كما قال تعالى:

 

﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 همَسَ وأضْمر شيئًا بِقَلْبِهِ أو فكَّر بِشَيء، فالواحد يذهب لأوروبا ويدخل للمركز الإسلامي ويأتي بِواحِدَة فرنسية، والعقْد شرعي مائة بالمائة، ولكنَّه ينوي بها أربعة سنَوَات ولمَّا ينتهي من الدِّراسة يُطَلِّقُها، ويأتي نظيف على بلده ويأخذ واحدة بالشام فالظاهر لا شيء يَكْشِف هذه الحقيقة، أما الله يعلم ما في قلب هذا المجرِم، لذلك مَن تَزَوَّج امْرأةً على صداقٍ وفي نِيَّتِهِ لا يُؤَدِّيه لها لَقِيَ الله وهو زانٍ، فكيف لو تزوَّج الله على نيَّة مُؤَقَّتَة ؟! هل يوجد أب يقبل أن يُزَوِّج ابنتَهُ على أربع سنوات ؟ مَن يعْلم ؟ قال تعالى:

 

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾

 

[ سورة الرعد ]

 تجد له منزل يصنع فيه الموبقات ويقول لزوجته كنت بالمصنع ! يسْتخفي في هذا المنزل، وقال تعالى:

 

﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 أي يتحرَّك بالنَّهار، قال تعالى :

 

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾

 

[ سورة الرعد ]

 مُراقَب أشَدّ المُراقبة، وفي سِرِّكَ وعَلَنِك، وفي سُكونِك وحركتِك، فأنت إن فَهِمْتَ هذه المَقولة تسْتقيم، أدقُّ النوايا والخواطِر والطُّموحات كلّ هذا مَكْشوف عند الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾

 

[ سورة الرعد ]

 كل شيء مُسَجَّل، قال تعالى:

 

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18)﴾

 

[ سورة ق ]

 ثمَّ قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 

[ سورة الرعد ]

 فأنت تعيش ضِمْن هذه الدائرة، ولكن حولك دائرة لها قِوى مُخيفَة، فالحاصل أنَّ هناك دائرتين ؛ دائرة أنت فيها ولك عليها سُلطان، ودائرة مُحيطة بك لا سلطان لك عليها، فالدائرة التي أنت فيها، عن هذه الدائرة التي تُحاسَب، فإذا أَقَمْت أمْر الله في هذه الدائرة، الله جل جلاله تولَّى عنك وحفظك مِن القِوى الشِّريرَة في الدائرة التي تُحيط بك، أما إن أهْمَلْتَ ما أنت عليه قادِر في هذه الدائرة أوْكَلَكَ الله إلى القِوى الشِّريرَة المُحيطة بك، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 

[ سورة الرعد ]

 هذه الآية أيها الإخوة الكرام تَحُلّ مليون مُشكلة، أنت بِبَحْبوحة ومُرْتاح لِهذا الدَّخل، إنَّ هذا الدَّخل لن ينقص إذا أدَّيْتَ زَكَاةَ مالِك، وتتواضَع وتُعين الفقراء والمساكين ؛ فالله أكرم مِن ذلك، وكذا الأمر إن كُنتَ مَزْعوجًا مِن مسألة اِبْحَث عن المعاصي، لن تتغيَّر الحالة إلا بالاسْتِقامة والتَّوبة، فالآية لها معْنيان مُتَعاكِسان: إذا كنت في بَحبوحة إن لم تُغَيِّر فالله لن يُغَيِّر، وإذا كنتَ في ضيق إن لم تُغَيِّر فالله لن يُغَيِّر، فكلمة: ما بِقَوم هي الظروف القاهِرَة التي لا تمْلِكُها، فأنت لا تمْلِك أن تكون بِصِحَّةٍ جيِّدَة طول الحياة، وأنَّ القلب يعمل بِشَكل منتَظم وكذا الكلية والكبد، والفيروسات، فأنت لا تملِك لا الصِّحة ولا الدَّخل ولا الخُصوم، ولا الأقوِياء ؛ فهذه أمطار صاعقة حطَّمَت مستودعات النَّقل، وصاعقة أخرى أسالت النَّفط فأحْرَقَ قريَةً كاملة ! وهل تملك بناية خمسون طابق لا تتحطَّم في ثانية من الزمن بِزِلزال ؟ صاعِقَة وزلزال وبركان وفيَضَان، وحروب أهْلِيَّة، فأنت لا تمْلك شيئًا، إنَّما تملك نفسَك وبيْتك وأهلك، فما عليك إلا أن تُغَيِّر هذا والباقي ليس عليك، فهذه الآية أيها الإخوة، تَحُلّ مليون مشكلة.
 لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم....المخيط.." آخر فقرة بالحديث والمهمَّة:

((فمن وجَدَ خيرًا فليَحْمد الله، ومن وجدَ غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه ))

 فالمُختصر المفيد ؛ إذا كنت مُرتاحًا لا تُغَيِّر لا يُغَيِّر، وإذا كنت مَزعوج غيِّر يُغَيِّر.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018