بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة الحجر - تفسير الآية 9 ، حفظ القرآن


1995-01-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام:
 الآية التاسعة من سورة الحجر وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾

 أيها الأخوة:
 الدين في الأصل نقل عن الله عز وجل، تعليمات، خبرٌ، وأمرٌ وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)﴾

( سورة الأنعام: 115 )

 لو قرأت القرآن الكريم، لا تجد فيه إلا شيئين، إما أن الله يخبرنا عن خلق السماوات والأرض، عن أصل العالم، عن حقيقة الحياة الدنيا، عن حقيقة تكليف الإنسان في الحياة، عن حقيقة الدار الآخرة، عن حال أهل الجنة، عن حال أهل النار، عن الصراط المستقيم، وإما أنه يأمرنا وينهانا، فالقرآن خبرٌ وطلب، وقد قال الله عز وجل:

 

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾

 خبره صادق، وأمره عادل، لذلك هذا القرآن الكريم، تولى الله حفظه، القرآن الكريم نزل من السماء على قلب النبي عليه الصلاة والسلام، من أنزله ؟ جبريل الأمين، نزل به الروح الأمين، الحركة من السماء على قلب النبي، نزل به جبريل الأمين، الآن من النبي إلى أمته، هذا الكتاب المعجز، منقول بالتواتر، والتواتر أعلى درجات النقل يعني رواه الجمع الغفير عن الجمع الغفير الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب، يستحيل، فهذا الكتاب الذي انزل على قلب النبي عليه الصلاة والسلام هو هذا نفسه، بسوره، وآياته، وكلماته، وحروفه، حركاته، وسكناته، الله جل جلاله، تولى حفظ هذا القرآن الكريم، ليس معنى ذلك لا تجري محاولة لتحريفه ؛ تجري المحاولة، ولكنها لا تنجح، لذلك قبل مائة عام فيما أذكر طبعت خمسين ألف نسخة من كتاب الله حذفت منها كلمة واحدة.

 

 

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)﴾

 

(سورة آل عمران: 85 )

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾

 حذفت كلمة غير فقط المصاحف جمعت وحرقت، وانتهى الأمر، لأن الله سبحانه وتعالى تولى حفظه، كيف ؟ لا نعلم، أما الذي يبدو لنا أن هناك رجال بكل معنى الكلمة، نذروا حياتهم، نذروا جهدهم، نذروا وقتهم، نذروا إمكاناتهم لحفظ كتاب الله عز وجل، يعني قبل شهر تقريباً أقيمت مسابقة للقرآن الكريم هنا في بلدنا ولله الحمد، مائة وثلاثون حافظاً لكتاب الله يحفظونه من ألفه إلى يائه، قام طفل عمره تسع سنوات يحفظ كتاب الله كله، لكن الذي يلفت النظر أن الذي قدمه قال يحفظ كتاب الله، لكن ما قال له اقرأ، لا، قال أنتم اسألوه، وتولى الحاضرون وهم يملئون جامع العثمان أن يسألوه، يعطوه آية يذكر رقمها ويتمها، سألوه أكثر من عشرين سؤال، من أول المصحف، من وسطه، من آخره، وعمره تسع سنوات، قام طفل عمره خمس سنوات لا يقرأ ولا يكتب يحفظ ثمانية عشرة جزءاً، هذا من فضل الله مائة وثلاثين حافظ من الصغار من معاهد تحفيظ القرآن.
 الذي يبدو أن الله سبحانه وتعالى سخر لهذا الكتاب العظيم رجالاً سخروا طاقاتهم، وإمكاناتهم، وقدراتهم لحفظ هذا الكتاب، فهذا الكتاب محفوظ، لكن الذي يلفت النظر، طبعاً هو نزل به الروح الأمين النبي عليه الصلاة والسلام كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وأميته كمال في حقه، لأن كل الذي ذكره.

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

 

( سورة النجم: 3 )

 وفي مطلع الدعوة الإسلامية نهى النبي عن كتابة الحديث لماذا ؟ لئلا يتداخل القرآن مع الحديث، " لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئاً فليمحه "، بعد أن استقر القرآن في نفوس أصحابه، وبعد أن تمايز أسلوب القرآن عن أسلوب النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((قيدوا العلم بالكتابة ))

 فالقرآن الكريم كتب على رقاقٍ، وكان حول النبي كتبةٌ كتبوا هذا الكتاب، وسيدنا عثمان جمع هذه الكتابات، ووحدها في ستة مصاحف وزعها في الأمصار، ولا يزال مصحف سيدنا عثمان في متحف استنبول حتى الآن هذا شيء ثابت.
 فالقرآن محفوظ، محفوظ وحياً، ومحفوظ نقلاً، الخط الشاقولي محفوظ من السماء على قلب النبي، الخط الأفقي محفوظ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام بينه بأحاديثه الشريفة، لو أنه صدر قانون معين مؤلف من ثمانية عشر مادة، ثم صدر مرسوم تشريعي يفسر هذا القانون هل يكفي أن نحفظ أصل القانون ؟ لكن لابد من حفظ هذا المرسوم التشريعي الذي يفسره.
 لذلك من لوازم حفظ الله لكتابه حفظ سنته، أيضاً توافر على السنة رجالٌ كالإمام البخاري، كالإمام مسلم، كالإمام الترمذي، كالإمام ابن ماجة، رجالٌ أشداء بذلوا وقتهم، وطاقاتهم، كان أحدهم ينتقل من المدينة المنورة إلى البصرة ليتلقى حديثاً واحداً عن رجل، فلما رآه يغش فرسه، ويوهمها أن في ثوبه شعيراً لم يكلمه، الكذب على الفرس يجرح عدالة الراوي وانتهى الأمر، يعني لا أعتقد أن في العالم كله علماً محص، كحديث النبي عليه الصلاة والسلام، روايةً، ودرايةً، ونقلاً، وسنداً، حتى إن هذا العلم مما تنفرد به أمتنا عن بقية الأمم، فصار في حديث صحيح، حديث متواتر، تواتر لفظي، تواتر معنوي، وحديث صحيح، وحديث حسن، وحديث ضعيف، وحديث موضوع، فالعلماء أعطونا كل جهدهم في هذا الموضوع، من لوازم حفظ القرآن الكريم حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي الكريم يقول:

(( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً ؛ كتاب الله وسنة رسوله ))

 السنة مبينة، الله عز وجل قال:

 

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾

 

( سورة المزمل: 20 )

 طيب زكاة الغنم كم ؟ والبقر ؟ والإبل ؟ الزروع ؟ زكاة الذهب ؟ الفضة ؟ عروض التجارة ؟ من بينها بالتفصيل ؟ النبي عليه الصلاة والسلام، الله عز وجل قال:

 

﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾

 

( سورة النساء: 29 )

 طيب في عندنا أربعمائة حديث عن التجارة، عن البيع والشراء، وخيار العيب، وخيار الوقت، وخيار الصحة، وعن تلقي الركبان، وعن بيع المنابذة، وعندنا موضوعات كثيرة عن البيوع، من بينها ؟ النبي بينها، فالسنة مبينة، الله عز وجل ذكر سنة النبي كاتبين قال:

 

﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾

 

( سورة النحل: 44 )

 من لوازم حفظ القرآن الكريم، حفظ سنة النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، نحفظ القرآن، ونحفظ السنة، فإذا تمسكنا بهما لن نضل أبداً.
 الآن المقولات في الإسلام لا تعد ولا تحصى، يعني مليون مقولة فيه المسلمون فرق، وأحزاب، واتجاهات، ومذاهب، وتيارات وطوائف، وكلٌ يدعي أنه هو على حق، وأن الآخرين على الباطل ما السبيل إلى معرفة الحق من الباطل ؟ هو كتاب الله وسنة رسول الله.
 يعني أنت أمام مائة قطعة قماش، على كل قطعة لصاقة فيها طولها، يا ترى القياس صحيح ؟ غلط ؟ مبالغ به ؟ فيه كذب ؟ أنت معك متر ؟ خلص، إذا معك متر، ما عندك مشكلة، أمسك هذه القطعة وقيسها بهذا المتر، ثم امتحن هذه اللصاقة، صدق لما كذب.
 فإذا الإنسان فهم كتاب الله، وفهم سنة النبي، صار معه مقياس قال لك شفت الجني، وأمسكته بيدي، الله قال:

 

﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)﴾

 

( سورة الأعراف: 37 )

 معناها كذاب هذا، أنت بالكتاب والسنة صار معك متر نظامي وأي سحبة، وأي دجل، وأي خرافة مرفوضة، والله مشينا من حلب للشام تقديساً للجامع الأموي، غلط، " لا تشد الرحال إلا لثلاث مساجد " أموي دمشق، مثل أموي حلب، مثل أي جامع بالشام، ما في فرق أبداً فنحن نقيم سلوكنا، نقيم حركاتنا، عباداتنا، أعمالنا، فأنت ينبغي أن تعبد الله، وينبغي أن تعبده وفق ما أمرك، نحنا المشكلة، الآن أكثر أخوانا غايصين بالخلافيات، والأساسيات لا يعرفونها.
 تصور إنسان ما أخذ شهادة إطلاقاً، ما درس إطلاقاً، عما يشغل نفسه بالخلافات بين علماء الفيزياء والكيمياء، أنت ما معك ابتدائية.
 قبل ما نخوض بالخصومات بين الفرق الإسلامية، دعك من هذا الآن، ادرس كتاب الله أولاً، يعني أهم شيء هذا الكتاب المقرر، كلام ربنا عز وجل، ما في شيء يعلو عليه، أولاً افهم هذا الكتاب، اقرأه تدبره، حاول أن تفهم تفسيره ممن تثق به، ثم افهم سنة النبي، ثم افهم سيرة النبي هذا هو الدين، أن تفهم كتابه، وأن تفهم شرحه بيانياً، وأن تفهم شرحه سلوكياً، والدين هذا هو ديننا، كتاب معه مذكرة إيضاحية للمتصوفين، والسلفيين، قبل أن تخوض في كل هذا افهم كلام الله عز وجل قبل كل شيء،

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾

﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196)﴾

( سورة الشعراء: من 193 إلى 196 )

 الآن الحركة الأفقية، نقل هذا الكتاب بالتواتر، أي نقله جمع غفير عن جمع غفير عن جمع غفير إلى أن وصلنا كما نزل على قلب نبياً، الفكرة الثانية، ليس معنى أن الله حفظه، أنه لا يمكن أن تجري محاولة لتحريفه، يمكن، لكنها لا تنجح، أطلق على هذه السيارة رصاص، لكن السيارة ضد الرصاص، لا تتأثر، محفوظة، لا مانع أن يطلق عليها رصاص، لكن الأصول أن هذه السيارة لا تتأثر بالرصاص، قد تجري محاولات في تحريفه، لكنها لا تنجح.
 النقطة الثانية: من لوازم حفظ كلام الله عز وجل، حفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإذا فهمنا هذا القرآن كما يريد الله عز وجل واكتفينا بالأحاديث الصحيحة، وفهمنا كما أرادها النبي، وصلنا إلى أصل الإسلام، وإلى جزعه الواحد الموحد، وما فرقنا إلا تأويل القرآن على غير ما أراد الله عز وجل، والأحاديث الموضوعة والضعيفة، يلي فرق المسلمين سوء التأويل، ووضع الأحاديث، إذا ألغينا الأحاديث الموضوعة، ولم نعتن بالضعيفة، ولم نفهم هذا القرآن إلا وفق ما أراد الله، وفق علم الأصول، نجتمع كلنا، تغدو أمة الإسلامي أمة واحدة أما الآن فرق، وأحزاب، وطوائف، ومذاهب، لماذا ؟ من الخطأ في التأويل، أو في فرقة تقول أنا لا أصلي الآن، طيب لما لا تصلي ؟ يقول: الله عز وجل يقول:

 

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾

 

( سورة الحج: 41 )

 الله ما مكنا لسع، هي تأويل تفضل، هذا تأويل، عطلوا الصلاة فهناك تأويلات في كتاب الله، ما أنزل الله فيها من سلطان، يكفي أن نفهم كلام الله وفق ما أراد الله، ويكفي أن نبق بالحديث الصحيح حتى نجتمع، الذي يجمعنا الآن أن نتمسك بكتاب الله، وسنة رسوله الصحيحة، وانتهى الأمر، هذا الذي يعصمنا من الذلل، ويعصمنا من الخطأ، ومن الفرقة، ومن العداوة، ومن البغضاء، والمسلمون لم يمر عليهم في تاريخهم، هم في أمس الحاجة إلى هذه الوحدة، من هذا التاريخ، حرب عالمية كبرى على الإسلام في شتى بقاع الأرض، الآن ماذا ينقذنا ؟ التمسك بكتابنا، وسنة نبينا، وأن نتحد، أن نتعاون فيما اتفقنا، وأن يعذر بعضنا بعض فيما اختلفنا، أما هذه العدوات بين الجماعات الإسلامية، لم تعد تحتمل، هذه لا يستفد منها إلا أعدائنا، فقط، نحن نبقى في الكتاب الكريم، مؤولاً وفق ما أراد الله، ونبقى في سنة رسول الله، وفق ما أرادها النبي، وننبذ الضعيف، والموضوع، والتأويلات الباطلة، نجد أنفسنا قد اجتمعنا، وأصبحنا أمة واحدة.

 

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمن ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018