بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 4 - سورة الحجر - تفسير الآيتان : 49 -50 ، التوبة قبل فوات الأوان + الزمر ـ الآية - 53 - 55


1995-01-28

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام:
 بعض المسلمين يذكر آية ولا يذكر تتمتها، فكلما نبهته إلى معصية متلبساً بها، كلما ذكرته بمخالفة للشرع، كلما قلت له أنت على طريقة لا ترضي الله عز وجل، يقول لك:

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)﴾

( سورة الحجر: 49 )

 يقول لك:

 

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)﴾

 

( سورة الزمر: 53 ـ 54 ـ 55 )

 إذاً: ما من آية تحدثت عن رحمة الله، وعن مغفرة الله، وعن عفو الله، وعن حلم الله، إلا جاء في تتمتها.

 

﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾

 

( سورة الحجر: 50 )

 ما معنى هذه الآيات إذاً ؟ معنى هذه الآيات، أن الإنسان إذا تاب إلى الله توبة نصوحة، أنسى الله حافظيه، والملائكة، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه، فعلاً الله غفورٌ رحيم، والله سبحانه وتعالى رحيم ودود ينبغي ألا نقطت من رحمته، ولكن متى يرحمنا ؟ دققوا في قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك ))

 هذا هو الأدب، ما طلب رحمة الله، طلب موجبات الرحمة ما طلب مغفرة الله، طلب عزائم المغفرة، هذا الذي طلب من النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا ربيعة، أن يكون رفيقه في الجنة، ماذا قال له النبي:

(( إذا أعني على نفسك بكثرة السجود ))

 الإنسان حينما يطلب شيئاً عظيماً، دون أن يدفع الثمن، هذا يستهزئ، هذا كالمستهزئ بربه، لذلك طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، لو قرأتم بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن المغفرة، شيءٌ يلفت النظر.

 

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)﴾

 

( سورة النحل: 119 )

 بعد التوبة، والإيمان، والعمل الصالح، لذلك أيها الأخوة الكرام، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

 

( سورة فاطر: 5 )

 أنا مرة قلت لكم، في رجل توفي رحمه الله، كان يشتغل بمحل بسوق الحميدية، يعني عنده دعابة كان، كان يكنس قمامة المحل يضعها في علبة، يلفها بورق ثمين، يربطها بشريط فاخر، يضعها على الرصيف، فيأتي إنسان مغفل يظنها شيئاً ثميناً، مطيف ألماس يظنها، فيأخذها ويسرع، يتبعه، ليرى الإحباط، بعد ثلاثمائة متر، يفك الشريط الحريري، بعد مائتين متر يفك الورق، بعدين يتوقع الألماس، والمطيف، والساعة الذهبية، أقل شيء ستة أزواج جوارب، أقل شيء، يعني يفتحها يلاقي قمامة المحل، يلعن، ويسب، هذا المثل واضح جداً للاغترار بالدنيا، الإنسان يظن الدنيا شيئاً عظيماً، بدو بيت بدو سيارة، بدو زوجة جميلة، بدو بيت بالمصيف، بدو مسبح، بدو يعمل سياحة إلى أوروبا، بدو يساوي عزايم، إذا اقترب الموت، رأى الدنيا شيئاً تافهاً، رآها ليست بشيء، الله عز وجل رحمةً بنا قال:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

 

 إياكم أن تغتروا بها، إياكم أن تعطوها حجماً فوق حجمها، إنها تافهة، لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى الكافر منها شربة ماء، يعني هو أكبر موعظة فيها، أن الذي تجمعه في عمر مديد، يأخذه الموت منك في ثانية واحدة.
 أنا مرة كنت بحلب، مضيفي أراد أن يطلعني على بعض أحياء حلب الراقية، في حي الشهباء هناك، كل فيلة مكلف ـ هي قصة عام 1974 م ـ شوفنا فيلة مكلف خمس وثلاثين مليون، كلفتها، كان الدولار ثلاثة وثمانين، فيها رخام أونكس بخمس ملايين، أنا ما دخلتها لكن حدثوني، الشيء الذي لا يصدق، صاحبها توفي بالثانية والأربعين وكان طويل القامة، يعني لحكمة أرادها الله جل جلاله، القبر كان قصير، لما وضع في القبر، لم يتسع القبر لطوله، فجاء الحفار ودفعه من صدره حتى صار هكذا، قلت سبحان الله أين كان وأين صار.

﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾

 الذي نجمعه في عمر مديد، يأخذه الموت منا في ثانية واحدة، ما في واحد، ما عنده درج بالبيت قافل عليه، يعني ساعة ذهب، شغلة ثمينة، قطعة، بس يموت ينفتح الدرج تأخذ القطع، يأخذ مفتاح السيارة كله يصير مستباح لهم، طبعاً ورثة لأنهم، أقسم لي بالله رجل، زار رجل من أهل العلم، في عنده كتاب ثمين طلب أن يستعيره ليلة واحدة ما رضي، قال له والله هذا الكتاب أغلي عندي من أولادي ما فيني عيره، يقسم بالله العظيم بعد وفاته رآه بالحاوية، كتاب نفسه، بالحاوية فهذا الذي أنت عم تجمعه، يأخذه الموت في ثانية واحدة، طوال ما في حركة القلب، والله أنا هذه العمارة لي، المكتب لي، هذا البيت لي، بس يوقف، ما عندك شيء، خلص، عظم الله أجركم، أيام الطبيب يطلب بيل، يفتح يضع المصباح، الحدقة ما تغيرت، يطلب مرايا يضعها على أنفه ما في بخار ماء، يقيس النبض صفر، القلب خطه مستقيم، منتهي، عظم الله أجركم، كل أمواله انتقلت إلى غيره، بثانية وحدة، فلذلك الله عز وجل قال:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

 الغرور الشيطان يعطيك أمل طويل، الشيطان بخوفك.

 

 

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)﴾

 

( سورة آل عمران: 175 )

 الشيطان يوقع بينك وبين إخوانك العدواة والبغضاء، مهمته الثانية الشيطان يأمركم بالبخل، ضب قرشك الآن بلا جنان، وأنت ناوي تعطي أختك مبلغ، تعين أولاد أخوك مثلاً، تعمل عمل صالح، تعمل شيء بجامع، بقلك بلا جنان ضب قرشك، هذا الشيطان بقلك هذا الكلام لأن الله عز وجل بثمانية آيات حصراً وعد المنفق بالتعويض، قال:

 

﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)﴾

 

( سورة سبأ: 39 )

 أضعاف مضاعفة، والله حدثني أخ قال لي: شفت مسجد يحتاج إلى تدفئة، أقمت تدفئة المسجد، كلفه مليون ليرة، يقسم بالله العظيم، الله عز وجل صرف عنه، مبلغ كان ينبغي أن يدفعه خمس ملايين، الله صرفه عنه.

 

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)﴾

 فنحن إذا قرأنا الآيات الكريمة:

 

 

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)﴾

 

(سورة الحجر)

 كمل الآية:

 

﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾

 إذا قرأت قوله تعالى:

 

 

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

 

(سورة الزمر)

 كمل الآية:

 

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)﴾

 

 لذلك أدب النبي صلى الله عليه وسلم، أدبه حينما قال:

(( اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك ))

 يعني إذا كان ملك عنده ابن غالي عليه، قال له بدي طائرة، تكرم هي طائرة، يخت، هي يخت، قصر هي قصر، قال له ضعني أستاذ جامعة، قال له: لا هي بدك يكون معك دكتوراه، هي ما علي، هي ما بقدر عليها، هذا منصب يحتاج إلى مؤهل، الجنة منصب من هذا النوع، بدو مؤهل، التأهيل معرفة الله، التأهيل الأعمال الصالحة، ما في يا ربي دخلنا الجنة، أدخلوا خلصوا بقى، هي شغل كركوز وعواظ، مو إله وعظيم إذا كان قضية أن يدخلهم الجنة، ما هذا الموضوع ؟ هذا معنى ساذج جداً معنى سخيف، يعني يا ربي دخلنا الجنة، يا رب لا تسألنا عن شيء، شو هذا الدعاء هذا ! خلاف القرآن الكريم.

 

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

 

( سورة الحجر: 92 ـ 93 )

 شو هذا الدعاء هذا، يا رب نحنا عبيد إحسان ما لنا عبيد امتحان هذا الكلام لا يلغي الحساب، الواحد لا يكون ساذج ولا يكون عامي، لا يتعامل مع الله بالأماني، شوف الآية ما أدقها، في مسلم على وجه الأرض لا يتمنى أن يكون من أهل الجنة، طبعاً، بس وين العمل، في طالب على وجه الأرض لا يتمنى أن يكون الأولي على القطر، بس عما ينام طول الليل، ما عما يقرأ.

 

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123)﴾

 

( سورة النساء: 123 )

 القضية ليست بالتمني، الله يتعامل مع السعي لا مع التمني.

 

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾

 

(سورة الإسراء: 19 )

 بس الغ من بالك التمني، هذا التمني من دون عمل، استهزاء بالجنة، الآن أدخل إلى محل كوكش بسوق الحميدية قول له أريد سجاد تبريزي درجة أولى، طالع أول سجادة، قلت له بدي أثقل، طالع، أثقل، أثقل حتى عاف حياته، قلب لك خمسين سجادة، قال لك هذه أحسن سجادة عندي، كم ثمنها، قال ثماني مائة ألف، تأخذ ثمنها خمس ليرات ؟ ليس هذا بمعقول، لأن هذا استهزاء بالسجادة، استهزاء بصاحب المحل.
 لذلك قالوا طلب الجنة من دون عمل ذنب من الذنوب، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، يا أخوان آخر حديث أقوله لكم:

 

(( أغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك ))

 أيام المتاعب والهموم والأمراض تنسيك كل شيء، مدام الواحد شب ويصلي بقدر يعمل عمل صالح، ويحضر مجلس علم، ويقرأ قرآن، استغل شبابك وإلا الإنسان يندم.

 

 

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمن ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018