بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة سبأ - تفسير الآيات 14 - 19


1995-11-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، في سورة سبأ قصص كثيرة من أبرزها قصة سيدنا داود و قصة سيدنا سليمان وقصة قوم سبأ.
 نستفيد من قصة سيدنا سليمان أن اله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾

[سورة سبإ]

 فسيدنا سليمان سُخِّرت له الجن والطير والريح، فقد كلَّف الجنَّ بأعمال مجهدة ومات، و عصاته حينما أكلتْها دابة الأرض ونخرتْ انكسرت فخرَّ سليمانُ على الأرض ولو أنهم يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.
 نستنبط من هذه الآية الكريمة أنَّ أحدا في الأرض لا يعلم الغيب، قال تعالى:

 

﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(65)﴾

 

[سورة النمل]

 وهذه القصة وهذه الآية وتلك الحقيقة يمكن أن تنفي من خلالهما آلاف القصص، لا أحد في الأرض يعلم الغيب إلا الله، وكل أقوال الكهان والسحرة افتراءات باطلة، قال عليه الصلاة والسلام

 

(( حَدَّثَنَا خِلَاسٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

 

[رواه أحمد]

 وقال: من أتى ساحرا فصدقه لم تُقبل منه صلاة أربعين يوما وبين العوام آلاف القصص تُروَى أن فلانا علم الغيب و فلانا قال كذا والذي قاله وقع، فأنت حينما تؤمن أن إنسانا كائنا من كان يعلم الغيب تكذَّب القرآن لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وقد أُمر النبي أن يقول لمن حوله كما قال تعالى

 

﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾

 

[سورة الأنعام]

 و قال تعالى:

 

﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(188)﴾

 

[سورة الأعراف]

 العقيدة الصحيحة تحتاج إلى تنقية، لأن آلاف القصص يرويها العوام مُؤدَّاها أن من الناس من يعلم الغيب إلا أن الأحاديث الصحيحة التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم في شأن آخر الزمان من الغيب الذي أطلعه الله عليه، فإذا قلنا: لا يعلم الغيب إلا الله ؛ أي بذاته، أما إذا أطلع الله أحد أنبياءه على ما سيكون هذا غيب و لكن بإعلام الله له قال تعالى

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)﴾

[سورة الجن]

 فكل أحاديث آخر الزمان و أحاديث قيام الساعة التي تنبَّأ النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلمه إياها ربُّه، أما إنسانا يعلم الغيب بذاته فهذا شيء مستحيل، فلذلك القرآن ميزان و مقياس، فأيَّة قصة مهما بدت محكمة و مهما بدت واقعية بأن فلانا يعلم الغيب فلك أن تركلها بقَدَمِك من خلال هذه الآية، قال عليه الصلاة والسلام: من أتى كاهنا..." و من هو الكاهن؟ هو الذي يتنبَّأ بالغيب، لذلك ما يلجأ إليه الناس في المجلات لمعرفة حظ الأسبوع وقراءة هذه الزاوية حرام لأنك بقراءتك لها فإنك تصدق من كتبها و لا يعلم الغيب إلا الله، والمنجِّمة في النزهات الإصغاء لها حرام، فنجان القهوة و تصديق فاعله حرام، كل تنبُّإ بالغيب تكذيب لآيات القرآن،

 

﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(65)﴾

 

[سورة النمل]

 من كان صدِّق قبل خمس سنوات أن نصف الأرض القوي ينهار ؟ من قال بهذا وُضع في المستشفى، النبي عليه الصلاة والسلام كان عند أحد أصحابه الذين توفَّاهم الله عز وجل، وهو مُسجًّى، وكان من عادة النبي أنه إذا مات أحد أصحابه ذهب إلى بيته، فسمع امرأة تقول: هنيئا لك يا ابن السائب لقد أكرمك الله فقال عليه الصلاة والسلام: ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قولي أرجو الله أن يكرمه
من خلال آيات القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة لك أن تركل بقَدَمِك آلاف القصص التي يتعلق بها العامة، قال تعالى:

 

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾

 

[سورة سبإ]

 فالله عز وجل وكَّل سيدنا سليمان بأمر الجن و كلفهم بأعمال شاقة، قال تعالى:

 

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾

 

[سورة سبإ]

 وهذه آية من أوضح الآيات على أن مخلوقا ما كائنا من كان لا يعلم الغيب.
 عِظَةٌ أخرى من قصة قوم سبأ، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لسبأ فِي مَسْكَنِهِمْ

 

﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)﴾

 

[سورة سبإ]

 وهناك آية أخرى في هذه القصة تلق في قلب الإنسان كلَّ الطمأنينة إذا كان مستقيما، قال تعالى:

 

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾

 

[سورة سبإ]

 استفهام إنكاري، فكن مستقيما ولك عند الله معاملة خاصة قال تعالى:

 

﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(61)﴾

 

[سورة الزمر]

 قال تعالى:

 

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾

 

[سورة الأنبياء]

 فأنت إذا استقمت على منهج الله فلك معاملة خاصة ولو كنت في طوفان المعاصي و لو كنت في مجتمع متفلِّت فاسد ومنحط ؛ إن استقمتَ على أمر الله في أي مجتمع فلك معاملة خاصة و الدليل قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾

 

[سورة فصلت]

 هذه الآية لِتبقى في ذهنك

 

﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾

 

[سورة سبإ]

 أي في كل التاريخ يا عبادي هل رأيتم أني أهلكت إنسانا مستقيما أو دمَّرت قرية صالحة

 

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾

 

[سورة سبإ]

 قال تعالى

 

﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا(59)﴾

 

[سورة الكهف]

 وقال تعالى

 

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117) ﴾

 

[سورة هود]

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾

[سورة سبإ]

 أنت عليك أن تطيع الله وعلى الله أن يحفظك و يرعاك ويؤيدك وينصرك، أما إذا تفلَّت المسلمون من أمر الله و منهج ربهم ولا فرق بينهم وبين الكفار إلا بالانتماء الشكلي ؛ فهذا الانتماء الشكلي لا قيمة له وهناك شيء آخر قال تعالى:

 

﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آَمِنِينَ (18)﴾

 

[سورة سبإ]

 و من شدَّة الرخاء والأمطار والبساتين بلادهم متصلة، و علامة الرخاء اتصال البناء وعلامة القحط تباعد البناء فقال قوم سبأ شيئا يصعب تصديقه، قال تعالى:

 

﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾

 

[سورة سبإ]

 أي اجعل بلادنا قاحلة و جرداء و باعد بين قرانا، وهل هناك إنسان في الأرض عاقل يدع بهذا الدعاء ؟! بماذا فسره المفسِّرون، قالوا يا رب امحق رزقي،: إن الإنسان إذا عصى ربه كأن لسان حاله يقول: يا ربي دمِّرني يا ربي أهلكني، ومثله الإنسان المدخِّن الذي يعلم أضرار التدخين، كأن لسان حاله يقول: يا مرض تعال إليَّ، والعلماء قالوا: الذي يعصي ربه لسنُ حاله يقول: يا ربي دمرني يا ربي أهلكني يا ربي امحق رزقي يا ربي أنزل بيَ النوازل

 

﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾

 

[سورة سبإ]

 و العرب بالأندلس لما فتحوها مخلصين نصرهم الله، فلما التفتوا للموشحات والغناء والخمور والجواري خرجوا منها وقد ذُبِّحوا وقتِّلوا فالذي يعصي ربه كأنه يقول: ربي دمرني، ربي أتلف رزقي، هذا هو معنى الآية، أما الإنسان ذو العقل لا يقول هذا الكلام، بلاد متصلة وكلها رخاء ؛ جنات و أنهار و بساتين و أسعار رخيصة، و سيدنا شعيب لما قال لقوم سبأ كما ذكر الله تعالى عنه في كتابه:

 

﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ(84)إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ(84)﴾

 

[سورة هود]

 فما معنى بخير ؟ فسَّر العلماء هذا الخير بوفرة المواد و رخص الأسعار، وفي حالة أشد، وفرة المواد و ارتفاع الأسعار و في حالة أشد لا مواد ولا أسعار، فوفرة المواد ورخص الأسعار هذا هو الخير أم وفرتها و غلاؤها هذا بعض الشر، أما عدم وفرتها و ندرتها هذا شرٌّ من الشر.
 أيها الإخوة، قال تعالى:

 

﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾

 

[سورة سبإ]

 كانوا أقواما فجعلناهم أحاديث، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول: اللهم لا تجعلني عبرة لأحد من خلقك" و أنا أقول لكم إن الحياة مسرح فيها مقاعد للمشاهدين وفيها خشبة مسرح، فإن استقمتَ على أمر الله و التزمتَ منهجه لك مقعد مع المشاهدين أما إذا لم تستقم على أمره ولم تلتزم منهجه لابد من أن تُجَرّ إلى خشبة المسرح وأن تُضرَب ضربا مبرَّحا لتصبح قصة تُروَى

 

﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾

 

[سورة سبإ]

 كانوا قوما ملء السمع والبصر

 

﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)﴾

 

[سورة سبإ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018