بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة سبأ - تفسير الآية 46


1995-11-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، الآية السادسة و الأربعون من سورة سبأ وهي قوله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

[سورة سبإ]

 الموضوع في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل عقيدة بالتقليد ولا يقبلها إلا بالتحقيق، فالإنسان إذا استمع إلى خطبة أو إلى درس ولم يتفكّر فيما سمع ولم يطالب بالدليل ولم يبحث عن التعليل و لم يتبنَّ هذا الذي سمعه فكأنه ما سمع، لأنه لو قبل الله من عبد كائنا من كان أن يعتقد عقيدة من دون تحقيق لكانت كل الطوائف المنحرفة معهم الحُجة على الله يوم القيامة، فكل أصحاب الملل والنحل يقولون كما حكى الله عنهم فقال تعالى:

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ(23)﴾

[سورة الزخرف]

 فكل أصحاب الملل والنحل المنحرفون هؤلاء ما ذنبهم ؟ لذلك ربنا سبحانه و تعالى أمرنا في آيات كثيرة، فقال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(117)﴾

 

[سورة المؤمنون]

 و قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36)﴾

 

[سورة الإسراء]

 أنت في الدنيا تدقِّق و تسأل و تحقِّق و توازن، لماذا لا تفعل هذا في حقِّ الآخرة ؟ وفي شأن العقيدة، فالنقطة الدقيقة هو أنه أيَّة آية في كتاب الله إذا فيها أمر فتقتضي الوجوب وما تخلَّف المسلمون إلا حينما مسخوا دينهم إلى عبادات تُؤدَّى بلا مضمون، أمَّا كل أمر في كتاب الله فيقتضي الوجوب، مثلا ؛ قال تعالى:

 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119)﴾

 

[سورة التوبة]

 فأنت مأمور بنص القرآن أن تكون مع المؤمنين و مع الصادقين، وقال تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90)﴾

 

[سورة النحل]

 فأنت مأمور أن تكون محسنا، ولو تتبعتم الآيات الكريمة التي فيها أوامر جليلة من الله عز وجل، كل أمر من هذه الأوامر يقتضي الوجوب، هذا فضلا عن الصلاة و الصيام والزكاة والحج التي فهم الناس أنها هي الإسلام ؛ مع أن الإسلام منهج كبير ودقيق وتفصيلي و متكامل، هذا أمر من الأوامر التي قد تغيب عن معظم المسلمين، قال تعالى:

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

 

[سورة سبأ]

 أي عليكم أن تتدارسوا هذا الدين و أحكامه و أوامره وشرائع هذا الدين أن تدرسوا القرآن الكريم وأن تصغوا إلى تفسيره وتسألوا عن محكمه و عن متشابه وعن أمره و نهيه وعن حلاله وحرامه وعن أخباره الماضية والحاضرة والمستقبلة قال تعالى:

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

 

[سورة سبأ]

 فماذا يمنع أن يكون بين الجيران و بين الإخوة و الأقرباء لقاء دوري تُدرَس فيه بعض آيات القرآن وبعض أحاديث رسول الله و بعض أحكام الفقه، نقرأ القرآن أمام بعضنا بعضا، فجلسة على مستوى أبٍ و أولاده و أخ و إخوته و جارٍ و جيرانه، لقاء أسبوعي، لو تدارسوا كلام الله و تدارسوا حديث رسول الله و تدارسوا فحوى هذه الدعوى ليس هناك من ليس له لقاءات أسبوعية للولائم على مستوى أصدقاء تجار و موظفين، هذه اللقاءات التي فيها الغيبة والنميمة و الكلام الذي لا يرضي الله أو الكلام المباح لكنه يفرق ولا يجمع،

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

 

[سورة سبأ]

 فلنوازن بين أمر الله عز وجل وبين ما يفعله الناس، الفكر سلطان ولما يعطل الإنسان فكره و يتلقى تلقِّيًّا بدون تمحيص يمرُّ عليه كل دلالة، والمشكلة أن الإنسان أحيانا يكون خاليا، وقد قال أحد الشعراء:

 

عرفتُ هواها قبل أن أعرف الهوى  فصـادف قلبـا فارغا فتمكَّنا

 إذا الإنسان سمع ضلالة أو شبهة أو طرحا معيَّنا أو تفسيرا منحرفا و ليس عنده ميزان و ليس عنده ضوابط يقبل هذا الضلال و يقبل هذه الشبهات فإذا قبلها تمكنت منه وانبنى سلوكه عليها، هذا هو الضلال المبين، ما الذي يعيدك إلى جادة الحق ؟ أن تتعلم أصول الدين فمشكلة الناس ـ و أقول كلاما خطيرا ـ لا يفقه شيئا عن أصول الدين ولكنه يدرس الشبهات، ماذا قال كتاب " قراءات معاصرة " ماذا قال فلان، يقرأ كل كتب فيها ضلالات وانحرافات و يدع أصول الدين ليصل إلى خلافات المسلمين، و أنت لستَ أهلا، و أوضح مثل لهذا أن طالبا يحمل الكفاءة و نوى أن يصير طبيبا، هل هذا ممكن أن ندخله في متاهة وجهات النظر المتباينة بين جراحة القلب في أمريكا وجراحة القلب في روسيا هل ممكن هذا ؟ ليس ممكنا، و إذا أراد أن يقفز إلى هذه الخلافات و تلك المعضلات ولم يدرس بعد قواعد الطب ولا أسس الطب و لا علم التشريح و لا علن الفيزيولوجيا ولا علم الأمراض ولا علم الأدوية، هذا هو حال المسلمين، الكتاب أصل و السُّنة أصل و الأحكام الفقهية أصل و السيرة أصل فهل قبل أن نقرأ الدين في أصوله نقفز إلى الشبهات وإلى الخلافيات و إلى ما طُرِح في الأسواق و إلى مناحرات العلماء و خلافاتهم، مادة دسمة ومغرية فترى الناس ينصِّب نفسه حَكَما على العلماء وهو لم تبتل بعد قدمُه ببحر المعرفة، ولا يعرف أحكام الصلاة، فلذلك قبل أن نصل إلى الخلافيات إلى ما يفرقنا وما يمزقنا ويجعلنا مللا و نحلا و إلى ما يضعف قوتنا، ينبغي أن نفهم أصل ديننا، آيات القرآن المحكمة كثيرة جدا، الآيات المتشابهة قليلة تعد على أصابع اليد، فدعْك من هذه الآيات و افهم الآيات المحكمة، مليون موضوع متفق عليه و عشرات الآلاف من الأحاديث المتفق عليها الآلاف من الأحكام المتفق عليه فقبل أن تنتقل من المتفق إلى المختلف ؛هل أتقنت المتفق ؟ وهل أتقنت أصول الدين ؟ هل عرفتَ أحكام الشريعة، لو فرضنا أن هيئة طبية عالية جاءها مريض معه جلطة مستحكِمة في أماكن حسَّاسة و له أظافر طويلة هؤلاء الأطباء لو تركوا قلبه وقلَّموا أظافره ما قولكم ؟! مريض أظافره طويلة وقلبه خطير، تركوا قلبه و قلَّموا أظافره، هناك في المسلمين من يفعل هذا، فتجد شخصا قد ترك أصلا من أصول الدين وذهب يجول في أمور بعيدة عنه تماما، لذلك، قال تعالى:

 

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

 

[سورة سبأ]

 ليس عبقريا و ليس مصلحا اجتماعيا و لكنه رسول الله و نبي الله يُوحى إليه حتى حديثه وحي غير متلُوٍّ لقول الله عز وجل:

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)﴾

 

[سورة النجم]

 وهناك دعوة خطيرة جدا إلى ترك السنة، وأن نبقى في القرآن الكريم ولو صدر قانون من ثمانية وعشرين مادة ثم صدر مرسوم تفصيلي في مائة وخمسين مادة تبين أحكام القانون، فلو أغفلنا المرسوم و لم نعبأ به فهل نفهم القانون وحدنا ؟ وهل من الناس من يفهم القرآن بغير السنة، كم زكاة البقر ؟ وكم زكاة الإبل ؟ و كم زكاة عروض التجارة ؟ الله تعالى قال:

 

﴿ وَآتُوا الزَّكَاة ﴾

 

[سورة البقرة]

 في حكم إجمالي، أما النبي فقد فصَّل، ومن دون السنة كيف نصلي ؟ وكيف نؤدي مناسك الحج ؟ و كيف نصوم رمضان ؟ والله عز وجل يقول:

 

﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 

[سورة الحشر]

 والذي يهمل السنة يعصي كلام الله عز وجل أين قوله تعالى:

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)﴾

 

[سورة النجم]

 أين قوله تعالى:

 

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44)﴾

 

[سورة النحل]

 اليوم وقع تحت يدي كتابا يدعو إلى ترك السنة كلها، فإذا قرأه شخص و أُعجب به لان عقله خالٍ، على قول الشاعر:

 

عرفتُ هواها قبل أن أعرف الهوى  فصـادف قلبـا فارغا فتمكَّنا

 فلو كان مطَّلعا على أصول الدين ينبذ هذا الكلام بشكل يسير و لا يقبله
 أتمنى على إخوتنا الكرام قبل أن نقحم أنفسنا في الخلافيات و في المتاهات وفي قضايا لا تقدِّم ولا تؤخِّر علينا أن نتقن أصول الدين و هذه الآية الكريمة: ٌ

 

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

 

[سورة سبأ]

 لقاء مع أخيك ومع أولادك و مع أصدقاءك وجيرانك ومع زملائك في حرفتك وفي دائرتك

 

﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

 

[سورة سبأ]

 قال تعالى

 

﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36)﴾

 

[سورة الإسراء]

 قال بعض العلماء: الفؤاد إذا جاء مع السمع والبصر فهو الفكر

 

﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36)﴾

 

[سورة الإسراء]

 لِم لمْ تفكر، قد يقول الواحد: سألت شيخا وهكذا قال لي، طيب عندك بيت و أردت أن تبيعه، خرجتَ من بيتك سألت صاحب مكتب عقاري كم ثمنه ؟ فقالَ كذا، فهل تبيعه له ؟ طبعا لا، ستسأل مائة مكتب عقاري، فلماذا في أمر بيع بيت تعدِّد السؤال و تستقصي وتبحث و تمحِّص، لذلك حتى لو عُرض عليك فكر منحرف ضال، أو كتاب مشبوه أو فكر يعطل أحكام الدين، أو فكر يريد أن يميِّع الدين إلى السلوك المعاصر، أو أن يربط الدين بالدنيا، والآن أيقن أعداء الدين أنهم لا يستطيعون أن يواجهوا الدين مباشرة فلجئوا إلى طريق آخر وهو طريق التفجير من الداخل عن طريق اصطناع فكر مزيَّف لإنهاء تمسك الناس بدينهم، هذه الخطة الجديدة لأعداء الدين، فهذه الآية

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾

 

[سورة سبأ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018