بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 13 - سورة طه - تفسير الآيات 115 - 124 ، قصة آدم


1995-05-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الأخوة الكرام، بعد أن تحدَّث ربنا عز وجل في سورة طه عن قِصَّة آدم عليه السلام، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾

(سورة طه)

 لغةً يجب أن تكون الآية فتَشْقَيا، لكنّ الآية فتَشْقى، فكيف نُفسِّر هذه الآية ؟ قال علماء البلاغة هذا إيجاز، لأنّ شقاءَ الرَّجل هو شقاءٌ حُكْمِيٌّ للرَّجُل، والنبي عليه الصلاة والسلام لعلَّه اسْتَنبط من هذا الكلام وقال:

((المرأة على دين خليلها ))

 هو قائِدُ المركبَة وهو القيِّم فإن تفلَّتَ مِن منهج الله أفْسَدَها، وإن دلَّها على الله أسْعَدَها، فهذه لَفْتَةٌ لطيفة.
 قال تعالى:

 

﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾

 

[سورة طه]

 الجنَّة لها نِظام خاصّ فالدُّنيا أساسها الكَدْح، قال تعالى:

 

﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾

 

[سورة الإنشقاق]

 يقول لك: كي أمَّنْتُ هذا البيت مِتُّ من التَّعب، وحتَّى حصَّلتُ هذه الشَّهادة العليا سَهِرتُ الليالي، وحتَّى تزوَّج يعلم الله ! أما الآخرة فلهم ما يشاءون فيها، لِمُجَرَّد ان يخْطر على بالك شيء تراهُ أمامك، فالدنيا دار سَعي، والآخرة دار تَكريم، والدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء والدنيا دار تَكليف والآخرة دار تَشْريف، نِظام الدنيا غير نِظام الآخرة فَهُنا جئْتَ إلى الدنيا مِن أجْل أن تعمَل، أما في الآخرة فَمِن أجل أن تُكَرَّم، فقديمًا الأوائِل بِكُلّ الشهادات دُعوا إلى ولائِم وإلى زيارات وحَفلات ؛ قَضِيَّة تكريم مَحْض، هدايا، هذا مُؤقَّت، أما الآخرة فَكُلُّها تَكريم، وَمِن أوَّلها إلى آخرها، فالإنسان إذا رأى شَجَرة تُفَّاح يذوق كلّ طُعومها قبل أن يضَعَها في فَمِهِ، وهكذا نِظام الآخرة، فالإنسان يشْعر بِطَعم الفاكهة قبل أن يبْلعَها، يأتي اللِّسان فيضَع اللُّقْمة ممضوغة بِسَقف الحلق ؛ هنا أعْصاب الذَّوْق، فالفرق بين الفجل والبندق فقط في هذه المنطقة، وبعدما يدخل الأكل إلى الجوف فكلّ شيءٍ مثل بعضه فالذي أكل غذاء بِألفين ليرة مثل الذي أكل سندويش بِخَمس ليرات ! فالله عز وجل بالدنيا يُمْتِعُكَ بِطَعْم الطَّعام لِثَواني عديدة، أما في الآخرة فَكُلّ ما في الجنَّة تسْتَمْتِعُ به دون رهق، فالإنسان بالدنيا له خِيارين صَعْبين ؛ إما أن يأكل ما يريد ويتحمَّل متاعب الضَّغط والشرايين والوَزْن، وإما أن يحْرِمَ نفْسه الطَّعام لِيَشْعر بالراحة ورشاقة، أما في الآخرة فَكُلْ ما شئْتَ دون أن يكون لِهذا الطَّعام تأثير، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)﴾

 

[سورة طه]

 الدنيا إن أردْتَ أن ترى إنسَانًا للَزِمَكَ الأمْر أن تركب مركبة أو طائرة تسْتغرق الساعات للوُصول إلى صديقك أو أخيك، أما في الآخرة فقال تعالى:

 

﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51)يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ(52)أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ(53)قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ(54)فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ(55)﴾

 

[سورة الصافات]

 فأيُّ إنسانٍ يخْطر بِبَالِكَ ترى مصيرهُ ! نِظام الآخرة نِظام رائِعٌ جدًّا، وكلّ هذه الآخرة الأبَدِيَّة تَحْتاج إلى ثمَن وهو طاعة الله تعالى في الدنيا.
 قال تعالى:

 

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120)﴾

 

[سورة طه]

 لمَّا دخل الطَّعام جِسْمَهُ أصْبَحَ هناك نِظام آخر ؛ الأكل المحدود، والهَضْم والغائِط، والعُريّ، وكانت نفسٌ الجسَدُ مَرْكَزُها، فأصْبَحَ جسدًا والنَّفس بِداخِلِه، فالنِّظام اخْتلف.
 قال تعالى:

 

﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)﴾

 

[سورة طه]

 لكن هناك آية قبلها، يقول تعالى فيها:

 

﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) ﴾

 

[سورة طه]

 فهو لم يَعْصِ اجْتِراءً على الله، ولكن عَصِيَ نِسيانًا، ولم يكن له عَزمٌ على المَعْصِيَة، والأمر كان أمرًا إرْشادِيًّا ولم يكن أمْرًا تَكْليفيًّا، ولم يكن هناك كذب، فالشيطان هو الذي كذب عليه وأغْراهُ أن يأكل من هذه الشَّجرة لِيَبقى في هذه الدنيا، فأوَّلا الأمر إرشادي، وثانيًا غير تَكليفي، وثالثًا لم يكن هناك كذب، ورابِعًا أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون لِهذا النبي الكريم درسٌ لِذُرِيَّتِهِ إلى الأبد، فهذا الشيء مَقصود ؛ لأنَّ الله تعالى قال:

 

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾

 

[سورة البقرة]

 إنّي جاعل في الأرض خليفة، فأصْل الخلق أنّ الإنسان بالأرض، ولكن وُضِعَ في هذه الجنَّة لِيَكون هذا الحدَث درسًا لِذُرِيَّتِهِ إلى أبد.
 قال تعالى:

 

﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾

 

[سورة طه]

 الآن دَقِّقوا في هاتين الآيتين والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في كتاب الله إلا هاتان الآيتان لَكَفتنا ! قال تعالى:

 

﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾

 

[سورة طه]

 هذا كلام خالق الكون، وزوال الكون أهْوَنُ على الله مِن أن لا تُحَقَّق هذه الآية، قال تعالى:

 

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾

 

[سورة طه]

 فلو كان مع الملايين، أو كنت أقْوى إنسانٍ في الأرض، ولو كنت أغْنى إنسانٍ أو أصَحّ إنسان، أو أجْمل إنسان أو غارق في الملذَّات إلى أقصى درجة، فَكَلام الله هو الصادِق، قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾

 

[سورة طه]

 بعض العلماء سأل: يا رب، أَيَّةُ معيشَةٍ ضنْك يعيشُها الأغنياء والمُلوك ؟ فكان الجواب: ضيقُ القلب، فَهُناك ضيقٌ في قلوبهم لو وُزِّع على أهْل الأرض لكفاهم، قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾

 

[سورة طه]

 أنا أقول لكم هذه الكلمة: الأرض الآن فيها خمسة مليارات، إذا وَجَدْتُم إنسانًا واحِدًا سعيدًا وهو مُعْرضٌ عن ذِكْر الله فهذه الآية ليْسَتْ مِن كلام الله ! لأنَّه تستحيل السَّعادة مع الإعراض عن ذِكْر الله، قال تعالى:

 

﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾

 

[سورة فاطر]

 وإذا أمسَكَ الله عنك شيئًا فهذا مِن رحْمَتِهِ، وهذه الحقيقة إذا عرفناها اختلف الوَضْع، فلا تبْحث عن السَّعادة بامرأة ولو زوْجتك، ولا بِوَلدٍ، ولا بِمَال، ولا بِبَيت فَخْم ولا بِمَرْكبَة، ولا بِمَنْصِب رفيع، ولكن اِبْحَث عن السَّعادة بِمَضانِّها، ومضانُّها طاعة الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾

 

[سورة طه]

 لا يضلّ عقلهُ ولا تشْقى نفْسُه،ُ هذا كلام الذي خلقنا، فالإنسان أحيانًا يبْحث عن السَّعادة بِمَعْصِيَة، ومن ابتغى أمْرًا بِمَعصِيَةٍ كان أبْعَدَ مِمَّا رجى، وأقْرَبَ مِمَّا اتَّقى، وهل يوجد مَن لا يحبّ السَّعادة ؟ هذا مطْلب ثابِت لِكُلّ البشَر، ولو كان مُلحِدًا، فهذا له مطْلبَان؛ السلامة والسَّعادة، مَنْ الذي يُحِبّ أن يكون معه مرضٌ خبيث ؟! فشَل كَلَوي، أو الْتِهاب كبِد وبائي، فهو يرْضى بالفقْر وغيره ولكن السلامة والسعادة مطْلبان ثابتان لِكُل البشر على اخْتِلاف مِلَلِهِم ونِحَلهم، وهذا المطلبان ثَمَنهما طاعة الله عز وجل، لذا قال تعالى:

 

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾

 

[سورة طه]

 لهذا قال بعض العارفين بالله تعالى: لو يعلم المُلوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسُّيوف، والمُجَرِّب يعرف هذا، فالذي يضْبِط إنفاقه وجوارحهُ وضبطَ بيْتَهُ وعملهُ، إن لم تقُل أنا أسْعَدُ الناس فأعمالك هذه ليْسَتْ صحيحة ‍! قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾

 

[سورة الأحزاب]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018