بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 14 - سورة طه - تفسير الآية 129 ، الرحمة والغضب


1995-05-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الأخوة الكرام، الآية التاسعة والعشرون بعد المائة من سورة طه وهي قوله تعالى:

﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)﴾

[سورة طه]

 في الآية تقديم وتأخير فأصْل التَّرْكيب: ولولا كلمة سبقَتْ مِن ربِّك وأجلٌ مُسَمَّى لكان لِزامًا، ففي الآية إيجاز، ما هو الشيء الذي كان ينبغي أن يكون ؟ هو إهْلاكُهم، وإهْلاك العُصاة، تجِدُ إنسانًا يعْصي الله، ويأكل المال الحرام، ولا يُؤَدِّي فرائض الله عز وجل، ويتحدَّى ويتكلَّمُ كلامًا يتَجاوَز حُدود العُبودِيَّة، ومع ذلك ترى لهُ صِحَّةً جيِّدَة، ويأكل ويشْر ويُسافر ويتمتَّع، وقد يزْداد قُوَّةً على قُوَّتِهِ، فهذه الظاهرة المُحَيِّرة قد يقول قائِل: لِمَ لمْ يقْصِمْهُ الله عز وجل ؟! يكْفُر ويُلْحِد ويفْجُر ويَعصي ويتحدَّى وصِحَّتُهُ جيِّدَة وقوَّة إلى قوَّة، وغِنًى إلى غِنًى !! هذه الآية هي الجواب، قال تعالى:

 

﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)﴾

 

[سورة طه]

 الكلمة هي أنَّ رَحْمتي سبقَتْ غضَبي، خلقَنَا تعالى لِيَرْحَمنا، فمثلاً قد تكون هناك مادَّة بالنِّظام الداخلي في التَّعليم الثانوي أنَّ أيَّ طالبٍ تَجاوَز غِيابُهُ الأسبوع يُفْصَل نِهائِيًّا،المدير الذي امتلأ قلبه رحمة والذي يسعى لنشر العلم قد يجمِّد هذه المادة وقد يتجاوز ويقوا للطالب: آتنا بتقرير طبي، لأن الهدف تعليمه و ليس إنزال العقاب عليه، فرحمتي سبقت غضبي، فكل إنسان يعيش وهو مرتكب للمعاصي تفسير ذلك أن الله سبحانه وتعالى سمح له أن يعيش يوما كي يتوب، فالله عز وجل أعطاه فرصة كي يتوب، لذلك أخطر حالة أن الإنسان يقصِّر و لا يؤدي العبادات و يزداد قوة إلى قوته وغنى إلى غناه، معنى ذلك أن الله سبحانه و تعالى سمح له أن يعيش أياما عديدة لعله يتوب، فالله عز وجل أعطاه فرصة للتوبة، أما عمله فيستحق به الهلاك، وتحدِّيه يستحق سحقه ومعاصيه تستحق تدميره،

 

﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)﴾

 

[سورة طه]

 أن رحمتي سبقت غضبي لكان لزاما عقابهم وتدميرهم و قصمهم و إهلاكهم، وهناك شيء آخر وهو أن كل إنسان أُعطي أجلاً لابد أن يعيشه، قال عليه الصلاة والسلام:

((إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ))

أنت عندك مدرسة فيها صف وفيها طلاب و عندك طالب كسول جدا، فهل يعقل أن ترسبه أثناء العام الدراسي، لا يمكن حتى ينتهي العام الدراسي و يجري الامتحان و يرسب فيه عندئذ يصدر قرار من عند المدير بترسيبه في هذا العام، فالله عز وجل أعطانا أجلا وقال:

﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(40)﴾

[سورة فصلت]

 و قال:

﴿:وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[سورة الكهف]

 فلك أن تصلي ولك أن لا تصلي ولك أن تستقيم ولك أن لا تستقيم، ولك أن تحسن ولك أن تسيء، ولك أن تقسو ولك أن ترحم، ولك أن تظلم و لك أن تعدل، فأنت مخيَّر، قال تعالى: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات، فنحن في بحبوحة ؛ بحبوحة الأجل و بحبوحة أن رحمة الله سبقت غضبه، ولو لا أن كلمة الله أن رحمته سبقت غضبه ولكل إنسان له أجل محدود لا يزيد و لا ينقص لكان لزاما إهلاكهم و تدميرهم و سحقهم، إذا هذه الآية تفسر لك كيف يبقى القوي قويا وهو يعصي اله و كيف يبقى الذي يمكر لدين الله صحيح الجسم قوي المال وقوي الحال.
 أيها الأخوة الكرام، نحن في بحبوبة كلمة الله، فحينما سمح الله لنا أن نعيش يوما، فكل إنسان حينما يستيقظ من نومه و ينهض من فراشه و يتحرك معنى ذلك أن الله سمح لك أن تعيش يوما جديدا، ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي منادٍ: يا ابن آدم أنا خلق جديد و على عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
 وعندنا بحبوحتان أيضا ؛ ٌقال تعالى:

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾

 

[سورة الأنفال]

 الآن النبي عليه الصلاة والسلام قد انتقل إلى الرفيق الأعلى ما الذي بقي منه بين أيدينا ؟ سنته المطهرة، وما دامت سنته المطهرة مطبقة في حياتنا وفي بيوتنا و في أعمالنا و في علاقاتنا و في إعطائنا و في منعنا في صلتنا و قطعنا و غضبنا و رضانا فنحن في بحبوحة من عذاب الله و الدليل قال تعالى:

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

 

[سورة النساء]

 أنت تسير على منهج الله فلِمَ العذاب ؟ ليس هناك مصلحة لأحد أن يعذبك الله عز وجل و قال تعالى:

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ(17)﴾

[سورة سبإ]

 و قال تعالى:

﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ(35)﴾

[سورة الأحقاف]

 و قال تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾

[سورة الشورى]

 و البحبوحة الثانية قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾

[سورة الأنفال]

 مثلا طالب أخذ صفرا في الرياضيات وأبوه سيقيم عليه القيامة وجده يبكي و يدرس و لا ينام الليل و يحاول أن يؤَمِّن أستاذا خاصا فاهتمامه و بكاءه و سهره يترك أباه لا يفعل شيئا قال النبي الكريم: عن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( النَّدَمُ تَوْبَةٌ ))

 

[رواه ابن ماجه]

 الندم توبة.."و العبد الندمان الخائف الذي يسترضي الله عز وجل بتوبة أو بصدقة، هذا في بحبوحة ثانية، فنحن في أربع بحبوحات ؛ بحبوحة التوبة وبحبوحة الأجل و بحبوحة الاستقامة على أمر الله و البحبوحة الرابعة إذا كنت مستغفرا.
 أختم هذا الدرس بالحديث النبوي الشريف،
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ))

 

[رواه الترمذي]

 عبدي أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمتَ لي فيما أريد كفيتُك ما تريد و إن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018