بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 16 - سورة طه - تفسير الآيتان 134 - 135 ، أُسُسَ الدَّعوة


1995-05-13

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

قال تعالى : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ............

 أيُّها الأخوة الكرام ؛ الآية الرابعة الثلاثون بعد المائة من سورة طه وهي قوله تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴾

[سورة طه الآية : 134 -135]

أسس الدعوة .

 فَمِن سُنَن الله جل جلاله في مُعاملة عِبادِهِ أنَّهم يَدْعوهم أوَّلاً دَعْوةً بيانِيَّة ، فالأنبياء والمُرسَلون والدُّعاة والعلماء هؤلاء يُحَقِّقون الدَّعوة البيانِيَّة ، دَعْوةً عن طريق المنطق والوحي والدليل والتَّعليم، والإنسان إما أن يستجيب وإما أن لا يستجيب، فإن لم يسْتَجِب هناك دَعْوةٌ عن طريق التأديب ، فإمَّا أن يتضرَّع وإما أن لا يتضَرَّع، فإن تضرَّع كان بها وإن لم يتضرَّع جاء القصْمُ ! قال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴾

[سورة طه الآية : 134 -135]

 قالوا لو أنّ أهلكناهم بِعذاب دون أن نُبيِّنَ لهم ودون أن نُحذِّرهم، ودون أن نتْلُوَ آياتنا عليهم، فالله تعالى يقول:

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[سورة الجمعة الآية : 2]

 هذه الآية أيها الأخوة فيها أُسُسَ الدَّعوة ؛ يتْلُو عليهم آيات الله الدالة على عَظَمَتِهِ .
 والعلماء قالوا : هناك آيات كَوْنِيَّة ، وهناك آيات تَكْوينيَّة ، وهناك آيات قرآنِيَّة .
 وكلّ هذه آيات الله .
 فالآيات الكَوْنِيَّة خلْقُهُ ، والآيات التَّكْوينيَّة أفْعالهُ ، والآيات القرآنيَّة كلامه .
 فَمُهِمَّة أيّ نبيٍّ أو أيِّ داعِيَةٍ أن يتْلُوَ على الناس آيات الله الكوْنِيَّة ، والتَّكْوينِيَّة ، والآيات القرآنِيَّة .
 قال : يا رب ، أيُّ العِباد أحبّ إليك حتَّى أُحِبَّهُ بِحُبِّك ؟
 قال: أحبُّ العباد إليّ تَقِيُّ القلب ، نَقِيُّ اليَدَيْن لا يمْشي إلى أحَدٍ بِسُوء ، أحبَّني وأحبَّ مَن أحبَّني ، وحبَّبني إلى خلقي .
 فقال : يا رب إنَّك تعلم أنِّي أُحِبُّك ، وأُحِبُّ مَن يُحِبُّك ، فكيف أُحَبِّبُكَ إلى خلْقِكَ ؟!
 فقال : ذَكِّرْهم بآلائي ونَعْمائي وبلائي !
 فالتَّذْكير بالبلاء من أجل أن يخافوني، وبالنَّعْماء من أجل يُحِبُّوني .
 وذَكِّرْهم بآلائي .
 مِن أجل أن يُعَظِّموني .
 معنى ذلك لا بدَّ أن يجْتَمِعَ في قلب المؤمن تعظيم وخوف وحبّ .
 فقَلْبُ المؤمن ينْطوي على تَعظيم لله تعالى عن طريق الآلاء ، وحبٍّ لله عن طريق النَّعماء ، وخوفٍ من الله عن طريق البَلاء .
 لذا البلاء له مُهِمَّة تَرْبَوِيَّة عاليَة ، ولمَّا الإنسان يسرق تُقْطَعُ يَدُهُ ، فهذه اليَدُ المَقْطوعة أكبر طريق رادِعَة للناس ‍، لذلك سأل أحد الشُّعراء الإمام الشافعي رحمه الله فقال له :

يدٌ بِعَشْر مئينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ  ما بالها قُطِعَتْ في رُبْعِ دينار
***

 لو أنَّ يدًا قُطِعت بِحادِث سيارة فإنَّ دِيَّتُها في الإسلام عَشْر مائة من الدنانير الذَّهَبِيَّة ؛ أيْ ألف دينار ذَهَبي، والدِّينار بِخَمسة آلاف الآن ! يا رب إذا قُطِعَت خطأً دِيَّتُها ألف دينار، وإذا سرَقَت ربع دينار، فهذا السائل سأل الإمام الشافِعي .
 يجب أن تُعَظِّم الله من خلال آيات الكون ، ويجب أن تُحِبَّهُ مِن خِلال النِّعم ، ويجب أن تخافَهُ مِن خِلال النِّقَم .
 يا رب أي عبادك أحبُّ إليك حتى أحبه بحبك .
 قال : أحب العباد إليَّ تقي القلب نقي اليدين لا يمشي إلى أحد بسوء أحبني وأحب من أحبني وحبَّبني إلى خلقي .
 قال : يا رب إنك تعلم أنني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك .
 قال : ذكِّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي .
 وأنت أيها الأخ الكريم إذا دعوت أحدا إلى الله اجمع بين هذه جميعا ، ذكره بنعم الله ، وذكره بالمصائب التي إذا ساقها الله للإنسان جعل حياته جحيما ، وذكِّره بالآيات الكونية الدالة على عظمته ، لذلك الآية الكريمة ، قال تعالى :

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[سورة الجمعة الآية : 2]

 يتلو عليهم آياته هذا أول بند ، ويزكيهم هذا الثاني لقوله تعالى :

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾

[سورة الأعلى الآية : 14]

 وقوله تعالى :

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾

[سورة الشمس الآية : 9]

 فتزكية النفس علة وجودك في هذه الأرض، هذا معنى قوله تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾

[سورة الأحزاب الآية : 72]

 أيَّة أمانة هذه ؟ إنها نفسك التي بين جنبيك أوكلك الله بها و أمرك أن تزكيها بالاتصال بالله عز وجل، يعلمهم الكتاب هذا البند الثالث، الكتاب هو القرآن الكريم و الحكمة السنة، فأيَّة دعوة إلى الله لا بد من جانب كوني و جانب نفسي تطهيري و جانب سلوكي انضباطي، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[سورة الجمعة الآية : 2]

 فإذا اكتفينا بتعليم الأحكام الفقهية دون أن نعرف الناس بخالق الكون قد لا تجدي هذه الدعوة، إذا اكتفينا بتعريف الخالق دون تعليم الأحكام الفقهية كيف نعبد الله عز وجل ؟ أنت بالكون تعرفه و بالشرع تعبده، فالكون و الشرع متكاملان، الأول يعرفك بالله والثاني يقرِّبك إلى الله بطاعته، فأنت عليك أن تتعرف إلى الله كما عليك أن تتعرف إلى منهجه و إلى شرعه، قال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾

[سورة طه الآية : 134]

 سيدنا عمر جيء له برجل سارق فقال السارق: يا أمير المؤمنين واللهِ هذه أول مرة فقال: كذبت إن الله لا يفضح لأول مرة، فالله عز وجل قبل أن يعاقب يبيِّن و يحذر و ينذر وينصح، لذلك السعيد من يتعظ بغيره و الشقي لا يتعظ إلا بنفسه.
 الآن عندنا سؤال ؛ لو فرضنا من باب الجدل أو مثل افتراضي أن أبا مثقَّفا ثقافة عالية وله ابن، قال الابن لأبيه مرة واحدة في حياته: أنا لا أحب الدراسة، قال له: كما تحب، فلما كبر هذا الشاب ورأى أصدقاءه أصبحوا أطباء و شخصيات مرموقة في المجتمع، وهو يعمل عملا عضليا متعبا، بأجر زهيد و بضغط اجتماعي كبير، ألا يتألم من أبيه، يقول له: يا أبي أنا قلت لك لا أحب الدراسة، لِمَ لمْ تؤدبني ؟ و لم تضربني و لم تنصحني، بكلمة واحدة قلت: افعل ما تشاء، فربنا عز وجل يسوق المصائب و الأمراض و التأديب حتى لا يقول العبد لربه يوم القيامة: يا رب لو ضيَّقتَ عليَّ أنا ما عرفت، قال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾

[سورة طه الآية : 134]

 فأحيانا الشدائد والأنبياء و الرسل هذه كلها لتُقام الحجة على العبد، فلذلك لما الإنسان يسوق له الله عز وجل من الشدائد هذه محض رحمة، و أنا أقول كلمة ؛ كل مؤمن في العناية المشدَّدة، فإذا ساقته الشدة إلى باب الله فهي عين الرحمة و عين العناية المشددة، أما إذا كان مرتكبا للمعاصي و الآثام فالله سبحانه و تعالى يطلق له العنان، هذا ليس رحمة من قِبَل الله الدليل قال تعالى:

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية : 147]

 يعني تقتضي رحمته الواسعة ألاَّ يرُدَّ بأسه عن القوم المجرمين.
 الإنسان أيها الإخوة بمجرد أن يفهم على الله قطع أربعة أخماس إلى الله، لماذا ساق لك هذا ؟ هو غنيٌّ عن تعذيبك، قال تعالى:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾

[سورة النساء الآية : 147]

 قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾

[سورة فصلت الآية : 30]

 فيجب أن تعلم أنه ما من عثرة و لا اختلاج عرق و لا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر، و حاسبوا أنسكم قبل أن تحاسبوا و زِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنأخذ حذرنا، قال عليه الصلاة والسلام:

(( والكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني.))

 الملخص لهذا الدرس، قال تعالى:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾

[سورة النساء الآية : 147]

 فإذا لاقيتَ مضايقات هذه محضا العناية المشددة من الله عز وجل، و قال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾

[سورة طه الآية : 134]

 فالله عز وجل أرسل الرسل و ساق الشدائد وأعذر من أنذر وعلى الإنسان أن يستجيب لله عز وجل.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018